الجزاء القانوني لإخلال الكفلاء المتضامنين بالتزاماتهم

هناك التزامات محددة تقع على عاتق الكفلاء المتضامنين، وتلك الالتزامات تكون تجاه الدائن أو بعضهم البعض، ويقع جزاء قانوني في حالة الاخلال بهذه الالتزامات بحق المخالف، وسيكون حديث مقالنا عن شروط انعقاد مسؤولية الكفلاء المتضامنين، وشروط تعديل مسؤولية الكفلاء المتضامنين ، وما هو الجزاء القانوني المترتب على إخلال الكفلاء المتضامنين بالتزامهم.

الجزاء القانوني لإخلال الكفلاء المتضامنين بالتزاماتهم

أولًا: شروط انعقاد مسؤولية الكفلاء المتضامنين

الخطأ:

الضرر:

علاقة السببية:

ثانيًا: شروط تعديل مسؤولية الكفلاء المتضامنين

أنواع الشروط المعدلة للمسؤولية العقدية:

ثالثًا: نطاق شروط تعديل المسؤولية

تمييز الشروط المعدلة عن التعويض الاتفاقي:

أولًا: شروط انعقاد مسؤولية الكفلاء المتضامنين

قبل التطرق لشروط انعقاد مسؤولية الكفلاء المتضامنين، فلابد من الوقوف على مفهوم المسؤولية لما لذلك من أثر في إيضاح المركز الذي يتكيف فيه مضمون المسؤولية، وكذلك إيضاح العنصر أو الركن الذي يصح اعتباره أساسًا للمسؤولية.

وقد اجتهد الفقه في تعريف المسؤولية، ووضع لها عدة تعريفات توضح مضمونها، من هذه التعريفات أنها : ” الحكم الذي يترتب على الشخص الذي ارتكب أمرًا يوجب المؤاخذة”.

والمسؤولية العقدية تقوم على الاخلال بالتزام عقدي يختلف باختلاف ما أشتمل عليه العقد من التزامات، بينما تقوم المسؤولية التقصيرية على الاخلال بالتزام قانوني واحد لا يتغير وهو الالتزام بعدم الاضرار بالغير.(1)

وفيما يتعلق بالتضامن بين الكفلاء فلا يقوم التضامن في المسؤولية العقدية إلا بالاتفاق، وأما في المسؤولية التقصيرية فتكون بنص القانون، وبناء على ما تقدم فشروط المسؤولية سواء كانت تقصيرية أم عقدية لا تنشأ إلا بتوافر ثلاثة شروط: وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية، والتي سنتناولها بالشرح فيما يلي:

الخطأ:

تُعتبر فكرة الخطأ من الأفكار التي اختلف الفقهاء عليها، والخطأ العقدي هو الركن الأول الذي ينبغي أن يتحقق لقيام مسؤولية الشخص العقدي، والخطأ العقدي يتحقق عند عدم وفاء أحد الكفلاء المتضامنين بالتزاماتهم أو التأخر في التنفيذ أو التنفيذ بشكل معيب.

وفي حال أن أخل أحد الكفلاء المتضامنين بالتزاماتهم، فإن مسؤوليته العقدية تقوم بغض النظر أن كان عدم التنفيذ راجع للفعل الشخصي للكفيل، أو كان مرده فعل شخص تابع له.

وتجدر الإشارة إلى أن اخلال أحد الكفلاء بالتزامهم العقدي يختلف بحسب نوع الالتزام، فإن كان التزامه ببذل عناية فيكفي للشخص أن يبذل العناية المطلوبة، وإن كان التزامه بتحقيق نتيجة فالمسؤولية لا تنفك عنه إلا إذا تحققت النتيجة المقصودة، وعدم تحقق النتيجة توجب عليه المسؤولية ويقع عليه عبء الاثبات، ولا يعفيه إلا السبب الأجنبي.

وجدير بالذكر أن درجة العناية المتطلبة يقوكم بتحديدها طرفي العقد، وإن كان المشرع يتدخل في بعض الأحيان لتحديد عناية محددة، ومثال على ذلك ما جاء في نص المادة (841) من القانون المدني الأردني والتي نصت على الآتي: ” 1. على الوكيل ان يبذل في تنفيذ ما وكل به العناية التي يبذلها في اعماله الخاصة إذا كانت الوكالة بلا اجر. 2. وعليه ان يبذل في العناية بها عناية الرجل المعتاد اذا كانت باجر”

الضرر:

الضرر هو أحد أركان المسؤولية المدنية، فلا مسؤولية تقوم إلا إذا تحقق الضرر، وذلك في حال أن أخل أحد الكفلاء المتضامنين بالتزامهم العقدي.

وفي حال تعدد المضرورين عن الفعل الضار نجد أن المشرع الأردني قد نص في المادة (265) من القانون المدني على الآتي: ” اذا تعدد المسئولون عن فعل ضار، كان كل منهم مسئولا بنسبة نصيبه فيه وللمحكمة ان تقضي بالتساوي او بالتضامن والتكافل فيما بينهم”.

وبهذا النص السابق نجد أن المشرع الأردني قد أخذ بالتضامن بين الكفلاء في حال الفعل الضار حيث يكون كلًا منهم مسؤولًا عن الضرر الواقع على كلًا منهم بنسبة مساهمته في احداث الضرر، ويشترط في الضرر أن يكون محققًا، وليس احتماليًا، وإذا تعدد مرتكبوا الفعل الضار واشتركوا في ايقاعه لا يمكن للمضرور أن يحصل على التعويض الكامل لضرره من كل واحد منهم بل له أن يحصل على هذا التعويض منهم مجتمعين، وسكون ذلك إما بتحديد نسبة مساهمة كل منهم بالضرر ومقدار حصته من التعويض بحكم من المحكمة، ويرجع المضرور عليه بهذا المبلغ، أو أن تحكم المحكمة عليهم بالتضامن فيستطيع المضرور أن يرجع على كل منهم بكامل التعويض ومن ثم يرجع من دفعه على شركائه بمقدار حصصهم المقدرة من قبل المحكمة بحسب مساهمتهم في إيقاع الضرر أو بالتساوي إذا لم يكن بالإمكان تحديد هذه الحصص.(2)

وبمطالعة المادة (266) من القانون المدني الأردني نجد انها نصت على الآتي:” يقدر الضمان في جميع الاحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط ان يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”. ونستشف من ذلك أن مقدار التعويض في الضرر في المسؤولية التقصيرية في القانون المدني الأردني يمتد إلى الكسب الفائت بجانب الخسارة اللاحقة.

بيد أنه على العكس نجد أن القانون المدني المصري يعوض عن الخسارة اللاحقة وذلك في كل من المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية.

علاقة السببية:

علاقة السببية هي الركن الثالث في المسؤولية التقصيرية، وتعني وجوب وجود علاقة مباشرة بين الخطأ الذي ارتكبه الشخص المسؤول وبين الضرر الذي وقع بالشخص.

وتُعتبر علاقة السببية من أركان المسؤولية، ووجب توافرها حتى تقوم المسؤولية، وحتى يُمكن القضاء بالتعويض، بيد أن علاقة السببية يُمكن أن تنتفي في المسؤولية التقصيرية كما الحال في المسؤولية العقدية إذا أثبت المدين وجود سبب أجنبي، والجدير بالإشارة أن السبب الأجنبي قد يكون حادث مفاجئ أو خطأ من الغير، أو خطأ المضرور نفسه، أو قوة قاهرة.

وفي حال اشتراك فعل المضرور نفسه مع فعل الكفيل في احداث الضرر فالقاضي الحق أن ينقص مقدار التعويض أو ألا يحكم بتعويض إذا كان الدائن نتيجة خطئه قد اشترك في تحديد الضرر أو تمادى فيه.

والجدير بالذكر أنه قد يشترك في احداث الضرر عدة مسؤولين، وفي هذه الحالة فإن المسؤولية توزع بحسب جسامة كل فعل، وفيما يتعلق بذلك فإن المادة (169) من القانون المدني المصري تنص على أنه :” إذا تعدد المسؤولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر وتكون المسؤولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض”.

وقد جاء في الفقرة الخامسة من الطعن رقم (1527) لسنة 48 أن استخلاص علاقة السببية بين الخطأ والضرر وتقدير مدى جسامة الخطأ هي من مسائل الواقع التي يقدرها قاضي الموضوع، بيد أنه يحق لمحكمة النقض أن تبسط رقابتها متى كان استخلاصه غير سائغ.

وأما بالنسبة لعلاقة السببية، مفادها أن يكون الضرر ناشئًا عن عدم الوفاء بالالتزام، أو التأخر في تنفيذه، فإذا كان الضرر لا محالة واقع دون حصول الاخلال، أو أن الاخلال في تنفيذ الالتزام وقع دون حصول ضرر فلا تتحقق العلاقة السببية، وبالتالي لا تقوم المسؤولية في دفع التعويض للدائن، كذلك على الدائن أن يبذل جهدًا معقولًا ليدفع الضرر عن نفسه وليتوقاه، كما أنه تنتفي السببية إذا كان الضرر عن سبب أجنبي لا يد للمدين فيه وليس ناتجًا عن خطأ منه.(3)

ثانيًا: شروط تعديل مسؤولية الكفلاء المتضامنين

وسوف نتناول في فيما يلي أنواع الشروط المعدلة للمسؤولية، ومدى التعديل.

أنواع الشروط المعدلة للمسؤولية العقدية:

الشروط المعدلة للمسؤولية ثلاثة سنتناولها فيما يلي:

الشرط المعفي من المسؤولية العقدية:

الشرط المعفي من المسؤولية العقدية هو عبارة عن بند يرد في اتفاق منفصل أو في عقد، بموجبه يعفي الدائن مدينه اعفاءًا تامًا بشكل مسبق من المسؤولية التي قد تترتب على المدين في حال عدم التزامه بتنفيذ الالتزام الملقى على عاتقه، فالمسؤولية لا تتحقق بالاتفاق، بالرغم من تحقق هذه المسؤولية بموجب القواعد العامة.

والمشرع الأردني لم يتناول بشكل صريح شرط الاعفاء من المسؤولية أو تحديدها لمصلحة المدين في النطاق العقدي، بيد أنه يُمكن استخلاصها من نصوص القانون المدني، فمن جانب هناك نصوص تشير ضمنًا لجواز الاعفاء من المسؤولية أو تحديدها من جانب أخرى، فالماد\ة (358) من القانون المدني الأردني نصت في فقرتيها الأولى والثانية على الآتي: ” 1. إذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة على الشيء او القيام بإدارته او توخى الحيطة في تنفيذ التزامه فانه يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود. هذا ما لم ينص القانون او الاتفاق على غير ذلك. 2. وفي كل حال يبقى المدين مسؤولا عما يأتيه من غش او خطا جسيم.”. فيستشف باستقراء النص السابق أنه يسمح ضمنًا بالقول بجواز الاعفاء من المسؤولية في القانون الأردني باستثناء حالتي الخطأ الجسيم والغش.

ومن جانب آخر فإن المشرع قد أقر قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، وطالما أن شرط الاعفاء هو وليد الإرادة ولا يتعارض مع النظام والآداب العامة، فليس هناك ما يحول دون الأخذ به.

الشرط المخفف من المسؤولية العقدية:

الشرط المخفف في المسؤولية العقدية هو عبارة عن يرد في عقد أو باتفاق منفصل عن العقد، وبموجبه تخفف مسؤولية المدين، وذلك اما عن طريق التخفيف في تقييم مسلك المدين، بحيث لا يطالب المدين بالعناية التي تفرضها القواعد العامة، وإنما بالعناية التي ينص عليها الاتفاق، أو حصرها في جزء من المسؤولية، بمعنى اعفاء جزئي من المسؤولية.

الشرط المشدد في المسؤولية العقدية:

ويُقصد بذلك الشرط أي الشرط الوارد في العقد أو باتفاق منفصل، وهو شرط يقضي فيه بمسؤولية في أحوال تكون فيها مسؤولية غير قائمة وفق القواعد العامة، فيُجوز الاتفاق أنه حتى وإن قام سبب أجنبي ينفي العلاقة بين خطأ المدين وبين الضرر الذي أصاب الدائن فإن المدين يظل مسؤولًا، كما أنه يُمكن الاتفاق على تشديد العناية التي يبذلها المدين، أو الاتفاق على أن يكون التزام المدين بتحقيق غاية وليس ببذل عناية.

والجدير بالذكر أن شرط الاعفاء وشرط التخفيف لا يجوز في المسؤولية التقصيرية، بيد أن الاتفاق على التشديد في المسؤولية جائز، وذلك ليس في المسؤولية العقدية فحسب، بل وكذلك في المسؤولية التقصيرية.

وقد نصت المادة (521) من القانون المدني الأردني على الآتي : ” 1. لا تسمع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء ستة اشهر على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة اطول . 2. وليس للبائع ان يتمسك بهذه المدة لمرور الزمان اذا ثبت ان اخفاء العيب كان بغش منه”. وباستقراء النص القانوني السابق يتضح لنا أنه يجوز إطالة مدة انقضاء الالتزام لمصلحة الدائن بالالتزام، مما يعني تشديد الالتزام على المدين.

ثالثًا: نطاق شروط تعديل المسؤولية

لا يُمكن اعتبار الاعفاء من الالتزام اعفاءًا أو تعديلًا في المسؤولية، ومرد ذلك من جهة أولى لأن ليس بمجرد القاء التزام معين على طرف من أطراف العلاقة أن ذلك يعني تعديل في أحكام المسؤولية، بل أنه تعديل في الالتزامات على عكس القواعد المكملة وهو أمر مشروع، بيد أنه لا يمس المسؤولية بأي شكل من الأشكال، ومن جهة ثانية لأن الاعفاء من الالتزام مضمونة عجز الدائن على اجبار المدين على التنفيذ العيني، بالرغم من أن المدين يكون ملزمًا بالتنفيذ العيني في ظل شرط الاعفاء، وبالرغم من عدم انكارنا وجود اثر لاتفاقيات المسؤولية على درجة العناية التي يبذلها المدين في تنفيذ الالتزام، بيد أن مثل هذه الحالة لا يُمكن إلا وأن نعتبرها في اطار التعديل في المسؤولية، وبالتالي فإن التعديل في أحكام المسؤولية له صورة واحدة، وفيما يتعلق بالتعديل في الالتزامات فهي تخرج من مفهوم التعديل في المسؤولية.

وفيما يلي سنتناول تمييز الشروط المعدلة للمسؤولية عن التعويض الاتفاقي.

تمييز الشروط المعدلة عن التعويض الاتفاقي:

يُعرف التعويض الاتفاقي بأنه: تقدير اتفاقي مقدم لقيمة التعويض التي يقوم بدفعها الطرف الذي يخل بالتزامه.

وقد نصت المادة (225) من القانون المدني المصري على الآتي: ” اذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقي فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا ثبت أن المدين ارتكب غشًا أو خطأ جسيمًا”.

وباستقراء المادة السابقة نجد أن التعويض الاتفاقي يتفق مع التعديل في المسؤولية، فهما يتفقان في أنهما يُمكن اعتبارهما اتفاقين باطلين في حالتي الغش والخطأ الجسيم، ويتفقان أيضًا في أنهما تعديل اتفاقي فيما تقضي به القواعد العامة التي أوردها المشرع.

ويختلف التعويض الاتفاقي عن الاتفاقيات المعدلة في المسؤولية، في أن الأول يتناول قيمة التعويض ولا يتناول مسؤولية المدين، أي أن المدين يظل مسؤولًا مسؤولية كاملة حتى لو كان التعويض أقل من الضرر الواقع، ففي هذه الحالة الأخيرة، لا يعد مثل هذا الاتفاق بأنه تخفيف من المسؤولية، وكذلك الحال لو اتفق بين الطرفين على تعويض اتفاقي يفوق الضرر الواقع، فلا يعد مثل هذا الاتفاق شرطًا مشددًا للمسؤولية.(4)

………………………

(1 ) السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثالث، ص 748

(2 ) عدنان السرحان، نوري خاطر، شرح القانون المدني، مصادر الحقوق الشخصية، الالتزامات، الطبعة الأولى، ص 485

(3 ) الجبوري، المبسوط في شرح القانون المدني، الطبعة الأولى، ص 347

(4 ) العيسائي، عبد العزيز، شرط الاعفاء من المسؤولية المدنية في كل من القانون الأردني واليمني، رسالة ماجستير غير منشورة، ص 25

اذا كان لديك ملاحظة اكتبها هنا

error: حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة حماة الحق © Copy Right Protected
%%footer%%