مبدأ الشك يفسر لمصلحة المدين

إن القواعد القانونية التي نصت عليها القوانين عديدة، ومن أهم هذه القواعد قاعدة الشك يفسر لمصلحة المدين، وهو مبدأ قانوني نص عليه القانون المدني ضمن تفسير العقود في المادة (240) منه، فما المقصود بالشك؟، وكيف يتم تطبيق هذا المبدأ في تفسير العقود.

ما هو المقصود بالشك؟

هو التردد بين المتناقضين بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الأخر، وهو عكس اليقين، وبالمفهوم القانوني الشك قد يقع عند تفسير العقود، وتحديداً فيما يخص التزامات المدين، فقد تكون بنود العقد الخاصة بالتزامات المدين غير واضحة أو محددة أو أنها تدخل ضمن التفسير الواسع، فيكون لها عدة تفسيرات واحتمالات، ومن هنا جاءت القاعدة القانونية لتحسم الأمر فيما يخص تفسير التزامات المدين في العقود عندما يكون مشكوك في المعنى الذي ترمي إليه.

مبدأ الشك يفسر في مصلحة المدين

نصت المادة (240) من القانون المدني الأردني على (1_ يفسر الشك في مصلحة المدين.

2_ ومع ذلك لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضاراً بمصلحة الطرف المذعن)

جاء هذا المبدأ متفقاً مع غيره من المبدأ القانونية ومكملاً لها، ومن هذه المبدأ مبدأ الأصل براءة الذمة وعلى من يدعي العكس إثبات ذلك، فقد جاء بنص المادة (73) من ذات القانون (الأصل براءة الذمة وعلى الدائن أن يثبت حقه وللمدين نفيه) ،  فإذا كان القانون يعفي المدين من الإثبات ويجعل الإثبات عبء على الدائن عند ادعائه بالحق والالتزام ، وللمدين نفيه بإثبات عكسه ، فقد تعامل المشرع من المدين بحسن نيه المفترض حتى يثبت الدائن حقه ، وذلك حرصاً على تطبيق العدالة وعدم إيقاع الظلم على أحد حتى يثبت للمحكمة أنه متعدي .

قواعد العدالة ومبدأ الشك يفسر في مصلحة المدين

 وعليه فإن مبدأ الشك يفسر في مصلحة المدين جاء أيضاً متفق مع قواعد العدالة بحيث تفسر العقود من حيث التزامات المدين في التفسير الأقرب لمصلحته، لإعطائه المجال في تنفيذ الالتزامات وعدم التعسف في الحكم عليه، وعليه فإذا حدد استحقاق مبلغ من المال خلال شهر معين دون بيان تاريخ الاستحقاق، فيفسر العقد لمصلحة المدين بحيث يكون الاستحقاق مؤجلا الى نهاية هذا الشهر ولا يكون مستحقا قبل ذلك.

الشك يفسر في مصلحة المدين في تفسير العقود

إن مبدأ الشك يفسر في مصلحة المدين يجري تطبيقه في تفسير العقود، فأول ما يعرض للقاضي في شأن العقد هو تفسير إذا كان العقد في حاجة الى تفسير، وتفسير العقد هو استخلاص النية المشتركة للمتعاقدين، فاذا فرغ القاضي من التفسير، انتقل الى تحديد نطاق العقد، فلا يقتصر في هذا التحديد على النية المشتركة للمتعاقدين، بل يجاوز ذلك الى ما هو من مستلزمات العقد، وفقا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام.

القواعد القانونية المؤيدة لمبدأ الشك يفسر في مصلحة المدين

فهناك قواعد كلية ثلاث أوردها ابن نجيم في الأشباه والنظائر تتضافر كلها على إقرار هذا المبدأ وهي:

  1. اليقين لا يزول بالشك فاذا كان هناك شك في مديونية المدين، فاليقين انه بريء الذمة ولا يزال هذا اليقين بالشك.
    الأصل بقاء ما كان على ما كان وبراءة الذمة تسبق المديونية فتبقى براءة الذمة قائمة على ما كانت ولا تزول الا بمديونية قامت على يقين، ويقول ابن نجيم في هذا الصدد: ومن فروع ذلك ما لو كان لزيد على عمرو ألف مثلا برهن عمرو على الأداء أو الإبراء، الأشباه والنظائر، ابن نجيم (ص 28 – 29)
    3. الأصل براءة الذمة فيفرض فيمن يدعى عليه بالدين انه بريء الذمة حتى يقيم من يدعي الدين الدليل القاطع على ان له دينا في ذمته، وإذا كان هناك شك في مديونية المدين استصحبت براءة ذمته وفسر الشك في مصلحته.

وهذا ما نصت عليه المادة (74) من القانون المدني الأردني، حيث جاء فيها (اليقين لا يزول بالشك)، والمادة (73) والتي جاء فيها (الأصل براءة الذمة وعلى الدائن أن يثبت حقه وللمدين نفيه)، والمادة (75) والتي نصت على (1_ الأصل بقاء ما كان على ما كان كما أن الأصل في الأمور العارضة العدم، 2_ وما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه).

الاستثناءات على قاعدة الشك يفسر في مصلحة المدين

هناك استثناء على هذا المبدأ، وهو ما ورد بنص المادة (240) والتي نصت على (2_ ومع ذلك لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضاراً بمصلحة الطرف المذعن).

فنجد أن هذه القاعدة في عقود الإذعان تختلف، فتميل إلى جانب المذعن وإن كان دائناً، فتفسر العبارات الغامضة والتي يتطرق إليها الشك لمصلحة (الطرف المذعن) وإن كان دائناً.

نطاق تطبيق قاعدة الشك يفسر في مصلحة المدين

إن هذه القاعدة جزء من قواعد تفسير العقد، وذلك عندما يكون العقد بحاجة إلى تفسير، فاذا كانت نصوص العقد واضحة وصريحة في دلالتها فلا حاجة الى اللجوء الى التفسير والتأويل، أما إذا كانت بعض الألفاظ الواردة في العقد تعطي أكثر من معنى أو قصد، ويقصد بالمعنى أو القصد هو ما قد يكون قصده المتعاقدين، فإن كان في أحد تلك المعاني ما هو لصالح المدين فإن التفسير يسير اليه، أو إذا كانت العبارة تعطي معنى لمصلحة الدائن وتعطي ومعنى أخر لمصلحة المدين فان المعنى الذي في مصلحة المدين يكون هو الراجح للتفسير.

صلاحية القاضي في تفسير العقود

 يمتنع على القاضي الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ في حال كانت عبارة العقد واضحة في ذاتها، ولكنها غير واضحة في الدلالة على حقيقة ما قصدته الإرادة المشتركة للمتعاقدين منها كما يؤخذ بالتفسير بنطاقه الضيق وليس الواسع، حيث إن التفسير ينصب على التزامات المدين، والأصل براءة الذمة، والالتزام هو استثناء، وكما هو معلوم أن الاستثناء لا يجوز التوسع فيه.

مبدأ الشك يفسر في مصلحة المدين هو مبدأ حقوقي

كما ذكرنا أن قاعدة الشك يفسر في مصلحة المدين هي قاعدة قانونية وردت في القانون المدني ومجال تطبيقها يكون في القضايا الحقوقية المدنية ، ولكن لهذه  القاعدة  قاعدة مماثلة ، ومجال تطبيقها يكون في القضايا الجزائية  وهي قاعدة الشك يفسر في مصلحة المتهم ، وهو أيضا يستند إلى قاعدة جزائية أخرى وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته  ، وأن الأحكام في المواد الجنائية، يجب أن تبنى على الجزم واليقين، لا على الظن والاحتمال ، وأنه يكفي لسلامة اقتناع القاضي ببراءة المتهم التشكك في صحة أسناد التهمة للمتهم ، وتطبيقاً لذلك قضي بأنه إذا تبين أن الأدلة يشوبها الشك وتحيط بها الشبهات، فلا يحكم على المتهم بالإدانة، إذ الشك يفسر لصالح المتهم والحدود تدرأ بالشبهات .

تطبيقات على مبدأ الشك يفسر لمصلحة المدين.

1_ إن المنطق القانوني يقضي باحتمالية استلام المبلغ المدعى به واحتمالية عدم استلامه الأمر الذي يعني وجود شك في انشغال ذمة الجهة المدعى عليها وأن الشك يفسر في مصلحة المدين عملاً بالمادة (240) من القانون المدني.

2_ الحكم رقم 558 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، من أسباب التمييز: – لم تراعِ محكمة الاستئناف في قرارها المميز أن مصطلح (الطرف الأول) الوارد ضمن اتفاقية المحاماة موضوع الدعوى قد جاء في مواضع أخرى من الاتفاقية مقتصراً على شركة دون (س) بصفته الشخصية مما من

شأنه أن يلقي شكاً على تفسير هذا المصطلح وأن يتم ترجيح التفسير الذي هو في صالح المدين والمميز عملاً بأحكام الفقرة (1) من المادة 240 من القانون المدني التي تنص على أن (يفسر الشك في مصلحة المدين)

في الحالة المعروضة وبالرجوع إلى اتفاقية أتعاب المحاماة المنظمة بين المدعي والمدعى عليه س  وآخرين فقد تضمنت صراحة بأن اتفاقية أتعاب المحاماة وقعت من المميز – س – بصفته الشخصية وبصفته مفوضاً بالتوقيع عن شركة وهذا ثابت في مطلع الاتفاقية وأن المميز وقع على الاتفاقية في نهايتها عند عبارة الطرف الأول وبالتالي فإن الخصومة قائمة ومنعقدة ما بين المميز والمميز ضده المحامي وأن قرار محكمة الاستئناف بفسخ القرار المستأنف وإعادة الأوراق للنظر في موضوع الدعوى واقع في محله مما يتعين رد هذه الأسباب .

3_ المبدأ المستخلص من الحكم رقم 3002 لسنة 2015 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقي، إن محكمة الاستئناف وعندما توصلت إلى أن مطالبة المميزة عن كامل السنة العقدية الثانية غير محقة بحيث لا يوجد في عقد الضمان أي شرط يفيد أنه في حال استحق أي قسط من أقساط الضمان تعتبر باقي الأقساط مستحقة.
وحيث إن عقد الضمان حدد الأجرة الشهرية بثلاثة آلاف دينار وأن الاتفاق على تحرير شيكات شهرية متساوية للسنة العقدية لا يعني بالضرورة أن هذه الشيكات تكون مستحقة عند تحريرها. وحيث إن المادة (240) من القانون المدني نصت صراحة على أن (الشك يفسر في مصلحة المدين).

إعداد المحامية: – ليلى خالد.

تدقيق المحامي: – سامي العوض.