مبادئ اتفاقية نيويورك
تعتبر اتفاقية نيويورك للاعتراف بأحكام التحكيم هي أهم اتفاقية في الأمم المتحدة في مجال تسوية النزاعات من خلال الاعتراف بأحكام التحكيم التجاري الأجنبي، سواء أكان حكم التحكيم صادر من خلال محكمين تم تعيينهم أو من خلال هيئة تحكيم دائمة يتم الاتفاق على اللجوء إليها للفصل في النزاع، حيث تم إبرام الاتفاقية في شهر يونية 1958، وبدأ العمل بها في يونية 1959 ويبلغ عدد الأعضاء المنضمين حتى عام 2016 نحو 156 دولة، وقد تضمنت الاتفاقية عدد من المبادئ التي يجب أن تلتزم بها الدول الأعضاء.
فسوف نتحدث في هذا المقال عن :-
أولًا: يجب أن يكون الاتفاق على التحكيم مكتوبا
ثانيًا: الاعتراف بقرارات التحكيم وتنفيذها
ثالثًا: يجب ألا تفرض شروط أكثر تشددا
رابعًا: وجوب تقديم القرار الأصلي
أولًا: يجب أن يكون الاتفاق على التحكيم مكتوبا
حيث تنص المادة 2 فقرة 1 على أن :” تعترف كل دولة متعاقدة بأي اتفاق مكتوب يلتزم فيه الطرفان بأن يحيلوا إلى التحكيم جميع الخلافات التي نشأت أو قد تنشأ بينهما بالنسبة لعلاقة قانونية محددة تعاقدية أو غير تعاقدية. تتصل بموضوع يمكن تسويته من خلال التحكيم”
وجاء في الفقرة 2 “يشمل مصطلح “اتفاق مكتوب” أي شرط تحكيم يرد في عقد أو أي اتفاق تحكيم وقع عليه من الطرفين أو وارد في رسائل أو برقيات متبادلة”
أما الفقرة 3 “على المحكمة في أي دولة متعاقدة، عندما يعرض عليها نزاع في مسألة أبرم الطرفان بشأنهما اتفاقا بالمعنى المستخدم في هذه المادة، أن تحيل الطرفين إلى التحكيم بناءً على طلب أيهما، ما لم يتبين لها أن هذا الاتفاق لاغ وباطل أو غير منفذ أو غير قابل للتنفيذ”
1_ مفهوم الاتفاق:
الاتفاق على التحكيم : هو الموافقة الصريحة لطرفي العلاقة القانونية على تسوية أي نزاع مستقبلي يخص هذه العلاقة القانونية عن طريق التحكيم، سواء أكان عن طريق تعيين محكم أو أكثر يتم الاتفاق عليه أو عن طريق هيئة دائمة للتحكيم، مثل مراكز التحكيم الإقليمية، على أن يكون حكم التحكيم ملزم لأطراف النزاع، وقد يأتي هذا الاتفاق في صورة بند من بنود العقد أو في صورة اتفاق ملحق بالعقد الأصلي، وهذه الصورة من الاتفاق تسمى شرط التحكيم. فشرط التحكيم هو الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم قبل حدوث نزاع، أما مشارطة التحكيم فهو اتفاق أطراف النزاع على اللجوء إلى التحكيم لتسوية النزاع، ولكن بعد حدوث النزاع وليس قبله، ويشترط في هذه الحالة أن يتم تحديد موضوع النزاع تحديدا دقيقا.
2 – صيغة الاتفاق
يمكن الاتفاق على التحكيم بأي صيغة يتفق على الأطراف بشرط أن تكون صيغة صريحة بالاتفاق على التحكيم، ويوجد بكل مركز تحكيم نموذج لاتفاق التحكيم الذي يمكن الاستعانة به كنموذج استرشادي إذا تم الاتفاق على اللجوء إلى هذا المركز مثل نموذج اليونسترال وهو ” كل نزاع أو خلاف أو مطالبة تنشأ عن هذا العقد أو تتعلق به أو بمخالفة أحكامه أو فسخه أو بطلانه يسوى بطريق التحكيم وفقا لقواعد التحكيم التي وضعتها الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي”
3 – شرط تقديم طلب من احد الأطراف بالإحالة إلى التحكيم في حالة وجود اتفاق مكتوب
يبدو من النص انه أعطى الحق للأطراف مجتمعين انب يتخلوا عن حقهم في اتفاق التحكيم، حيث إن النص يشير إلى أن المحكمة الوطنية المختصة لا تحكم من تلقاء نفسها بالإحالة إلى التحكيم، حيث إن التحكيم يستمد شرعيته من اتفاق الأطراف عليه، فعدم طلب أحد الخصوم من المحكمة للإحالة يعد بمثابة دليل على موافقتهم على أن تنظر المحكمة المختصة في النزاع دون الإحالة إلى التحكيم. وهذا التطبيق قامت به كلا من محاكم الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وهذا بمثابة إقرار من هذه المحاكم أنها تشترط تقديم طلب من أحد الأطراف بإحالة.
ثانيًا: الاعتراف بقرارات التحكيم وتنفيذها
حيث نصت المادة الثالثة على أن :”على كل دولة أن تعترف بقرارات التحكيم كقرارات ملزمة وأن تقوم بتنفيذها وفقا للقواعد الإجرائية المتبعة في الإقليم الذي يحتج فيه بالقرار، طبقا للشروط الواردة في المواد التالية. ولا تفرض على الاعتراف بقرارات التحكيم التي تنطبق عليها هذه الاتفاقية أو على تنفيذها شروط أكثر تشددا بكثير أو رسوم أو أعباء أعلى بكثير مما يفرض على الاعتراف بقرارات التحكيم المحلية على تنفيذها”.
1 – الزام الدول بالاعتراف والتنفيذ
يتضح من نص المادة 3 أن الدول الموقعة على الاتفاقية يجب أن تلتزم بالاعتراف بقرارات التحكيم، وتأمر بصحته وتنفيذه، وقد قامت العديد من المحاكم الوطنية بالعمل بهذا المبدأ مثل محاكم الولايات المتحدة الأمريكية، والمحاكم الإنجليزية.
وقد أكدت هذا المبدأ محكمة النقض المصرية بل واعتبرت الاتفاقية من احدى تشريعات الدولة واجبة النفاذ حيث أرست هذا المبدأ في نص حكم لها “لما كانت المادة 30 من قانون المرافعات – والتي اختتم بها المشرع الفصل الخاص بتنفيذ الأحكام والأوامر والسندات الأجنبية – تقض بأنه اذا وجدت معاهدات بين مصر وغيرها من الدول بشأن تنفيذ الأحكام الأجنبية فإنه يتعين إعمال أحكام هذه المعاهدات وكانت مصر قد انضمت إلى اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن أحكام المحكمين الأجنبية وتنفيذها بقرار رئيس الجمهورية رقم 171 لسنة 1959 و صارت نافذة ابتداء من 8 يونيو 1959 ومن ثم فإنها تكون قانونا من قوانين الدولة واجبة التطبيق ولو تعارضت مع أحكام قانون المرافعات” [1]
2 – الشروط الواردة بالاتفاقية للاعتراف والتنفيذ
فسرت المحاكم الوطنية للدول المتعاقدة أن الشروط المقصودة في المادة الثالثة هي الشروط الواردة بالاتفاقية حصرا وليست الشروط الواردة في قوانين الدول الوطنية المتعاقدة، وهذا ما أكدته محكمة النقض الإيطالية حينما رفضت دفع أحد الأطراف ببطلان قرار التحكيم لأنه صدر عن هيئة تحكيم عددها زوجي وهو ما يحظره القانون الإيطالي، وأقرت بأن حكم التحكيم واجب الاعتراف به طالما متوافقا مع الشروط الواردة باتفاقية نيويورك.
ورأت محاكم عديدة أن المقصود بتلك “الشروط” الشروط المنصوص عليها في المواد الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من الاتفاقية [2]
3 – مفهوم القواعد الإجرائية المتبعة في الإقليم الذي يحتج فيه بالقرار
لم تضع الاتفاقية إجراءات معينة مفروضة على الدول المتعاقدة ولكن تركت الأمر للدول أن تنفذ الأحكام وفق إجراءاتها الوطنية، وطبقت محاكم الدول الوطنية عند تنفيذ الأحكام الإجراءات المتبعة في الدولة التي تنفذ الحكم و ليست إجراءات الدولة التي صدر فيها الحكم، ويتضح هذا المفهوم حينما رفضت محكمة في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنفذ حكم التحكيم وفقا للقواعد الإجرائية الإنجليزية، وقد ضيقت محكمة كندا العليا من مفهوم الإقليم وأقرت أن كلمة إقليم تشير إلى الوحدة الإقليمية الواحدة، بمعنى أن الحكم الذي ينفذ لابد وان يتبع إجراءات تنفيذ المقاطعة الكندية التي سوف ينفذ بها تحديدا وليست إجراءات أي مقاطعة كندية، وانتهجت هذا النهج العديد من الدول المنضمة مثل ( مصر وإيطاليا واليونان وفرنسا وألمانيا وإسبانيا )
ثالثًا: يجب ألا تفرض شروط أكثر تشددا بكثير أو رسوم أو مصاريف أكبر بكثير من المفروضة في حالة التحكيم المحلي
1 –عدم فرض رسوم أو مصاريف أكثر
لم توضح الاتفاقية معنى الرسوم أو قيمة الرسوم المفروضة، ولكن اعترضت إحدى الدول على التنفيذ بسبب أن مصروفات التحكيم التي اعتمدتها هيئة التحكيم كانت باهظة، واعتبرت محكمة يونانية معنى الرسوم يشير إلى مصروفات إجراءات الإعلان.
2 – عدم فرض شروط اكثر تشددا
وأما عن مصطلح الشروط الأكثر تشددا، وعدم توضيح الشروط فقد فتح الباب للاجتهادات القضائية المحلية، فبعض المحاكم لم تطبق شروط تنفيذ أحكام التحكيم بسبب وجود شروط ارتأت أنها
أكثر تشددا، مثل محكمة هولندا العليا حينما ارتأت أن الطعن بالنقض في قرار الموافقة على تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي ينتهك قانون التحكيم الهولندي لعدم إمكانية النقض في القانون الهولندي على أحكام التحكيم المحلي، وقد استفادت محكمة النقض المصرية من هذا التخفيف ، حينما أقرت أن القانون المختص بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية هو قانون التحكيم المصري وليس قانون المرافعات المدنية والتجارية الذي يفرض شروطا أكثر تشددا من قانون التحكيم، كما أن محكمة في هونج كونج رفضت شرط تقديم الدائن ضمان لتنفيذ حكم التحكيم لأنها اعتبرته تشددا لعدم وجود شرط الضمان بالقانون المحلي في هونج كونج.
رابعًا: وجوب تقديم القرار الأصلي مصدقا عليه أو نسخة رسمية معتمدة منه والاتفاق الأصلي أو نسخة رسمية معتمدة منه وترجمة المستندات المطلوبة إذا لزم الأمر
حيث نصت المادة الرابعة من الاتفاقية على “1 – للحصول على الاعتراف والتنفيذ المذكورين في المادة السابقة، يقوم الطرف الذي يطلب الاعتراف والتنفيذ، وقت تقديم الطلب ما يلي: أ – القرار الأصلي مصدقا عليه حسب الأصول المتبعة أو نسخة منه معتمدة حسب الأصول. ب – الاتفاق الأصلي المشار إليه في المادة الثانية أو صورة منه معتمدة حسب الأصول.
2 – متى كان الحكم المذكور أو الاتفاق المذكور بلغة خلاف اللغة الرسمية للبلد الذي يحتج فيه بالقرار، يجب على الطرف الذي يطلب الاعتراف بالقرار أو تنفيذه أن يقدم ترجمة لهاتين الوثيقتين بهذه اللغة، ويجب أن تكون الترجمة معتمدة من موظف رسمي أو مترجم محلف أو ممثل دبلوماسي أو قنصلي.
1 – الوثيقتين اللازمتين للاعتراف والتنفيذ
يتضح من النص أن الوثائق الأساسية اللازمة للاعتراف بالتحكيم وتنفيذه هم أصل قرار التحكيم، وأصل الاتفاق، المشار إليه سابقا والوارد بالمادة الثانية من الاتفاقية، أو صور رسمية منهما، وهذا ما أكده التطبيق العملي للمحاكم المختلفة، فقد قررت محكمة النقض الإيطالية وكذلك المحكمة العليا الإسبانية، وكذلك المحكمة العليا في اليونان، وكذلك محاكم النمسا والمكسيك وهولندا أن الطرف طالب الاعتراف والتنفيذ لا ينبغي عليه تقديم أي مستندات إلا اصل قرار التحكيم وأصل الاتفاق أو صور رسمية منهما طبقا للمادة الرابعة من الاتفاقية، إلا أن بعض المحاكم أجازت للخصوم تقديم مستندات أخرى والاستماع للدفوع ولكن بعد تقديم المستندات الأساسية المشار إليها في المادة الرابعة.
2 – ترجمة الوثائق بلغة البلد المطلوب منها الاعتراف والتنفيذ
أوضحت الاتفاقية أن الأصل حسب المادة الرابعة فقرة 2 أن يقدم المدعي المستندات الأساسية سالفة البيان باللغة الرسمية للبلد المطلوب منها التنفيذ والاعتراف، ولكن حسب التطبيق في المحاكم المختلفة للدول الأعضاء أجازت بعض المحاكم الوطنية عدم ترجمة المستندات باللغة الرسمية اذا كانت الوثائق بلغة تفهمها هيئة المحكمة، مثلما تغاضت محكمة أمستردام عن شرط ترجمة الوثائق المقدمة باللغة الإنجليزية ولم تشترط ترجمتها باللغة الهولندية لفهم هيئة المحكمة للغة الإنجليزية، كما أقرت نفس المبدأ المحاكم النرويجية، وعلى العكس فقد رفضت بعض المحاكم بعض الوثائق الغير ترجمة لعدم استيفائها للشكل المطلوب بالمادة الرابعة فقرة 2.
3 – شكل قرار التحكيم
لم تحدد الاتفاقية شكل قرار التحكيم ولكن من خلال التطبيقات القضائية هناك بيانين جوهريين لا يمكن أن تتغاضى عنهما محاكم التنفيذ وهم: – أسماء الخصوم بشكل صحيح، وأسماء المحكمين وتوقيعاتهم، وقد تشدد بعض المحاكم في توقيع المحكمين، حيث اشترطت وجوب توقيع جميع المحكمين على وثيقة قرار التحكيم مثل محكمة في إيطاليا حينما رفضت تنفيذ قرار تحكيم صادر من هيئة تحكيم إنجليزية موقع عليها اثنين محكمين من اصل ثلاث محكمين، استنادا على أن القانون الإيطالي يشترط توقيع جميع المحكمين على الحكم.
4 – دمج حكم محكة وطنية مع قرار تحكيم
نظرت محكمة سويسرية فيما إذا كان يمكن اعتبار حكم أصدرته محكمة في الولايات المتحدة بتأكيد قرار تحكيم أساسا كافيا للتنفيذ. ورأت غرفة تحصيل الديون والإفلاس التابعة لمحكمة الاستئناف أنه لا يمكن إصدار قرار تنفيذ استنادا إلى حكم محكمة الولايات المتحدة. وأقرت بأنه يمكن للمحكمة بموجب “مبدأ الدمج” المنطبق في الولايات المتحدة، أن تؤكد قرار تحكيم صادرا في الولايات المتحدة بحيث يصبح حكم محكمة الولايات المتحدة وقرار التحكيم شيئا واحدا. ثم رأت أن القانون السويسري لا ينص على مبدأ المج، وأنه ينبغي، بموجب القانون السويسري، أن يستند التنفيذ إلى قرار تحكيم قابل للتنفيذ. كما لاحظت محكمة الاستئناف أن الطرف الذي صدر قرار التحكيم لصالحه لم يمتثل لشروط المادة الرابعة حيث إنه لم يقدم اتفاق التحكيم الأصلي ونسخة مصدقة حسب الأصول من قرار التحكيم.[3]
كتابة : أحمد الشريف
1 – محكمة النقض المصرية – (الطعن رقم 2994 لسنة 57 قضائية – جلسة 16/07/19901)
2 – تفسير اليونسترال لاتفاقية نيويورك طبعة 2016 ص 81
[3] – تفسير اليونسترال لاتفاقية نيويورك طبعة 2016 ص 108

