الاختصاص المكاني للمحاكم

تناول المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته ،القواعد التي تنظم اختصاص المحاكم فيما يتعلق بنظر المنازعات المدنية ،وذلك بشكل مفصل ،وقسم قواعد الاختصاص إلى قواعد اختصاص وظيفي هدف منه توزيع العمل بين جهات القضاء المختلفة ،وقواعد الاختصاص القيمي والذي حدد من خلاله النصاب القيمي لكل محكمة من حيث قيمة النزاعات التي يجوز لها أن تتولى الفصل ،وقواعد اختصاص نوعي جعل من خلاله لكل محكمة صلاحية نظر نوع معين من النزاعات ،وأخيرا قواعد الاختصاص المكاني والذي هدف منه تحديد المحكمة المختصة مكانيا والواجب رفع الدعوى أمامها ،وفي هذا المقال نسلط الضوء على الاختصاص المكاني للمحاكم وسنبحث فيه بالتفصيل .

تعريف الاختصاص المكاني

هو سلطة المحاكم في الفصل في الدعاوى بحسب الموقع أو المكان، فهو يعني توزيع الاختصاص بنظر الدعاوى توزيعا جغرافيا بين المحاكم التي تنتمي إلى صنف واحد ودرجة واحدة، وقد تناولت نصوص المواد من 36-47 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني قواعد الاختصاص المكاني للمحاكم وذلك حسب نوع الدعوى.

فالقاعدة العامة في الاختصاص المكاني هو اختصاص محكمة موطن المدعى عليه، أي أن الاختصاص ينعقد للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه، فالأصل أن المدعي يسعى إلى المدعى في أقرب المحاكم إلى موطنه وذلك حتى لا يتعنت المدعي ويقوم برفع الدعوى في مكان بعيد.

والموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة بنية الاستيطان، سواء في بلدته أو في أي مكان آخر توطن فيه وجعله مكان ليعيش فيه بشكل مستقر، وليس بقصد الارتحال عنه.

ويقصد بالموطن القانوني أو الحكمي: بأنه موطن من ينوب عن القاصر والمحجور عليه والمفقود والغائب، فالدعاوى التي ترفع على هؤلاء الأشخاص لا ترفع في المحاكم الموجودة في المكان الذي يقيمون فيه، إنما في المكان الذي يقيم فيه من ينوب عنهم قانونا.

كيف يحدد الاختصاص المكاني للمحاكم؟

عالجت المواد من 36-47 من قانون أصول المحاكمات المدنية هذا الأمر ، ويتم تحديد الاختصاص المكاني على النحو التالي:

·        في دعاوى الحقوق الشخصية أو المنقولة:

يمكن بيان ماهية دعاوى الحقوق الشخصية بأنها تلك الدعاوى التي يكون محلها حقا شخصيا أو تستند إلى حق شخصي ومجالها الالتزامات أو ما يسمى بحقوق الدائنين، وهذه الدعاوى يصعب حصرها، لأن الحقوق الشخصية لم ترد في القانون على سبيل الحصر، وفي هذه الدعاوى يكون الاختصاص المكاني للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه، فإذا لم يكن للمدعى عليه موطن في الأردن فينعقد الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها مكان إقامته المؤقت، وفي حالة تعدد المدعى عليهم كان الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن أحدهم.

·        في الدعاوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة:

ويقصد بالدعاوى العينية بأنها الدعاوى التي تستند إلى حق عيني، حيث تهدف إلى حماية هذا الحق بوجه من ينازع فيه، والدعاوى العينية العقارية تندرج تحت الحقوق العينية الأصلية.

أما عن تعريف دعاوى الحيازة فيقصد فيها تلك الدعاوى التي يتمسك فيها المدعي بمركز واقعي وهو سيطرته الفعلية على عقار وهي تنفرد بقواعد خاصة تميزها عن دعاوى الحق.

وينعقد الاختصاص المكاني في هذه الدعاوى للمحكمة التي يقع في دائرتها العقار، أو أحد أجزائه إذا كان واقعا في دوائر محاكم متعددة. وفي حالة تعدد العقارات كان الاختصاص للمحكمة التي يقع أحدها في دائرتها.

أما عن الدعاوى الشخصية العقارية وهي الدعاوى التي تستند لحق شخصي ويطلب بها تقرير حق عيني على عقار أو اكتساب هذا الحق، فإن المدعي فيها له الخيار في رفع الدعوى أمام المحكمة التي يقع في دائرتها العقار أو محكمة موطن المدعى عليه.

·        في الدعاوى المتعلقة بالشركات أو الجمعيات القائمة أو التي في دور التصفية أو المؤسسات:

ينعقد الاختصاص المكاني في هذه الحالة للمحكمة التي يقع في دائرتها مركز إدارتها، بغض النظر إذا كانت هذه الدعوى قد أقيمت على الشركة أو على الجمعية أو على المؤسسة، أو إذا كانت مرفوعة من الشركة أو الجمعية أو المؤسسة على أحد الشركاء أو الأعضاء أو فيما إذا كانت قد أقيمت من شريك أو عضو على شريك أو عضو آخر.

وفي حالة كانت الدعوى تتعلق بفرع الشركة أو الجمعية أو المؤسسة، فيجوز رفع الدعوى إلى المحكمة التي يقع في دائرتها هذا الفرع.

·        الدعاوى المتعلقة بالتركات أو التي يرفعها الدائن قبل قسمة التركة:

ففي هذه الدعاوى يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها محل فتح التركة.

وبالنسبة للدعاوى التي يرفعها الورثة على بعضهم البعض قبل قسمة التركة فإن الاختصاص يتعقد أيضا للمحكمة التي يقع في دائرتها محل فتح التركة أيضا.

·        في المواد التي فيها اتفاق على محل مختار لتنفيذ العقد:

يقصد بالمحل المختار: المكان الذي يختاره الشخص بإرادته لتنفيذ عمل أو تصرف قانوني معين.

ويكون الاختصاص المكاني في هذه الحالة للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه أو للمحكمة التي يقع في دائرتها المحل المختار للتنفيذ.

·        في المنازعات المتعلقة بالإفلاس أو الإعسار المدني:

والمقصود بالإفلاس: نظام جماعي لتصفية أموال المدين التاجر الذي يتوقف عن سداد ديونه التجارية نتيجة عدم كفاية أمواله للوفاء بتلك الديون.

أما الإعسار المدني: فهو نظام خاص بالمدينين غير التجار ويفترض عدم كفاية أوال مدين للوفاء بديونه المستحقة.

فالمنازعات التي تتعلق بكل من الإفلاس والإعسار المدني فإن الاختصاص المكاني لها ينعقد للمحكمة التي تقضي به.

·        في المنازعات المتعلقة بالتوريدات والأشغال وأجور المساكن وأجور العمال والصناع:

ففي هذه المنازعات يكون الاختصاص المكاني لمحكمة المدعى عليه أو للمحكمة التي تم الاتفاق أو نفذ ضمن دائرتها.

·        في المنازعات المتعلقة بطلب التأمين:

ينعقد الاختصاص المكاني في مثل هذه المنازعات للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن الشخص المؤمن عليه، أو مكان المال المؤمن عليه.

·        في المواد التجارية:

ينعقد في هذه الحالة لمحكمة المدعى عليه أو للمحكمة التي في دائرتها تم الاتفاق وتسليم البضاعة، أو للمحكمة التي يجب الوفاء في دائرتها.

·        في الدعاوى المتضمنة طلب اتخاذ إجراء مؤقت أو مستعجل:

يكون الاختصاص المكاني في الدعاوى المطلوب اتخاذ إجراء مؤقت أو مستعجل فيها للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه أو المحكمة المطلوب حصول الإجراء في دائرتها.

أما بالنسبة للمنازعات المستعجلة والمتعلقة بتنفيذ الأحكام والسندات فيكون الاختصاص للمحكمة التي يجري في دائرتها التنفيذ.

·        في المنازعات المتعلقة بمصروفات الدعاوى وأتعاب المحاماة إذا وقعت بصورة تبعية:

ينعقد الاختصاص المكاني فيما يتعلق بهذه المنازعات للمحكمة التي فصلت في أصل الدعوى شريطة ألا يخل ذلك في الأحكام الواردة في قانون نقابة المحامين.

·        في حالة عدم وجود موطن ولا سكن للمدعى عليه في المملكة ولم يتيسر تعيين محكمة مختصة:

تتمثل هذه الحالة عندما لا يكون للمدعى عليه داخل المملكة موطن ولا سكن، ولم يتم التمكن من تعيين محكمة مختصة، فيكون الاختصاص في هذه الحالة للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعي أو محل عمله، وفي حال لم يكن للمدعي موطن أو محل عمل، فينعقد الاختصاص في مثل هذه الحالة إلى محكمة عمان.

إحالة الدعوى لعدم الاختصاص المكاني

إن الاختصاص المكاني للمحاكم لا يتعلق بالنظام العام ،ولا تثيره المحكمة من تلقاء نفسها ،وإنما يجب التمسك بعدم الاختصاص المكاني من قبل المدعى عليه ،وذلك من خلال طلب يقدمه قبل الدخول في أساس الدعوى ،وإلا سقط الحق فيه ،فإذا قدم المدعى عليه دفعا بعدم الاختصاص المكاني تبحث المحكمة في مسألة هذا الاختصاص ،فإذا قررت عدم الاختصاص وجب عليها أن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة مكانيا بنظرها وتحيلها بحالتها ومن النقطة التي وصلت إليها عملا بأحكام المادة 112 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني  حيث تسير المحكمة المحال إليها الدعوى فيها من النقطة التي وصلت إليها المحكمة المحيلة .

أما إذا أثار المدعى عليه الدفع بعدم الاختصاص المكاني بعد الدخول في أساس الدعوى، فإن المحكمة ترد الطلب لسقوط الحق في التمسك في هذا الدفع، لعدم تقديمه خلال المدة القانونية التي يتوجب تقديمه فيها وهي قبل الدخول في أساس الدعوى.

اجتهادات محكمة التمييز الأردنية حول الاختصاص المكاني للمحاكم

قرار محكمة التمييز الصادر عن الهيئة العادية رقم 711/2013 فصل 4/6/2013 (الاختصاص المكاني في الدعاوى العينية العقارية):

“حيث نجد أن المادة 37 من قانون أصول المحاكمات المدنية قد نصت على أن في الدعاوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها العقار أو أحد أجزائه إذا كان واقعا في دوائر محاكم متعددة.

وحيث أن هذه الدعوى هي دعوى منع معارضة بعقار وأن قطعة الأرض تابعة لدائرة تسجيل أراضي شرق عمان وعليه فإنها دعوى عينية عقارية بالمعنى المقصود بالمادة (37/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية ويكون الاختصاص المكاني فيها منعقدا لمحكمة بداية حقوق شرق عمان باعتبارها المحكمة التي يقع في دائرتها العقار موضوع الدعوى وأن المطالبة بالتعويض لا تنتزع هذا الاختصاص باعتبار هذا الاختصاص من النظام العام وحيث أن محكمة الاستئناف قد توصلت لهذه النتيجة فيكون قرارها موافق للقانون وفي محله “.

إعداد المحامية : ثمار إبراهيم

المراجع

الموقع الإلكتروني حماة الحق للمحاماة