تنفيذ العقد بحسن نية

مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

نص القانون المدني في المادة 202 على أنه يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبحسن نية فما هو مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية وما هو المقصود بمبدأ حسن النية، وما هو نطاق تطبيقه، وأصله في القانون، ومدى ارتباطه بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، وما هو دور القاضي في تطبيقه كمبدأ قانوني عام. هذا ما سنفصله في هذا المقال. لا بد من التطرق إلى معنى كل من حسن النية والعقد، ليسهل علينا فهم المقصود والغاية من هذا المبدأ.

حسن النية والعقد

إن حسن النية من أساسيات التعامل مع الأخرين بغض النظر عن طبيعة هذا التعامل، فيجب أن يتعامل الشخص بكل صدق وأمانة، وأن يعقد النية الصادقة في جميع تصرفاته، إلا أن التصرف الذي يقع عليه هذا المبدأ هو العقود المدنية، وتحديداً فيما يخص تنفيذ التزامات العقد، وحسن النية المقصود هو إرادة المتعاقد الصادقة في تنفيذ التزاماته، مع الإشارة إلى أن حسن النية يطبق في كثير من التصرفات المدنية، إلا أننا سنحصر الحديث عنه في نطاق المبدأ .

أصل مبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

نصت المادة 202 من القانون المدني الأردني على ما يلي 1_ يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، ولم يكن هذا النص القانوني الوحيد الذي ينص على حسن النية ، فقد جاءت العديد من النصوص القانونية تنص صراحة على مبدأ حسن النية ، ومنها نص المادة  675من ذات القانون حيث جاء فيها  يلتزم كل من المتعاقدين بتنفيذ ما اشتمل عليه العقد بصورة تحقق الغاية المشروعة منه وتتفق مع حسن النية  ، كما أن وهناك نصوص أشارت الى مبدأ حسن النية ضمناً من خلال استلزامها مقتضى من مقتضيات حسن النية كالنصوص التي تحرم الغش والتعسف والإضرار بالغير.

قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ تنفيذ العقد بحسن نية

الأصل في أي عقد أنه شريعة المتعاقدين، أي العقد بما يرد فيه من شروط والتزامات هو بمثابة قانون يسري على المتعاقدين، وإن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين يتضمن مبدأ حسن النية، فمبدأ حسن النية يعد عنصرا أساسيا من عناصر هذه القاعدة، وهو تعبير عن المحافظة على الثقة والصدق في التعامل ويستلزم الأمانة والإخلاص والنزاهة في تنفيذ الالتزامات المترتبة على كل طرف أطراف العقد ، وعليه إن كان  الأصل في تنفيذ العقود هو قاعدة العقد شريعة المتعاقدين وعلى المتعاقدين تنفيذ التزاماتهم حرفيا، فالاستثناء هو ألا يكون للمتعاقدين التمسك بالتنفيذ الحرفي للعقد إذا كان في ذلك خروجا على ما يقتضيه مبدأ حسن النية .

حسن النية كأحد شروط العقد

إن حسن النية مبدأ منصوص عليه في القانون المدني الأردني في أكثر من مادة، وعليه قد يتم النص على التزام طرفي العقد بتنفيذه بكل حسن نية، وفي حال عدم النص عليه، يمكن الاستدلال عليه من خلال مظاهره كالالتزام بحدود القانون وعدم الالتجاء في تنفيذ العقود إلى ما يخالف القانون كالغش والتواطؤ باعتبارها من مظاهر سوء النية، فلا حاجة للنص عليه صراحة في العقد، وهو مفترض في جميع المعاملات، وهو ملزم للمتعاقدين خصوصاً في مرحلة تنفيذ العقد، فهو التزام قانوني لا يجوز لأي من المتعاقدين الإخلال به.

مبدأ حسن النية مبدأ عام

يعتبر مبدأ حسن النية مبدأ عام، يطبق على جميع التصرفات القانونية، وهو مفترض في جميع مواحل العقد من إبرام وتكوين العقد إلى تنفيذ العقد والآثار المترتبة عليه، إلا أن هذا المبدأ حصر نطاقه في مرحلة تنفيذ العقد.

تطبيق مبدأ حسن النية في تنفيذ العقد

أن من أثار مبدأ حسن النية في تنفيذ العقد، أن ينفذ كل من المتعاقدين التزاماته بما يتفق مع مبدأ حسن النية، بحيث يتم تنفيذ الالتزام من خلال عدة التزامات من أهمها: الالتزام بالأمانة، والالتزام بالتعاون، والالتزام باحترام الثقة المشرعة، والتزام بالنزاهة، وغيرها من الالتزامات التي يجب مراعاتها عند تنفيذ العقد، وتنفيذه بالطريقة التي تتفق مع مبدأ حسن النية، وهو السعي لتنفيذ الالتزام بأحسن الطرق وأفضلها، كالتزام الناقل قي عقد النقل، فيقع عليه تنفيذ التزامه بنقل المنقول بأفضل وسيلة وأكثرها أماناً.

من مظاهر تطبيق مبدأ حسن النية في تنفيذ العقد

كما أن مبدأ حسن النية يقضي بالمحافظة على أسرار العقد ، والتعاون بين المتعاقدين لتحقيق الغاية المنشودة من العقد ، كما وأنه يجب مراعاة حسن النية في التمسك بالدفع بعدم التنفيذ، بحيث إذا تعلق الأمر بعقد ملزم لجانبين وكان مستحق الأداء كان للمتعاقد ان يدفع بعدم التنفيذ طالما لم يقم الأخير بالتنفيذ  ،الا أنه ينبغي عدم التعسف في هذا الحق  إذ أن القاعدة أنه يجب مراعاة حسن النية في تنفيذ العقود، فاذا كان من يتمسك بالدفع هو الذي تسبب في تأخير تنفيذ الطرف الآخر لالتزامه، فانه لا يحق للمتعاقد التمسك بالدفع بعدم التنفيذ والا عد متعسفا في استعمال حقه.

دور القاضي في تطبيق مبدأ حسن النية

للقاضي دورين في تطبيق مبدأ حسن النية، الدور الأول رقابي وهو النظر في مدى تطبيق المتعاقدين لمبدأ حسن النية في تنفيذ التزاماتهم في العقد، مدى وجود إخلال بهذا المبدأ من عدمه، والدور الثاني دور تطبيقي، فمثلاً في الظروف الطارئة للقاضي  سلطة في تعديل العقد من خلال رد الالتزام المرهق الى المعقول.

وفي حال كان الحادث مؤقت بحيث سيزول خلال وقت قصيرة فللقاضي هنا وقف تنفيذ العقد حتى يزول الحادث، بشرط ألا يؤدي وقف التنفيذ إلى إلحاق الضرر الجسيم بالدائن، فبالتالي فقد يرى القاضي زيادة الالتزام المرهق، وقد يرى إنقاص الالتزام المرهق، ففي الحالتين القاضي يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول بالنسبة للحاضر فقط، وليس للمستقبل لأنه غير معروف ولأنه قد يزول أثر الحادث ويرجع العقد إلى ما كان عليه قبل التعديل وتعود له قوته الملزمة كاملة كما كانت في الأصل.

الغلط ومبدأ حسن النية

نصت المادة 156 من القانون المدني على 1. ليس لمن وقع في غلط ان يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية، فالغلط عيب من عيوب الإرادة، ومن شروط الغلط كعيب من عيوب الإرادة   أن يكون جوهريا، وحتى يعتد بالغلط فانه يجب ان يتصل بالمتعاقد الآخر، وأثر الغلط في العقد هو جعل العقد قابلاً للإبطال، الا أنه ليس لمن وقع في الغلط له ان يتمسك به على وجه يتعارض مع حسن النية، ويبقى ملزما بالعقد الذي قصد إبرامه إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد، وهذا ما جاء بالفقرة الثانية من المادة 156حيث جاء فيها 2. ويبقى ملزما بالعقد الذي قصد إبرامه إذا اظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد.

مبدأ حسن النية وأثره على بطلان العقد

يعتبر العقد باطلاً في حال تخلف أحد أركانه أو أحد شروطها، ومن الممكن أن يكون العقد قابلاً للإبطال في حال تخلف أحد شروطه، وعليه فإن البطلان المطلق يؤدي إلى عدم ترتيب آثار على العقد، وعلى الرغم من ذلك فقد يرتب العقد الباطل آثار كما لو كان عقداً صحيحاً.

وعليه فإن قيام أحد الأطراف بتنفيذ العقد المقرر إبطاله وترتب على التنفيذ انتقال حيازة محل العقد للطرف الآخر أو للغير وكان حسن النية فإن من حقه الاحتفاظ بمحل العقد، مما يحد من تطبيق قاعدة زوال العقد بأثر رجعي وذلك لتحقيق الاستقرار في التعامل وحماية الائتمان والهدف من ذلك حماية الغير حسن النية.

بالنسبة للعقود الصادرة من المتصرف اليه في العقد الباطل الى الغير يجب أن نفرق بين عقود الإدارة وعقود التصرف، إذ انه في عقود الإدارة كالإيجار تبقى قائمة رغم بطلان السند إذا كانت من أعمال الإدارة الحسنة، وبالتالي يجب ان يكون المستأجر حسن النية، أي يجهل ما يشوب سند المتصرف من أسباب البطلان.

تطبيقات على المبدأ

1_ الحكم رقم 4738 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية.

تجد محكمتنا أن العلاقة التي تربط أطراف الدعوى هي علاقة عمل نظم بموجبها عقد عمل مؤرخ في 28/8/2019 حدد مسؤوليات الأطراف وهذا العقد هو بينة قانونية إذ إنه مدفوع الرسوم القانونية عنه ولطالما أن العقد شريعة المتعاقدين بما ورد فيه وفقاً لأحكام المادة 202 من القانون المدني.

2_ الحكم رقم 4801 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية.

 حقوق العقد فيجب على كل من الطرفين الوفاء بما أوجبه العقد عليه منهما الأصل في العقد رضا المتعاقدين وما التزاماه في التعاقد ويلتزم كل من المتعاقدين بتنفيذ كل ما اشتمل عليه العقد بصورة تتحقق الغاية المشروعة منه وتتفق مع حسن النية , والمأجور أمانة في يد المستأجر يضمن ما يلحقه من نقص أو تلف أو فقدان ناشئ عن تقصيره أو تعديه وعليه أن يحافظ عليه محافظة الشخص العادي، يلتزم المستأجر بإجراء الترميمات التي تم الاتفاق عليها أو جرى العرف على أنه مكلف بها , ولا يجوز للمستأجر أن يتجاوز في استعمال المأجور حدود المنفعة المتفق عليها في العقد فإن لم يكن هناك اتفاق وجب الانتفاع به طبقاً لما أعدت له وعلى نحو ما جرى عليه العرف.

فإذا جاوز في الانتفاع حدود الاتفاق أو خالف ما جرى عليه العرف وجب عليه ضمان ما ينجم عن فعله من ضرر.

وحيث إن المستأجر لا يضمن الأضرار الناتجة عن الاستعمال العادي للمأجور وإنما يضمن الاستعمال خارج المألوف والعرف والعادة أو أدى استعمال المأجور إلى الضرر وأنه ثابت من تقرير الكشف المستعجل الأضرار التي لحقت بالمأجور وهي خارج عن المألوف في استعمال المأجور ومخالفة للمادة العاشرة من عقد الإيجار وأن الجهة المدعى عليها ملزمة بالتعويض عن الأضرار التي قدرتها الخبرة ومن جهة أخرى فإن المؤجر سلم المأجور المعد للاستعمال بشكل يؤدي إلى تحقيق الغرض منه.

تنفيذ الاتفاقية بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية

فقد ورد في قرار لمحكمة التمييز ( قيام سلطة إقليم العقبة بإلغاء اتفاقية استثمار قطعة أرض المعقودة بينها وبين الشركة المميزة من طرف واحد وذلك تنفيذا للقرار الصادر عن مجلس الوزراء يعتبر فسخا للاتفاقية من طرف واحد خلافا لأحكام المواد 199 و 202 و 241 من القانون المدني بالرغم من أن الشركة المميزة التزمت بتنفيذ الاتفاقية بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية ، مما يتوجب معه إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد والحكم للمدعية بالتعويض الذي تستحقه ، وحيث أن الاتفاقية لم تتضمن التعويض الذي تستحقه أحد الطرفين في حال فسخ العقد من قبل الطرف الآخر مما يستوجب التعويض بما يساوي الضرر الذي لحق فعلا بالطرف الآخر والمتمثل بما تكبدته الشركة المميزة من نفقات أنفقتها فعلا في الأعمال والإجراءات التي قامت بها ونفذتها تطبيقا لأحكام الاتفاقية الموقعة من الطرفين دون الحكم لها بالربح الفائت.)

إعداد المحامية: – ليلى خالد

تدقيق المحامي: – سامي العوض

Scroll to Top