جريمة إصدار شيك بدون رصيد في القانون المصري

جريمة إصدار شيك بدون رصيد في القانون المصري

أدت التعاملات المالية بحجمها وضخامتها إلى صعوبة حمل المبالغ بصفتها النقدية، والقيام باستبدالها بوسيلة أكثر أمناً ويسراً وهو ما توافر في الشيك، كوسيلة تفي بالغرض المعدة له النقود فيضمن استيفاء الدائن لحقه إذا ما استوفى الشيك الشروط القانونية اللازمة لصحته، مما أضفى على الشيك أهمية بالغة، الأمر الذي أثار بعض المشكلات العملية، وهذا ما سنطرحه تفصيلاً من خلال مقالنا، وذلك بالتعرض أولاً لمفهوم الشيك، ثم نتناول جريمة إصدار شيك بدون رصيد في القانون المصري وبيان أركان الجريمة من خلال التفصيل الآتي:

أولًا: تعريف الشيك

ثانيًا: أركان جريمة إصدار شيك بدون رصيد

أ_ الركن المادي لجريمة إصدار شيك بدون رصيد

العنصر الأول: إعطاء الشيك والتخلي عن حيازته

العنصر الثاني: عدم وجود رصيد

ب_ الركن المعنوي:

ثالثًا: عقوبة جريمة إصدار شيك بدون رصيد

أولًا: تعريف الشيك

الشيك في اللغة: “أمر صادر إلى مصرف من شخص له حساب فيه، يكلفــه بــدفع مبلغ من النقود عند الاطلاع، لشخص معين، أو لأمر شخص معين أو لحامله([1])

وقد وردت عدة تعريفات للشيك لدى فقهاء العرب، فقد عرفه الدكتور مصطفى كمال طه بأنه: “ورقة تتضمن أمراً من شخص يُسمى الساحب إلى شخص آخر هو المسحوب عليه مصرفاً أو صيرفياً بأن يدفع بمجرد الاطلاع عليها مبلغاً معيناً من النقود لشخص هو المستفيد أو لأمر أو للحامل”([2]).

كما عرفه البعض الآخر بأنه: “صك يأمر بموجبه محرره الساحب شخص آخر المسحوب عليه يكون غالباً مصرف أن يدفع مبلغاً من المال لأمره أو لأي شخص آخر يعينه بمجرد الاطلاع”([3]).

أما القانون المصري فإنه لم يورد تعريفاً للشيك، سواء في القانون التجاري أو قانون العقوبات.

ثانيًا: أركان جريمة إصدار شيك بدون رصيد

لجريمة إصدار شيك بدون رصيد ركنين أساسيين يتمثلا في الركن المادي، والركن المعنوي.

أ_ الركن المادي لجريمة إصدار شيك بدون رصيد

يوجد عنصرين أساسيين للركن المادي للجريمة متمثلان في إعطاء الشيك للمستفيد أي بالتخلي عن حيازته وطرحه للتداول، وعدم وجود رصيد أو عدم كفايته، وهو ما سنتناوله من خلال السطور التالية:

العنصر الأول: إعطاء الشيك والتخلي عن حيازته

يبدأ التخلي عن الشيك من الوقت الذي يتم فيه تسليم الشيك إلى المستفيد، ومن هنا تبدأ الجريمة، فلا وقوع للجريمة بدون خطوة التخلي، الأمر الذي يُعد معه احتفاظ الساحب بالشيك دون تسليمه للمستفيد لا يتحقق معه ركن الجريمة المادي الذي نحن بصدده، ونؤكد على أنه لابد من تسليم الشيك وليس الاكتفاء بمجرد عرضه على المستفيد دون تسليمه.

فلابد هنا من توافر عنصر التسليم حتى نجزم بوقوع الجريمة، وقد قضت محكمة النقض في ذلك بقولها: “متى كانت المحكمة قد استظهرت أن تسليم الشيك لم يكن على وجه الوديعة، وإنما كان لوكيل المستفيد، وأنه تم على وجه تخلى فيه الساحب نهائيا عندما سلمه لهذا الوكيــل فإن الركن المادي للجريمة يكون قد تحقق، وبمفهوم المخالفة يكون الحكم الحالة المشــار إليها”([4]).

فضلاً عن وجوب توافر إرادة التخلي نهائياً عن الشيك، فلا يكفي عنصر التسليم فقط دون أن يصاحب ذلك عنصر الإرادة بالتخلي نهائياً عن الشيك، أي أن الساحب يقوم بتسليم الشيك للمستفيد بنية إعطاءه إياه لا لاطلاعه عليه فقط.

العنصر الثاني: عدم وجود رصيد

بداية لابد أن نعرف ماهية الرصيد، ثم نبين الشروط اللازم توافرها في الرصيد كما يلي:

·        ماهية الرصيد:

عرفه الفقه بأنه: “دين يتمثل في مبلغ معين من النقود، يستطيع الساحب أن يسحب منه لشخصه أو لغيره متى أراد بموجب شيكات يسحبها بناءً على الاتفاق الصريح أو الضمني بينه وبين المسحوب عليه”([5]).

ويُعرف أيضاً بأنه عبارة عن “مديونية المسحوب عليه للساحب أو المسحوب على ذمته بمبلغ من النقود مساو لمبلغ الشيك ومستحق الطلب عند السحب وقابل للتصرف فيه بموجب شيك”([6])

فمن البديهي أن من يكتب شيكاً فلابد أن يُغطي رصيد الساحب الرقم المذكور في الشيك، فإن لم يكن لديه رصيد يكفي ثمن الشيك فهنا يتوافر العنصر المادي للجريمة، حيث إن مقابل الوفاء (الرصيد) يُعد الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها صحة الشيك.

ويتعين عدم الخلط بين مقابل الوفاء (الرصيد) وبين ما يصطلح عليه بالغطاء، ويطلق هذا الاصطلاح على مختلف القيم التي يرسلها الساحب إلى المسحوب عليه لتغطية السحب، كالأوراق المالية، والأوراق التجارية والبضائع وغير ذلك، وهذه القيم هي المادة التي تستخدم في استخلاص المبلغ النقدي الذي يكون مقابل الوفاء، ولذلك فهي غطاء لهذا المقابــل([7]).

فمن خلال ما سلف يتضح لنا الأهمية البالغة للرصيد، حيث بوجوده لا تتحقق الجريمة، فيرتكن تحقق الجريمة على عدم وجود رصيد.

·        الشروط الواجب توافرها في الرصيد:

ولما للرصيد من أهمية بالغة فإنه لابد من توافر بعضاً من الشروط فيه، حتى تنتفي بوجوده الجريمة، ومن أهم هذه الشروط:

1.     أن يكون الرصيد مبلغاً من النقود:

فلا يمكن أن يكون الرصيد بضاعة مثلاً، أو أي شيء آخر غير النقود.

2.     أن يكون الرصيد موجوداً بتاريخ إصدار الشيك:

لا بد وأن يكون الرصيد موجوداً وقت صرف الشيك من قِبَل المستفيد، حيث إن الشيك هو أداة وفاء، فإن خلا الرصيد من الثمن المذكور بالشيك، فيتحقق هنا ركن الجريمة. وإن لمقابل الوفاء أهمية كبيرة في ذلك، حيــث إنــه يعفي الساحب من العقاب، ولقد رأى البعض أنه إذا لم يكن مقابل الوفــاء موجــوداً وقــت إصدار الشيك، ولكن الساحب وضع مقابل الوفاء أو الرصيد في الفترة بين ســحب الشــيك وتقديمه للوفاء، ففي هذه الحالة لا يكون مصلحة للحامل في إثبات عدم وجود المقابل وقــت إصدار الشيك، ومن ثم يصرف الشيك ولا يكون هناك جزاء على الساحب([8]).

3.     أن يكون الرصيد قابلاً للتصرف فيه بموجب شيك:

لما كان الشيك أداة وفاء فلا يكفي أن يكون للساحب حق نقدي لدى المسحوب عليه وارد على مبلغ من النقود عند إصدار الشيك، وإنما يجب أن يكـون هـذا الحـق قـابلاً للتصرف به بموجب شيك([9])، ونشير إلى أنه من الضروري أن يكون هناك اتفاق مسبق بين الساحب والمسحوب عليه لسحب دفتر شيكات على حساب هذا المبلغ، ومن الضروري أيضاً أن يكون الرصيد محقق الوجود، ومستحق الأداء حال صرفه من طرف المستفيد.

وقد نصت المادة (٥٣٠) من قانون التجارة على أن: ” كل بنك يسلم عميله دفتراً يشتمل على نماذج شيكات على بياض للدفع بموجبها من خزائنه أن يكتب على كل نموذج منها رقم الشيك واسم البنك، أو أحد فروعه واسم العميل الذي تسلم الدفتر ورقم حسابه”.

4.     أن يكون الرصيد مساوياً على الأقل لقيمة الشيك:

يجب أن يكون الرصيد مساوياً لقيمة الشيك، فإذا كان الرصيد أقل من قيمة الشيك فإنه لا يعتبر رصيداً للشيك([10])، ومن ثم فإنه يتوافر الركن المادي للجريمة ويتحقق وقوعها.

ب_ الركن المعنوي:

يتوافر الركن المعنوي في جميع الجرائم، مثلما يتوافر الركن المادي؛ فيتمثل الركن المعنوي في:

·        سوء النية:

 يتمثل سوء النية في علم الساحب بعدم توافر رصيد لديه، ومع هذا قام بتحرير الشيك بقصد الإيقاع بالمستفيد والاستيلاء على ممتلكاته.

  وقد قضت محكمة النقض في ذلك بقولها: ” من المقرر أن سوء النية في جريمة إصدار شيك بدون رصيد تتوفر بمجرد علم مُصدِر الشيك بعدم وجود مقابل وفاء له في تاريخ إصداره، وهو أمر مفروض في حق الساحب، ولا يُعفى من المسئولية الجنائية من يعطي شيكاً له مقابل ثم يسحب من الرصيد مبلغاً بحيث يصبح الباقي غير كاف لسحب قيمة الشيك، إذ أن على الساحب أن يرقب تحركات رصيده محتفظاً فيه بما يفي بقيمة الشيك حتى يصرفه”([11]).

ثالثًا: عقوبة جريمة إصدار شيك بدون رصيد

نصت المادة (٥٣٤ ) من قانون التجارة المصري على أنه: “يعاقب بالحبس وبغرامة لا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب عمداً أحد الأفعال الآتية:
أ . إصدار شيك ليس له مقابل وفاء قابل للصرف .
ب . استرداد كل الرصيد أو بعضه أو التصرف فيه بعد إصدار الشيك بحيث يصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك.
جـ . إصدار أمر للمسحوب عليه بعدم صرف الشيك في غير الحالات المقررة قانوناً.
د . تحرير شيك أو التوقيع عليه بسوء نية على نحو يحول دون صرفه .
2 . يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في الفقرة السابقة كل من ظهر لغيره شيكا تظهيراً ناقلاً للملكية أو سلمه لمستحق الدفع لحامله مع علمه بأنه ليس به مقابل وفاء يفي بكامل قيمته أو أنه غير قابل للصرف.
2- وإذا عاد الجاني إلى ارتكاب إحدى هذه الجرائم خلال خمس سنوات من تاريخ الحكم عليه نهائياً في أي منها تكون العقوبة الحبس والغرامة التي لا تجاوز مائة جنية.
3- وللمجني عليه ولوكيله الخاص في الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة أن يطلب من النيابة العامة أو المحكمة بحسب الأحوال وفى أية حالة كانت عليها الدعوى إثبات صلحه مع المتهم .
ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر .
وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا لم يتم الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صيرورة الحكم باتا.

نلاحظ مما سلف أن المشرع المصري قد عنى بجريمة إصدار شيك بدون رصيد، وضَمَنَ حق المستفيد حتى لا يتعرض إلى الاحتيال، فقرر توقيع عقوبة رادعة على الساحب، ولكنه قد نص أيضاً على انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح متى أعطى الساحب للمستفيد حقه في أية حالة كانت عليها الدعوي.

—–

([1]) د. إبراهيم مصطفى وأخرون: – المعجم الوسيط، الجزء الأول، دار الدعوة، إسطنبول، 1990 ص 290.

([2]) د. مصطفى كمال طه: القانون التجاري، الأوراق التجارية والإفلاس: ص 247.

([3]) د. جاك الحكيم: الحقوق التجارية، الجزء الثاني، دمشق، 1979، ص 499.

([4]) نقض مصري: ٢٧ مايو عام ١٩٥٨، مجموعة أحكام النقض المصرية، س٩، رقم ١٤٩، ص ٥٨٢.

([5]) د. زهير عباس كريم: مقابل الوفاء (الرصيد) في الشيك، دراسة مقارنة لقوانين التجارة والعقوبات في فرنسا ومصر والعراق والأردن، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، ١٩٩٥، ص ٦٥.

([6]) د. أمين محمد بدر: الأوراق التجارية في التشريع المصري، الطبعة الأولى، النهضة العربية، القاهرة، ١٩٥٣، ص ٤٧٨.

([7]) د. محسن شفيق: الوسيط في القانون التجاري المصري، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، مطبعة اتحاد الجامعات، ص٥٦٩.

([8]) د. مصطفى كمال طه: القانون التجاري والإفلاس، ص ٢٤٢.

([9]) د. محمد شفيق: الوسيط في القانون التجاري المصري، ص ٤٩٨.

([10]) د. محسن شفيق: الوسيط، مرجع سابق، ص٤٩٨.

([11]) الطعن رقم ٩٠٩ لسنة ٣٩ق جلسة ١٧/١١/١٩٦٩ لسنة ٢٠ ص١٣٦٦.

error: Alert: Content is protected !!