مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

يُعد مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات من المبادئ القانونية الراسخة ذات القيمة الدستورية، فهذا المبدأ يُعد حصن الأمان لضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، فمؤدى هذا المبدأ أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على النص القانون، الأمر الذي يؤدي إلى عدم جواز معاقبة شخص على فعل اقترفه ما لم يكن منصوصاً على تجريمه، فضلاً عن عدم جواز معاقبة الشخص بعقوبة لم ينص عليها في القانون.

أولاً: ماهية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:

ثانياً: مبررات مبدأ الشرعية:

ثالثاً: القيمة الدستورية لمبدأ الشرعية:

رابعاً: النتائج المترتبة على مبدأ الشرعية:

خامسا: النقد الموجه إلى مبدأ الشرعية:

سادساً: مبدأ شرعية العقوبة في الجرائم الدولية:

سابعاً: النصوص القانونية المتعلقة بشرعية الجرائم والعقوبات:

ثامناً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:

أولاً: ماهية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:

يقصد بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص القانون، ومن ثم فلا يمكن للقاضي أن يعاقب على فعل ولا ينطق بعقوبة مالم يكن لذلك سند قانوني، وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 3) من قانون العقوبات بنصها على أن: (لا جريمة إلا بنص ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة).

ولا يُفهم مما سبق أن مبدأ الشرعية يقيد القاضي فحسب، وإنما يورد هذا المبدأ قيود على كافة السلطات في الدولة:

1- القيود الواردة على السلطة التشريعية:

حيث تلتزم السلطة التشريعية – وفقاً لهذا المبدأ – بتجريم الأفعال بمقتضى نصوص مفصلة لا يكتنفها الغموض، بل يجب أن تكون نصوص قانونية دقيقة مفصلة، ومن ثم يتعين على السلطة التشريعية الابتعاد عما يسمى بالقوالب الحرة فيما يتعلق بالنصوص القانونية المتعلقة بالتجريم والعقاب وإلا كان النص القانوني الصادر عنها معرضا ً للحكم بعدم دستوريته.

2- القيود الواردة على السلطة التنفيذية:

يقيد مبدأ الشرعية السلطة التنفيذية فيما يتعلق بسلطة تلك السلطة في إصدار التشريعات الفرعية والتي تلتزم فيها بأن تكون ملتزمة بالنهج الذي يسير عليه القانون، حيث لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تأتي بجرائم أو عقوبات لم ينص عليها في القانون.

3- القيود الوردة على السلطة القضائية:

تعد السلطة القضائية هي المعنية في المقام الأول بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، حيث لا يجوز للقاضي أن يعاقب أحد الأشخاص بفعل غير مجرم مهما بلغت الخطورة المترتبة على هذا الفعل، ولا يجوز للقاضي – كذلك – أن يعاقب أحد المجرمين بعقوبات لم ينص عليها المشرع.

ويؤكد على ذلك ما قضت به محكمة صلح جزاء العقبة في حكمها رقم 841 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن: (إن المشتكى عليه تعرض لحادث سير نتج عنه تدهور المركبة وهو من كان يقودها مما أدى إلى الحاق الأذى به وعليه تقرر المحكمة عملا بأحكام المادة 234 من قانون أصول محاكمات الجزائية تعديل الوصف الجرمي من التسبب بالإيذاء إلى إيذاء النفس، وتجد المحكمة أن هذا الجرم وبمقتضى مبدأ شرعية الجرائم والعقوبة غير معاقب عليه، وحيث انه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص مما يتعين معه إعلان عدم مسؤوليته عن هذا الجرم).

ثانياً: مبررات مبدأ الشرعية:

لمبدأ الشرعية العديد من المبررات والتي تتمثل في أنه يكفل تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات الذي يُعد من المبادئ المهيمنة على الدولة الحديثة، حيث يكون لكل سلطة من سلطات الدولة اختصاصاتها التي لا يجوز لسلطة أخرى أن تعتدي عليها، وإعمالاً لهذا المبدأ فإن السلطة التشريعية – دون غيرها – هي المنوط بها وضع القوانين التي تجرم الأفعال وتقرير ما يتناسب معها من عقوبات، ومن ثم فيجب على كل من السلطة التنفيذية والقضائية أن تلتزم بذلك ولا تأتي بجديد في مجال التجريم والعقاب.

ومن ناحية ثانية فإن مبدأ الشرعية يحمل في طياته ضمانة هامة للحقوق والحريات الفردية في مواجهة أي تعسف أو تعنت من جانب السلطتين التنفيذية أو القضائية، فمن حق الأفراد ألا يتعرضوا للعقاب على أفعال إلا من بعد ما ينذروا بأنها مجرمة، فهذا النهج هو الذي سارت عليه الشريعة الإسلامية الغراء وذكره الله جل وعلى في كتابه الحكيم بقوله “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا”[1]

ثالثاً: القيمة الدستورية لمبدأ الشرعية:

لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات قيمة دستورية تجد أساسها من النص عليه في صلب الدستور، حيث نجد أن الدستور الأردني قد نص في (المادة 8/1) على أن: (لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون).

وهذا – أيضاً – ما انتهجه المشرع الدستوري المصري عندما قرر وضع هذا المبدأ في صلب الدستور المقرر بموجب (المادة 95) منه بنصها على أن: (العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون).

ويعزز تلك القيمة الدستورية لمبدأ الشرعية أنه قد تم النص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1948.

ويترتب على دستورية هذا المبدأ أنه يمتنع على السلطة التشريعية أن تضع تشريعات تخالف أحكام الدستور وإلا أصبح النص الذي قامت بوضعه غير دستوري

بعض المبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية العليا المتعلقة بمبدأ الشرعية:

قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية في حكمها رقم 48 لسنة 17 قضائية دستورية، جلسة 22 فبراير سنة 1977 بأن: (استقرار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في مفاهيم الدولة المتحضرة، دعا على توكيده بينها ومن ثم وجد صداه في عديد من المواثيق الدولية، من بينها الفقرة الأخيرة من المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والفقرة الأولى من المادة 15 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، والمادة 7 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان . وتردد هذا المبدأ كذلك في دساتير عديدة يندرج تحتها ما تنص عليه المادة 66 من دستور جمهورية مصر العربية من أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون الذي ينص عليها، وما تقرره كذلك المادة 187 من هذا الدستور التي تقضي بأن الأصل في أحكام القوانين هو سريانها اعتبارا من تاريخ العمل بها ولا أثر لها فيما وقع قبلها إلا بنص خاص تقره أغلبية أعضاء السلطة التشريعية في مجموعهم).

وفي حكم أخر لها قضت المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 48 لسنة 17 قضائية دستورية ، جلسة 22 فبراير سنة 1977 بأن: (النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إنما يتحدد على ضوء ضمانتين تكفلان الأغراض التي توخاها:

أولاهما: أن تصاغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض فلا تكون هذه النصوص شبكا أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها ، وهي بعد ضمانة غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها فلا يكون سلوكهم مجافيا لها ، بل اتساقاً معها ونزولاً عليها.

ثانيتهما: ومفترضها أن المرحلة الزمنية التي تقع بين دخول القانون الجنائي حيز التنفيذ وإلغاء هذا القانون ، إنما تمثل الفترة التي كان يحيا خلالها ، فلا يطبق على أفعال أتاها جناتها قبل نفاذه، بل يتعين أن يكون هذا القانون سابقا عليها La Ioi Prealable فلا يكون رجعياً).

رابعاً: النتائج المترتبة على مبدأ الشرعية:

يترتب على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات نتائج على درجة كبيرة من الأهمية تتمثل فيما يلي:

1- اعتبار التشريع المصدر الوحيد في مجال التجريم والعقاب:

حيث لا يجوز سوى أن تكون السلطة التشريعية هي وحدها مصدر التجريم والعقاب، ومن ثم تستبعد كافة مصادر القانون الأخرى من مكنة تجريم الأفعال أو تقرير عقوبات لها، فلا مجال للعرف ولا مجال لمبادئ القانون الطبيعي أو قواعد العدالة في نطاق وضع الجرائم أو تقرير عقوبات لها.

ولئن كان من المسلم به إنكار العرف كمصدر لإنشاء الجرائم والعقوبات، فإنه يجوز الاعتراف بدور ما للعرف في حالتين[2]:

الحالة الأولى: أن للعرف دوراً في مجال أسباب الإباحة وذلك كتقرير العرف حق للمعلم في تأديب التلميذ، فضلاً عن أن العرف قرر سبب إباحة في مجال الألعاب الرياضية التي قد يتمخض عن ممارستها بعض الجرائم وذلك مثل رياضة الملاكمة.

الحالة الثانية: أن للعرف دوراً في تحديد بعض المفاهيم الداخلة في البناء القانوني لبعض الجرائم وعلى الرغم من ندرة هذا الدور إلا أنه قائم في بعض الحالات مثل دور العرف في تحديد البناء القانوني لجريمة خدش حياء العامة، فقد ساهم العرف في بلورة فكرة حياء العامة الأمر الذي ترتب عليه أن ظهور البعض بملابس الاستحمام على الشواطئ لا يمثل جريمة فعل علني فاضح، في حين ظهورهم بتلك الملابس في أماكن أخرى قد يتمخض عنه أن يسند إليهم ارتكاب جرم فعل علني فاضح.

2- التفسير الصارم لنصوص التجريم والعقاب:

من مقتضيات إعمال مبدأ الشرعية أن يتم تفسير النص تفسيراً صارماً، حيث إن النص الجنائي لا يُقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره.

وتطبيقاً لعدم جواز القياس على المواد الجنائية فقد قضت محكمة صلح جزاء شمال عمان في حكمها رقم 1141 لسنة 2018 بأن: (المشرع الأردني استلزم لتحقق جرم إساءة الأمانة أن يكون المال أو النقود أو السند الذي يتضمن تعهدا أو إبراء أو أي شيء من هذا القبيل تعود ملكيته للغير وليس للمشتكى عليهم وان يكون هذا المال قد سلم للمشتكى عليهم على سبيل الحيازة الناقصة بناء على عقد من عقود الأمانة المحددة حصرا في (المادة 422) من قانون العقوبات, ومن ثم فلا يجوز للقاضي أن يضيف إليها على سبيل القياس عقدا لم يرد فيما بينها إذ أن هذا القياس محظور لان نص تجريم إساءة الائتمان قد صيغ على نحو يفهم منه الحرص على تحديد هذه العقود تحديدا جامعا مانعا, علاوة على أن القياس يوسع من نطاق الجريمة فينطوي عليها إهدار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات).

ومن التطبيقات القضائية على صرامة تفسير النص الجنائي فقد قضت محكمة صلح جزاء الزرقاء في حكمها رقم 6513 لسنة 2015 بأن: (وحيث أن من ضوابط تطبيق وتفسير النصوص الجزائية وفق الأصل العام (حظر القياس في نصوص التجريم والعقاب وإباحته لصالح المتهم ) ذلك أن الأصل العام أن القضاء ليس مصدراً لقانون العقوبات بمعنى انه لا يجوز للقاضي أن ينشئ جريمة أو عقوبة لم ينص عليها القانون فدور القاضي مقيد في المسائل الجنائية بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات, وأنه لما كان ذلك وكان قد تميز قانون العقوبات عن غيره القوانين بشأن مصدر التجريم والعقاب وهو القانون وحده فان قانون العقوبات قد تميز لذلك عن كافة القوانين الأخرى في احدى وسائل التفسير وهي القياس لان القياس كوسيلة لتفسير النصوص لا يهدف إلى معرفة قصد المشرع فحسب وإنما بقصد تطبيق حكم النص أيضا على حالات أخرى غير منصوص عليها صراحة لمجرد توافر قصد المشرع بشأنها ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يستلزم في جميع الأحوال وجود النص الصريح الأمر الذي من شأنه لا يغني عنه استخلاص قصد المشرع من نصوص أخرى فالقياس في التجريم والعقاب يعني إنشاء جريمة أو عقاب لم يرد به نص تشريعي وهو ما يخالف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات).

وتأكيداً على ضرورة عدم التوسع في تفسير النص الجنائي فقد قضت الدائرة الجنائية لمحكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١١٥٦٨ لسنة ٨٥ قضائية بأن (من المقرر أنه متى كانت عبارة القانون واضحة لا لبس فيها فإنها يجب أن تعد تعبيراً صادقاً عن إرادة الشارع ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أياً كان الباعث على ذلك ، وأنه لا محل للاجتهاد إزاء صراحة النص الواجب تطبيقه).

جواز التفسير الموسع في غير مسائل التجريم والعقاب:

لا يوجد ما يمنع من إعمال التفسير الموسع أو القياس في غير مسائل التجريم والعقاب، لأن مثل هذا التفسير في هذه الحالات لا يمثل افتئات على حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية، بل يحمل بين طياته ما يحقق مصالح الأفراد.

بل أنه لا يوج ما يمنع من إعمال التفسير الموسع فيما يتعلق بأسباب الإباحة نظراً لما يمثله ذلك من تحقيق منافع للأفراد.

وتأكيداً على ذلك فقد قضت محكمة صلح جزاء الزرقاء في حكمها رقم 6513 لسنة 2015 بأن: (الفقه الجنائي أجمع على جواز القياس لصالح المتهم فالوضع القانوني يختلف بالنسبة لقواعد قانون العقوبات التي تحد من نطاق التجريم والعقاب والتي هي بالضرورة لصالح المتهم ويظهر ذلك بصفة خاصة في القواعد التي تتعلق بأسباب الإباحة أو موانع المسؤولية أو موانع رفع الدعوى الجنائية وكذلك أيضا الأعذار القانونية والظروف المخففة فالأساس القانوني (القياس لصالح المتهم ) أن القياس في نطاق هذه المسائل لا يتعارض مع مبدأ الشرعية الجنائية وباعتبار أن الأصل في الأشياء الإباحة ومن ثم فان القياس على المسائل السابقة- التي في صالح المتهم – يرد على اصل عام لا مجرد استثناء فالمقرر أن القياس في أسباب الإباحة امر يقره القانون).

خامسا: النقد الموجه إلى مبدأ الشرعية:

وجهت إلى مبدأ الشرعية العديد من أسهم النقد والتي تتمثل في:

ا- إصابة التشريع بالجمود:

انتقد البعض هذا المبدأ تذرعاً بأنه يصيب التشريع بالجمود ويجرده من المرونة اللازمة في مواجهة ما يطرأ على المجتمع من صور جديدة للجرائم والتي لم يتناولها المشرع بالتجريم، ومن ثم يترتب على ذلك أن القاضي سيقف عاجزاً أما جريمة ارتكبت ولم ينص المشرع على تجريمها حيث لن يكن أمامه سوى الحكم بتبرئة الجاني.

والواقع أن هذا النقد لا ينال من قدسية هذا المبدأ القانوني، حيث إن بوسع المشرع دائماً أن يتدخل بتجريم الظواهر المستحدثة التي تلحق ضرراً بالأفراد أو المجتمع.

تطبيقات على تدخل المشرع بتجريم أفعال لم تكن مجرمة:

تؤكد التجربة أن المشرع سرعان ما يتدخل ويعاقب على الأفعال التي كان يفلت فاعلوها من العقاب رغم عدم مشروعيتها، فمثلا نجد في المجتمع المصري قديماً كان بعض الأشخاص يدخلون المطاعم يتناولون الطعام ثم يمتنعون عن دفع المقابل وبإجالتهم للقضاء لم يكن أمام القاضي سوى الحكم بتبرئتهم لعدم وجود نص قانوني يعاقب على ما ارتكبوه من أفعال، حيث لا يمكن تكييف هذا الفعل بأنه سرقة لأن تلك الجريمة تقتضي الحصول على الطعام خلسة وهذا غير متحقق، وظل الأمر كذلك حتى تدخل المشرع المصري بإضافة (المادة 324 مكرر) من قانون العقوبات بمقتضى القانون رقم 36 لسنة 1956 والتي نصت على أن: (يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تتجاوز عشرين جنيهاً أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يتناول طعاماً أو شراباً في محل معد لذلك ولو كان مقيماً).

وكذلك الأمر بالنسبة للظاهرة التي انتشرت بقيام بعض الأشخاص بأخذ سيارات غيرهم لقضاء بعض الأعمال وإعادتها مرة أخرى، وبتقديم هؤلاء للقضاء لم يكن أمام القضاء سوى أن يحكم ببراءتهم لأن فعلهم لا يمكن أن يندرج تحت جريمة السرقة التي تقتضي اختلاس منقولات بغرض تملكها، والتملك في هذه الحالة لم يكن متوفر، حيث كان الفاعل يقتصر على استعمال السيارة وإعادتها مرة أخرى.

وظل هذا الفعل غير خاضع للتجريم حتى تدخل المشرع بتجريمه بإدخال (المادة 323 مكرر) من قانون العقوبات المصري والتي نصت على أن: (يعاقب كل من استولى بغير حق وبدون نية التملك على سيارة مملوكة لغيره بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين).

وفي فرنسا فنجد القضية التي تعلقت بسلسلة قنوات كنال بلوث تؤكد على قدرة المشرع دوماً على التدخل لتجريم الأفعال الإجرامية التي تطرأ على المجتمع وذلك عندما تعرضت قنوات كنال بلوث إلى سرقة تردداتها من أحد الطلاب الملتحقين بكلية الهندسة وعلى إثر ذلك قدم للمحاكمة، إلا أن القضاء الفرنسي لم يستطع عقابه بنصوص جريمة السرقة لأن تلك الجريمة تقتضي حدوث افتقار للمجني عليه وهذا غير متحقق في شأن الشركة المالكة لقنوات كنال بلوث ومن ثم فقد ببراءة الفاعل، وهذا ما دفع المشرع الفرنسي إلى التدخل بتجريم الاعتداء على البث الإذاعي بنصوص قانونية.

2- تقييد القاضي فيما يتعلق بالشق الجزائي:

اتجه البعض بالقول إلى أن مبدأ الشرعية يؤدي إلى حكم القاضي بعقوبات جامدة تطبق على مرتكبي الجرائم بغض النظر عن الملابسات التي أحاطت بما ارتكبوه من أفعال، حيث لا يمكن القول بأن كل من يرتكب ذات الفعل يُعاقب بذات العقاب.

فلنا أن نتصور مثلاً قاتل قد قتل غريمه من أجل أن يحصل على ماله، فهذا سُيعاقب بعقوبات مغلظة نظراً لارتكابه جناية قتل، أما من يقتل نظراً لاستفذاه أو لخطأ منه دون تعمد فلا يمكن أن يعاقب بذات العقاب.

والواقع من الأمر أنه على الرغم من واجهة هذا الرأي إلا أنه لا ينال من القيمة القانونية لمبدأ الشرعية، ذلك أن المشرع دوماً ما يمنح للقاضي السلطة التقديرية في تقدير العقاب الملائم لكل حالة على حدي بما يحقق فكرة التفريد العقابي.

فنجد أن المشرع يمنح القاضي سلطة الحكم في بعض الجرائم بالحبس بين حد أدنى وحد أقصى، وكذلك قد يمنح المشرع القاضي سلطة تخفيف العقوبة كما ورد في (المادة 17) من قانون العقوبات المصري بنصها على أن: (يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة على الوجه الآتي:

  • عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد.
  • عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المشدد أو السجن.
  • عقوبة السجن المشدد بعقوبة السجن أو الحبس الذي لا يجوز أن ينقص عن ستة شهور.
  • عقوبة السجن بعقوبة الحبس التي لا يجوز أن تنقص عن ثلاثة شهور).

وكذلك نجد أن المشرع الأردني قد منح القاضي أن يخفف العقوبة في بعض الحالات التي ينجم عنها ضرراً يسير وذلك وفقاً لما جاء (بالمادة 427) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (تخفض إلى النصف العقوبات الجنحية المعينة في المواد التي تؤلف الفصل الأول والثاني والثالث إذا كان الضرر الناتج عنها أو النفع الذي قصد الفاعل اجتلابه منها تافهين أو إذا كان الضرر قد أزيل كله قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة).

سادساً: مبدأ شرعية العقوبة في الجرائم الدولية:

كما ذكرنا، فإن مبدأ الشرعية يتمتع بقدسية دولية ويدل على ذلك أن تم النص عليه غي الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، حيث نصت (المادة 11/2) من هذا الميثاق على أن: (لا يدان أي شخص جراء أداء عمل أو امتناع ن أداء عمل إلا إذا كان ذلك يعتبر مجرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، كذلك لا توقع عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة).

وكذلك فقد تم النص على مبدأ الشرعية في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في (المادة 15) والتي نصت على أن: ( لا يجوز إدانة أحد بجريمة جنائية سواء تمثلت في القيام بفعل أو الامتناع عن فعل ما لم يشكل وقت ارتكابه جريمة جنائية بموجب القانون الدولي أو الوطني، كما لا يجوز توقيع عقوبة أشد من العقوبة واجبة التطبيق في وقت ارتكاب الجريمة).

وأيضاً، فإن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد كرست هذا المبدأ بنصها في (مادتها 7) على أن: (لا يحاكم أحد عن فعل أو امتناع لا يكون وقت حدوثه جريمة طبقاً للقانون الوطني أو الدولي).

ونجد أيضاً أن الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب قد كرس هذا المبدأ عندما نص في (المادة 7) على ضرورة إعمال مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة، أي عدم إدانة الفرد لقيامه بعمل لم يكن القانون ينص على أنه جريمة وقت ارتكابه).

وأخيراً، فإن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد تناول هذا المبدأ بنصه في (المادة 23) على أن: ( لا يعاقب أي شخص أدانته المحكمة إلا وفقاً لهذا النظام الأساسي)، مما يعني أن القاضي ملزم بتكييف الجرائم وتوقيع العقوبات الواردة فقط في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

سابعاً: النصوص القانونية المتعلقة بشرعية الجرائم والعقوبات:

وردت النصوص القانونية التي تتعلق بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في المواد التالية:

1- الدستور:

المادة 8/1:

لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون.

2- قانون العقوبات:

المادة 3:

لا جريمة إلا بنص ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة مادة 3:

ثامناً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:

جاء في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم 2760 لسنة 2020:

وبالتطبيق القانوني وجدت المحكمة أنه يشترط لقيام التهمتين بحق المتهمين تحقق مجموعة من الأركان وهي: 1- الركن القانوني: وذلك بأن يكون الفعل الصادر عن المتهمين – وعلى فرض ثبوته- مجرماً قانوناً وذلك إعمالاً لمبدأ الشرعية الجزائية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص).

وجاء في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم 3427 لسنة 2020:

أخطأت المحكمة في تبريرها اعتبار الوقائع المنسوبة للمميز غير مشمولة بأحكام قانون العفو العام من خلال قياس مسألة ورد بها نص بمسألة أخرى ورد بها نص آخر وهذا غير جائز لأن المحكمة إن فعلت ذلك تكون قد نصبت نفسها مشرعاً

وجاء في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم 2501 لسنة 2020:

وبما أنه يجوز القياس في حال اتحاد العلة بل على العكس أن المقيس أولى بالرعاية والحماية من المقاس عليه حيث إن مصلحة الحدث تقتضي وجوده في أسرة ترعى شؤونه الحياتية خاصة إذا كان على مقاعد الدراسة فيكون أولى بالرعاية من إيداعه مركز تأهيل الأحداث وإن القول بغير ذلك يتنافى مع المنطق القانوني السليم، ومما تقدم تجد محكمتنا أن قواعد العدالة المنجزة تتطلب قياس التدابير التي تفرض على فئة الفتى من حيث وقف التنفيذ مع المحكوم عليه بعقوبة الحبس وحيث تضمنت المادة الرابعة من قانون الأحداث رقم 32 لسنة 2014 مراعاة مصلحة الحدث الفضلى وحمايته وإصلاحه وتأهيله ورعايته عند تطبيق أحكام هذا القانون وحيث إنه لا خطورة على حياته من عدم تنفيذ العقوبة بحقه ولإعطائه فرصة لتصويب سلوكه وحيث رأت المحكمة من أخلاقه ما يبعث على الاعتقاد أنه لن يعود لتكرار مخالفة القانون وحيث أعطت المادة 54 مكرر من قانون العقوبات صلاحية للمحكمة بوقف تنفيذ العقوبة للبالغ فمن باب أولى وقفها بالنسبة للحدث

وجاء كذلك في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم 1046 لسنة 2017:

أخطأت محكمة أمن الدولة حيث جانبت الصواب في عدم أخذها مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أو مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] سورة الإسراء – الآية 15.

[2] الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم – النظرية العامة لقانون العقوبات – دار المطبوعات الجامعية – 2014 – ص293.

Scroll to Top