تنازع الاختصاص أمام المحاكم المدنية

يتمثل الاختصاص القضائي بالسلطة القضائية التي يتمتع بها القاض أو الجهة قضائية، وتخول لهما حق النظر والفصل في القضايا المرفوعة إليهما، فهو أصل النظر في الدعوى، فلا يجوز الولوج إلى أي دعوى قضائية إلا بعد قيام هذا الاختصاص القضائي، لكونه يعتبر السلطة التي خولها القانون لمحكمة ما للفصل في نزاع ما.

وللاختصاص القضائي أنواع متعددة ،ذكرها المشرع في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني مع بيان كل ما يتعلق بها ،وهي الاختصاص الولائي و الاختصاص النوعي و الاختصاص المكاني و الاختصاص القيمي .

وفي مقالنا هذا سوف نتناول موضوع على درجة من الأهمية ألا وهو تنازع الاختصاص بين المحاكم، معرفين فيه معنى تنازع الاختصاص ،وأنواع تنازع الاختصاص، وكيفية وقوع مثل هذا التنازع، والشروط الواجب توافرها في طلب تعيين المرجع، والجهة التي يقدم إليها طلب تعيين المرجع، والأثر المترتب على تقديم طلب تعيين المرجع.

تعريف التنازع في الاختصاص

هو الحالة التي تصدر فيها عدة محاكم في نزاع واحد قرارات غير قابلة للطعن، صرحت فيها باختصاصها أو عدم اختصاصها فيه، بمعنى أنه خلاف بين جهتين قضائيتين في شأن اختصاصهما بنظر دعوى معينة.

كما عرفه بعض الفقهاء بأنه اختلاف بين محكمتين لا تتبعان إلى أي جهة قضائية واحدة نظاما، بالتخلي عن الدعوى أو النظر فيها وإصدار حكم أو نطق حكم متعارض في التنفيذ.

أنواع تنازع الاختصاص

يقسم تنازع الاختصاص إلى نوعين هما:

تنازع اختصاص إيجابي: وهو أن تدعي كل جهة قضائية اختصاصها المطلق بنظر النزاع، إما صراحة برفضها الدفع بعدم الاختصاص، أو ضمنا باستمرارها في نظر الدعوى رغم الدفع بعدم الاختصاص، فهذا التنازع يقوم عندما تصرح محكمتين باختصاصهما في نظر النزاع المعروض عليها، فتقضي كل واحدة بحكم، ويترتب على ذلك صدور حكمين متناقضين، ولا يعتد في هذه الحالة إلا بالحكم الصادر عن المحكمة المختصة بعد رفع التنازع للجهة المختصة، حيث يكون الحكم الآخر معدوما وكأنه لم يكن.

الشروط الواجب توافرها لتحقق التنازع الإيجابي

يشترط لقيام وتحقق التنازع الإيجابي بين المحاكم عدة شروط وهي:

اتحاد الموضوع في الدعاوى محل التنازع، واتحاد كل من السبب والأطراف، فإذا اختلف أحدهما عن الآخر فإننا نكون بصدد دعويين مختلفتين ولا يقوم التنازع في هذه الحالة.

كما يشترط أن يكون التنازع قائما وفعليا بين جهتين قضائيتين، وألا تتخلى كل جهة عن موقفها بنظر الدعوى، حتى لو أثيرت مسألة الدفع بعدم الاختصاص.

تنازع اختصاص سلبي: وهو تدافع الاختصاص، وذلك بأن تدعي كل جهة قضائية عدم اختصاصها المطلق بنظر النزاع، وتصدر حكما نهائيا بذلك، حيث يترتب على ذلك إقفال باب التقاضي.

الشروط الواجب توافرها لتحقق التنازع السلبي:

يشترط لقيام وتحقق التنازع السلبي بين المحاكم عدة شروط وهي:

يتوجب لقيام وتحقق التنازع السلبي بين المحاكم اتحاد الموضوع في الدعاوى محل التنازع وكذلك اتحاد كل من السبب والأطراف، كما يشترط أيضا أن يكون التنازع فعليا بين الجهتين اللتان أعلنتا عدم الاختصاص، وأن تقضي كل جهة بعدم اختصاصها بالنظر، وأن يكون الحكمان الصادران بعدم الاختصاص نهائيين.

تنازع الاختصاص بين جهتين قضائيتين والمحكمة المختصة بالفصل بينهما

جاء بالمادة 35 فقرة 1/أ من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني ،أنه إذا كان التنازع واقعا ما بين محكمتي صلح أو بين محكمة بداية ومحكمة صلح ،أو بين محكمتي بداية وكان كل منهما يتبعان إلى محكمة استئناف واحدة ،فإن المحكمة المختصة بحل مسألة التنازع هي محكمة الاستئناف ،فهي من تقوم بتعيين المحكمة المختصة بنظر الدعوى المتنازع عليها ،أما إذا كان التنازع قائما ما بين محكمتين لا تتبعان لمحكمة استئناف واحدة ،فإن محكمة التمييز هي من تعين المحكمة المختصة بنظر الدعوى .

وفي حال قام التنازع بين محكمتي استئناف، فإن محكمة التمييز هي صاحبة الصلاحية في تعيين المحكمة المختصة بالدعوى المتنازع عليها.

وتعيين المحكمة المختصة بنظر الدعوى المتنازع عليها، يكون من خلال تقديم طلب يسمى طلب تعيين مرجع، يتم تقديمه الى محكمة الاستئناف و/أو محكمة التمييز، من أجل إصدار قرار يقضي بحل هذا التنازع وتعيين المحكمة المختصة بالنظر والفصل في الدعوى محل التنازع.

الشروط الواجب توافرها في لتقديم طلب تعيين مرجع:

  • أن يكون التنازع بين حكمين قضائيين بالمعنى الفني: أي أن يكون كل منهما عملا قضائيا بالمعنى الصحيح، والعمل القضائي هو الذي يصدره القاضي بمقتضى سلطته القضائية، حيث يتخذ ها العمل شكل الحكم.
  • أن يكون الحكمان القضائيان متناقضين: ويتمثل وجود هذا التناقض إذا كان كل حكم قد فصل في موضوع الدعوى الواحدة على نحو مختلف ومتعارض مع ما قضى به الحكم الآخر، بحيث تكون هنالك صعوبة أو استحالة في تنفيذهما مها، أو يكون تنفيذ أحدهما متعارضا مع ما للحكم الآخر من حجية.
  • أن يكون الحكمين نهائيين عند تقديم طلب تعيين المرجع: بمعنى أنه إذا كان أحد الحكمين ابتدائيا قابلا للاستئناف، وجب استنفاذه أولا لطريق الطعن بالاستئناف ولو بانقضاء ميعاده، نظرا لاحتمال إلغاء الحكم نتيجة الطعن بالاستئناف، فلا تبقى حاجة لتقديم طلب تعيين مرجع.
  • أن يبقى الحكمان قائمان منذ تقديم طلب تعيين المرجع إلى حين الفصل فيه: فإذا كان أحد الحكمين قد ألغي من الجهة التي أصدرته، سواء قبل تقديم الطلب أو أثناء النظر بالطلب، فلا يبقى سوى حكم واحد، ومن ثم لا يوجد تنازع ولا يبقى مبرر لتقديم الطلب.
  • ألا يكون أحد الحكمين قد نفذ: فإذا كان أحدهما قد تم تنفيذه فلا يتصور قيام التنازع بين الحكمين، ومن ثم فلا محل لتقديم طلب تعيين مرجع لحل التنازع.

ما هي المحكمة التي يقدم إليها طلب تعيين المرجع لحل مسألة تنازع الاختصاص؟

يقدم طلب تعيين المرجع إلى محكمة الاستئناف إذا كان التنازع واقعا ما بين محكمتي صلح أو بين محكمتي بداية أو محكمة صلح ومحكمة بداية تتبعان إلى محكمة استئناف واحدة، كون الاختصاص في حسم التنازع القائم بين هذه المحاكم وسواء أكان تنازعا إيجابيا أو تنازعا سلبيا ينعقد لمحكمة الاستئناف هذه.

أما إذا كان التنازع قائما بين محكمتين لا تتبعان لمحكمة استئناف واحدة أو كان قائما ما بين محكمتي استئناف فإن طلب تعيين المرجع يتم تقديمه إلى محكمة التمييز لكون الاختصاص في حل مسالة التنازع في مثل هذه الأحوال ينعقد لها.

وتنظر كلا المحكمتين (الاستئناف والتمييز) بطلب تعيين المرجع تدقيقا، ودون حاجة إلى دعوة ومثول الفرقاء /الخصوم أمام كل منها، وما يميز هذا الطلب عن غيره من الطلبات القضائية، عدم خضوعه أو تقيده بمواعيد الاستئناف والتمييز.

الأثر المترتب على تقديم طلب تعيين المرجع

يختلف الأثر المترتب على تقديم طلب تعيين المرجع (حل التنازع) باختلاف نوع التنازع، فإذا كان التنازع إيجابيا، فإنه يترتب على تقديم الطلب وقف السير في الدعاوى القائمة والمقدم الطلب بشأنها، أمام الجهتين التي تتمسك كل منهما بنظرها، وذلك لحين الفصل في هذا الطلب، ويمتنع على هاتين الجهتين اتخاذ أي إجراء في الدعاوى المتنازع عليها.

ويترتب هذا الأثر بقوة القانون، أي أن وقف السير في الدعوى يترتب حكما بمجرد تقديم طلب تعيين المرجع وإبراز الطرف المعني بالأمر (مقدم طلب تعيين المرجع) إشعارا يفيد بتقديم هذا الطلب، سندا للفقرة الثانية من المادة 35 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني.

أما إذا كان التنازع سلبيا، فإن تقديم طلب تعيين المرجع لا يترتب عليه أي أثر، لكون هذا النوع من التنازع تعلن فيه كلا الجهتين القضائيتين تخليها وعدم اختصاصها النظر في الدعوى.

المواد القانونية المتعلقة بتنازع الاختصاص

فقد عالج المشرع الأردني موضوع تعيين المرجع في حال تنازع الاختصاص في المادتين 34 و35 من قانون أصول المحاكمات المدنية :

المادة 34

1- اذا نشأت مسألة تتعلق بقضية فيما اذا كانت قضية أحوال شخصية داخلة في الصلاحية المطلقة المخولة لمحكمة دينية أم لا فعلى الفرقاء ذوي الشأن أو على المحكمة التي نشأت أمامها هذه المسألة أن يحيلوها الى المحكمة المنصوص عليها في المادة (11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية بمذكرة تقدم الى رئيس كتبة محكمة التمييز.

2- يتبع أمام المحكمة المشار اليها في الفقرة السابقة الإجراءات المتبعة أمام محكمة البداية المنصوص عليها في هذا القانون وذلك بالقدر الذي تتطلبه الضرورة.

المادة 35

1- اذا حصل تنازع على الاختصاص ايجابيا كان ام سلبيا بين محكمتين نظاميتين ، فيحق لاي من الفرقاء ان يقدم طلبا لحسم التنازع الحاصل الى المحكمة التالية:

أ- إذا كان التنازع بين محكمتي صلح او بين محكمة بداية ومحكمة صلح او بين محكمتي بداية تابعتين لمحكمة استئناف واحدة ، فتعين محكمة الاستئناف المحكمة المختصة بنظر الدعوى .

ب- إذا كان التنازع بين محكمتين لا تتبعان محكمة استئناف واحدة او بين محكمتي استئناف ، فتعين محكمة التمييز المحكمة المختصة بنظر الدعوى .

2- اذا ابرز أي من الفرقاء اشعارا يتضمن انه قدم طلبا لتعيين المرجع يوقف السير في الدعوى.

3- تنظر محكمتا التمييز والاستئناف في طلب تعيين المرجع تدقيقا دون ان تدعو الفرقاء للمثول أمامها.

4- تقديم طلب تعيين المرجع غير مقيد بمواعيد الاستئناف والتمييز.

اجتهادات محكمة التمييز على مسألة تنازع الاختصاص أمام المحاكم

قرار محكمة التمييز الصادر عن الهيئة العادية رقم 1359/2016 فصل 2/8/2016 (طلب تعيين المرجع):

“حيث أن المستفاد من نص المادة (35) من قانون أصول المحاكمات المدنية بأن يقدم طلب تعيين المرجع إلى محكمة التمييز وفي الحالة المعروضة نجد أن الطلب مقدم إلى رئيس محكمة التمييز وليس إلى محكمة التمييز كما تقضي بذلك المادة (35/ب) من القانون المذكور فيكون الطلب مستوجب الرد شكلا وعلى ذلك جرت الاجتهادات القضائية لمحكمة التمييز رقم (523/2010) وتمييز حقوق رقم (3016/2010) وتمييز حقوق رقم (1538/2009).

وبتاريخ 4/3/2016 تقدم المدعي (المستدعي) إلى هذه المحكمة بالطلب لتعيين مرجع مختص بنظر الاستئناف.

وحيث أن الخلاف على الاختصاص وقع بين محكمة استئناف إربد وبين محكمة بداية حقوق إربد بصفتها الاستئنافية وحيث أن موضوع الدعوى هو المطالبة بفسخ عقد إيجار مدته ستة أشهر ببدل (600) دينار تدفع شهريا بواقع مائة دينار ومطالبته بأجور مستحقة بمبلغ (310) دينار ليصبح المجموع (910) دينار كما هو ثابت من عقد الإيجار ولائحة دعوى المدعي.

وحيث أن المستفاد من المادة (35/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية أنها قد أحالت أمر تعيين مرجع فيما إذا كان بين محكمة بداية حقوق بصفتها الاستئنافية وبين محكمة استئناف إلى محكمة التمييز وحيث أن قيمة الدعوى لا تتجاوز ألف دينار لذا نقرر وعملا بالمادة(35/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية تعيين محكمة بداية حقوق اربد بصفتها الاستئنافية مرجعا مختصا لنظر الدعوى الاستئنافية”.