تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر

كيفية تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر

لم يعد من الممكن استمرار العمل بالنظرة التقليدية والتي كانت ترفض تطبيق قوانين أو تنفيذ أحكام أجنبية على الأراضي الوطنية، فنظراً لما طرأ على المجتمع الدولي من تطورات جمة في شتى المجالات كان من المتحتم طرح تلك النظرة التقليدية والعمل على وضع حلول عملية للوصول إلى أفضل الحلول الدولية لتسوية المنازعات التي يتخللها عناصر أجنبية.

لذلك أضحى من ضروريات الوضع المعاصر أن تقبل الدولة تنفيذ حكم أجنبي على إقليمها، إلا أن ذلك يجب أن يكون وفقاً لضوابط وشروط حتى لا ينال ذلك من سيادة الدولة.

أولاً: تحديد المقصود بالحكم الأجنبي القابل للتنفيذ في مصر:

ثانياً: طرق تنفيذ الأحكام الأجنبية:

ثالثاً: شروط تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر:

رابعاً: إجراءات تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر:

أولاً: تحديد المقصود بالحكم الأجنبي القابل للتنفيذ في مصر:

حتى يكون الحكم قابلاً للتنفيذ في مصر لابد من أن يتصف بالصفة الأجنبية فضلاً عن ضرورة صدوره في مسألة من مسائل القانون الخاص:

1- تعريف الحكم الأجنبي:

الحكم الأجنبي الذي يكون قابلاً للتنفيذ هو الحكم القطعي الذي يحسم النزاع أو جزءً منه، وغني عن البيان أن الحكم القطعي هو ذلك الحكم الذي يكون حائزاً لقوة الأمر المقضي.

وفي هذا الصدد لابد من التفرقة بين قوة الأمر المقضي وحجية الأمر المقضي:

  • فقوة الأمر المقضي تعني أن الحكم قد استنفد طرق الطعن العادية وإن كان قابلاً للطعن عليه بطريق النقض أو التماس إعادة النظر.
  • أما الحكم الحائز لحجية الأمر المقضي فهو الحكم الذي مازال الطعن عليه جائزاً سواء بالطرق العادية أو بالطرق غير العادية.

والمرجع في تحديد طبيعة الحكم من حيث كونه نهائي أم ابتدائي هو قانون المحكمة التي أصدرت الحكم، ومن ثم يتعين على قاضي الموضوع والذي يُطلب منه تنفيذ الحكم أن يرجع إلى قانون دولة المحكمة مُصدرة الحكم لبيان ما إذا كان الحكم نهائي حائز لقوة الأمر المقضي أم لا.

ونشير في هذا المقام إلى أنه على الرغم من أن الأعمال الولائية لا تتمتع بقوة الأمر المقضي إلا أن قانون المرافعات المصري قد أجاز صدور أمر بتنفيذها، وهذا ما قرره المشرع المصري بمقتضى نص المادة (296) من قانون المرافعات والتي نصت على أن: (الأحكام والأوامر الصادرة في بلد أجنبي يجوز الأمر بتنفيذها بنفس الشروط المقررة في قانون ذلك البلد لتنفيذ الأحكام والأوامر المصرية فيه).

وهذا ما يتفق مع نص المادة (25) من اتفاقية الرياض لعام 1983 والتي عرفت الحكم بأنه: ( كل قرار أياً كانت تسميته يصدر بناءً على إجراءات قضائية أو ولائية من محاكم أو أية جهة مختصة لدى إحدى الأطراف المتعاقدة).

2- متى يُعد الحكم أجنبي:

يُضفى على الحكم الصفة الأجنبية إذا كان صادراً باسم دولة أجنبية بغض النظر عن جنسية القضاة مُصدرين الحكم، وبغض النظر عن المكان الذي صدر فيه الحكم.

وتعتبر قرارات التحكيم التي تصدر في الخارج استنادا إلى مشارطة تحيكم متصفة بالصفة الأجنبية بغض النظر عن جنسية الخصوم وجنسية المحكمين وبغض النظر عن مكان إبرام مشارطة التحكيم، وهذا ما أكدته المادة (299) من قانون المرافعات المصري والتي نصت على أن (تسري أحكام المواد السابقة على أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي، ويجب أن يكون الحكم صادراً في مسألة يجوز التحكيم فيها طبقاً لقانون الجمهورية).

وبناءً على ما تقدم، فإن الحكم الصادر عن محكمة قنصلية أجنبية موجودة في بلد ما يُعتبر حكماً أجنبياً بالنسبة لهذه الأخيرة رغم صدوره فيها[1]، ذلك أنه سيكون صادراً باسم تلك الدولة الأجنبية.

3- صدور الحكم في مسألة من مسائل القانون الخاص:

حتى يكون الحكم الأجنبي قابلاً للتنفيذ في مصر لابد أن يكون مُتعلق بمسألة من مسائل القانون الخاص سواء كانت مدنية أم تجارية أم خاصة بالأحوال الشخصية، أما الأحكام التي تتعلق بمسائل القانون العام فتستعصي على التنفيذ في مصر وذلك إذا كانت صادرة – مثلاً – في المواد الجنائية أو المالية أو الإدارية.

وتكون العبرة دائما في تحديد نوع المسألة وما إذا كانت مُتصلة بالقانون العام أم الخاص هي بطبيعة المسألة وليست بنوع المحكمة مُصدرة الحكم، ويكون تحديد طبيعة المسألة أمراً من اختصاص قاضي الموضوع – أي القاضي المصري – باعتبار أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون تفسيراً لمسألة قانونية.

وبناءً على ذلك فقد يكون الحكم صادراً عن القضاء الإداري الأجنبي أو صادراً عن هيئة تشريعية ويكون قابلاً للتنفيذ في مصر وذلك إذا ما اعتبره القاضي المصري أنه داخلاً في نطاق القانون الخاص.

ثانياً: طرق تنفيذ الأحكام الأجنبية:

جديراً بالذكر أن التشريعات المقارنة تباينت في الإجراءات والشروط التي تطلبها لتنفيذ الأحكام الأجنبية على إقليمها الوطني، فمن المشرعين من أخذ بنظام الدعوى الجديدة وهذا ما تم إتباعه في القانون الإنجليزي ومن انتهج نهجه من الدول.

ومقتضى نظام الدعوى هو أن المحكوم له والذي يريد تنفيذ الحكم الأجنبي عليه أن يقوم برفع دعوى جديدة أمام القضاء الإنجليزي يُطالب فيها بالحق الثابت في الحكم الأجنبي ويستند في دعواه إلى الحكم الأجنبي، ويكون للحكم الأجنبي قوة مُطلقة في الإثبات في تلك الدعوى حيث لا يجوز إثبات عكس ما ورد فيه حتى ولو كان معيباً بخطأ في القانون أو الواقع، وهو ما يشير إلى أن المحاكم الإنجليزية لا تنصب نفسها جهة استئنافية للمحاكم الأجنبية.

في حين أن مُعظم الدول الأوروبية قد اتبعت نظام آخر وهو نظام الأمر بالتنفيذ، وهذا هو ما اتبعه المشرع المصري لتنفيذ الأحكام الأجنبية.

ولقد أخذ المشرع المصري بهذا النظام في إحدى صوره وهي الصورة المعروفة بنظام المراقبة، وفي ظل هذا النظام تقوم المحكمة المطلوب منها إصدار الأمر بالتنفيذ بنوع من الرقابة الخارجية للحكم الأجنبي للتأكد من أنه استوفى الشروط الشكلية أو الخارجية دون أن تراجعه من ناحية الموضوع وذلك خلافاً للصورة الأخرى التي يعرفها نظام الأمر بالتنفيذ والمعروفة باسم “نظام المراجعة” والتي ظلت سائدة في فرنسا لمدة قرن ونصف[2].

ثالثاً: شروط تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر:

بينت المادة (298) من قانون المرافعات المصري الشروط الواجب توافرها لتنفيذ الحكم الأجنبي في مصر وذلك بنصها على أن (لا يجوز الأمر بالتنفيذ إلا بعد التحقق مما يأتي:

  • إن محاكم الجمهورية غير مختصة بالمنازعة التي صدر فيها الحكم أو الأمر وإن المحاكم الأجنبية التي أصدرته مختصة بها طبقاً لقواعد الاختصاص القضائي الدولي المقررة في قانونها.
  • إن الخصوم في الدعوى التي صدر فيها الحكم قد كلفوا الحضور ومثلوا تمثيلاً صحيحاً.
  • إن الحكم أو الأمر حاز قوة الأمر المقضي طبقاً لقانون المحكمة التي أصدرته.
  • إن الحكم أو الأمر لا يتعارض مع حكم أو أمر سبق صدوره من محاكم الجمهورية ولا يتضمن ما يخالف النظام العام أو الآداب فيها).

1- شرط الُعاملة بالمثل:

وفقاً لنص المادة (296) من قانون المرافعات المصري فإن الأمر بتنفيذ الحكم الأجنبي في مصر يجب أن يكون بنفس الشروط التي يقررها قانون الدولة الصادر منها لتنفيذ الأحكام المصرية في هذه الدولة.

ويترتب على ذلك أنه لو كانت الدولة التي صدر منها الحكم تشترط لتنفيذ الحكم المصري على إقليمها أن يرفع به دعوى مبتدأه فإنه يجب أن يقوم طالب تنفيذ الحكم الأجنبي برفع دعوى جديدة أمام القضاء المصري ويطالب فيها بالحق الوارد في الحق الأجنبي على أن يكون هذا الحكم سنداً له في تلك الدعوى.

أما إذا كانت الدولة الأجنبية تأخذ بنظام الأمر بالتنفيذ فإنه في هذا الصدد يجب التفرقة بين الأوضاع التالية:

أ- نظام المراقبة:

يقتصر هذا النظام على التأكد من أن الحكم قد استوفى الشروط الخارجية والشكلية، وهذا النظام لا يثير ثمة صعوبة في مصر إذ أن المعاملة بالمثل تكون متحققة في هذا الفرض ومن ثم فإن القاضي المصري سيصدر أمراً بتنفيذ الحكم بعد التأكد من أنه قد استوفى كافة الشروط الأخرى التي تطلبها المشرع المصري.

ب- نظام المراقبة غير المحدودة:

وهو الذي ينطوي على مراقبة الحكم من الناحية الموضوعية، وفي هذه الحالة يتعين على القاضي المصري أن يسلك ذات المسلك إزاء الحكم الأجنبي، حيث يتولى مراجعة الحكم الأجنبي من الناحية الموضوعية قبل أن يصدر أمراً بتنفيذه.

ج- نظام المراجعة:

وهذا النظام يتمثل في أن القاضي الأجنبي يكون له الحق في تعديل الحكم المصري قبل أن يصدر أمراً بتنفيذه، إلا أنه بصدد هذا النظام قد انقسم الفقه بين مؤيد ومعارض لقيام القاضي المصري بتعديل الحكم الأجنبي، إلا أن الرأي الراجح فقهاً يذهب إلى عدم منح القاضي المصري الحق في تعديل الحكم الأجنبي قبل أن يصدر أمراً بتنفيذه، ذلك أن دعوى الأمر بالتنفيذ لا تعد سوى طلب لتنفيذ الحكم الأجنبي.

وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٦٢ لسنة ٦١ قضائية الصادر بجلسة 25/5/1993 والتي قضت فيه بأن (وإذ كان ذلك وكان البين من الأوراق أن الحكم الصادر من محكمة كاليفورنيا العليا بمقاطعة لوس أنجلوس الأمريكية في الدعوى رقم ١٧٢ – ٨٠٨ بتاريخ 9/12/1986 – هو حكم أجنبي فإن قانون القاضي الذي أصدره يكون وحده الذي يحدد بنيانه حتى ولو خالف هذا البنيان ما هو متعارف عليه في مصر.

وذلك أخذاً بمفهوم أحكام القانون الدولي ولا سبيل لإهداره بدعوى بطلانه طالما أنه صدر من جهة ذات ولاية بإصداره بحسب قانونها وبحسب قواعد القانون الدولي الخاص ذلك لأنه ليس له أثر إيجابي إلا إذا منح الصيغة التنفيذية وفقا لأوضاع والشروط التي حددها المشرع في المواد ٢٩٦ , ٢٩٧ , ٢٩٨ من قانون المرافعات فإن تخلفت تلك الشروط التي حددها المشرع لتنفيذ الحكم الأجنبي أو الأمر الأجنبي فإن ولاية القاضي المصري تقتصر على رفض تذييل الحكم أو الأمر الأجنبي بالصيغة التنفيذية ولا يمتد عمل القاضي إلى الحكم بالبطلان إذ القول بغير ذلك مؤداه ولاية القاضي المصري على أحكام المحاكم الأجنبية وهو ما لا يجوز).

2- ثبوت الاختصاص القضائي الدولي للمحكمة مصدرة الحكم:

وفقاً لنص المادة (298/1) من قانون المرافعات المصري السابق ذكرها فإنها تشترط أن تكون المحكمة الأجنبية التي أصدرت الحكم المراد تنفيذ في مصر مُختصة بإصدار ذلك الحكم، ويكون المرجع في تحديد مدى اختصاص هذه المحكمة هو القواعد القانونية الخاصة بدولة المحكمة مُصدرة الحكم.

فمن غير المنطقي القول بأن تحديد اختصاص تلك المحكمة يرجع إلى قانون قاضي التنفيذ – أي القانون المصري – حيث إنه من غير المعقول أن يُطلب من القاضي الأجنبي عند إصداره للحكم أن يطبق قواعد اختصاص غير تلك التي ينص عليها قانون دولته، فضلاً عن أنه لا يعرف مسبقاً أي دولة ستكون دولة تنفيذ الحكم.

وتجدر الإشارة إلى أن نص المادة (298/1) يضع على القاضي المصري قيد سلبي يتمثل في ضرورة أن يتحقق القاضي المصري قبل إصداره أمراً بتنفيذ الحكم الأجنبي أن القضاء المصري ليس مختصاً بنظر هذا النزاع الذي صدر فيه حكماً في الخارج.

إلا أن بعض الفقه قد ذهب على عدم جواز سريان هذا القيد على إطلاقه وشرعوا في البحث عن حلول من شأنها التخفيف من وطأة هذا الرأي، ولقد تمثلت تلك الحلول فيما يلي:

أ- التمييز بين حالات الاختصاص الوجوبي والاختصاص الجوازي:

وهذا الحل يشير إلى أن القاضي المصري عليه أن يرفض تنفيذ الحكم الأجنبي إذا كان اختصاص القاضي المصري بالمسألة الصادرة فيها اختصاصاً وجوبياً مُتعلق بالنظام العام.

 وذلك مثل الحالة التي نصت عليها المادة (30/2) من قانون المرافعات المصري والتي نصت على أن (تختص محاكم الجمهورية بنظر الدعاوى التي ترفع على الأجنبي الذي ليس له موطن أو محل إقامة في الجمهورية وذلك في الأحوال الآتية: (2) إذا كانت الدعوى متعلقة بمال موجود في الجمهورية أو كانت متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو كان واجباً تنفيذه فيها أو كانت متعلقة بإفلاس أشهر فيها).

وكذلك الحالة الواردة بمقتضى نص المادة (31)

والتي تشير إلى أن (تختص محاكم الجمهورية بمسائل الإرث وبالدعاوى المتعلقة بالتركة متى كانت التركة قد افتتحت في الجمهورية، أو كان المورث مصرياً، أو كانت أموال التركة كلها أو بعضها في الجمهورية).

أما إذا كان اختصاص القاضي المصري بنظر النزاع الذي أصدرت فيه المحكمة الأجنبية حكماً لا يعدو سوى اختصاص جوازي فإنه من الممكن أن يسمح بتنفيذ هذا الحكم وفقاً لاعتبارات الملائمة.

ومن الأمثلة على حالات الاختصاص الجوازي ما بينته نص المادة (28) من قانون المرافعات المصري والتي نصت على أن (تختص محاكم الجمهورية بنظر الدعاوى التي ترفع على المصري ولو لم يكن له موطن أو محل إقامة في الجمهورية وذلك فيما عدا الدعاوى العقارية المتعلقة بعقار واقع في الخارج).

وكذلك نص المادة (33)

والتي تتعلق بالدعاوى العارضة والمرتبطة، حيث نصت على أن (إذا رفعت لمحاكم الجمهورية دعوى داخلة في اختصاصها تكون هذه المحاكم مختصة بالفصل في المسائل الأولية والطلبات العارضة على الدعوى الأصلية كما تختص بالفصل في كل طلب يرتبط بهذه الدعوى ويقتضي حسن سير العدالة أن ينظر معها).

والواقع أن هذه المسألة ما زالت في تطور مستمر على الرغم من أسهم الانتقاد التي وجهت إلهيا، ذلك أن التفرقة بين الاختصاص الجوازي والاختصاص الوجوبي من شأنها إحداث لبس وتوقع في الخلط بينهما.

وعلى الرغم من ذلك فقد ذهب القضاء الفرنسي في قضية “Smith” إلى أنه يقبل تنفيذ الحكم الأجنبي إذا لم يكن اختصاص القضاء الفرنسي اختصاص قاصر – أي وجوبي – وذلك بتوافر شرطين وهما:

  • أن يكون النزاع الذي صدر فيه الحكم مرتبطاً بالدولة مصدرة الحكم ارتباطاً مادياً.
  • ألا يكون قد تم إسناد هذا الاختصاص إلى المحكمة الأجنبية مصدرة الحكم بناءً على حيل تدليسيه.

ب- تنفيذ الحكم الأجنبي استناداً إلى اعتبارات الملائمة:

ووفقاً لهذا الرأي فإنه لا يمكن تنفيذ الحكم الأجنبي إذا كان صادراً في نزاع متعلق بمال منقول أو عقار موجود في مصر وكانت المحاكم المصرية مختصة بهذا النزاع، أو إذا كان الحكم متعلق بنزاع يدخل في اختصاص المحاكم المصرية استناداً إلى وقوع الفعل في مصر، أو إذا كان الحكم الأجنبي متعلق بدعوى إفلاس أشهر في مصر.

وعلى الرغم من ذلك يجوز تنفيذ الحكم الأجنبي حتى ولو كانت المحاكم المصرية مختصة بالنزاع الذي صدر فيه وذلك في الحالات التالية:

  • إذا كان الحكم الأجنبي متعلق بنزاع ناشئ عن عقد أُبرم أو نُفذ أو كان واجب التنفيذ في مصر شريط ألا يكون متعلق بمال موجود في مصر.
  • إذا كان الحكم الأجنبي صادراً في نزاع متعلق بمسألة من مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة للأجانب شريطة ألا يكون متعلق بمال موجود في مصر.

والملاحظ على هذا الرأي أنه لا يحدد على وجه دقيق ما هي الحالات التي يعترف فيها القاضي المصري بتنفيذ الحكم الأجنبي على الرغم من صدور الأخير في مسألة داخلة في اختصاص القاضي المصري.

ج- الارتباط الوثيق بولاية المحكمة التي أصدرت الحكم:

وفقاً لهذا الرأي فإنه يجب التركيز على مسألة النفاذ الدولي للحكم الأجنبي، بمعنى أنه يتعين على القاضي أن يبحث في مدى ارتباط النزاع بولاية كل من القضاء المصري والقضاء الأجنبي مصدر الحكم، فإذا كان النزاع مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بدولة القاضي الأجنبي فيتعين على القاضي المصري أن يصدر أمراً بتنفيذ هذه الحكم على الرغم من انعقاد الاختصاص بنظر هذا النزاع إلى القضاء المصري.

ويبدو أن هذا الرأي الأخير هو الذي يتسم بالمرونة ويتفق مع المبادئ التي تمليها إعمال أحكام القانون الدولي الخاص.

3- صحة الإجراءات القضائية المتبعة في إصدار الحكم أو الأمر الأجنبي:

فيشترط أن يكون الخصوم قد تم تكليفهم بالحضور ومثلوا تمثيلاً صحيحاً، حيث يهدف هذا الشرط إلى مراعاة حقوق الدفاع للاطمئنان إلى نزاهة قضاء الدولة التي صدر فيها الحكم.

ويكون المرجع في بيان صحة الإجراءات هو قانون دولة القاضي وذلك بنص المشرع المصري في المادة (22) من القانون المدني على أن (يسري على قواعد الاختصاص وجميع المسائل الخاصة بالإجراءات قانون البلد الذي تقام فيه الدعوى أو تباشر فيه الإجراءات).

مع مراعاة أنه قد يؤدي اختلاف طرق الإثبات المستخدمة بواسطة القاضي الأجنبي عن تلك السائدة في قانون القاضي الوطني إلى انتهاك مبدأ احترام حقوق الدفاع بما يبرر رفض شمول الحكم الأجنبي بأمر التنفيذ، وبناءً على ذلك الأمر فقد حكم القضاء الفرنسي برفض تنفيذ الأحكام الأجنبية المؤسسة على فقط على ادعاءات المدعي وحده والتي لا تدعمها أية عناصر أخرى لما يشكله هذا الأمر من انتهاك لحقوق الدفاع، ولنفس السبب رفضت محكمة النقض الفرنسية تنفيذ الحكم الألماني الذي يعطي للقاضي في حالة عدم حضور المدعى عليه الحق في الحكم بناءً على ادعاءات المدعي وحده[3].

إلا أن ذلك لا يعني أن اختلاف طرق الإثبات تؤدي إلى ضرورة رفض تنفيذ الحكم الأجنبي، فالأمر محكوم بتحقيق حقوق الدفاع.

 وهذا ما جعل محكمة النقض المصرية تقبل طلب تنفيذ الحكم الصادر عن قضاء المملكة الأردنية الهاشمية على الرغم من أنه تم إعلان المدعى عليه بطريق النشر وهذا على خلاف ما هو متبع في القانون المصري، إلا أن محكمة النقض رأت أن ذلك لا يتعارض مع النظام العام في مصر.

4- حيازة الحكم أو الأمر الأجنبي لقوة الأمر المقضي:

حتى يمكن قبول طلب تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر يجب أن يكون الحكم قد استنفد طرق الطعن العادية أي يجب أن يكون حكماً نهائياً، ويكون المرجع في تحديد طبيعة الحكم من حيث كونه نهائي أو ابتدائي هو قانون الدولة مصدرة الحكم.

إلا أنه – وكما بينا سابقاً – فإن الأوامر الولائية يجوز أن يتم تنفيذها في مصر على الرغم من أنها لا تتمتع بقوة الأمر المقضي.

5- عدم تعارض الحكم أو الأمر الأجنبي مع حكم آخر سبق صدروه عن المحاكم المصرية:

فمن غير المنطقي أن يقبل القضاء المصري تنفيذ حكم أجنبي صادر على خلاف حكماً آخر صادر عن القضاء المصري، فلما كانت الأحكام القضائية هي عنوان الحقيقة فكان من غير المنطقي أن يتم إهدار حكم وطني لتنفيذ حكم أجنبي.

ولكن ما هو الحل إذا كان الحكم الأجنبي قد صدر في مسألة ما زالت معروضة على القضاء المصري بين نفس الأطراف وتتعلق بذات الموضوع؟؟

الواقع أن الأمر في هذا الشأن يرجع إلى السلطة التقديرية للقاضي الذي يطلب منه تنفيذ الحكم الأجنبي، حيث يكون له أن يتخذ السبيل المناسب استناداً إلى اعتبارات الملائمة ومتطلبات النظام العام.

6- عدم تعارض الحكم أو الأمر الأجنبي مع النظام العام في مصر:

فمن غير المنطقي أن يشرع القاضي المصري في تنفيذ حكم متعارضاً مع النظام العام المصري، ويمكن أن يكون هذا التعارض متمثل في الإجراءات المتبعة في إصدار الحكم كأن تكون تلك الإجراءات من شانها إهدار حقوق الدفاع.

مع ضرورة الإشارة إلى أن عدم اشتمال الحكم على أسباب إصداره لا ينهض بدوره كسبب لرفض تنفيذ الحكم الأجنبي، وهذا ما انتهجه القضاء الفرنسي مؤخراً عندما قبل تنفيذ أحكام أجنبية لا تنطوي على تسبيب شريطة أن تكون الأوراق والمستندات المقدمة في الدعوى كافية لتمكين القاضي من الوقوف على أن الحكم الأجنبي لم ينطو على أي تعارض مع النظام العام أو الآداب.

أو أن يكون مضمون الحكم ذاته ينطوي على تعارض مع النظام العام أو الآداب في مصر، وذلك مثلاً كأن يكون الحكم متعلق بتأميم أو مصادرة تتعارض مع المبادئ المصرية في هذا الصدد، أو أن يكون الحكم يقضي بصحة زواج امرأة مطلقة من مسلم دون أن تراعي فترة العدة.

رابعاً: إجراءات تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر:

تنص المادة (297) من قانون المرافعات المصري على أن (يقدم طلب الأمر بالتنفيذ إلى المحكمة الابتدائية التي يراد التنفيذ في دائرتها وذلك بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى).

1- إيداع الطلب قلم كتاب المحكمة:

فوفقاً للقانون المصري يكون أول إجراء واجب اتخاذه للشروع في تنفيذ الحكم الأجنبي هو التقدم بطلب إلى المحكمة الابتدائية التي تقع في دائرة مكان التنفيذ.

ويكون تقديم هذا الطلب بالإجراءات المُعتادة لرفع الدعوى، أي أنه يجب على طالب التنفيذ أن يودع الطلب قلم كتاب المحكمة المختصة ثم يتولى إعلان المحكوم عليه إعلاناً صحيحاً بتاريخ الجلسة المحددة لنظر ذلك الطلب.

ويجب أن يودع مع هذا الطلب الصورة الرسمية للحكم وإيداع ما يفيد أن الحكم أصبح نهائي وحائزاً لقوة الأمر المقضي.

2- إعلان ذوي الشأن:

والإعلان إما أن يكون لشخص المطلوب التنفيذ ضده أو يكون في موطنه إذا كان له موطن في الجمهورية وذلك وفقاً لنص المادة (10) من قانون المرافعات المصري والتي نصت على أن (تسلم الأوراق المطلوب إعلانها إلى الشخص نفسه أو في موطنه ويجوز تسليمها في الموطن المختار في الأحوال التي يبينها القانون، وإذا لم يجد المحضر الشخص المطلوب إعلانه في موطنه كان عليه أن يسلم الورقة إلى من يقرر أنه وكيله أو أنه يعمل في خدمته أو أنه من الساكنين معه من الأزواج والأقارب والأصهار).

فإذا كان المحكوم ضده مجهول الموطن فإن الإعلان في هذه الحالة يكون للنيابة العامة شريطة أن يكون المحكوم له قد بذل ما في وسعه للتوصل إلى موطن المحكوم عليه.

أما إذا كان المحكوم ضده موجوداً خارج مصر فيكون إعلانه في هذه الحالة من خلال الجهات الدبلوماسية.

فإذا لم يتم إعلان الخصوم إعلان صحيحاً فلا مجال لتنفيذ الحكم ولا يجوز منح المحكوم له الصيغة التنفيذية.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١١٣٦ لسنة ٥٤ قضائية الصادر بجلسة 28/11/1990 والتي قضت فيه بأن: (المقرر في قضاء هذه المحكمة أن شرط إعلان الخصوم على الوجه الصحيح هو مما يجب التحقق من توافره في الحكم الأجنبي قبل أن يصدر الأمر بتذييله بالصيغة التنفيذية عملاً بالبند الثاني من المادة ٢٩٨ من قانون المرافعات .

وإذ كانت القاعدة الواردة بالمادة ٢٢ من القانون المدني تنص على أنه يسرى على جميع المسائل الخاصة بالإجراءات قانون البلد الذي تجرى مباشرتها فيه – وكان إعلان الخصوم بالدعوى مما يدخل في نطاق هذه الإجراءات ، وكان البين من مدونات الحكم المطلوب تنفيذه أن الطاعن أعلن لجلسة 20/2/1977إلا أنه لم يحضر وأعلن بالطريق الدبلوماسي لجلسة 30/6/1977 إلا أنه لم يحضر وإذ كانت تلك الإعلانات تحقق الغرض منها وتكفى لإخبار الطاعن بالإحالة وبمراحل الدعوى.

وكان القانون لم يقيد المحكمة بطريق معين للتحقق من صحة الإعلانات فإن الاعتداد بمدونات الحكم المطلوب تنفيذه – والتي ليست محل نعى من الطاعن – تكون صالحة للاستناد إليها في التحقق من مراقبة الإعلانات ويضحى النعي على غير أساس).

3- الأمر بالتنفيذ:

وبعد قيام القاضي من التحقق من الشروط سالفة البيان فإنه يقوم بإصدار أمر بتنفيذ الحكم الأجنبي، حيث لا يجوز مطلقاً تنفيذ الحكم الأجنبي إلا بعد إصدار أمر من القضاء المصري بتنفيذ الحكم الأجنبي.

وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٢٩٥٠ لسنة ٦٨ قضائية الصادر بجلسة 12/3/2012 والتي قضت فيه بأن: (تنفيذ الحكم الأجنبي في مصر لا يكون إلا بعد الأمر بتنفيذه).

وعلى المحكوم له أن يشرع في وضع الصيغة التنفيذية على هذا الأمر حتى يتمكن من البدء في تنفيذه وذلك استناداً إلى قاعدة “لا تنفيذ بدون سند تنفيذي وصيغة تنفيذية”، وهذا هو المقرر بنص المادة (280/1) من قانون المرافعات المصري والتي نصت على أن (المادة (280) : لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء. والسندات التنفيذية هي الأحكام والأوامر والمحررات الموثقة ومحاضر الصلح التي تصدق عليها المحاكم أو مجالس الصلح والأوراق الأخرى التي يعطيها القانون هذه الصفة).

——

[1] عبد النور أحمد – إشكاليات تنفيذ الأحكام الأجنبية – 2010 – ص 12.

[2] الأستاذة الدكتورة/ حفيظة الحداد، الأستاذ الدكتور/ هشام صادق – الموجز في القانون الدولي الخاص – دار المطبوعات الجامعية – 2016 – ص 460.

[3] الأستاذة الدكتورة/ حفيظة الحداد، الأستاذ الدكتور/ هشام صادق – الموجز في القانون الدولي الخاص – دار المطبوعات الجامعية – 2016 – ص 478.

إعداد/ أحمد منصور.

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected