دور الإنتربول في مكافحة المخدرات

دور الإنتربول الدولي في مكافحة المخدرات

تُعد جريمة الإتجار بالمخدرات إحدى أخطر الموبقات التي تواجه العالم المعاصر والتي إن لم يتم التصدي لها بقوة استفحل ضررها وعز اتقاء شرها، لذلك كان لزامًا أن تواجه تلك الجريمة على مستوى التشريعات الوطنية مواجهة شرسة، الأمر الذي جعل مشرعي بلدان العالم يقررون لها عقوبات سواء فيما يتعلق بجلبها أو الإتجار الداخلي بها أو على تعاطيها أو مجرد حيازتها بعقوبات تصل إلى حد الإعدام.

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد حيث كان من المتحتم أن تتضافر الجهود الدولية لمواجهة تلك الجريمة إذ أنها تعد احدى الجرائم المنظمة عبر الوطنية وهنا يظهر الدور الجوهري لمنظمة الشرطة الجنائية (الإنتربول الدولي) في مواجهة مرتكبي تلك الجريمة لمحاولة الحد منها.

وفي مقالنا الحالي سنلقي الضوء على منظمة الإنتربول آلية تصديها لجريمة الإتجار بالمخدرات:

أولًا: منظمة الشرطة الجنائية الدولية:

ثانيًا: دور الإنتربول الدولي في مكافحة جرائم المخدرات:

أولًا: منظمة الشرطة الجنائية الدولية:

1-التعريف بالإنتربول الدولي:

يُطلق مصطلح الإنتربول على المنظمة الدولية للشرطة الجنائية والتي تتخذ من مدينة ليون الفرنسية عاصمة لها وتعرف هذه المنظمة بأنها: منظمة دولية حكومية تتمتع بالشخصية القانونية الدولية معنية بمحاربة الإجرام الدولي وتأمين الاتصالات الرسمية بين رجال الشرطة في جميع أنحاء العالم وذلك لتبادل الخبرات والمناهج والعمل على ترسيخ التعاون بين سلطات الشرطة الجنائية للدول الأعضاء في المنظمة مع مراعاة المبادئ العامة لحقوق الإنسان”.

2-أغراض الإنتربول الدولي:

تم النص على تلك الأغراض في المادة الثانية من الميثاق المنشئ لتلك المنظمة والتي جاء فيها أن أغراض الهيئة تنحصر فيما يلي:

  • العمل على تأكيد وتشجيع التعاون الدولي المتبادل بين سلطات الشرطة الجنائية في حدود القانون النافذ داخل الدول الأعضاء وبروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
  • العمل على إقامة النظم التي تسهم بصورة فعالة في مكافحة الجرائم الدولية والعمل على تنمية تلك النظم.

3-وسائل الإنتربول في مكافحة الجرائم بصفة عامة:

حتى تتمكن تلك المنظمة من أداء المهمة المنوطة بها فإنها في سبيل ذلك تستخدم وسيلتين رئيسيتين وهما:

أ-النشرات الدولية :

تصدر هذه النشرات عن الأمانة العامة للمنظمة ويكون ذلك بناء على طلب من المكاتب المركزية الوطنية للدول الأعضاء، وتلك النشرات ليست على وتيرة واحدة حيث إنها تتنوع وفقًا لألوانها وذلك على النحو التالي:

1-النشرة الدولية الحمراء:

تعد هذه النشرة إحدى صور التعاون بين المنظمة وبين الدول الأعضاء، وهي تُعد أقوى النشرات التي تصدر عن المنظمة ويكون ذلك بناء على طلب مُقدم من أحد المكاتب المركزية في كل من الدول الأعضاء.

وتصدر هذه النشرات في عدة حالات وهي:

  • إذا صدر ضد الشخص المطلوب ملاحقته حكم قضائي بالعقوبة لارتكابه جناية أو جنحة.
  • إذا وجه اتهام لأحد الأشخاص بارتكاب جريمة وتلاه صدور أمر بالقبض عليه من السلطة المختصة.

أما عن الجرائم التي تصدر بسببها تلك النشرة فهي:

  • تصدر تلك النشرة بسبب ارتكاب أي جريمة توصف بوصف الجناية أو الجنحة في الدولة المتقدمة بطلب إصدار تلك النشرة شريطة أن يكون العقاب على تلك الجريمة يبلغ حد من الجسامة (كأن يكون سجن مؤبد أو إعدام مثلًا).
  • تصدر تلك النشرة لملاحقة مرتكبي جرائم الإرهاب حتى ولو ارتكبت الجريمة لأغراض سياسية.
  • لا يجوز إصدار تلك النشرة لملاحقة مرتكبي الجرائم السياسية أو الجرائم الدينية أو الجرائم العنصرية.

وتتضمن تلك النشرة بيانات عن هوية الشخص المُلاحق فضلًا عن اشتمالها على بيانات القضية المتهم أو المُدان فيها الشخص المُلاحق، وبيان التحرك المطلوب القيام به عند العثور على الشخص المطلوب سواء تمثل في القبض عليه أو إخطار الدولة طالبة الملاحقة بتواجد الشخص في الدولة التي عثر عليه فيها.

2-النشرة الدولية الخضراء:

تصدر تلك النشرة في الحالات التالية:

  • إذا كان الشخص المُتهم أو المدان على درجة يسيرة في الخطورة الإجرامية.
  • إذا فر المجرم المطلوب ملاحقته من محبسه سواء كان لتنفيذ عقاب صدر ضده أو لكونه محتجز فيه احتياطيًا.
3-النشرة الدولية الزرقاء:

تحتوي هذه النشرة على ذات البيانات التي ترد في النشرة الحمراء والخضراء باستثناء بيان الإجراء المراد اتخاذه، ذلك أن هدف هذه النشرة هو مجرد إخطار الدولة التي سيغادر إليها الشخص المطلوب إصدار النشرة بشأنه وتنبيهها بأن هذا الشخص متجه إليها، لذلك فإن إصدار تلك النشرة يُعد بمثابة التزام أدبي يحمل نوع من أنواع المجاملة الدولية، ولذلك فتلك النشرة تستند في إصدارها إلى مبدأ المعاملة بالمثل.

4-النشرة الدولية الصفراء:

يتم إصدار تلك النشرة في حالة العثور على شخص أجنبي فاقد الهوية أو العثور على جثة شخص أجنبي في إقليم أحد الدول الأعضاء، وكذلك تصدر هذه النشرة في حالة تغيب أحد مواطني الدولة طالبة إصدار النشرة أو أحد الأجانب المقيمين على إقليمها.

ويجب أن تتضمن تلك النشرة اسم الشخص المعني وتاريخ ميلاده ومحل إقامته (ان وجد) فضلًا عن أوصافه وعلاماته المميزة ورقم جواز سفره وبصمات أصابعه وصورته الفوتوغرافية واللغات التي يجيدها والدول التي سبق له زيارتها وآخر مرة شوهد فيها والملابس التي كان يرتديها وأخيرًا يجب ذكر رقم المحضر وتاريخ تحريره.

5-النشرة الدولية السوداء:

تصدر هذه النشرة في حالة العثور على جثث مجهولة وتشتمل تلك النشرة على أوصاف الجثة وتاريخ ومكان العثور عليها والإصابات الموجودة فيها إن وجدت فضلًا عن ضرورة اشتمال تلك النشرة على سبب الوفاة وصور الجثة من كافة الزوايا وبصمات الأصابع والأسنان والمكان المحفوظ فيه الجثة.

6-النشرة الدولية البرتقالية:

تُعتبر هذه النشرة بمثابة إنذار أمني للدول الأعضاء حيث تنطوي على معلومات عن أشخاص على درجة من الخطورة الإجرامية يتوقع ارتكابهم لأعمال إرهابية، أو تنطوي على رسائل مشبوهة تتضمن عبوات متفجرة أو حارقة، ونشير إلى أنه قد صدر عن الإنتربول ما يقرب من 31 نشرة دولية برتقالية في عام 2012.

7-النشرة الدولية البنفسجية:

تصدر هذه النشرة بهدف توفير معلومات عن الأساليب الإجرامية أو الإجراءات أو المخابئ التي يستخدمها المجرمون.

ب-تسليم المجرمين:

يُمكن تعريف تسليم المجرمين بأنه القيام بعمل تعاون دولي يترتب عليه تسليم الشخص المعني من دولة إلى أخرى بهدف ملاحقته عن جريمة اتهم بارتكابها أو لتنفيذ حكم جنائي صدر ضده.

ولإعمال تلك الألية لابد من توافر عدة شروط وهي:

  • أن يكون الفعل المراد التسليم بشأنه معاقب عليه في كل من البلدين – الدولة طالبة التسليم والدولة المطلوب منها التسليم – وهو ما يُعرف بشرط ازدواجية التسليم.
  • ألا يكون التسليم بشأن جريمة سياسية أو عسكرية.
  • ألا تكون الجريمة المُراد التسليم بشأنها معاقب عليها بعقوبة في الدولة طالبة التسليم مخالفة للنظام العام في الدولة المطلوب منها التسليم، وذلك كأن تكون الدولة طالبة التسليم تعاقب على الجريمة بالإعدام أو بقطع اليد في حين أن قانون الدولة المطلوب منها التسليم لا يعترف بتلك العقوبات.
  • أن تكون الدولة طالبة التسليم مختصة بملاحقة الشخص المطلوب تسليمه.

ثانيًا: دور الإنتربول الدولي في مكافحة جرائم المخدرات:

1-دور الإنتربول في تحديد مناطق انتتاج المخدرات في العالم:

يمكن تقسيم المخدرات الى نوعين رئيسيين:

  • المخدرات الطبيعية: وهي التي تشمل النباتات المخدرة بدون ثمة معالجة كيميائية.
  • المخدرات التخليقين: وهي النباتات المخدرة التي تم تصنيعها بإضافتها إلى غيرها من المواد لتنتج نوع آخر من المخدرات يكون لها تأثيرًا أكبر وثمنًا أغلى.

وتعمل الأمانة العامة للإنتربول على تحديد مناطق انتتاج المخدرات في العالم من خلال ما تتلقاه من تقارير ترسل اليها من المكاتب المركزية الوطنية للإنتربول في الدول الأعضاء، وذلك يساعد المنظمة في تحديد الكمية المصنعة وتوقع حركة تنقلها.

ووفقًا لما ورد إلى الأمانة العامة من تقارير فإن أشهر بلدان العالم تصنيعًا للمخدرات هي أمريكا الجنوبية وكولومبيا ومنطقة آسيا الوسطى وعلى وجه الخصوص أفغانستان، وباكستان، والهند وتركيا، وإيران، ومنطقة شرق أسيا.

2-دور الإنتربول في تحديد مناطق استهلاك المخدرات:

تقوم الأمانة العامة للمنظمة بتحليل ما يرد إليها من بيانات لتحديد مناطق استهلاك المخدرات في العالم، وقد لوحظ وجود علاقة طردية بين كمية المخدرات المصنعة في دولة ما وعدد المستهلكين فيها.

3-دور الإنتربول في تحديد طرق نقل وتهريب المخدرات:

يعد الهدف الأهم للإنتربول هو تحديد طرق نقل وتهريب المخدرات للتمكن من إلقاء القبض على العصابات المنظمة التي تقوم بالإتجار في المخدرات، ويكون ذلك بمساعدة المكاتب المركزية الوطنية للدول الأعضاء التي تقوم بإرسال التقارير للأمانة العامة للإنتربول لتحديد تلك الطرق ويتم ذلك من خلال إبلاغ الأمانة العامة بما يلي:

  • وسائل التهريب وكيفية إخفاء المخدرات خلال عمليات النقل بكافة أنواعه.
  • الإخطارات اليومية والأسبوعية بالكميات التي تم ضبطها وطريقة النقل المتبعة قبل عملية الضبط.
  • تحديد جنسيات المجرمين القائمين بعمليات النقل.

ويكمن الهدف وراء ذلك لمعرفة أحدث الوسائل المتبعة لعمليات النقل ووسائل إخفاء المخدرات وذلك لإعطاء كافة الدول الأعضاء خلفية بأحدث المستجدات لإحباط أي محاولة لتهريب المخدرات من أو إلى الدول.

4-بعض العمليات التي قامت بها الإنتربول في صدد مكافحة جرائم المخدرات:

 1-عملية إيساريك:

شارك في هذه العملية 11 دولة بالاشتراك مع منظمة الجمارك العالمية والهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، وتم وقف 25 مشبوها في البلدان التي اشتركت في تلك العملية فضلًا عن فتح التحقيق في 35 قضية، وكان انطلاق هذه العملية من المكتب الإقليمي للإنتربول في سان سلفادور وأسفرت عن كشف شحنات من السلائف الكيميائية المستخدمة في تصنيع الميثامفيتامين (وهو يعد عقار منشط ذات تأثير عقلي) فضلًا عن مصادرة وتفكيك المجموعات الإجرامية المشتركة في الجريمة وتحديد موقع المختبرات السرية التي كان يتم فيها التصنيع وتدميرها.

2-عملية وسترليز:

نتج عن هذه العملية التي تمت في بروكسل ببلجيكا إيقاف ما يقرب من 40 شخص وضبط مخدرات بقيمة 15 مليون يورو حيث استهدفت تلك العملية إحباط تهريب مخدر الميثامفيتامين من إفريقيا إلى آسيا.

3-عملية ليون فيش:

نسق هذه العملية المكتب الإقليمي للإنتربول في أمريكا الوسطى في سان سلفادور والتي أسفرت عن اعتقال 142 شخص وضبط 15 سفينة و8 أطنان من السلائف الكيميائية و42 مسدسًا وحوالي 170000 دولار أمريكي.

إعداد: احمد منصور والمحامي سامي العوض

Scroll to Top