دور الإنتربول في مكافحة الإرهاب

دور الإنتربول الدولي في مكافحة جرائم الإرهاب

تعد جرائم الإرهاب واحدة من أخطر الجرائم التي تهدد العالم بأسره، فهي جريمة ذات خطر جسيم تكشف عن داء اجتماعي وبيل، وتهدد الحكومات والدول في كيانها وتؤدي إلى شل الأنظمة الدولية من أساسها، وهي جريمة تستهدف الأبرياء والآمنين، ولا تفرق بين مذنب وقويم، ولا تستأثر بها دولة بعينها حيث قد انتشرت تلك الجريمة في دول العالم بأسره انتشار النيران في الهشيم. وفي هذا المقال سنبين دور الإنتربول في مكافحة الإرهاب

وفي مقالنا سنوضح بشيء من البيان ماهية تلك الجريمة الشائنة ثم سنلقي الضوء على دور الإنتربول الدولي في مكافحة جرائم الإرهاب.

أولا: ماهية جريمة الإرهاب:

ثانيا: تمييز الإرهاب:

ثالثًا: دور منظمة الشرطة الجنائية الدولية في مكافحة الإرهاب:

أولا: ماهية جريمة الإرهاب:

1-تعريف جريمة الرهاب:

ذهب اتجاه فقهي إلى تعريف جرائم الإرهاب بأنها مجموعة من الأفعال العدوانية التي تستهدف تحقيق هدف معين، والملاحظ على هذا التعريف أنه لم يبين ماهية الجريمة بصورة دقيقة حيث إن أنصار هذا الاتجاه قد اقتصروا على بيان لبعض الأمثلة على الأفعال الإرهابية والتي تتمثل في القتل والاغتيال والاختطاف واحتجاز الرهائن.

وتم تعريف الإرهاب بمقتضى المادة (19) من مشروع قانون لجنة القانون الدولي المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه ” كل نشاط إجرامي يوجه إلى دولة معينة مستهدفًا انشاء حالة من الرعب في عقول الدولة أو أي سلطة من سلطاتها وجماعة معينة منها”.

وهناك من الفقه من يعرفه بأنه ” الأسلوب أو الطريقة المستخدمة لإثارة الرعب والفزع تذرعًا للوصول إلى الهدف النهائي وراء تلك الأعمال”.

2-تعريف جريمة الإرهاب من منظور الشريعة الأسلمية:

بينت لنا الشريعة الإسلامية الغراء صورتين من صور الإرهاب وهما:

أ-جريمة البغي:

تُعرف جريمة البغي في الإسلام بأنها الخروج على الحاكم بغير وجه حق، وقرر الإسلام إقامة الحرب على البغاة بغير وجه حق وذلك مصداقًا لقوله تعالى: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

ولكن يجب ملاحظة أن البغي صورة من صور الجرائم الإرهابية ذلك أن هناك العديد من الجرائم الإرهابية التي لا تمثل خروجًا على الحاكم كخطف الطائرات والقرصنة البحرية واحتجاز الرهائن فهناك جرائم إرهابية لها بعد دولي تتعدى فكرة الخروج على الحاكم.

ب-جريمة الحرابة:

جرمت الشريعة الأسلمية جريمة الحرابة بقول الله جل وعلى: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذألك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.

وتتمثل تلك الجريمة في قيام جماعة من الأفراد ذي قوة وعتاد إلى قطع الطريق العام على المسافرين لسرقة أموالهم وسلب نسائهم والاعتداء على أرواحهم، فالحرابة إذن تنطوي على إرهاب الآمنين ونشر الزعر بينهم لذلك عد الإسلام تلك الجريمة من الكبائر.

3-تعريف الإرهاب في بعض التشريعات المقارنة:

أ-الإرهاب في التشريع الفرنسي:

أورد التشريع الفرنسي النصوص المعاقبة على جريمة الإرهاب في صلب قانون العقوبات ذلك أنه لم يورد لها قانون خاص، وبمطالعة قانون العقوبات الفرنسي نجد أنه يُعرف جريمة الإرهاب بأنها: ” خرق للقانون يقدم عليه فرد من الأفراد أو تنظيم جماعي بهدف أثارة اضطراب في النظام العام عن طريق التهديد بالترهيب”.

ب-الإرهاب في تشريع الولايات المتحدة الأمريكية:

عرفت وزارة العدل الأمريكية الإرهاب بأنه سلوك جنائي عنيف يقصد به بوضوح التأثير على سلوك حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف، وعرفه مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه: “عمل عنيف يشكل خطرًا على الحياة الإنسانية وينتهك حرمة القوانين الجنائية في أية دولة”.

ج-الإرهاب في القانون المصري:

عرف المشرع المصري الإرهاب في المادة 86 من قانون العقوبات رقم 97 لعام 1992، بأنه: “كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذًا لمشروع فردي أو جماعي، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو الأموال أو المباني أو بالأملاك الخاصة أو العامة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح”.

الا أن المشرع المصري لم يكتف بوضع جريمة الإرهاب ضمن نصوص قانون العقوبات حيث قد أصدر لها تشريعًا خاصًا وهو قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، وقد جاء به ببعض التعريفات الهامة نذكر منها:

أ) الجماعة الإرهابية: كل جماعة، أو جمعية، أو هيئة، أو منظمة، أو عصابة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل أو غيرها أو كيان تثبت له هذه الصفة، أيًا كان شكلها القانوني أو الواقعي سواء كانت داخل البلاد أو خارجها، وأيًا كان جنسيتها أو جنسية من ينتسب إليها، تهدف إلى ارتكاب واحدة أو أكثر من جرائم الإرهاب أو كان الإرهاب من الوسائل التي تستخدمها لتحقيق أو تنفيذ أغراضها الإجرامية.

ب) الإرهابي: كل شخص طبيعي يرتكب أو يشرع في ارتكاب أو يحرض أو يهدد أو يخطط في الداخل أو الخارج لجريمة إرهابية بأية وسيلة كانت، ولو بشكل منفرد، أو يساهم في هذه الجريمة في إطار مشروع إجرامي مشترك، أو تولى قيادة، أو زعامة، أو إدارة، أو إنشاء، أو تأسيس أو اشترك في عضوية أي من الكيانات الإرهابية المنصوص عليها في المادة رقم (1) من قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 8 لسنة 2015 في شأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين أو يقوم بتمويلها، أو يساهم في نشاطها مع علمه بذلك.

ج) الجريمة الإرهابية: كل جريمة منصوص عليها في هذا القانون، وكذا كل جناية أو جنحة ترتكب باستخدام إحدى وسائل الإرهاب، أو بقصد تحقيق ،أو تنفيذ غرض إرهابي، أو بقصد الدعوة إلى ارتكاب أية جريمة مما تقدم أو التهديد بها، وذلك دون إخلال بأحكام قانون العقوبات.

ثانيا: تمييز الإرهاب:

يختلف الإرهاب عن بعض الأفعال التي قد تتشابه معه وذلك على النحو التالي:

1-اختلاف الإرهاب عن حركات التحرر الوطني:

على الرغم من صعوبة إيجاد تعريف جامع مانع لحركات التحرر الوطني إلا أن بعض الفقهاء يضعون لها تعريفًا بأنها: ” العمليات القتالية التي يقوم بها عناصر وطنية من غير أفراد القوات المسلحة للدفاع عن المصلحة الوطنية ضد قوى أجنبية”.

فالهدف إذن من حركات التحرر هو تحقيق التحرر من القوات الأجنبية المعتدية على الإقليم الوطني، ولذلك سنجد أن جموع الشعب تتعاطف مع تلك الحركات وتقدم لها المساندات المادية أو المعنوية.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يكون هناك اعتراف دولي بحركات التحرر الوطني ويتجلى هذا الاعتراف على سبيل المثال في تأكيد الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1970 على وجوب معاملة المشاركين في حركات التحرر الوطني أو حركات المقاومة كأسرى حرب عند اللقاء القبض عليهم وذلك وفقًا لمبادئ اتفاقية لاهاي لعام 1907 وكذلك اتفاقية جينيف لعام 1949.

2-اختلاف الإرهاب عن جريمة القرصنة:

تُعد هذه الجريمة واحدة من أقدم الجرائم الدولية وهي عادة ما ترتكب ضد السفن في أعالي البحار وإن كان التطور الذي طرأ على وسائل الاتصال قد أدى لارتكابها ضد الطائرات.

وقد عرفت اتفاقية جينيف لقانون البحار لعام 1982 جريمة القرصنة في المادة (101) بأنها: “أي عمل غير قانوني ينطوي على العنف، أو الحجز، أو القبض، أو السلب يرتكب لأغراض خاصة، بواسطة طاقم أو ركاب سفينة خاصة أو طائرة خاصة ويكون موجهًا في أعالي البحار ضد سفينة، أو طائرة أخرى ،أو ضد أشخاص ،أو أموال على ظهر تلك السفينة أو الطائرة “.

ويُمكن بيان أوجه الاختلاف بين الإرهاب والقرصنة فيما يلي:

أولًا: أن القرصنة لا تقع إلا ضد السفن أو الطائرات التي تتواجد في البحر العالي (حيث لا سيادة لأي دولة)، في حين أن الإرهاب يقع داخل الحيز الإقليمي الخاضع لسيادة دولة ما.

ثانيًا: يهدف القرصان إلى تحقيق منفعة خاصة له، أما الجرائم الإرهابية فعادة يكون مساعيها مساعي سياسية لتحطيم القدرة المادية أو المعنوية لشعب معين أو دولة معينة.

ثالثًا: القرصنة لا تشمل سوى تلك الصورة السابق الإشارة إليها، في حين إن للإرهاب صور متعددة ومتنوعة كالاعتداء على المنشأة العامة والخاصة وجرائم الإرهاب الإلكتروني وقتل المجندين والمدنيين.

ثالثًا: دور منظمة الشرطة الجنائية الدولية في مكافحة الإرهاب:

في سبيل مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي قامت منظمة الإنتربول بإنشاء خلية مستقلة لمكافحة الإرهاب الدولي سنة 1987، ولكن بعد الأحداث التي شهدها العالم في سبتمبر 2001 أصبح مكافحة الإرهاب الدولي من أولى اهتمامات منظمة الإنتربول.

فعلى الرغم من وجود حظر على الإنتربول في التدخل في الجرائم ذات الطابع السياسي، أو الديني، أو العسكري، أو العنصري إلا أن بسبب دموية وبشاعة جرائم الإرهاب فإن مؤتمر الأمم المتحدة قد قرر عام 1995 بعدم سريان هذا الحظر على الجرائم الإرهابية العنيفة حتى ولو كانت ذات أغراض سياسية.

1-آلية الإنتربول في ملاحقة الإرهابيين الفارين:

وفي مجال مكافحة الإرهاب تقوم منظمة الإنتربول بإصدار النشرات الدولية الحمراء – وهي نشرات خاصة بأخطر الجرائم والمجرمين- بناء على ما يقدم إليها من طلبات بواسطة أحد المكاتب المركزية الوطنية لأي من الدول الأعضاء بالمنظمة.

وتكون هذه النشرة بسبب ملاحقة الإرهابيين الفارين خارج حدود الدول التي نفذوا فيها عملياتهم الإرهابية سواء صدر أمر الملاحقة بسبب تنفيذ حكم قضائي أو للقبض على المتهم للتحقيق معه.

ويجب أن تشتمل تلك النشرة على كافة البيانات المتعلقة بالإرهابي الهارب سواء كان مدان أو متهم وبيان ما يفيد أن هذه الجريمة ليست سياسية، أو عسكرية، أو دينية، أو عنصرية وذلك طبقًا لنص المادة (3) من النظام الأساسي للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية، فضلًا عن إرفاق صورة فوتوغرافية للإرهابي الهارب وبصمات أصابعه.

2-الإجراء المتخذ حال ضبط الرهابي الهارب:

في حال ضبط الجاني – أو المتهم – يقوم المكتب المركزي الوطني للإنتربول بإبلاغ الأمانة العامة للمنظمة أو بإبلاغ الدولة الطالبة، ويتعين على الدولة التي قامت بالقبض على الإرهابي أن تتصرف وفقًا للإجراء الذي حددته الدولة الطالبة والمبين في النشرة الحمراء الصادرة عن الإنتربول، وهذا الإجراء لا يخرج عن أحد أمرين:

  • القبض على الإرهابي الهارب.
  • أو مجرد إبلاغ الدولة الطالبة بوجود الإرهابي لدى الدولة المبلغة.

وفي جميع الأحوال يتعين على الدولة الطالبة اتخاذ الوسائل المناسبة لاستعادة الإرهابي الهارب والمتواجد على إقليم دولة أخرى، ويتم تسليمه في هذه الحالة وفق أحد الأساسيين التاليين:

  • إما وفقًا لمبدأ المعاملة بالمثل.
  • أو وفقًا لاتفاقية نافذة لتسليم المجرمين.

إما في حالة تخلف أي من الأساسيين السابقين فأنه يمكن أن يتم التسليم استنادًا إلى عضوية الدولتين في المنظمة الدولية للشرطة الجنائية، ذلك أن دستور الأخيرة ينص على مبدأ مرونة وعالمية التعاون الدولي الشرطي ومبدأ مكافحة جرائم الاعتداء على المصالح العامة التي تندرج تحتها جرائم الإرهاب.

إعداد: احمد منصور والمحامي سامي العوض

Scroll to Top