فض المنازعات في منظمة التجارة العالمية

آلية فض المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية

تُعد آلية فض المنازعات التجارية لمنظمة التجارة العالمية من أهم الآليات التي أسهمت وبشكل كبير في حل الكثير من النزاعات القائمة بين الدول الأعضاء بالمنظمة، لاسيما وأن نظام الجات لم يفلح في حلها لما أثبته من قصورٍ وعدم فاعلية أحكامها، وذلك لعدم وجود هيئة قضائية تتمتع بسلطة الإشراف على تنفيذ تلك الأحكام، وعدم تمتع أحكامها بالحجية اللازمة لتنفيذها، فجاءت آلية فض المنازعات تحت مظلة منظمة التجارة العالمية لحل تلك النزاعات بشكلٍ أكثر فاعلية وهذا ما سنتعرف عليه من خلال مقالنا التالي.

آلية فض المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية

الإنشاء والقواعد الحاكمة لجهاز فض المنازعات:

أهداف جهاز فض المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية:

اختصاصات جهاز فض المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية:

مساهمة الدول النامية في تسوية النزاعات:

هناك بعضًا من العناصر المعاونة التي تساعد جهاز فض المنازعات في إتمام مهمته على الوجه الأمثل، وسوف نتناول من أجل إيضاح ذلك، إنشاء جهاز فض المنازعات والقواعد التي تحكم عمله، ونتعرف أيضاً على الأهداف التي يسعى إليها هذا الجهاز، واختصاصاته، وسنتعرف على تشكيل هيئة التحكيم، ونوضح آلية جهاز الاستئناف، والإجراءات العقابية التبادلية، ونتطرق إلى مراحل فض المنازعات، ثم نختتم مقالنا ببعضٍ من الأمثلة التي توضح لجوء الدول النامية إلى آلية فض المنازعات بمنظمة التجارة العالمية، وهذا من خلال التفصيل الآتي:

الإنشاء والقواعد الحاكمة لجهاز فض المنازعات:

إذا نظرنا إلى وسائل فض المنازعات التجارية فيما قبل، لوجدنا أن فض المنازعات التجارية لمنظمة التجارة العالمية أكثر هذه الوسائل فاعلية، حيث أنه في ظل سكرتارية الجات كان هناك قصور في تنفيذ الأحكام نظراً لعدم وجود هيئة قضائية لها سلطة في تنفيذها، ومنه فإن هذه الأحكام غير مُلْزِمة للأعضاء بالقدر اللازم، الأمر الذي دفع الكثير من الدول النامية إلى العزوف عن استخدام سكرتارية الجات لفض تلك المنازعات بينها وبين الدول الأخرى، النامية أو المتقدمة.

فظهور آلية تسوية النزاعات تحت ظلال منظمة التجارة العالمية، قد أضفى عليها نوعاً من الشرعية لا مثيل له، حيث سَنَّتْ قوانينها بدقة، واتسمت أيضاً بأنها محددة، وعَنَتْ بكل ما هو مُتَوَقَع من أعضائها من مشكلات.

وقد أوضح أهمية تلك الآلية لمنظمة التجارة العالمية، مشروع بحث مقدم من باحثين، في مقدمتهم جوديث غولد شتاين ومايلز كاهلر وروبرت كيوهين وآن ماري سلوتر حول (القوننة والسياسة الدولية) بتحليل مفهوم القوننة خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: الالتزام، الدقة، والتفويض. وقد مثلت منظمة التجارة العالمية تلك الأبعاد من خلال إلزامه أعضاءها باحترام تلك قوانينها والتقيد بها، درءً العواقب التابعة لعدم امتثالهم لها، وفي حال ما إذا نشأ نزاع بين الأعضاء، فإنهم يقومون بتفويض الأمر إلى لجنة تسوية النزاعات لفضها، ثم هيئة الاستئناف، وفي النهاية هيئة تسوية النزاعات.

أهداف جهاز فض المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية:

  1. من أهداف آلية فض المنازعات البحث في إمكانية الوصول إلى حلول إيجابية لتسوية النزاعات التجارية بين الدول تحت كنف منظمة التجارة العالمية.
  2. يُنشِئ جهاز فض المنازعات الهيئات الخاصة بالتحكيم، واعتماد تقارير جهاز الاستئناف، والعمل على مراقبة تنفيذ القرارات والتوصيات، وأيضاً فهي تُرَخِص بتعليق بعض التنازلات والالتزامات المُبرمة بمقتضى الاتفاقات المشمولة.
  3. العمل على سحب التدابير المعنية، متى تبين أنها تتعارض مع أحكام أي من الاتفاق المشمول، وفي حال ما إذا تَعَذر سحب التدابير، في هذه الحالة يتم تقديم تعويض كتدبير مؤقت

اختصاصات جهاز فض المنازعات التجارية لدى منظمة التجارة العالمية:

  1. يختص الجهاز بما ورد بالاتفاقات المشمولة من كيفية إدارة القواعد والإجراءات والمشاورات والعمل على تنفيذ الأحكام الخاصة بتسوية النزاعات.
  2. تتدرج مهام الجهاز في سبيل تسوية النزاعات الناشئة بين الدول في مجال التجارة الدولية، بدءً من مرحلة التشاور بين الطرفان المتنازعان، مروراً بمرحلة تقديم توصيات ومقترحات بالتسوية، نهايةً بإصدار قرارات ملزمة للفصل في النزاع بصفة نهائية، وإنشاء هيئة التحكيم، إلى جانب اعتماد التقارير الخاصة بجهاز الاستئناف، والتصريح بتعليق التنازلات والالتزامات، وفقاً للاتفاقات المشمولة.

وفي حالة ما إذا تعلق الأمر بالنزاعات الناشئة بموجب اتفاق تجاري لعدد من الأطراف، فهنا يكون لأطراف الاتفاق فقط المشاركة وتنفيذ تلك الإجراءات.

3- القيام بالإبلاغ عن أية تطورات حول المنازعات ذات الصلة بأحكام الاتفاقات المشمولة، إلى المجلس واللجان المختصة داخل منظمة التجارة العالمية.

تشكيل هيئة التحكيم:

في حالة نشوب نزاع بين أطراف النزاع، يتقدم أحد طرفيه بطلب لتشكيل هيئة التحكيم لحل النزاع القائم بينهم، ويكون هذا الفريق إما من أفراد حكوميين أو غير حكوميين، لكنهم على دراية كبيرة وخبرة تؤهلهم للجلوس على مقعد هيئة التحكيم والبت في النزاع بحيادية تامة، ولا يوجد مانع إذا ما سبق لهم العمل كممثلين لأحد الأطراف في اتفاقية الجات، أو غيرها.

جهاز الاستئناف:

يختص جهاز الاستئناف بإصدار توصياته بما يتعلق بسحب أو تعديل التدابير وفقاً لأحكام هذه الاتفاقية، دون أن يكون له الحق في أن يضيف أو يعدل أو يُنْقص من الحقوق والالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقيات.

واستناداً إلى نص المادة (17) من الاتفاقية والتي أوضحت قيام جهاز فض المنازعات بإعداد جهاز استئناف مستديم، يتكون من سبعة أعضاء، يتم نظر القضايا بواسطة ثلاثة قضاة من بين السبعة، في كل قضية يتم عرضها على اللجنة، وذلك وفق الإجراءات التي تم وضعها، والتي تُبين كيفية عمل هؤلاء القضاة.

أما ما يتعلق بتعينهم، فيعينون لمدة أربعة سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.

وتُعد قرارات هيئة الاستئناف نهائية، وملزمة لطرفي النزاع، أي أنها تتمتع بالحجية اللازمة لتنفيذها.

ويجوز لمن صدر الحكم ضده أن يتفاوض مع الطرف الآخر لمدة زمنية للاتفاق على تعويض مناسب لكلاً من طرفي النزاع، فإذا مضت عشرون يوماً دون التوصل إلى النتيجة المرجوة، فإن للعضو المضار أن يلجأ إلى جهاز تسوية المنازعات لكي يوقف التنازلات وغيرها من الالتزامات المعنية بمقتضى الاتفاقيات.

الإجراءات العقابية التبادلية:

تُعَد من قبيل الإجراءات المُتخذة من أجل تحقيق المصلحة المثلى للطرف المضرور، وأيضاً لردع المخالف، حيث تم صياغتها من أجل العمل على إحقاق العدل والحق بين جميع الدول الشركاء في المنظمة، والذي من خلاله يتم تحقيق المصلحة الفضلى لجميع الدول الأعضاء النامية منها والأقل نمواً لقدرتهم على مواجهة الدول الأكثر طغياناً.

حيث إن للطرف المضرور أن يوقف التزاماته قِبل الطرف الآخر المشكو في حقه، حتى وإن لم يكن فيما يخص نفس مجال الخلاف بينهما، مثل أن يكون هناك انتهاك لحقوق الطرف الشاكي في مجال السلع الزراعية، فيجوز له إيقاف التزاماته أمام الدولة الجائرة في مجالات أخرى ليس لها علاقة بالنزاع القائم، على النحو التالي:

يمكن للعضو المضرور إيقاف التزاماته المتعلقة بمجالات تخص (الصناعة والزراعة) إن لم تؤت إيقاف التزاماته فيما يخص السلع الزراعية ثمارها.

وإن لم تؤتِ تلك الإجراءات ثمارها، فيحق للدولة الشاكية، إيقاف التزاماتها تجاه الطرف الآخر في أية قطاع من القطاعات الأخرى، غير المتصلة بالنزاع، كتعليق التزاماته بقطاعات حقوق الملكية الفكرية وقطاع الخدمات إلخ…

مراحل فض المنازعات:

إن عملية فض المنازعات تتم من خلال عدة مراحل، وذلك على فترات زمنية، وسنبينها على النحو التالي:

  • مرحلة المشاورات والمصالحات.
  • تشكيل اللجنة، وتحديد عناصر القضية، وتعيين أعضاء هيئة التحكيم.
  • دراسة اللجنة، مراجعة مؤقتة، تقرير اللجنة النهائي إلى الفرقاء.
  • مرحلة المداولة.
  • تقرير اللجنة النهائي إلى هيئة تسوية النزاعات DSB
  • اللجوء إلى جهاز الاستئناف.
  • ثم مرحلة التعويض والترخيص بوقف التنازلات والامتيازات، أو التفويض بالرد الإنتقامي.

إلا أن هذا يشكل نوعاً من عدم التكافؤ بين الدول، حيث ستكون الغلبة للأقوى بما أن توقيع العقاب يكون في يد الطرف المضار، فستكون الدول الأقوى قادرة على فرض عقوبة أقوى على الطرف الأضعف. وبالتالي ستخضع هنا العدالة أمام القوة العظمى. ويظهر هذا جلياً من خلال عزوف بعض الدول النامية عن اللجوء إلى استخدام تلك الآلية في فض منازعاتها مع الدول المتقدمة.

مساهمة الدول النامية في تسوية النزاعات:

يوجد العديد من الأمثلة التي سنستوضح منها لجوء الكثير من الدول النامية إلى آلية تسوية النزاعات لدى منظمة التجارة العالمية ومنها

  • فيما يتعلق بحظر استيراد الولايات المتحدة الأمريكية للجمبري، استناداً إلى إصدارها قانون أمريكي محلي خاص بحماية الحيوانات البحرية، الأمر الذي دفع كلاً من تايلاند وماليزيا وانضمت إليهما باكستان، بالتوجه لطلب للجنة فض المنازعات التجارية لمنظمة التجارة العالمية من أجل وقف هذا الحظر، والذي يتعارض مع مبدأ حرية التجارة الدولية، بالإضافة إلى عدم الاستناد لأية اتفاقات دولية فيما يتعلق بهذا الحظر، وقد تم انضمام العديد من الدول الأخرى كطرف ثالث في النزاع كأستراليا، والإتحاد الأوروبي، وكولومبيا، والهند وغيرهم… وقد انضمت تلك الدول لحرصها الشديد على إلغاء هذا الحظر.
  • وأيضاً فقد تقدمت كل من تشيلي وبيرو بطلب إلى لجنة فض المنازعات ضد الإتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بالإجراءات المُتخذة من قبل الإتحاد الأوروبي للحد من استيراد المحار.
  • وما حدث من لجوء سنغافورة إلى آلية فض المنازعات وإجراء المشاورات، بينها وبين ماليزيا، بشأن حظر استيراد البوليثين، والبروليبروفلين، بدون أخذ ترخيص بالاستيراد.

وغيرها الكثير من الأمثلة على لجوء الدول النامية إلى آلية فض المنازعات التجارية الناشئة بينها وبين باقي الدول الأعضاء بالمنظمة.

كتابة :نسمة مجدي

Scroll to Top