الدفوع المتعلقة بالنظام العام في الدعوى المدنية 

إن من يريد اللجوء للقضاء للمطالبة بحق له أو حمايته، لا بد أن يكون مطلعاً وعالماً بإجراءات التقاضي التي نص عليها المشرع في قانون أصول المحاكمات المدنية أو الجزائية، وأن يتخذ الإجراءات الشكلية الصحيحة التي نص عليها القانون، حتى يتم بسط ادعائه أمام القضاء بالشكل الصحيح الذي تقوم به الخصومة، فاللجوء إلى القضاء لا يستند إلى المطالبة بالحقوق فقط والدفاع عنها موضوعياً، وإنما لا بد من الدفاع عن الحق من خلال معرفة صحة الإجراءات الشكلية القضائية. وكنا قد تحدثنا بمقال منفصل عن الدفوع في الدعوى المدنية بشكل عام ، وفي مقال آخر عن الدفوع الشكلية في الدعوى المدنية، وهنا سنفصل حول الدفوع المتعلقة بالنظام العام في الدعوى المدنية.

أهمية معرفة الدفوع الشكلية وأنواعها

تكمن أهمية معرفة الدفوع الشكلية ( انظر مقال مفصل عن الدفوع الشكلية في الدعوى المدنية ) والتطبيق العملي لها في القضاء إلى حسم النزاع مؤقتاً ، فمثلاً من الدفوع الشكلية غير المتعلقة بالنظام العام  ، الدفع بعدم الاختصاص المكاني  ، فقد يخطأ المدعي بمكان المحكمة المختصة بنظر دعواه ، فبدل من أن يرفعها لمحكمة صلح عمان على سبيل المثال ،  يقوم برفعها لمحكمة صلح إربد  ، فلا بد أن يكون للخصم الأخر من الفطنة والذكاء والعلم الذي يستغل معه هذا الخطأ الذي وقع به خصمه ،  فيقوم  بإثارته أمام المحكمة قبل البدء بأي دفع إجرائي آخر وإلا سقط الحق فيه ، فإذا أثاره حسم النزاع مؤقتاً برد الدعوى لعدم الاختصاص المكاني .

وعليه يفهم أن الدفوع الشكلية وسائل دفاعية توجه إلى إجراءات الخصومة وليس لأصل الحق المدعى به، والدفوع الشكلية أنواع دفوع غير متعقلة بالنظام العام ودفوع متعلقة بالنظام العام، وما سنتناول الحديث عنه في هذا المقال هي الدفوع المتعلقة بالنظام العام.

الدفوع المتعلقة بالنظام العام

نص قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة 111 على الدفوع المتعلقة بالنظام العام وهي: –

الدفع بعدم الاختصاص النوعي، والدفع بعدم الاختصاص الولائي، والدفع بعدم الاختصاص القيمي، الدفع بسبق الفصل في الدعوى.

الدفع بعدم الاختصاص النوعي وهو توزيع الاختصاص بين المحاكم على أساس نوع أو طبيعة الرابطة القانونية محل الحماية، وبغض النظر عن قيمة الدعوى، وهو يستند إلى تنظيم مرفق القضاء.

الدفع بسبق الفصل في الدعوى يعتبر هذا الدفع الوسيلة العملية لوضع حد للنزاع ومنع تضارب الأحكام ، ويشترط في هذا الدفع توافر ثالثة شرو ط وهي؛ وحدة الخصوم ووحدة الموضوع واتحاد السبب، فهذه الشروط مجتمعة الأزمة للقول بأن الدعوى الجديدة هي ذات الأمر المقضي به لاختلاف الدعوتين.

الدفع بعدم الاختصاص القيمي وهو توزيع الاختصاص بين المحاكم بالفصل بالدعاوى بحسب قيمة الدعوى،

من يملك حق إثارة دفوع نظام العام؟  

كل من له مصلحة في الدفع، فقد نصت المادة 3 من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه مصلحة قائمة يقرها القانون، إذا يشترط بالدفع أن يقدم ممن له مصلحة في تقديمه، وهذا الشرط لا يرتبط فقط بالدفوع المتعلقة بالنظام العام وإنما بالدفوع الشكلية على وجه العموم.

هل يشترط وقع ضرر لإبداء الدفع؟

الضرر مفترض ولا يشترط حدوثه لإبداء الدفوع، فمجرد حصول المخالفة تتحقق المصلحة بإبداء الدفع، فإذا وقعت وتمسك الخصم بالجزاء الذي رتبه القانون على ذلك وجب على المحكمة أن تحكم به، ولا يجوز على المدعي التذرع بأن المخالفة التي وقعت في الإجراءات الشكلية لم تصب المدعى عليه بأي ضرر، وهذا ينطبق على الدفوع الشكلية على وجه العموم سواءً كانت متعلقة بالنظام العام أو غير متعقلة بالنظام العام.

متى يجب إثارة تلك الدفوع؟

يجوز إبداء الدفوع المتعلقة بالنظام العام في أي حالة تكون عليها الدعوى، وفي أي درجة من درجات التقاضي، وذلك على عكس الدفوع غير المتعقلة بالنظام العام، التي يجب أن يتم إبدائها كلها معاً في مذكرة طعن واحدة، فإذا اقتصر على إبداء بعضها، فإن ذلك يسقط الحق في التمسك بعد ذلك فيما لم يبد منها.

من يملك إثارة الدفع المتعقلة بالنظام العام؟

تثار الدفوع الشكلية من قبل المحكمة أو بناءً على طلب الخصم، وذلك لأنها متعلقة بالنظام العام أي تمس إجراءات قانونية فرضها القانون بشكل لا يقبل التغيير أو التهاون فيها، لذلك للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها، وذلك على عكس الدفوع غير المتعلقة بالنظام العام، والتي لا تثار إلا من قبل الخصم.

الفصل في الدفع المتعلق بالنظام العام

تفصل المحكمة بالدفع المتعلق بالنظام العام فور إثارته، إذا ترتب على ثبوته إصدار حكم برد الدعوى، فتتفادى المحكمة الفصل في موضوع الدعوى بصفة مؤقتة.

هل من الممكن رفع التي تم الحكم بردها بناءً على إبداء دفع متعلق بالنظام العام؟

نعم، فالحكم الصادر بقبول الدفع المتعلق بالنظام العام لا يترتب عليه إنهاء النزاع على أصل الحق فهو يفصل في مسألة أولية، دون أن يمس موضوع النزاع، وهو حكم فرعي صادر قبل الفصل في الموضوع، وبالتالي يجوز إقامة الدعوى من جديد للمطالبة وبإجراءات جديدة وصحيحة.

وهذا يشمل أيضا الدفوع الشكلية بشكل عام باستثناء الدفع بسبق الفصل في الدعوى والدفع بمرور الزمن.

الطعن بالحكم الصادر بالدفع المتعلق بالنظام العام

يتم الطعن بالحكم الصادر بالدفع المتعلق بالنظام العام سواًء كان بسبب قبول هذا الدفع أو رده، فيستأنف الحكم الصادر بالدفع المتعلق بالنظام العام فور صدوره عن المحكمة التي أصدرته، إذا كان حكماً بقبول الدفع، أما إذا كان حكماً برد الدفع فإنه يستأنف مع موضوع الدعوى، فالدفع بعدم الاختصاص الولائي النوعي والقيمي في حال صدر الحكم بردها تستأنف مع موضوع الدعوى، وفي حال صدر الحكم بقبولها تكون قابلة للاستئناف، لأن الدعوى قد صدر بها حكم منهي للخصومة بصفة مؤقتة.

هل يجوز تمييز الحكم الصادر برد الدفع المتعلق بالنظام العام؟

لا، فلا يجوز تمييز الحكم الصادر برد الدفع الشكلي.

الدفع بأن القضية مقضية والدفع بسبق الفصل في الدعوى

فكلاهما يعطي معنى واحد، إلا أن الدفع بكون القضية مقضية قد نص عليه قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة 109، ويعد من الدفوع التي يجب على الخصم إثارتها قبل الخوض بموضوع الدعوى وبطلب مستقل يشمل كافة الدفوع الواردة في نفس المادة وهي: عدم الاختصاص المكاني، وجود شرط تحكيم، بطلان أوراق التبليغ، مرور الزمن، أما الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من الدفوع المتعلقة بالنظام العام والتي يمكن إثارتها في أي وقت وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى.

والسؤال الذي يثور على ماذا استند المشرع في هذا التفرقة؟

نرى أن الدفع بكون القضية مقضية هو دفع ذو صفتين، صفة شكلية وصفة موضوعية، صفة شكليه لكونه دفع متصل بالنظام العام، وصفة موضوعية لكونه يتعلق بموضوع الدعوى وبتالي يمكن إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وهذا ما أكدته محكمة التمييز في وقد التمييز الأردنية في قرار لها على

(إن الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه،  لم يكن من الدفوع المتعلقة بالنظام، ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ به من تلقاء نفسها عمالاً بالفقرة الثانية من المادة (41) من قانون البينات، إلا أنه من المتفق أن هذا الدفع موضوعي يجوز التمسك فيه في أي مرحلة من ً عليه فقهاً وقضاء مراحل الدعوى، لهذا فإن مجرد دخول المميز ضده في أساس الدعوى دون أن يبدر منه ما يفيد التنازل عن هذا الدفع بحيث ال يستطيع إثارته بعد ذلك (.، قرار محكمة التمييز الأردنية حقوق رقم 113/64 ص1142 لسنة1864.

النصوص القانونية المتعلقة بالدفوع المتعلقة بالنظام العام

قانون أصول المحاكمات المدنية

المادة 111:

  1. الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها، أو بسبب نوع الدعوى ،أو قيمتها، أو بعدم جواز نظرها لسبق الفصل فيها أو باي دفع آخر متصل بالنظام العام يجوز إثارته في أية حالة تكون عليها الدعوى وتحكم به المحكمة من تلقاء ذاتها.
  2. إذا أثير دفع متصل بالنظام العام أو باي دفع شكلي آخر يترتب على ثبوته إصدار الحكم برد الدعوى يجب على المحكمة ان تفصل فيه فورا من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم ويكون القرار الصادر برد هذا الدفع قابلا للاستئناف مع موضوع الدعوى.

المادة 3:

  1. لا يقبل اي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون.

قانون البينات

المادة 41:

. 1. الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة الا في نزاع قام بين الخصوم انفسهم دون ان تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلاً وسبباً.

  1. ويجوز للمحكمة ان تأخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها.

الحكم رقم 2033 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية

وعن السبب التاسع: – الذي يخطئ فيه الطاعن محكمة الاستئناف بعدم رد الدعوى كون القضية مقضية حيث إن المدعي سبق له أن تقدم بدعوى بموضوع الدعوى نفسه.

وفي ذلك نجد أن المدعى عليه سبق له أن تقدم بالطلب رقم (94/2016) لرد الدعوى لعلة القضية المقضية وقد أثار هذا الدفع لدى محكمة الاستئناف في أسباب الطعن إلا أن محكمة الاستئناف ردت هذا الدفع أو السبب دون أن تتنبه إلى أن هذا الدفع من الدفوع المتعلقة بالنظام العام طبقاً لأحكام المادة (111) من قانون أصول المحاكمات المدنية.

وحيث إن محكمة الاستئناف لم تفعل وتبحث مدى توافر شروط القضية المقضية فإن حكمها والحالة هذه يغدو سابقاً لأوانه ومستوجب النقض لورود هذا السبب عليه.

الحكم رقم 1133 لسنة 2005 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية

  1. جرى اجتهاد محكمة التمييز منذ صدور قرار الهيئة العامة رقــم 2957/2002 تاريخ 2/2/2003 على أن المقصود بالاختصاص الوارد في المادة 170/3 من قانون أصول المحاكمات المدنية هو الاختصاص المكاني وأن القرار الصادر برد الدفع بعدم الاختصاص الوظيفي لا يقبل الطعن إلا مع الحكم الفاصل فـي الدعوى باعتباره من الدفوع المتعلقة بالنظام العام عملاً بأحكام المادة 111 من قانون أصول المحاكمات المدنية وعليه فإن القرار المميز إذ توصل إلى رد الطعن الاستئنافي المتعلق برد الدفع المتعلق بالاختصاص الوظيفي شكلاً يكون في محله.

الدفع بعدم الاختصاص الوظيفي غير قابل للطعن

1- القاعدة في تفسير نصوص القانون توجب ان تقرأ مجموع هذه النصوص معا حتى تتوصل المحكمة الى حكمة المشرع من وضع هذه النصوص ولا يجوز اجتزاء نص لاستخلاص حكم منه اذا كان في القانون نص آخر يقيده صراحة أو ضمنا.
2- راعى المشرع عند النص على الدفع بعدم الاختصاص القابل للطعن في المادة (170) من قانون أصول المحاكمات المدنية ما ورد بأحكام المادة (109) منه المتعلقة بعدم الاختصاص المكاني وراعى حالة قبول الطلب بعدم الاختصاص الوظيفي المتصل بالنظام العام وهي المقصودة بقابليتها للطعن ونظرا لان المشرع استثنى حالة واحدة من عدم قابلية الدفع بعدم الاختصاص الوظيفي للاستئناف وهي حالة رد هذا الطلب وإلا لما نص القانون على هذه الحالة بالفقرة الثانية من المادة (111) منه لان المشرع لا يلغو وتعتبر مقيدة لأحكام المادة (170) من الأصول المدنية.
وبناء على ذلك يكون القرار الصادر برد طلب شركة عالية بالدفع بعدم اختصاص المحكمة المتضمن ان موظفي ومستخدمي مؤسسة عالية هم من عداد الموظفين العامين وينطبق عليهم أنظمة مؤسسة عالية وليس قانون العمل هو دفع بعدم الاختصاص الوظيفي وغير قابل للطعن.

إعداد المحامية: ليلى خالد