قاعدة الغُنْم بالغُرْم
تعد قاعدة الغُنْم بالغُرْم من القواعد الهامة التي وضعها الإسلام، حيث بها يتحقق العدل بين الشركاء، فمن خلال تطبيق تلك القاعدة يتحمل كل شريك تبعة خسارته كما يستفيد من المكسب، فلا يلقى العبء كاملاً على طرف دون آخر، والأمثلة على ذلك كثيرة في واقعنا العملي والتي وللأسف الشديد لا نرى تطبيقها من خلال تعاملاتنا مما أدى إلى قصور في الاقتصاد، فقد شرع لنا ديننا ما يرضينا ويحقق أمننا وصفاء مجتمعنا، إلا أننا ذهبنا إلى طرقٍ أخرى أساءت حالنا، وسوف نقدم شرحاً وافياً لتلك القاعدة وتطبيقاتها العملية قديماً وحديثاً.
جدول المحتويات
ثانياً: أدلة من القرآن والسنة النبوية على مشروعية قاعدة الغُنْم بالغُرْم
ثالثاً: أثر تطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم في تهدئة الخلاف بين الشركاء
المقاصد الشرعية لقاعدة الغُنْم بالغُرْم:
من خلال هذا المقال سوف نبين ماهية الغُنْم والغُرْم لغة واصطلاحاً مع التعريف بقاعدة الغُنْم بالغُرْم، ومدى مشروعيتها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وسوف نسهب في مجالات تطبيق تلك القاعدة من خلال الوقوف على بعض التطبيقات العملية قديماً وحديثاً وذلك على النحو التالي:
أولاً: ماهية الغُنْم بالغُرْم
تعريف الغُنْم لغة:
يُعرف الغُنْم بأنه ” الفوز بالشيء من غير مشقة، والاغتنام: انتهاز الغنم. والغُنْم والغنيمة، والمغنم: الفيء. ويقال: غَنِمَ القوم غُنْماً بالضم. وغَنِمَ الشيء غُنْماً: فاز به. وتغنمه واغتنمه: عده غنيمة، والغُنْم بالضم: الاسم، وبالفتح: المصدر” .
إذاً فالغُنْم لغة يدل على الفوز والنفع والغنيمة.
تعريف الغُنْم اصطلاحاً:
يُعبر مصطلح الغُنْم عن كل المنافع التي يتحصل عليها الإنسان وإن تعددت ألفاظه، فالنصوص الشرعية قد عبَّرت عنه بالعزيمة، والنماء، والغلة، والخراج، والأجرة، والزيادة، والدَّرِّ، والمنافع وغيرها من المعاني، ومنه قوله تعالى ” واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول والذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير”
وقد فسر الإمام الواحدي (غنمتم): بقوله ” أخذتموه قسراً من الكفار”
وقال الزركشي ” وإذا كان النماء للراهن فلا ينتفع المرتهن من الراهن بشيء، لا من الأصل، ولا من النماء ” فعبر عن الغنم بالنماء
وقال الشافعي ” وغنمه: سلامته وزيادته.
تعريف الغُرْم لغة:
عرفه ابن منظور بأنه ” غَرِم يَغْرَمُ غُرْماً وغرامة، وأغرمه وغرمه. والغُرْم: الدَّيْن. ورجلٌ غارم: عليه دَيْن.. والغرامة: ما يلزم أداؤه، وكذلك المغرم والغرم، والغارم الذي يلتزم ما ضَمِنه وتكفَّل به “.
إذاً فالغرم يعني الإلزام والتكفُّل بالشيء والضمان.
تعريف الغُرْم اصطلاحاً:
يُعرف الغُرْم اصطلاحاً بأنه: ” إلزام ما يلزم، وبمعنى: الغرامة والخسران”.
وقد تم ذكره في سورة التوبة بقوله تعالى:” ومن الأَعْرابُ من يَتَّخذ ما ينفق مَغْرماً ويتربص بِكمُ الدَّوائِر عليهم دائِرةُ السَّوْءِ والله سَمِيعٌ عَليمٌ”
وعلق الإمام أبو حيان الأندلسي على هذه الآية بقوله ” كل نفقة لا تهواها أنفسهم وهي مطلوبة شرعاً، وهو ما ينفقه الرجل وليس يلزمه، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله تعالى وابتغاء المثوبة عنده. فعلى هذا المغرم: إلزام ما لا يلزم وقيل المغرم: الغُرم والخسر”
وقد ذُكر الغارم بمعنى المدين في سورة التوبة بقوله تعالى ” إنَّما الصَّدقات للفقراءِ والمساكينِ والعاملينَ عليها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ الله وأبن السَّبيلِ فريضةً من الله والله عليمٌ حكيمٌ “.
والغارمون هم: المدينون الملتزمون بأداء حقٍّ عليهم تجاه الدائن، يقول الإمام الماوردي: ” والغارمين وهم الذين عليهم الدَّيْن يلزمهم غُرْمه “.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته: ” اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمَغْرم. فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم، فقال: إن الرجل إذا غَرِمَ، حدَّث فكذب، ووعد فأخلف “.
وأيضاً فالغُرْم يطلق عليه التلف والعطب والنقص والذهاب، حيث قال الإمام الشافعي ” وغرمه: عطبه ونقصه “، ويقول ابن رشد: “وعليه غُرْمه: أي منه تلفه وعطبه”
وقال الإمام المنبجي: ” إذا بِيعَ الرهن وفيه نقص عن الدَّيْن غَرِمَ للمرتهن ذلك النقص، وهو غُرْمه المذكور في الحديث”
وقد يأتي الغُرْم بمعنى الهلاك، فيقول البابرتي الحنفي: وعليه غُرْمه: هلاكه”.
وأيضاً بمعنى الكسوة والنفقة، فيقول الزبيدي الحنفي: ” وعليه غُرْمه: نفقته وكسوته”.
ومن معانيه أيضاً الضمان، حيث قال الإمام الدسوقي: ” والغرم: أي الضمان”.
المعنى الإجمالي للغُنْم بالغُرْم:
تُعَرف قاعدة الغُنْم بالغُرْم بأنها (ما يلزم المرء من مال لقاء ما يحصل له من منافع من ذلك الشيء، وأن من يحصل على الغُنْم لا بدَّ في مقابل ذلك أن يتحمل الغُرْم إذا وقع).
وهذا لا يعني مطلقاً أن يحصل الغُرْم لكل من حصل على الغُنْم، فقد لا يقع عليه غُرْم، ومما سبق يتضح لنا تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي لكل من الغُنْم والغُرْم.
ثانياً: أدلة من القرآن والسنة النبوية على مشروعية قاعدة الغُنْم بالغُرْم
أدلة القرآن الكريم:
- قول الله تعالى:
“والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير”.
وقد قال الإمام ابن العربي: ” فمن الناس من رَدَّهُ إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار، منهم أبو حنيفة من الفقهاء، ومن السلف قتادة والحسن، ويستند إلى عمر، فأوجبوا على قرابة المولود الذين يرثونه نفقته إذا عدم أبوه “.
وجه الدلالة من الآية: أن قرابة المولود الذين يرثونه أي يتحصلون على غُنْمه بعد وفاته، هم من يجب عليهم أن ينفقوا عليه إذا عدم أبوه، وذلك كما ذكر الفقهاء؛ إذ أن الغُنْم يكون في مقابل الغُرْم.
- ومنه أيضاً قول الله تعالى:
“يا نِساءَ النَّبِي من يأتِ منكنَّ بفاحشةٍ مبينةٍ يُضَاعفْ لها العَذَابُ ضِعْفَينِ وكان ذلك على الله يَسيراً “
وجه الدلالة من الآية الكريمة:
” أنه لما كان العذاب مضاعفاً على أمهات المؤمنين إذا وقعن في فاحشة وهذا محال عليهن فإن ذلك يقابله حصولهن على ضعف الثواب إن اتقين، وهذا مقتضى العدل، ولاحظ لفظ (ضعفين) في مقابل ( مرتين) تجد أن ضعفين في العذاب أو الغرم، ومرتين في الأجر أو الغُنْم؛ يقول الإمام ابن العربي: ” أخبر الله تعالى أن من جاء من نساء النبي، بفاحشةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين، لشرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وتقديمهم على سائر النساء أجمع، وكذلك ثبت في الشريعة أنه كلما تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات، ولذلك ضوعف حد الحُرِّ على حد العبد، الثَيِّب على البكر، لزيادة الفضل والشرف فيهما على قرينهما…”
ويبين من ذلك أن الله كما يضاعف العذاب لانتهاك الحرمات، وأيضاً يضاعف الثواب لأهل الخيرات.
أدلة السنة النبوية المطهرة:
- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” الرهن يُركب بنفقته، إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته، إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة “.
وجه الدلالة:
قال ابن الجوزي: ” عند أحمد: يجوز أن يركب الرهن ويحلب ويستخدم بمقدار النفقة عليه، على شرط أن يجري العدل في ذلك بمقتضى هذا الحديث، وليس له أن ينتفع به في غير هذا “.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ” وفيه حجة لمن قال يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام لمصلحته ولو لم يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحق وطائفة، قالوا: ينتفع المراهن من الرهن بالركوب والحال بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرها، لمفهوم الحديث. وأما دعوى الإجمال فيه، فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق وهذا يختص بالمرتهن، لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقاً عليه بخلاف المرتهن. وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء وتأولوا الحديث “
وقد دل هذا النص على عدم اقتناع جمهور الفقهاء بانتفاع المرتهن بشيء من الرهن، إلا أن الحنابلة ارتأوا جواز الانتفاع للمرتهن بالرهن إذا كان حيواناً، فله إن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه وينفق عليه.
وقد دلت هذه النصوص وفقاً لرأي بعض الفقهاء أن جواز انتفاع المرتهن بالشيء المرهون يكون استناداً على الغُرْم الذي يقع عليه من النفقة.
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمه وعليه غُرْمه”.
وقد اختلف المحققون في إرسال الحديث ووصله، إلا أنه قد قبله العلماء جميعاً، وقد قال الحافظ ابن عبد البر: ” وأصل هذا الحديث عند أكثر أهل العلم به مرسل وإن كان قد وُصِلَ من جهات كثيرة، إلا أنهم يعللونها على ما ذكرنا عنهم في (التمهيد) وهم مع ذلك لا يدفعه، بل الجميع يقبله وإن اختلفوا في تأويله”.
وجه الدلالة:
قال الإمام الخطابي: ” هو في قوله له (غُنْمه) دليل على أنه يملك من غُنْمه وهو دَرُّه وولده وسائر منافعه مالا يملك من الأصل في الحال، ولولا ذلك لم يكن لهذا التفصيل معنى ولا كان في فائدة؛ إذ كان معلوماً أن الفروع تابعة في الملك لأصولها ولاحقة في الحكم بها… وفي قوله (وعليه غُرْمه) دليل على أن الرهن غير مضمون، وفيه دليل على أن مؤنته على الراهن، ومعنى الغُرْم: النقص هاهنا “.
ثالثاً: أثر تطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم في تهدئة الخلاف بين الشركاء
نجد من خلال تعاملات الشركاء سابقاً وفي وقتنا الراهن، أن من أهم المشكلات التي تُطرح على الساحة، وأن السبب الرئيسي يكون في عدم تطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم كما يجب، حيث نجد أحد الشركاء يكونون مستأثرين فقط بالغُنْم، غير متحملين ما قد ينتج عن الشركة من غُرْم، وعلى الجانب الآخر نجد من يتحمل تبعات هذا الغُرْم وحده، وقد لا يكون له يد فيه، غير عابئين بما قد تحدثه التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي قد تمر بها البلاد، والتي يجب أن يتحمل ويلاتها جميع الشركاء.
ونظراً لعدم قيام البلاد الإسلامية بتطبيق فقه المعاملات مثلما جاء به الشرع الحنيف، فقد أدخلنا ذلك في كثير من الأزمات والمشكلات على مستويات عدة، ومنها ما نراه في مسألة المضاربة، حيث إن الشرع قد ألزم أرباب المال الذين يضعون أموالهم في مشروعات (محتملة الربح والخسارة) آملين ربحاً دون خسارة، أن يتحملوا الخسارة كاملة، ويكفي على المضارب ما تحمله من جهد وعناء في سبيل تحقيق الربح في تجارته، إلا إذا كانت تلك الخسارة ناجمة عن تقصير ورعونة منه.
ولكن الواقع العملي قد أسدل الستار، وحكم بظلم المضارب وتحمله المسئولية كاملة بتوقيعه على كمبيالات وإيصالات أمانة أودت به خلف أسوار السجون، غير قادرٍ على محاولة النجاة ورد الأموال إلى أربابها، بل أصبح كل منهم ضحية قوانين عاجزة ظالمة.
وفي سبيل ذلك سوف نقدم شرحاً وافياً، لبعضٍ من الصور التي قام فيها الشرع الإسلامي بتقسيم المغانم والمغارم على الشركاء بشكلٍ عادل، الأمر الذي يُحَقَّق من خلاله الطمأنينة في نفوس المتشاركين، واستقرار المعاملات فيما بينهم، ومنشود المصلحة العظمي داخل المجتمعات.
بعض التطبيقات الفقهية القديمة على قاعدة الغُنْم بالغُرْم في الرهن:
من صور تطبيق قاعدة الغُنْم بالغرم في الفقه قديماً: مؤنة المرهون التي بها بقاؤه على مالكه كأجرة رَدِّ الرقيق الهارب، وأجرة سقي الشجر، ونفقة الرقيق وكسوته وغيرها؛ لأن له الغُنْم، وعليه الغُرْم.
تدل هذه الصورة على أنه كما لمالك الرهن من غُنْم المرهون، فهو أيضاً يتحمل تبعة الغُرْم الواقع بسببه، وهذا إنصاف للراهن من قِبَل شرعنا الحنيف، حيث لم يُلزم الراهن بتحمل نفقات الشيء المرهون، لعدم تحصله على منفعة منه.
في الشركة:
في حال قيام أحد شريكين باستعارة دابة وركبها شريكه الآخر فعطبت، فالضمان على الشريكين معاً، لأن المُعير ارتضي بركوب المُستعير، لا غيره، فالضمان على كليهما، إن كان استعمالها في قضاء حاجتيهما معاً، حيث تعود المنفعة عليهما معاً، وهذا خير مثال على تطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم
في العارية:
يقع على المستعير واجب رد أجرة الشيء المُعار، لأنه المنتفع به، حيث إنه ليس من العدل أن يتحمل المعير تبعة ما أتلفه المستعير، وذلك تطبيقاً لقاعدة الغُنْم بالغُرْم.
ومن صور ذلك استعارة أحد الأشخاص سيارة صديق له، فعند رد السيارة لا يريد تحمل نفقة تبعات استعارته، وفي هذا ظلم كبير للمعير، لذا فقد تدخل الشرع لوضع لدفع هذا الظلم وتفادي أي نزاع قد ينشأ، من خلال فرض قاعدة الغُرْم مقابل الغُنْم.
في المضاربة:
كما سبق وأن أشرنا، فإن المضاربة أن يعطي رجلاً مبلغاً من المال لشخص يضارب به مع ماله، فإذا خسر ذلك المال فلابد أن يتحمل الاثنان تبعات تلك الخسارة، كلٌ بحسب نسبته في المال، نظراً لما يتحمله هذا التاجر من مشقة في سبيل عمله وتجارته، وفقاً للشرع الحنيف الذي نهى عن الظلم لذا فقد وضع تلك القاعدة الهامة في فقه المعاملات.
ومنه يَبِين حرص الإسلام على تحقيق العدل، ومحاولة درء أي خلاف قد ينشأ من خلال المعاملات اليومية والأزمات التي تنشأ بحكم الشراكة بينهم، فمن تحققت له المنفعة فلا بد أن يتحمل تبعة الغُرْم أيضاً، على القدر الذي شارك به، ويتحمل المُضارب باقي الخسارة لتحمله الكثير من المال.
في الإجارة:
هناك الكثير من المنازعات التي تنشأ في وقتنا الحالي، حيث قد يقوم شخص ببيع سيارة أجرة، ثم يقوم المشتري بفسخ العقد نظراً لعلة في السيارة، فيطلب البائع من المشتري ما تَحَصل عليه من السيارة، ولكن هذا لا يُعَد من العدل حيث إن المستحق لهذا الغُنْم هو المشتري لأن تلف السيارة ليس من قِبَله، وإن كان هو من أتلفها لَتَحَمَّل الغُرْم كما تَحَصَّل على الغُنْم.
لذا فغلة المبيع تُسلم للمشتري بعد الفسخ، لأنه ضامن، والغُنْم بالغُرْم.
في النفقة:
من الأزمات التي نعاصرها في وقتنا الحالي، عدم معرفة كلا من الأزواج والزوجات حقوقهم وواجباتهم، أو بالأحرى عدم رغبتهم في الالتزام بواجباتهم تجاه الآخر، الأمر الذي يخلق معه الكثير من المشكلات ومن أهم تلك المشكلات النفقة الواجبة على الزوج نظير حبسه للزوجة بالنكاح وتحمل مسئوليته ومسئولية أولاده والسهر على راحتيهما، وبما أن الحبس راجعاً إليه فتجب عليه النفقة، تطبيقاً لقاعدة الغُنْم بالغُرْم.
ولهذه القاعدة أهمية قصوى حيث تحثنا على تحمل كلاً منا بالالتزام بما عليه من واجبات، والاستفادة بما له من حقوق، وبها يصلح المجتمع وتطيب حياة الأفراد.
بعض النماذج المعاصرة على قاعدة الغُنْم بالغُرْم:
الودائع الجارية في البنوك التقليدية والإسلامية:
البنوك تُدخل أموال المودعين في استثماراته، لذا فقد فإن الشرع الحنيف ألزم البنوك بتحمل الخسارة، إذ أنه كيف يتحصل على الربح ولا يتحمل تبعة خسارته.
يقول الدكتور على الندوي موضحاً تأثير قاعدة (الغُنْم بالغُرْم) :”وبناء على هذا الأصل يمكن القول: إن للمقترض أن ينتفع بما اقترضه، لأنه ضامن لهذا القرض، والخراج بالضمان، وفي الاقتصاد المعاصر ينسحب هذا الحكم على حسابات الائتمان، وهي الودائع الجارية وتحت الطلب، فإن المصرف يتصرف بها، وقد دفعها إليه صاحبها راضياً، فإنها تكتسب حكم القرض، فيسوغ للبنك استعمالها واستثمارها وله غنمها، وعليه غرمها “.
وقال أيضاً: ” والواقع أن هذه القاعدة، أي الغُنْم بالغُرْم، قائمة على أساس العدل والتوازن، وتمثل الركيزة الأساسية التي ينبني عليها الاستثمار، فإن المشاركة في المغانم والمغارم هي الأصل الذي لا يمكن إهداره، وإلا انقلبت الفكرة النقية التي يدعو إليها النظام الاقتصادي الإسلامي إلى النظام الربوي وهو اختصاص أحد الفريقين بالغُنْم، وتعرض الفريق الآخر وحده لعوارض المغارم والأرزاء”
ويقول الدكتور عبد العزيز عزام: ” وعملاً بهذه القاعدة الغُنْم بالغُرْم فإن البنك يضمن للمودعين، وأيضا فإن المقترضين من البنك يضمنون قيمة القروض… ومن ثم فلا يستحق البنك عائداً على القروض ولا تلزمه فائدة لأصحاب الودائع، وإذا أريد للمودع أن يأخذ عائداً فليتحمل المخاطر الناتجة عن استخدام البنك لهذه الودائع، وإذا أريد للبنك أن يأخذ عائداً مما قُدِّم له من التمويل فليتحمل المخاطر. وكل هذا لا يتأتى إلا في إطار المشاركات التي يتحمل فيها كل طرف جزءً من المخاطر مقابل حصوله على المنافع، عملاً بقاعدة: الغُنْم بالغُرْم “.
الودائع الادخارية في البنوك التقليدية:
البنوك التقليدية تحدد الربح قبل استثمار أموال المودعين، فحينما يقوم المودع بوضع أمواله داخل البنك، يحدد البنك معه مدة محددة حتى يقدر المودع على سحب أمواله، ومن المُفترض أن البنك يقوم باستثمار تلك الأموال، لذا فمن الظلم تحديد نسبة ربح مسبقة، وفي هذا لا يتم تطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم.
فقد لا يتحصل البنك على الفائدة التي قررها مسبقاً للمودعين، فيتحمل تبعة الغُرْم كاملة، وفي هذا إجحافاً بحق أحد الشريكين، وهو الأمر الذي يضطر البنك لأن يُقرض الناس بفائدة عالية حتى يسد العجز ويرد أموال المودعين بالفائدة المقررة لهم سلفاً، والباقي يودع بالبنك، وهذا أدى إلى انتشار الربا بشكلٍ بالغ، وساهم في انهيار الاقتصاد في شتى المجتمعات.
وقال الدكتور عبد العزيز عزام: “والبعد عن شرط الأسد وهو ذلك الشرط الجائز الذي ضمن الكسب لطرف دون طرف، وهذا الشرط ينافي العدل ويحقق الظلم، فإن تحديد مقدار معين مسبق من الربح بنسبة معينة من رأس المال لا يحقق العدالة فقد يكون مساوياً لما تم تحديده وقد يكون دونه فإن إعطاء هذا المقدار المحدد لطرف يمثل تمييزاً له على حساب شريكه وهذا ما يسمى بشرط الأسد”.
ويقول الدكتور سامي حمود: ” إن رأس المال والإنسان هم المحور الذي يدور عليه النظام الاقتصادي في كل زمان ومكان ومادام الإنسان الذي خلقه الله لا يستطيع أن يسخر لخدمته رأس المال الذي هو من اصطلاح البشر فإن الحياه الإنسانية لا يمكن أن تستقيم أو تصل بالناس إلى شاطئ الهناء فليس قضية الربا هي المسألة المحدودة بالحرام والحلال فحسب ولكنها قضية الإنسان في تعامله مع رأس المال، أيكون سيداً أم عبداً أمام الدرهم والدينار، فإن كان سيداً فهو الشريك مع رأس المال على أساس الغُرْم والغُنْم، وإن كان هناك ربح فهو مقسم بالنسبة التي جرى عليها الاتفاق وإن كان خسارة فإن العامل يخسر جهده، ومالك المال يخسر ماله، وبذلك يكون البناء العادل السليم “.
الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية:
التعاقد مع البنوك الإسلامية يعد من قبيل المضاربة، حيث إن الربح ليس مضموناً وليس هناك اتفاق مسبق على أرباح محددة، حيث إن البنك يتحمل الخسارة إن كانت نتيجة تقصير منه فقط، ويُعد البنك هو الأمين على المال، وإلزام أحد طرفي العقد بتحمل الخسارة وحده يؤدي إلى إبطال العقد.
ويقول الإمام ابن رشد في ذلك: “ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وأجمعوا على أن صفته أن يُعطي الرجل للرجل المال على أن يتاجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعدَّ “
وقال الإمام ابن قدامة: ” وحملته: أنه متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهماً من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافاً، والعقد صحيح. نص عليه أحمد “
ومنه فإن الفقهاء قد اشترطوا في المضاربة ألا يكون المال والربح مضموناً.
فقد راعى الإسلام خسارة المُضارب في جهده، فلا يتحمل خسارة الجهد والمال، إلا برعونته وتقصيره، لذا فالمضاربة تفتح مجالات عدة أمام البنوك الإسلامية كي تحقق أرباحاً عالية، وتتسع فروع البنوك الإسلامية في شتى بقاع العالم،
المقاصد الشرعية لقاعدة الغُنْم بالغُرْم:
نجد من خلال ما أسلفنا، الأهمية العظمى لتطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم، حيث إنها تحقق العدل، وتسعى إلى المساواة بين الشركاء، الأمر الذي يخلق معه نوعاً من التراضي فيما بينهم، ووأد أي خلاف يتسبب فيه هَوَا كل منهم، فقد وُضعت تلك القاعدة لتحقق الغاية المنشودة وهي تحقيق العدل على الوجه الأمثل، فالعدل هو فرض عين على كل مسلمٍ ومسلمة كي ينصلح به المجتمع.
ونستوضح ذلك من خلال قول الحق تبارك وتعالى في سورة النحل: ” إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تَذَكَّرون”.
وهناك من الآيات الكثير التي تحث على العدل وتحقيقه.
وقد اهتم بعض الفقهاء المعاصرين بالحديث في تلك المسألة وبيان المقصد من تطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم، ومنه قول الشيخ السعدي: ” ومن الغرر في باب المشاركات، والمساقاة، والمزارعة ونحوها، أن يشترط لأحدهما ربح إحدى السلعتين، أو السفرتين، أو دراهم معينة من الربح، أو زرع ناحية معينة، أو شجراً معيناً ويقتسما الباقي على شرطهما، فإن فيه من الغرور المنافي المقصود المشاركة ما هو ظاهر، مبنى هذه المشاركة على استواء المتشاركين فيما يحصل لهما من غُنْم، وما عليهما من غُرْم “.
وأيضاً فقد قال الدكتور صلاح الصاوي: ” فقد رأينا أن هذا القطاع من أنشطة البنك يقوم على أساس المشاركة، وهو من حيث المبدأ يعتبر المدخل الشرعي الصحيح لكافة عمليات الاستثمار الجماعية في الشريعة الإسلامية، حيث يتم الاشتراك في رأس المال وفي مردوده، أياً كان، ربحاً كان أو خسارة فيكون الغُرْم بالغُنْم، وتتحقق العدالة في توزيع النتائج “.
كتابة : نسمة مجدي

