عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين

مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين

إن من مقتضيات العدالة ألا يعاقب الشخص عن الفعل مرتين، وهو مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين حيث يعد هذا المبدأ القانوني الراسخ أحد أهم المبادئ الجنائية سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، ولكن إذا كان تطبيق هذا المبدأ لا يثير ثمة إشكالات عندما يطبق في النظم القانونية الداخلية إلا أنه يثير إشكالات جمة على الصعيد الدولي وذلك نظرًا لتمسك الدول بسيادتها الأمر الذي يترتب عليه عدم اعترافها بالعديد من المحاكمات التي تمت في دولة أخرى.

لذلك سنتناول في مقالنا الحالي التعريف بالمبدأ ثم نشير إلى نطاق انطباقه والآليات الدولية التي قامت بتكريسه على الصعيد الدولي ونبين الصعوبات التي تكتنف تطبيق هذا المبدأ على الصعيد الدولي ونختتم مقالنا بالاستثناءات الواردة على تطبيق المبدأ ، مع الإشارة إلى بعض أحكام محكمة التمييز الأردنية ومحكمة النقض المصرية المتعلقة بهذا المبدأ القانوني.

أولا: التعريف بمبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين:

ثانيا: نطاق تطبيق المبدأ في القانون الدولي الجنائي:

ثالثا: الأليات الدولية التي توجب العمل بمبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين:

رابعا: صعوبات تطبيق المبدأ في القانون الدولي الجنائي:

خامسا: شروط تطبيق المبدأ على الصعيد الدولي:

سادسا: الاستثناءات الواردة على المبدأ في القانون الدولي الجنائي:

سابعا: تطبيقات من القضاء الاردني والمصري بشأن أعمال مبدأ عدم جواز المعاقبة عن الفعل مرتين:

أولًا: التعريف بمبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين

يعد هذا المبدأ أحد الضمانات الإجرائية التي أخذت به معظم تشريعات دول العالم، ومؤدى هذا المبدأ هو عدم جواز اتخاذ الإجراءات القانونية ضد شخص سبق محاكمته عن ذات الفعل سواء انتهت الإجراءات بإدانته أو تقرير براءته.

وترجع جذور هذا المبدأ إلى مدونة جستنيان التي تعد أحد المدونات التي صدرت في عصر الرومان والتي تم النص فيها على أن: (على الحاكم ألا يسمح باتهام شخص بجريمة سبق تم تبرئته منها).

ثانيًا: نطاق تطبيق المبدأ في القانون الدولي الجنائي

تكمن الصعوبات التي تكتنف تطبيق هذا المبدأ على الصعيد الدولي في فكرة السيادة الدولية، حيث كان في ظل النظم التقليدية ترفض الدولة أن تطبق أحكامًا قضائية صادرة عن قضاء دول أجنبية، ولكن بعد تطور النظم الدولية تم هجر تلك الفكرة التقليدية وكان ذلك للعديد من المقتضيات التي تأتي على رأسها ظهور فكرة الجرائم المنظمة عبر الوطنية مثل جرائم الإرهاب والجرائم البيئية والجرائم التي ترتكب بواسطة شبكة الأنترنت العالمية.

وحتى يُمكن تطبيق هذا المبدأ على الصعيد الدولي فإن المجتمع الدولي بحاجة إلى نظام قانوني دولي ينال رضا كافة الدول، أو نظام يضمن مهابة المجرم أيًا كان مكان ارتكابه لجريمته ويعاقب على فعله وفقًا لمحاكمة عادلة إنسانية، بيد أن هذا التصور هو أمر عسير المنال نظرًا لافتقار المجتمع الدولي لوجود هيئة تشريعية مركزية، لذلك سنكون بصدد العديد من المشكلات التي تقف حائلًا دون تطبيق هذا المبدأ.

وتأتي على رأس تلك المشكلات أن الفعل الواحد قد يعتريه أكثر من وصف قانوني في مختلف الدول، فمثلًا قد يوصف الفعل بأنه قتل عمد في القوانين الداخلية، ولكنه يكيف بأنه جريمة ضد الإنسانية من الناحية الدولية.

لذلك كان من المتحتم أن يكون أعمال هذا المبدأ رهين اعتماده في معاهدات ومواثيق دولية تؤكد على ترسيخ هذا المبدأ من الناحية الدولية.

ثالثًا: الآليات الدولية التي توجب العمل بمبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن الفعل مرتين

ظهرت العديد من الآليات الدولية التي قضت بضرورة ترسيخ مبدأ عدم جوز محاكمة الشخص عن الفعل مرتين نذكر منها:

1-ميثاق محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية لعام 1945

حيث ورد النص على أعمال المبدأ في هذا الميثاق والذي تم تقريره بنص المادة (11) والتي جاء النص فيها على عدم جواز معاقبة الشخص عن ذات الفعل مرتين فيما يتعلق بجرائم الانتماء إلى جماعة أو منظمة إرهابية.

والملاحظ أن الميثاق قد اخذ بالتطبيق الجزئي للمبدأ باقتصاره على تلك الجرائم فقط دون غيرها – نقصد بها جرائم الانتماء إلى جماعة أو منظمة إرهابية – والتي تكون محلًا لتطبيق المبدأ، أما ماعدا ذلك من جرائم فيتم محاكمة الأشخاص بسببها أمام المحاكم الوطنية والعسكرية والتي قد تتكرر فيها المحاكمات عن ذات الفعل لعدم وجود التزام بالامتناع عن ذلك.

2-العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966

وفقًا لما تقضي به المادة (14/7) من العهد فإنه: ( لا يجوز تعريض أحد مجددا للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقًا للقانون وللإجراءات الجنائية في كل بلد).

وتجدر الإشارة إلى أن نص تلك المادة يعد عديم الجدوى، ذلك أن اللجنة الدولية لحقوق الأنسان التابعة للأمم المتحدة قد قررت أن حكم تلك المادة يقتصر إعماله على ما يجري من محاكمات متعددة لذات الفعل في ذات الدولة وهذا ما تم تقريره في الشكوى رقم (204 لسنة 1986 ضد إيطاليا).

3-النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغسلافيا

تم تشكيل هذه المحكمة بمقتضى القرار الصادر من مجلس الأمن رقم 837 لعام 1993، ووفقًا للنظام الأساسي لتلك المحكمة فقد تم منع المحاكم الوطنية من إمكانية محاكمة أي شخص وجه إليه اتهام بارتكابه أفعال تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني إذا سبق وأن حوكم أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغسلافيا عن تلك الأفعال.

فضلًا عن أنه يحق للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغسلافيا أن تحاكم الأشخاص المرتكبين لأفعال تمثل خرقًا جسيما للقانون الدولي الإنساني حتى ولو سبق وأن حوكموا أمام المحاكم الوطنية وذلك في حالة إذا ما تم تكييف جرائمهم أمام محاكمهم الوطنية على أنها جرائم اعتيادية على الرغم من أنها جرائم دولية أو إذا كانت الإجراءات التي اتخذت ضدهم أمام محاكمهم الوطنية غير حياديه.

4-النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا

تم تشكل تلك المحكمة بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم (955) لعام 1994، وقد أخذ النظام الأساسي لتلك المحكمة بذات الحكم الوارد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغسلافيا.

5-النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية (ميثاق روما لعام 1998)

وفقًا لنص المادة (20) من النظام الأساسي لتلك المحكمة فإنه لا يجوز أن يحاكم الشخص أمام المحاكم الوطنية عن الأفعال الجنائية التي ارتكبها وحوكم عنها أمام تلك المحكمة وذلك بغض النظر عما أصدرته المحكمة الدولية من حكم سواء بالإدانة أو البراءة.

فضلًا عن أن المحكمة الجنائية الدولية قد قضت بعدم جواز محاكمة الشخص الذي ارتكب جريمة إبادة جماعية أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية وسبق وأن حوكم أمام أي محكمة أخرى، إلا في الحالات التالية:

  • حالة أن ما تم اتخاذه من إجراءات أمام المحكمة التي تولت محاكمته كانت تهدف إلى حمايته من المسئولية الجنائية عن تلك الجرائم.
  • إذا كانت الإجراءات المتبعة أمام المحكمة التي تولت محاكمته لا تتسم بالنزاهة أو عدم الاستقلال ولم تراع فيها الإجراءات المعترف بها دوليًا.
  • إذا اتضح أنه لم تكن هناك نية لتقديمه للمحاكمة.

6-الميثاق العربي لحقوق الأنسان لعام 2004

نصت المادة (19/1) من الميثاق على أنه : (لا يجوز محاكمة شخص عن الجرم نفسه مرتين، ولمن تتخذ ضده هذه الإجراءات أن يطعن في شرعيتها ويطلب الإفراج عنه).

ووفقًا لنص المادة (48/1) من الميثاق فأنه : (تتعهد الدول الأطراف بتقديم تقارير بشأن التدابير التي اتخذتها لإعمال الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الميثاق وبيان التقدم المحرز للتمتع بها، ويتولى الأمين العام لجامعة الدول العربية بعد تسلمه التقارير إحالتها إلى اللجنة للنظر فيها).

ومن ثم فإن أعمال مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين هو من الأمور الملزمة التي يتعين على كافة الدول الأعضاء في منظمة جامعة الدول العربية أعماله.

7-الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950

على الرغم من أن الاتفاقية لم تتضمن أي نص يشير إلى أعمال هذا المبدأ إلا أن البروتوكول السابع الملحق بتلك الاتفاقية قد ورد فيه التأكيد على التزام الدول الأطراف بعدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين، ولكن نشير إلى أن عدد قليل من دول الوحدة الأوروبية قد صدقت على هذا البروتوكول.

أما عن الاتفاقية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب فلم تتضمن أي نص يكرس هذا المبدأ.

رابعًا: صعوبات تطبيق المبدأ في القانون الدولي الجنائي

على الرغم من أن هذا المبدأ قد تم تكريسه في العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية إلا أنه لم يرق إلى اعتباره مبدأ عام من المبادئ المعترف بها في القانون الدولي العام، الأمر الذي يجعل تطبيقه رهين النظم الداخلية للدول، وقد أكدت على ذلك المحكمة الأوروبية للعدالة في قضية (بوهرت ينجز) عندما قضت بالآتي: ( مبدأ عدم محاكمة الشخص عن الجريمة مرتين غير معترف به دوليا إذا ما تعلق الأمر بالاختصاص القضائي الإقليمي).

وتثار مشكلة أخرى وهي المتعلقة بتحديد مفهوم المحاكمة الثانية عن ذات الفعل، فهل يُقصد بها المحاكمة الثانية في نطاق القانون الداخلي أم في نطاق القانون الدولي؟

إن الأمر لا ينطوي على صعوبات إذا كنا بصدد دول أعضاء في ذات المعاهدة الدولية حيث ستكون نصوص تلك المعاهدة هي الفيصل في تحديد فكرة المحاكمة الثانية وذلك كما في حالة النظام الأساسي لمحكمة روما الدولية الذي يضع حلًا لتلك المشكلة بنصه على منع المحاكمات الجنائية الدولية والوطنية لذات الفعل مرتين، إلا أن المشكلة الحقيقة ستثار إذا كنا بصدد دول غير منضمة إلى النظام الأساسي لتلك المحكمة – مثلًا – فعندئذ ستكون غير ملزمة بتطبيق هذا النص استنادًا إلى مبدأ نسبية آثار المعاهدة الدولية.

ونشير أيضًا إلى مشكلة أخرى تكتنف تطبيق المبدأ على الصعيد الدولي وهي المتعلقة بوصف الفعل المجرم، بمعنى هل يشترط لمنع المحاكمة مرتين عن ذات الفعل أن يكون الفعل واقع تحت ذات الوصف القانوني في كل دولة تشرع في محاكمة الجاني؟

غني عن البيان أن الأفعال المجرمة لا تندرج تحت ذات الأوصاف القانونية في مختلف التشريعات الوطنية، وإجابة على هذا التساؤل قضت المحكمة الدستورية الإيطالية في حكمها الصادر عام 1967 بالآتي: (الحكم الأجنبي يمنع المحاكمة الثانية عندما يكون التقييم القانوني والسياسي والاجتماعي لتصرف الإنسان في دول مختلفة واحدًا أو متساويًا).

خامسًا: شروط تطبيق المبدأ على الصعيد الدولي

الشرط الأول: يجب أن نكون بصدد جريمة صادر فيها حكم نهائي من محكمة مختصة.

الشرط الثاني: حتى يُمكن تطبيق المبدأ فلابد أن تتجه إرادة الدولة التي تشرع إلى محاكمة ثانية إلى قبول الحكم الأول وهو ما يتحقق في حال كون الدولتين طرفين في معاهدة دولية تشتمل على نص يلزم الدول الأعضاء بمنع المحاكمات الثانية عن ذات الأفعال وذلك كما هو الحال بالنسبة للدول الأعضاء في النظام الأساسي لمحكمة روما الجنائية الدولية.

سادسًا: الاستثناءات الواردة على المبدأ في القانون الدولي الجنائي

تحقيقًا لاعتبارات العدالة وتحقيقًا للأهداف والغايات التي يسعى إلى تحقيقها القضاء الدولي الجنائي كان من المتحتم أن توجد العديد من الاستثناءات التي تجيز أن يحاكم الشخص عن ذات الفعل مرتين، وقد وردت هذه الاستثناءات في مواثيق المحكمة الدولية الجنائية والمواثيق الخاصة بكل من المحكمة الجنائية الدولية برواندا والمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا والتي تتمثل فيما يلي:

1-الاستثناءات المتعلقة بأحكام المحاكم الوطنية:

الاستثناء الأول: في حالة تكييف الفعل الذي أجريت عنه المحاكمة من قبل المحاكم الوطنية على أنه جريمة اعتيادية، وهذا الاستثناء قد تم تقريره في الفقرة (أ) من المادتين ( 9 , 10 ) من ميثاقي المحكمتين الدوليتين لرواندا ويوغسلافيا.

حيث بمقتضى هذا الاستثناء سيكون من الجائز أن يحاكم الشخص مرة ثانية أمام المحكمتين المذكورتين على الرغم من محاكمته أمام المحاكم الوطنية وذلك إذا كان الفعل الذي ارتكبه يشكل جريمة إبادة أجناس أو جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب، ولكنه حوكم أمام المحكمة الوطنية على أساس تكييف الفعل على أنه جريمة اعتيادية، وذلك نظرًا للخطورة الجسيمة التي تشكلها تلك الجرائم.

الاستثناء الثاني: إذا كان الهدف من محاكمة الشخص أمام المحكمة الوطنية حمايته من المسئولية الجنائية الدولية وذلك للحيلولة دون وقوفه ماثلًا أمام المحاكم الدولية.

حيث تم النص على هذا الاستثناء بمقتضى نص المادة (20/3) من قانون المحكمة الجنائية الدولية وذلك بنصه على الآتي: (يجوز محاكمة الشخص أمام هذه المحكمة عن نفس السلوك إذا كانت التدابير التي اتخذت في المحكمة الأخرى لغرض حماية الشخص المعني من المسئولية الجنائية عن جرائم تدخل في اختصاص هذه المحكمة)، وهذه الجرائم – المشار إليها في المادة السابقة – هي جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب.

وقد ورد في الفقرة (ب) من المادتين (9 , 10) من النظامين الأساسيين للمحكمتين الدوليتين لرواندا ويوغسلافيا أنه يجوز أن يحاكم الشخص عن ذات الفعل مرة أخرى في حالة ( إذا كانت إجراءات المحاكمة الوطنية غير حيادية أو غير مستقلة أو إذا اتخذت لدرء المتهم من المسئولية الجنائية أو أن الدعوى وإجراءاتها لم تؤخذ على محمل الجد).

الاستثناء الثالث : إذا انطوت المحاكمات الوطنية على عدم نزاهة أو عدم استقلال وفقًا لأصول المحاكمات المعترف بها دوليًا، أو إذا بدت نية الدولة في عدم تقديم المتهم إلى المحاكمة على نحو يستشف مما اتخذ ضده من إجراءات، وقد تم تكريس هذا الاستثناء بموجب المادة (10/3/ب) من قانون المحكمة الجنائية الدولية.

حيث في معظم الأحيان قد تتسم محاكمات الأشخاص عن جرائم الإبادة والحرب بشيء من عدم الحيادية وعدم الاستقلال وعلى وجه الخصوص إذا كان المتهم المُقدم للمحاكمة أمام المحاكم الوطنية ذو صفة عسكرية أو إدارية، لأنه غالبًا ما ترتكب تلك الجرائم بمباركة من النظام القائم، وأيضًا قد يدفع ذلك الدولة إلى تقديم هؤلاء الأشخاص إلى محاكمات صورية لحمايتهم من المسئولية الجنائية الدولية.

ومن الأمثلة الراسخة على ذلك المحاكمة التي تمت أمام محكمة إندونيسيا لحقوق الإنسان والتي تم تشكليها في عام 2002 لمحاكمة الأشخاص المتهمين في ارتكاب جريمة إبادة جماعية في حق سكان (تيمور الشرقية)، وقد أدين شخصين فقط في هذه المحاكمة، وحُكم على أحدهما بثلاث سنوات وعوقب الآخر بعشر سنوات على الرغم من أن عدد القتلى في مدينة (تيمور الشرقية) قد وصل إلى حوالي عشرين ألف قتيلا في أحداث إخضاع تيمور الشرقية لحكم إندونيسيا.

وكذلك بمطالعة المحاكمات التي تمت في مثل تلك الجرائم سيتضح جليًا انعدام رغبة الدول في تقديم المتهمين بارتكاب تلك الجرائم إلى المحاكمة وتظهر تلك النية في التأخير والتباطؤ في إجراءات المحاكمة والتأجيل الذي يفتقر إلى المسوغ القانوني.

إن من مطالعة تلك الاستثناءات سنجد أنها لا تقل أهمية عن المبدأ ذاته، إذ أنه لا يمكن قبول إفلات المتهمين من العقاب العادل الواجب تطبيقه عليهم تذرعًا بسبق محاكمتهم أمام محاكمهم الوطنية، فمسعى القانون دائمًا هو تحقيق العدل والأنصاف سواء بتكريس المبادئ العامة أو بتضمين الاستثناءات التي تواجه حالات القصور في تطبيق تلك المبادئ.

استطراد:

يبقى السؤال الآن حول مدى إمكانية أعمال تلك الاستثناءات أمام أحكام المحاكم الشعبية التي تعد بديلًا للقضاء الرسمي ويكون تشكليها لمواجهة أفعال معينة، فهل إذا ما أصدرت مثل تلك المحاكم عقوبات مخففة أو إعفاءات من المسئولية لأغراض معينة سيتم إهدار تلك الأحكام وإعادة المحاكمة للمتهمين؟

إن طرح هذا التساؤل كان بسبب ما حدث من المحاكم الشعبية التي شُكلت في جنوب أفريقيا والتي قضت بالعفو عن كل شخص اعترف بجرائمه السياسية، وكذلك محكمة (كالكاكا) في روندا والتي قضت على المتهمين بعقوبات مخففة نظير الاعتراف بجرائمهم.

فهل يمكن قبول تخفيف العقوبات أو حتى العفو عن المتهمين بجرائم تنطوي على درجة عالية من الجسامة بهدف سلمية انتقال السلطة دون أي معوقات…؟

2-الاستثناءات المتعلقة بأحكام المحاكم الدولية:

 تم تكريس تلك الاستثناءات في النظم الأساسية لكل من المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا.

ويمكن – بمقتضى تلك الاستثناءات – إعادة محاكمة المحكوم ضده في حالة اكتشاف أدلة جديدة لم تكن معلومة أثناء نظر الدعوى وذلك بالشروط التالية:

  1. أن يكون الحكم الصادر عن المحكمة نهائي ويدين المتهم ويقرر له عقاب.
  2. ألا يكون قد تم إخفاء الدليل من الجهة مقدمة الطلب بإعادة المحاكمة.
  3. أن يكون للدليل تأثير قوي في مسار الدعوى، بحيث لو كان معلوما لهيئة المحكمة لترتب على ذلك أن تصدر حكمًا مغايرًا.
  4. إذا اتضح تزييف أو تزوير الأدلة التي قدمت في المحاكمة الأولى.
  5. إذا ارتكب أحد القضاة المشاركين في المحاكمة فعلًا جسيمًا من شأنه أن يؤثر على نزاهته بحيث يكون الفعل من شأنه أن يترتب عليه عزل القاضي.

سابعًا: تطبيقات من القضاء الاردني والمصري بشأن أعمال مبدأ عدم جواز المحاكمة عن الفعل مرتين

يتضح من مطالعة أحكام القضاء الأردني أنه يعتنق هذا المبدأ ويتضح ذلك في حكم محكمة بداية عجلون بصفتها الاستئنافية  رقم 1157 لسنة 2018 والتي قضت فيه بأن ( دعوى الحق العام تنقضي بحق المشتكى عليه بصدور حكم نهائي بات سواء بالبراءة أو الإدانة فاذا ما صدر حكماً في موضوع الدعوى الجزائية فلا يجوز إعادة نظرها الا بالطعن بها وذلك بالطرق المحددة بالقانون وعليه فلا يجوز إعادة محاكمة الشخص عن الفعل ذاته مرتين)

وكذلك حكم محكمة التمييز رقم 1132 لسنة 2011 -محكمة التمييز بصفتها الجزائية، والتي قضت فيه بالآتي :” قرار محكمة الاستئناف مخالف لأحكام المادة ( 58 ) من قانون العقوبات التي لا تجيز محاكمة الشخص عن ذات الفعل الواحد أكثر من مرة”.

وأكد القضاء المصري على الأخذ بهذا المبدأ ويتجلى ذلك في حكم محكمة النقض المصرية في الطعن رقم ٢٦٢ لسنة ١٣ ق، جلسة 8/2/1943 والتي قضت فيه بالآتي : “متى تمت محاكمه المتهم عن فعل من الأفعال وقضى له أو عليه بالبراءة أو بالإدانة فلا يجوز أن تعاد محاكمته عن أي فعل سابق رمى به المتهم إلى ذات الغرض الذي قصد إلى تحقيقه بالفعل الذي حوكم من أجله ، ولو لم يكن ذلك الفعل قد ذكر صراحة في التهمة ، فإن هذا معناه محاكمة الشخص أكثر من مرة عن واقعة واحدة ، وهذا محرم بمقتضى القواعد الأولية للمحاكمات الجنائية . وإذن فإذا كانت واقعة الدعوى – على حسب الثابت بالحكم المطعون فيه – مقامة على ذات الأساس الذي أقيمت عليه الوقائع الأخرى التي حكم فيها بالبراءة بناء على أنه لا تتوافر فيها جريمة معاقب عليها ، فإن رفع الدعوى على المتهم بتلك الواقعة بعد سبق الحكم ببراءته يكون غير صحيح . ويجب على المحكمة إذا ما دفع لديها بهذا الدفع أن تستبين حقيقته ، فإذا ثبتت لديها صحته وجب عليها أن تقضى له بالبراءة لسبق الفصل في الدعوى . لأنها لا يجوز لها بعد أن تمت محاكمه المتهم وانتهت بالإدانة أو البراءة أن تعيد محاكمته عن أي فعل سابق داخل في الغرض الذي قصد الجاني إلى تحقيقه من وراء الأفعال التي حوكم عنها ، ولو لم يكن قد ذكر صراحة في التهمة”.

أعداد : احمد منصور والمحامي سامي العوض

Scroll to Top