اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في جريمة العدوان

شروط ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لاختصاصها بنظر جريمة العدوان

إن مواجهة جرائم العدوان لم تعد قاصرة على منظمة الأمم المتحدة ممثلة في مجلس الأمن الذي يختص بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، حيث بعد انشاء المحكمة الجنائية الدولية ودخولها حيز النفاذ عام 2002 أصبحت مختصة هي الأخرى بمواجهة جرائم العدوان، بيد أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في جريمة العدوان مقيد بالعديد من الشروط يأتي على رأسها تقرير مجلس الأمن لحالة العدوان. وهنا سنبين شروط ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لاختصاصها بنظر جريمة العدوان.

أولًا: تعريف مصطلح العدوان:

ثانيًا: مدى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بجرائم العدوان:

ثالثًا: انفراد مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان:

أولًا: تعريف مصطلح العدوان:

جاء ميثاق الأمم المتحدة بقاعدة تُعد هي الأهم بين قواعد القانون الدولي العام وذلك بنص ميثاقها في المادة (2/4) على حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، ومن ثم فإن الميثاق منع حرب العدوان ولكن على الرغم من ذلك لم يكن هناك تفسير دقيق وموحد لمصطلح العدوان الأمر الذي دفع الجهود الدولية لوضع تعريف منضبط  له، وكانت أولى تلك الجهود التعريف الذي وضعه النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ والذي عرف العدوان بأنه: (اي تدبير أو تحضير أو إدارة حرب عدوانية  مخالفة لأحكام الاتفاقيات الدولية أو مجرد المشاركة في تلك الأفعال).

وجاءت بعد ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة لتضع تعريفًا للعدوان والتي قررت أن العدوان هو استخدام القوة المسلحة من جانب الدولة ضد سيادة ووحدة الأراضي والاستقلال السياسي لدولة أخرى بما لا يتفق وأحكام ميثاق الأمم المتحدة).

أما المحكمة الجنائية الدولية فقد عرفت العدوان بأنه: ( قيام شخص ما له وضع يمكِّنه فعلًا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل بتخطيط، أو إعداد، أو بدء، أو تنفيذ عمل عدواني يشكل بحكم طابعه وخطورته ونطاقه انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة).

وتعرف المادة (44/أ) من قانون العقوبات العسكري الأردني جرائم العدوان بنصها على أن:

أ‌- تعتبر الأفعال التالية جرائم عدوان :

1- استعمال القوة لغزو أو احتلال إقليم دولة أخرى ولو كان مؤقتا أو ضم أي جزء منه .

2- حصار موانئ أو سواحل دولة أخرى .

3- قيام قوات عسكرية موجودة على إقليم دولة بما فيها المملكة بموجب اتفاق بفعل يخالف هذا الاتفاق أو البقاء على إقليمها إلى ما بعد نهاية الاتفاق .

4- استعمال إقليم دولة أخرى لإيقاع عمل عدواني ضد دولة ثالثة .

ثانيًا: مدى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بجرائم العدوان:

من مطالعة نص المادة (5) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يتضح أنها تختص بجرائم العدوان بيد أن ذلك مشروط بأن يتم اعتماد حكم بهذا الشأن – وفقًا للمادتين 121 و123- يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقًا مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة.

يتضح أذن أن المحكمة بمجرد إنشائها لا يحق لها التعرض لنظر جرائم العدوان حيث إن ذلك رهين بأجراء تعديلات على نظامها الأساسي وفقًا لما بينته المادتين 121 و123 بوضع تعريف لجرائم العدوان وشروط اختصاص المحكمة بتلك الجرائم.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماهي الأسباب التي دعت إلى إرجاء اختصاص المحكمة بنظر جرائم العدوان إلى ما بعد إنشائها ؟

وإجابة هذا التساؤل سنوضحها فيما يلي :

1- أسباب إرجاء اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جرائم العدوان:

أ- إشكالية تعريف العدوان:

كان أولى أسباب عدم اختصاص المحكمة بنظر جرائم العدوان مع بداية إنشائها احتدام الخلاف حول وضع تعريف لجرائم العدوان من ناحية وبيان الجهة التي تقرر وجوده من ناحية أخرى، فضلًا عن أن منح المحكمة الاختصاص بنظر ذلك النوع من الجرائم لم يكن محل اتفاق بين الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة.

الخيارات المقترحة أثناء مؤتمر روما الدبلوماسي للمحكمة:

كما ذكرنا لم يكن هناك تعريف متفق عليه لجرائم العدوان، حيث عرضت على الوفود المشاركة في المؤتمر الدبلوماسي المعني بإنشاء المحكمة الجنائية ثلاث خيارات لتعريف العدوان وهي:

  • الخيار الأول: جاء فيه تعريف جريمة العدوان بأنها أي فعل من الأفعال التالية يرتكبه فرد في وضع يمكنه من السيطرة أو يمكنه من توجيه أعمال عسكرية في دولة ما سواء تمثل الفعل في التخطيط، أو الإعداد، أو الأمر، أو تنفيذ هجوم مسلح ،أو حرب عدوانية ،أو استعمال قوات مسلحة ،أو شن حرب بالمخالفة لأحكام الاتفاقيات الدولية أو المشاركة في أي من الأعمال السابقة.
  • الخيار الثاني : وضع هذا الخيار تعريفًا لجريمة العدوان بأنها: ( يعد مرتكبا لجريمة العدوان اي شخص يكون في وضع يمكنه من ممارسة السيطرة وذلك بتوجيه أعمال سياسية أو عسكرية في دولته ضد دولة أخرى بما يتنافى وأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ويكون ذلك من خلال اللجوء الى القوات المسلحة أو انتهاك سيادة تلك الدولة أو سلامة إقليمها أو نظامها السياسي.
    ويكون ذلك بالقيام بأحد الأفعال التالية : غزو القوات المسلحة لإقليم الدولة المعتدى عليها، أو احتلالها احتلال عسكري، أو قيام القوات المسلحة بقصف إقليم دولة أخرى، أو فرض الحصار على الدولة المعتدى عليها، أو إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة إلى الدولة المعتدى عليها.)
  • الخيار الثالث: جاء في هذا الخيار تعريف جريمة العدوان بالنص على أن: (بناء على قرار مجلس الأمن فإن جريمة العدوان تتمثل في ارتكاب فرد أي من الأفعال التالية يكون في وضع يمكنه من السيطرة أو توجيه العمل السياسي أو العسكري للدولة ويكون ذلك بشن هجوم مسلح ضد الدولة المعتدى عليها ينال من سلامة إقليمها أو استقلالها السياسي وذلك إذا كان هذا الهجوم يتعارض وأحكام ميثاق الأمم المتحدة بحيث يكون هدفه احتلال الدولة المعتدى عليها أو ضم إقليمها أو جزء منه إلى الدولة المعتدية.)

وجديرًا بالذكر أن الدول الأطراف التي شاركت في المؤتمر لم تتفق على ترجيح أيًا من التعاريف السابقة لذلك تم الاتفاق على إحالة المسألة إلى اللجنة التحضيرية التي انشات بموجب الوثيقة الختامية لمؤتمر روما الدبلوماسي.

جهود اللجنة التحضيرية لصياغة أركان الجرائم والقواعد الإجرائية:

قدم الوفد الروسي مقترحًا لتعريف جريمة العدوان بأنها: ( وفقًا لما يحدده مجلس الأمن فان جريمة العدوان هي تخطيط وإعداد ومباشرة وتنفيذ حرب عدوانية ).

وعلى الرغم من التحسين الملحوظ في الاقتراح المتقدم بالتعريف إلا أنه ثار خلاف حول اختصاص المحكمة بنظر الجريمة.

ب-الخلاف حول إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية:

حدث خلافًا صاخبًا بين الدول الأطراف حول إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وهو ما سنبينه على النحو التالي:

الدول المؤيدة لاختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان:

اتجهت غالبية الدول المشاركة في المؤتمر المعني بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية – وعلى رأسها الدول العربية – إلى إقرار اختصاص المحكمة بنظر جرائم العدوان، حيث أكدت جمهورية مصر العربية على أن من المتعين أن تختص المحكمة بجرائم العدوان وذلك نظرًا لما تشكله تلك الجرائم من انتهاكات جسيمة في حق البشرية، وقد اتجهت إرادتي كل من فرنسا وبريطانيا إلى إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة شريطة أن يوضع لها تعرف دقيق.

الدول المعارضة لاختصاص المحكمة بنظر جرائم العدوان:

رفضت قلة من الدول إدراج جرائم العدوان في اختصاص المحكمة تقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، مع ضرورة الإشارة إلى أن المعارضة لم تقتصر فقط على الدول المتقدمة، بل ظهرت معارضات من الدول النامية أيضًا.

وأبدى المندوب الإسرائيلي اعتراضه على إدراج الجريمة في اختصاص المحكمة معللًا بانفراد مجلس الأمن بالتصرف إزاء العدوان نظرًا لما يتمتع به من صلاحيات وتدابير عسكرية وغير عسكرية.

نتائج مؤتمر روما الدبلوماسي:

تقدم مكتب المؤتمر بعد يومين من اختتام المؤتمر بمقترح مؤداه أسقاط الجريمة من ضمن اختصاصات المحكمة إلا أن الرفض كان حليفًا لذلك الاقتراح، ولكن على الرغم من ذلك تم إرجاء الحديث عن جريمة العدوان إلى ما بعد سبع سنوات من تاريخ انشاء المحكمة، وكانت القاعدة التي وضعت أنه يشترط موافقة ثلثي الأعضاء على وضع تعريف وشروط لجريمة العدوان لتصبح المحكمة قادرة على أن تنظر ذلك النوع من الجرائم.

وانعكس هذا الأمر على صياغة المادة (5) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والتي فرقت بين جريمة العدوان وغيرها من الجرائم الأخرى الداخلة في نطاق اختصاص المحكمة، حيث جاء النص على النحو التالي:

1- يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية:

 أ) جريمة الإبادة الجماعية.

ب) الجرائم ضد الإنسانية.

ج ) جرائم الحرب.

 د ) جريمة العدوان.

2- تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقاً للمادتين 121 و 123 يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقاً مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة.

2-نطاق اختصاص المحكمة نظر جرائم العدوان:

هل سيدخل في اختصاص المحكمة جرائم العدوان المرتكبة في الحاضر والتي ارتكبت في الماضي والتي سترتكب في المستقبل أم انه سيكون لها اختصاص مقيد؟

وفيما يلي سنتطرق للإجابة على هذ التساؤل :

أ- احترام المحكمة الجنائية لقواعد الاختصاص:

حتى تتمكن المحكمة بمباشرة اختصاصها بنظر جرائم العدوان فإنها تلتزم بعدد من الشروط وهي:

الشرط الأول: احترام قواعد الاختصاص التكميلي:

يعني الاختصاص التكميلي أن المحكمة تختص بنظر الجرائم الدولية حال عدم مباشرة القضاء الوطني لاختصاصه بنظر تلك الجرائم، وهذا ما تم التأكيد عليه في النظام الأساسي للمحكمة حيث قضت المادة (1) بالآتي: (تكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية، ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام هذا النظام الأساسي).

وكذلك فقد أكد النظام الأساسي للمحكمة على أن اختصاص المحكمة بنظر الجرائم الداخلة في اختصاصها لا يتحقق إلا إذا اتضح أن السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على الاضطلاع بإجراءات التحقيق والاتهام.

الشرط الثاني: النطاق الزمني لاختصاص المحكمة

يسري اختصاص المحكمة على الجرائم الداخلة في اختصاصها بأثر فوري، أي أنها لا تختص بنظر الجرائم التي وقعت قبل إنشائها، وقد فرقت المادة (11) من النظام الأساسي للمحكمة بين حالتين:

الحالة الأولى: تتعلق بالدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة ( الدول أصحاب العضوية الأصلية ) حيث يسري اختصاص المحكمة في مواجهتهم بمجرد دخولها حيز النفاذ باستثناء جريمة العدوان حيث لا يسري الاختصاص في مواجهة تلك الدول إلا بعد سنة من إيداع وثيقة الموافقة على تعريف جريمة العدوان.

الحالة الثانية: تتعلق بالدول المنضمة حيث يسري اختصاص المحكمة في مواجهتهم في اليوم الأول من الشهر الذي يلي الستين يومًا من تاريخ إيداع وثيقة التصديق.

أما فيما يتعلق بجريمة العدوان فإن اختصاص المحكمة يتحقق بتوافر حالة من الحالات التالية:

  1. ان تكون كل من الدولة المعتدية والدولة الواقع عليها الاعتداء طرفا في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
  2. إذا كانت الدولة المعتدية – وحدها – طرفا في النظام الأساسي للمحكمة.
  3. إذا كانت الدولة الواقع عليها الاعتداء – وحدها – طرفا في النظام الأساسي للمحكمة.
  4. إذا قبلت أحد الدولتين – المعتدى عليها أو المعتدية – اختصاص المحكمة حتى ولو لم تكن أيًا منهم طرفا في النظام الأساسي للمحكمة.
  5. إحالة مجلس القضية للمحكمة بعد تقريره بوقوع حالة عدوان.

ب- نتائج المؤتمر الاستعراضي لجمعية الدول الأطراف بالمحكمة سنة 2010:

اشتمل هذا المؤتمر على تعديلًا جوهريًا لجريمة العدوان والمتمثل فيما يلي:

تعريف جريمة العدوان:

بداية نشير إلى أنه تم حذف الفقرة الثانية من المادة الخامسة – السابق الإشارة اليها – ووضع نص المادة 8 مكرر والتي نصت على أن:

1- لأغراض هذا النظام الأساسي، تعني «جريمة العدوان» قيام شخص ما  له وضع يمكِّنه فعلًا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل بتخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ عمل عدواني يشكل بحكم طابعه وخطورته ونطاقه انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة.

2- لأغراض الفقرة 1، يعني «العمل العدواني» استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وتنطبق صفة العمل العدواني على أي عمل من الأعمال التالية، سواء بإعلان حرب أو بدونه، وذلك وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3314 (د-29) المؤرَّخ 14 ديسمبر 1974:

ا- قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري ولو كان مؤقتًا ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة؛

ب- قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى؛

ج- ضرب حصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى؛

د- قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية، أو البحرية، أو البرية، أو الجوية، أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى؛

هـ- قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق؛

و- سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة؛

ز- إرسال عصابات، أو جماعات مسلحة ،أو قوات غير نظامية ،أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المذكورة أعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك.

قواعد ممارسة المحكمة لاختصاصها بنظر جريمة العدوان:

بينت المادة (15) مكرر من النظام الأساسي للمحكمة القواعد الأساسية التي يتعين على المحكمة احترامها في ممارسة اختصاصها بنظر جرائم العدوان وذلك بنصها على أن:

  • ممارسة الاختصاص بشأن جريمة العدوان (الإحالة من الدول، المبادرة الذاتية):

يجوز للمحكمة أن تمارس الاختصاص بشأن جريمة العدوان وفقًا للمادة 13 (أ) أو (ج) رهنًا بأحكام هذه المادة.

لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة العدوان إلا فيما يتعلق بجرائم العدوان التي تُرتكَب بعد مضي خمس سنوات على الأقل على التصديق على التعديلات المتعلقة بجريمة العدوان، وسنة واحدة على المصادقة أو على قبول التعديلات من ثلاثين دولة طرف.

تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بجريمة العدوان وفقًا لهذه المادة، ورهنًا بقرار يُتخذ بأغلبية دول أطراف تساوي الأغلبية المطلوبة لاعتماد تعديلات على النظام الأساسي، وذلك بعد الأول من يناير 2017.

يجوز للمحكمة (وفقًا للمادة 12) أن تمارس اختصاصها بشأن جريمة العدوان التي تنشأ عن عمل عدواني ترتكبه دولة طرف ما لم تكن تلك الدولة الطرف قد أعلنت سابقًا أنها لا تقبل الاختصاص عن طريق إيداع إعلان لدى المسجل. يجوز سحب هذا الإعلان في أي وقت ويجب النظر فيه من قبل الدولة الطرف خلال ثلاث سنوات.

فيما يتعلق بدولة ليست طرفًا في هذا النظام الأساسي، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها المتعلق بجريمة العدوان عندما يرتكبها مواطنو تلك الدولة أو ترتكب على إقليمها.

عندما يخلص المدعي العام إلى وجود أساس معقول للبدء في تحقيق يتعلق بجريمة عدوان، عليه أن يتأكد أولا مما إذا كان مجلس الأمن قد اتخذ قرارًا مفاده وقوع عمل عدواني ارتكبته الدولة المعنية. وعلى المدعي العام أن يبلِّغ الأمين العام للأمم المتحدة بالوضع القائم أمام المحكمة، بما في ذلك أي معلومات أو وثائق ذات صلة.

يجوز للمدعي العام في الحالات التي يتخذ فيها مجلس الأمن مثل هذا القرار أن يبدأ التحقيق فيما يتعلق بجريمة عدوان.

في حالة عدم اتخاذ قرار من هذا القبيل في غضون ستة أشهر بعد تاريخ الإبلاغ، يجوز للمدعي العام أن يبدأ التحقيق فيما يتعلق بجريمة عدوان، شريطة أن تكون الشعبة التمهيدية قد أذنت ببدء التحقيق فيما يتعلق بجريمة عدوان وفقًا للإجراءات الواردة في المادة 15، وألا يكون مجلس الأمن قد قرر خلاف ذلك طبقًا للمادة 16.

لا يخل القرار الصادر من جهاز خارج المحكمة بخصوص وقوع عمل عدواني بما تخلص إليه المحكمة في إطار هذا النظام الأساسي.

ليس في هذه المادة ما يخل بالأحكام المتعلقة بممارسة الاختصاص فيما يتعلق بجرائم أخرى مشار إليها في المادة 5.

  • ممارسة الاختصاص بناء على إحالة من مجلس الأمن:

يكون ممارسة المحكمة لاختصاصها بنظر جرائم العدوان بناء على إحالة من مجلس الأمن بعد مرور سنة من التصديق على التعديل من قبل ثلاثين دولة طرف حتى ولو لم تقبل باختصاص المحكمة.

  • حق المدعي العام في فتح تحقيق بشأن جريمة العدوان:

لا يحق للمدعى العام أن يفتح تحقيقًا يتعلق بجريمة العدوان إلا في الحالات التالية:

  1. أن يقرر مجلس الأمن أن الوضع يشكل جريمة عدوان، أو تمر ستة أشهر دون إصدار إقرار من مجلس الأمن ودون إعلان من جانب الدول الأعضاء عن قبول اختصاصها بنظر تلك الجريمة.
  2. إذا ارتكبت جريمة عدوان من قبل أحد الدول الأطراف.
  3. إذا منح المدعى العام أذن بفتح التحقيق من قبل الدائرة التمهيدية.
  • انعقاد اختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان:

ينعقد الاختصاص للمحكمة بنظر جريمة العدوان بعد صدور قرار بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء وذلك بعد أو يناير 2017.

ثالثًا: انفراد مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان:

يختص مجلس الأمن بتكييف الفعل على أنه من أفعال العدوان ويكون له أن يقدم ما يراه مناسبًا من توصيات يكون من شأنها إعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما الطبيعي، ويحق له أن يوقع عقوبات على الدولة المعتدية سواء تمثلت في عقوبات عسكرية كانت أم غير عسكرية، فضلًا عن التزامها بالتعويضات المترتبة على ما ألحقته من أضرار للدولة المعتدى عليها.

1-الخلاف بشأن انفراد مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان:

أثير سؤال على درجة عالية من الأهمية وهو هل أن المحكمة في ممارسة اختصاصها بنظر جرائم العدوان متوقفة على تقرير مجلس الأمن باعتبار الجريمة داخلة ضمن جرائم العدوان أم لا ؟

وفيما يلي سنتعرض للإجابة على هذا التساؤل :

أ- موقف الدول من سلطة مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان:

 وفقًا لقرار لجنة القانون الدولي فانه لا يجوز تقديم أي شكاوى عن أعمال العدوان ما لم يقرر مجلس الأمن أن العمل المرتكب هو من أعمال العدوان، وينعكس ذلك على اختصاص المحكمة الجنائية التي لا يحق لها نظر دعوى العدوان إلا بعد تقرير من مجلس الأمن باعتبار أن العمل من أعمال العدوان.

الدول المعارضة لدور مجلس الأمن في تقرير العدوان:

عارضت الدول هذا الدور الممنوح لمجلس الأمن نظرًا لأنه يؤثر بالسلب على اختصاص المحكمة ويعرض استقلالها للخطر.

الدول المؤيدة لسلطة المجلس بتقرير حالة العدوان:

انحازت إلى هذا الدور العديد من الدول وكان على رأسهم الدول صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن وهم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، والصين.

ب- تمسك المؤتمر الاستعراضي لجمعية الدول الأطراف بدور مجلس الأمن:

أشار هذا المؤتمر إلى أن على المدعي العام قبل أن يتطرق إلى التحقيق بشأن أحد جرائم العدوان أن يتأكد أولًا من أن مجلس الأمن قد قرر أن الفعل المرتكب يُشكل أحد جرائم العدوان، وفي حالة سكوت المجلس يتعين على المحكمة أن ترجئ اختصاصها مدة 12 شهر حتى تستبين من موقف المجلس.

2-آثار انفراد المجلس بتقرير حالة العدوان:

إن انفراد المجلس بتقرير حالة العدوان هو أمر في غاية الخطورة نظرًا للدور السياسي الذي يلعبه المجلس في المجتمع الدولي، ناهيك عن حق الدول الدائمة في استخدام حق الفيتو إذا ما أرادت ان ترفع الصفة العدوانية عن فعل دولة ما.

ويترتب على انفراد مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان أن ذلك من شأنه أن يقيد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ذلك أن بتقرير حالة العدوان سنكون بصدد نوعين من المسئولية: مسئولية دولية ومسئولية الأفراد المرتكبين لتلك الجريمة وهي ما تكون – وحدها – الداخلة في اختصاص المحكمة التي تضطلع بملاحقة الأشخاص المرتكبين للجرائم، ومن ثم فإذا تقرر أن الفعل لا يشكل جريمة عدوان فسيترتب على ذلك خروج الجريمة عن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

حيث إنه في بعض الأحيان يكون تقرير مجلس الأمن لجريمة ما على أنها جريمة عدوان أم لا هو أمر راجع إلى اعتبارات سياسية أكثر منها قانونية وهو ما يؤثر على حياد المحكمة الجنائية واستقلالها.

 والواقع العملي يضرب لنا بعض الأمثلة القليلة على الأفعال التي قرر مجلس الأمن أنها تشكل جرائم عدوان وذلك مثل اعتداء إسرائيل على مركز منظمة التحرير الفلسطينية.

 ووفقا أيضًا لاعتبارات سياسية لم يقرر مجلس الأمن حالة العدوان بالاعتداء الواقع من العراق على الكويت واكتفى بتقرير أن هذا الفعل يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين.

3- مقترحات للتقليل من تدخل مجلس الأمن في مسألة العدوان:

ا-إمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها رغم عدم إقرار مجلس الأمن لحالة العدوان:

وفقًا لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر روما فانه يحق للمحكمة الجنائية أن تقدم طلب إلى مجلس الأمن بشأن وجود أعمال عدوان فاذا ما أقر المجلس حالة العدوان ينعقد الاختصاص للمحكمة، أما إزاء صمت المجلس فيحق للمحكمة بعد فوات ستة أشهر أن تطلب فتوى محكمة العدل الدولية لنظر ما إذا كانت المحكمة الجنائية قادرة على نظر الجريمة أم لا.

ب-تفعيل دور محكمة العدل الدولية:

ذهبت بعض الآراء إلى أنه يحق للمحكمة الجنائية أن تباشر اختصاصها بنظر جرائم العدوان على الرغم من عدم تقرير مجلس الأمن لحالة العدوان وذلك مقارنة بمحكمة العدل الدولية التي رفضت فض النزاع في قضية النشاطات العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا لارتكاب أحد الدول عدوان على الرغم من أن مجلس الأمن لم يقرر حالة العدوان، ولقد أشارت محكمة العدل الدولية في فتواها الصادرة عام 1962 أن: ( مسئولية المجلس في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين أساسية وليست خصوصية).

ج-تفعيل دور الجمعية العامة:

وكذلك يحق للمحكمة الجنائية الدولية حال عدم اتخاذ مجلس الأمن موقفًا من الفعل المرتكب أن تطلب من الجمعية العامة أن تقدم توصية في مدة أقصاها 12 شهر، فإن صمتت الجمعية العامة جاز للمحكمة الجنائية أن تباشر اختصاصها بنظر الجريمة.

إعداد : احمد منصور والمحامي سامي العوض

Scroll to Top