جريمة التسول

جريمة التسول في القانون الأردني 

إن التسول ظاهرة اجتماعية خطيرة، لها آثار غير صحية على المجتمعات كافة ، ونظراً لانتشار هذه الظاهرة بسبب تزايد العوامل التي تدفع بعض الأفراد لممارستها، ومن هذه العوامل ما هو متعلق بالبيئة والوضع التعليمي والثقافي وتدني الأجور وغلاء المعيشة، ويُعد فعل التسول من الموبقات الاجتماعية التي يكون لها تأثيراً سلبياً على المجتمع، فهو ينبئ عن وجود داء اجتماعي وبيل يتطلب تدخل رادع لمواجهته نظراً لما يترتب على انتشاره من خطورة تنال من أمن المجتمع واستقراره، فهو فعل مستنكر منبوذ شرعاً ومجرم قانوناً، وقد رأى المشرع الأردني تجريم هذه الظاهرة، وجعلها فعل جرمي يعاقب عليه القانون الأردني سنداً لقانون لعقوبات الأردني لسنة 1960 وتعديلاته، فما هو المقصود بالتسول ؟ وما هي أنواعه؟، وما هي الآثار السلبية التي يتسبب بها، وما هي عقوبته في القانون الأردني، سنتعرف على كل ذلك من خلال هذا المقال وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات

المقصود بالتسول

الآثار السلبية للتسول

أنواع التسول

أسباب التسول

أركان جريمة التسول

الجزاء الجنائي للتسول

جريمة تسخير الغير للتسول في القانون الأردني

جريمة تسول الحدث

الوسائل التي استخدمها المشرع الأردني لمواجهة التسول

 

المقصود بالتسول

التسول هو سلوك يقوم على أساس استغلال عواطف الناس وقيمهم الدينية والأخلاقية، كما أنه يوحي – وإن لم يكن صحيحاً – بأقصى درجات الفقر المدقع[1]، وكذلك يُعد من قبيل التسول مد الأكف لطلب الإحسان من الناس سواء أكان بطلب الطعام أو المال.

فالمتسول إذن يعتمد على استثارة عواطف الناس تجاهه سواء بتصنع الفقر أو التظاهر بمظهر العجز وسوء الحال وعدم القدرة على العمل.

وهذا الفعل من الأفعال المستنكرة بغض النظر عن مدى عوز المتسول، ولقد أثنى الله جل وعلى على الفقراء المتعففين عن سؤال الناس في قوله تعالى ” لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ”[2]

ولقد نهى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عن التسول بقوله ” لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه”[3].

الآثار السلبية للتسول

للتسول العديد من الآثار السلبية والتي نذكر منها أنه يربي الذلة في الفرد ويعوده على استجداء الناس سواء أعطوه أو منعوه، وهذا ما يخالف فطرة الإنسان الذي خلقه الله وكرمه على سائر مخلوقاته.

فضلاً عن أن التسول يؤدي إلى تفشي البطالة التي يكون لها دوراً ملحوظاً في تأخر الأمم، إضافة إلى أن التسول يمنع الأطفال من إتمام تعليمهم مما يترتب عليه تنشئة جيل يعتريه الجهل يتعذر عليه مواكبة التطورات التي تطرأ على المجتمع.

ولا يمكن إنكار أن التسول يقود إلى العديد من الجرائم الخطيرة مثل التشرد والبلطجة والسرقة بالإكراه وقطع الطرق على الأمنين لسرقتهم، وهذه الأفعال تُعد من صور الإفساد في الأرض التي حرمتها الشريعة الإسلامية.

ويترتب على التسول عدم وصول الصدقات إلى مستحقيها، حيث إن أغلب المتسولين يستعملون التسول للغنى وليس لمجرد سد حاجاتهم، بل وفي أغلب الأحيان تكون عملية التسول منظمة من قبل أشخاص يستعملون الأموال التي يجنونها في أغراض غير مشروعة.

 أنواع التسول

للتوسل العديد من الأنواع والصور التي يظهر بها المتسولين والتي قد تتمثل في:

  • التسول الظاهر أو الصريح والمتمثل في مد اليد بطلب المال أو الطعام بالاعتماد عل استعطاف الناس.
  • التسول غير الظاهر والذي يلجأ من خلاله المتسول إلى عرض أشياء أو خدمات رمزية نظير مقابل يحصل عليه، وذلك مثل مسح السيارات أو بيع البضائع الرخيصة المقلدة بأسعار تفوق قيمتها.
  • التسول الموسمي وهو الذي يمارس في أوقات أو مناسبات معينة كالأعياد أو المناسبات الدينية.
  • التسول الإجباري والذي يتمثل في خطف الأطفال وإجبارهم على التسول.
  • التسول الاختياري وهو يتحقق عندما يكون المتسول قادر على العمل، ولكنه يفضل أن يكسب المال من خلال تسوله.
  • التسول من الشخص غير القادر وهو ما يتحقق عندما يلجأ العاجز ذي العاهة التي تحول دون استطاعته العمل إلى التسول لكسب المال.
  • التسول الجانح وهو يعد من أخطر أنواع التسول حيث يقترن بارتكاب الجرائم بجانب التسول مثل جرائم السرقة أو الدعارة وغيرها.

 أسباب التسول

لا يمكن أن يعزى التسول إلى سبب واحد، حيث إن هناك العديد من الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى التسول نذكر منها:

الفقر والحاجة حيث إن الإنسان الفقير التي تعوزه الحيلة للحصول على المال لن يجد أمامه طريق أسهل من التسول ليتحصل على ما يكفيه لتأمين معاشه اليومي.

وقد يكون التسول راجع إلى الاستكثار أي طلب المزيد من المال، وهذا الفعل يُعد من أكثر صور التسول استنكاراً حيث قال فيه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام “من يسأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً”[4]

فضلاً عن أنه يُعد امتهان فئة معينة من أبناء المجتمع حرفة التسول من أكثر الأسباب المعاصرة لانتشار التسول، وفي أغلب الأحيان يتطور الأمر لأكثر من ذلك عندما توجد جماعات منظمة تتولى تنظيم عملية التسول وتوزع المتسولين في أماكن معينة وتتولى حمايتهم وإعطائهم مقابل لتسولهم.

وقد يرجع التسول إلى المشاكل الأسرية التي تصيب الأسرة بالتسول فلا يجد الحدث أمامه سبيل للعيش سوى من خلال التسول.

وقد يمارس التسول من تعتريه عاهة تسببت في عجزه عن العمل فلن يجد أمامه طريق يطرقه سوى التسول واستجداء الناس لكسب الرزق.

 أركان جريمة التسول

قرر المشرع الأردني تجريم فعل التسول بموجب (المادة 389/1/أ، ب، ج، د، ه) من القانون المعدل لقانون العقوبات الأردني رقم 10 لسنة 2022، فقد ألغي نص المادة السابق واستعاض عنه بالنص التالي والذي بنص على أشكال التسول وهي كل من:

أ- استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرعا إلى ذلك بعرض جروح أو عاهة فيه أو اصطنعها أو بأي وسيلة أخرى سواء أكان متجولا أم جالسا في محل عام.

ب- وجد يقود قاصرا دون السادسة عشرة من عمره للتسول وجمع الصدقات أو يشجعه على ذلك.

ج- عرض بقصد التسول سلعا تافهة أو ألعابا استعراضية أو غير ذلك من الأعمال التي لا تصلح بذاتها موردا جديا للعيش.

د- استعمل أي وسيلة أخرى من وسائل الغش لاستدرار عطف الجمهور بقصد التسول.

هـ- وجد ساعياً أو متنقلا من مكان إلى آخر لجمع الصدقات أو التبرعات الخيرية مهما كان نوعها استنادا إلى ادعاء كاذب.

أما نص المادة السابق على التعديل فقد كان ينص على:

  • استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرعاً إلى ذلك بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأية وسيلة أخرى، سواء أكان متجولا أو جالسا في محل عام، أو وجد يقود ولدا دون السادسة عشرة من عمره للتسول وجمع الصدقات أو يشجعه على ذلك.
  • وجد متنقلا من مكان إلى آخر لجمع الصدقة والإحسان أو ساعيا لجمع التبرعات الخيرية مهما كان نوعها بالاستناد إلى ادعاء كاذب.

وبذلك يكون المشرع قد وسع دائرة الأشكال أو الأفعال التي تعد من وسائل التسول.

الركن المادي

يتمثل الركن المادي للجريمة في السلوك الإجرامي الذي يترتب عله النتيجة الإجرامية، إلا أنه قبل بيان الركن المادي لتلك الجريمة لا بد أن نشير إلى أن تلك الجريمة تُعد أحد جرائم الخطر التي لا تتطلب حدوث نتيجة إجرامية معينة، ومن ثم فإن قيام الشخص بارتكاب الفعل المجرم يوقعه تحت طائلة القانون حتى ولو لم تترتب على ذلك أي نتائج إجرامية.

ويتمثل السلوك الإجرامي للتسول في الاستجداء، أو الاستعطاء، أو طلب أموال، أو أطعمة، أو غيرهما من الناس وذلك باستعطافهم بما في المتسول من عاهات أو جروح أو غيرها من الوسائل التي تدفع الأشخاص إلى منح المتسول مطلبه.

وجديراً بالذكر أن المشرع لم يورد تعداداً حصرياً للوسائل التي يلجأ إليها المتسول وهذا ما يتضح من قوله (متذرعاً إلى ذلك بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأية وسيلة أخرى….)، ومن ثم فإن استخدام المتسول أي وسيلة تمكنه من أن يكون محل لعطف الناس ليحصل منهم على أموال فإن ذلك يوقعه تحت مغبة العقاب.

ويؤكد ذلك ما قررته محكمة صلح جزاء شرق عمان في حكمها رقم 7628 لسنة 2019 وذلك بعرضها لشروط التسول عندما قضت بأن (أن المشرع اشترط لقيام جرم التسول توافر الشروط التالية:

  • 1- استعطاء أو طلب الصدقة من الناس: ويتمثل ذلك بأي فعل يقوم به الشخص للحصول على المال أو ما في حكمه من الناس أو يكون بتشجيع الغير على القيام بذلك.
  • 2- أن يكون وسيلته في ذلك إما عرض الجروح أو العاهات أو أي وسيلة أخرى: بمعنى أن الوسائل الواردة في المادة أعلاه قد وردت على سبيل المثال وليس الحصر والدليل على ذلك عبارة (أو أي وسيلة أخرى) الواردة في المادة أعلاه، ويكون استخدام هذه الوسائل بقصد الحصول على المال أو ما في حكمه من الناس وسواء كان يتجول أثناء طلبه للصدقة أو كان جالسا ، قد توسع المشرع الأردني بدائرة وسائل التسول ليشمل عرض بقصد التسول سلعا تافهة أو ألعابا استعراضية أو غير ذلك من الأعمال التي لا تصلح بذاتها موردا جديا للعيش، و استعمل أي وسيلة أخرى من وسائل الغش لاستدرار عطف الجمهور بقصد التسول.
  • 3- القصد الجرمي: القائم على العلم والإرادة بأن يكون عالما بأن فعله هذا والوسائل التي يستخدمها من شأنه حصوله على المال أو ما في حكمه من الناس واتجاه إرادته إلى الحصول على المال أو ما في حكمه بهذه الوسائل وأن يكون قاصدا ذلك).

2- الركن المعنوي

تُعد جريمة التسول من جرائم القصد العام التي تتحقق بمجرد علم الجاني بالفعل المجرم الذي يقوم به والمتمثل في التسول مع اتجاه إرادته إلى ذلك.

ومن ثم فإن مجرد مد اليد للحاجة الملحة للسائل دون توافر قصد استغلال الغير والحصول على أموالهم من خلال استعطافهم لا يقيم جريمة التسول، إنما يجب أن يكون قصد المتسول قد اتجه إلى استغلال غيره بالكذب بادعاء الحاجة والفقر والعوز ليحصل على مطالبه.

وتطبيقاً لانتفاء جريمة التسول لعدم توافر أركانها فقد قضت محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 618 لسنة 2021 بأن (ومن استقراء النص تجد محكمتنا أنه ولقيام جرم التسول لا بد من توافر أركانه وعناصره المتمثلة بالركن القانوني والمتمثل بالنص القانوني الذي يجرم هذه الأفعال والركن المادي المتمثل بقيام المتسول باستعطاء الأخرين أو طلب الصدقة منهم متذرعاً بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأي وسيلة أخرى سواء كان متجولاً أو جالساً في محل عام أو وجد يقود ولداً دون السادسة عشر من عمره لغايات القيام بالتسول والقصد الجرمي المتمثل بالقصد العام باتجاه إرادته الواعية للقيام بتلك الأفعال بقصد التسول وعلمه بأن هذه الأفعال مجرمة بموجب القانون.

وفي الحالة المعروضة نجد من خلال الضبط المنظم بحقه انه وجد يقوم بالبيع على الإشارة الضوئية وقد تأكد ذلك من خلال إفادة المشتكى عليه أمام المدعي العام والذي ورد فيها بأنه كان يقوم ببيع الورد على الإشارة الضوئية ولم يكن يحمل أي إثبات شخصية وبالتالي فإنه لم يثبت ارتكاب المشتكى عليه للجرم المسند إليه والمتمثل بالتسول إذ لم يتم ضبطه و هو يقوم باستعطاء الناس أو طلبه للصدقة وأن فعله المتمثل بقيامه ببيع الورد على الإشارة الضوئية لا تشكل أي من أركان وعناصر جرم التسول المسند إليه مما يستدعي إعلان عدم مسؤوليته عن الجرم المسند إليه كون أن فعله لا يشكل جرماً ولا يستوجب عقاباً).

الجزاء الجنائي للتسول

1-     العقوبة المقررة للتسول

العقوبة بعد التعديل

نصت المادة 389/1 على أن: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة …، كما نصت في الفقرة الثانية منها على أن: تصادر الأموال والأشياء والأدوات المضبوطة في حوزة من ارتكب أيا من الأفعال المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذه المادة وتأمر المحكمة بتسليمها لوزارة التنمية الاجتماعية لصرفها على الجهات والمؤسسات التي تعنى بالمتسولين.

العقوبة قبل التعديل

(يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو أن تقرر المحكمة إحالته على أية مؤسسة معينة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات)، ووفقاً لذلك فإنه تبين أن المشرع الأردني قد قرر مُعاقبة المتسول بالحبس مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر في هذا النص القانوني الملغي وعدل العقوبة لتصبح الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة أي أن المشرع قد رفع من العقوبة.

وقد نصت المادة السابقة قبل التعديل على أنهه يجوز للمحكمة أن تستبعد حبس الجاني وتحليه مؤسسة معينة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات.

مع ضرورة الإشارة إلى أن المشرع الأردني قد منح لوزير التنمية الاجتماعية سلطة الإفراج عن الجاني وذلك إذا توافرت الشروط التي يضعها وزير التنمية، وفي حالة مخالفة المفرج عنه لهذه الشروط يكون للوزير الحق في إعادته مره أخرى إلى المؤسسة التي محجوزاً بها لاستكمال مدته.

وهذا ما نصت عليه (المادة 389) الملغاة بموجب القانون المعدل لقانون العقوبات رقم 10 لسنة 2022 من قانون العقوبات الأردني بقولها: (غير انه يجوز لوزير التنمية الاجتماعية في أي وقت شاء أن يفرج عن أي شخص عهد به إلى أية مؤسسة بمقتضى هذه المادة وفق الشروط التي يراها مناسبة كما يجوز له أن يعيده إلى المؤسسة المذكورة لإكمال المدة المحكوم بها إذا ما خولفت هذه الشروط).

فضلاً عن أن المشرع قد منح المحكمة سلطة مصادرة الأموال والأشياء التي كانت توجد بحوزة المتسول، والمصادرة هنا جوازيه ترجع للسلطة التقديرية للمحكمة وهذا ما يتضح من نص المادة 389/5 الملغاة من قانون العقوبات بنصها على أن: (في جميع الأحوال للمحكمة مصادرة الأموال والأشياء الموجودة في حوزة من ارتكب أيا من الأفعال السابقة والأمر بتسليمها لوزارة التنمية الاجتماعية لصرفها على الجهات والمؤسسات التي تعنى بالمتسولين)، وقد استعاض المشرع عن هذه الفقرة ب ما يلي:

لوزير التنمية الاجتماعية تكليف موظف أو أكثر لاستقصاء الجرائم الواردة في هذه المادة والقبض على مرتكبيها وإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة ولهذه الغاية يكون للموظف المكلف صفة الضابطة العدلي، ووفقاً لهذا التعديل فقد منح المشرع وزارة التنمية سلطة استقصاء الجرائم وإحالتها للمحكمة المختصة.

ومن ثم يتضح أن المشرع الأردني قد استعمل صورتي الجزاء الجنائي المتمثلين في العقاب أو التدبير الاحترازي لمواجهة جريمة التسول.

ومن ضمن التدابير الاحترازية التي استخدمها المشرع الأردني لمواجهة التسول ما ورد في (بالمادة 48) من قانون نظام بلدية الشونة الجنوبية وتعديلاته والتي نصت على أن: (يجوز للمجلس البلدي إنشاء الملاجئ للعجزة وجمع المتسولين ووضعهم فيها إلى المدة وضمن الشروط التي يراها مناسبة).

عقوبة المتسول العائد

العود يعني قيام المجرم بارتكاب ذات الجريمة مرة أخرى بعد قضاء مدة عقوبته عن جريمته الأولى وهو ما ينبئ عن وجود خطورة إجرامية كامنة بداخل هذا المجرم، فضلاً عن أن عوده إلى ذات الجرم مرة أخرى يدل على عدم تحقق الغرض من عقابه والمتمثل في ردعه عن ارتكاب ذات الجرم أو غيره.

لذلك فإن المشرع يقابل العائد بتغليظ للعقاب بغية أن يحقق العقاب أهدافه المنشودة، وهذا ما قرره المشرع الأردني في مواجهة من يعود إلى التسول بعد قضاء مدة عقوبته، وهذا ما يتضح من المادة 389/ 3 المعدلة بنصها على أن: في حالة تكرار أي من الأفعال المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذه المادة لا تقل العقوبة عن ستة أشهر ولا يجوز استعمال الأسباب المخففة التقديرية وتلزم الضابطة العدلية لدى وزارة التنمية الاجتماعية بتضمين تقريرها ما يثبت حالات التكرار للمشتكى عليه.

أما عن عقوبة التسول المكررة التي كانت مقرره سابقاً في المادة الملغاة فكانت كما يلي:

(حالة تكرار الفعل المنصوص عليه في البندين (ب) و(ج) من الفقرة السابقة، للمحكمة أن تقضي بإحالته إلى المؤسسة المشار إليها في تلك الفقرة للمدة المذكورة فيها على أنه لا يجوز لوزير التنمية الاجتماعية الإفراج عنه إلا بعد أن يكون قد أمضى ثلث المدة المحكوم بها على الأقل، أو أن تقضي بعقوبة الحبس لمدة من ثلاثة أشهر إلى سنة إذا كان التكرار للمرة الثانية ولمدة من أربعة أشهر إلى سنة إذا كان التكرار للمرة الثالثة فأكثر)، وبتالي نجد أن المشرع قد شدد من عقوبة التسول المكررة برفع الحد الأدنى للعقوبة، وحد من الصلاحيات التي كانت ممنوحة لوزارة التنمية الاجتماعية.

جريمة تسخير الغير للتسول في القانون الأردني

قرر المشرع الأردني عقاب كل شخص استخدم غيره للقيام بالتسول أو مجرد التحريض والتشجيع على ذلك، وهذا ما يتضح من مطالعة (المادة 389/4) من قانون العقوبات المعدل رقم 10 لسنة 2022 بنصها على أن:

العقوبة بعد التعديل

مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي تشريع آخر، يعاقب كل من سخر الغير لارتكاب أي فعل من الأفعال المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذه المادة بالحبس مدة لا تقل عن سنتين.

العقوبة قبل التعديل

(يعاقب كل من سخَر الغير لارتكاب فعل من الأفعال المنصوص عليها في البندين (ب) و(ج) من الفقرة (1) من هذه المادة بالحبس مدة لا تقل عن سنة).

ولقد بينت محكمة صلح جزاء شرق عمان شروط تلك الجريمة في حكمها رقم 1800 لسنة 2020 عندما قضت بأن: (تجد المحكمة أن المشرع اشترط لقيام جرم تسخير الغير للتسول توافر الشروط التالية:

  • تسخير أشخاص لاستعطاء أو طلب الصدقة من الناس ويتمثل ذلك بأي فعل يقوم به الشخص للحصول على المال أو ما في حكمه من الناس أو يكون بتشجيع الغير على القيام بذلك.
  • أن يكون وسيلته في ذلك إما عرض الجروح، أو العاهات، أو أي وسيلة أخرى بمعنى أن الوسائل الواردة في المادة أعلاه قد وردت على سبيل المثال وليس الحصر والدليل على ذلك عبارة (أو أي وسيلة أخرى) الواردة في المادة أعلاه، ويكون استخدام هذه الوسائل بقصد الحصول على المال أو ما في حكمه من الناس وسواء كان يتجول أثناء طلبه للصدقة أو كان جالسا.

  • القصد الجرمي القائم على العلم والإرادة بأن يكون عالما بأن فعله هذا والوسائل التي يستخدمها من شأنه حصوله على المال أو ما في حكمه من الناس واتجاه إرادته إلى الحصول على المال أو ما في حكمه بهذه الوسائل وأن يكون قاصدا ذلك).

ومن ثم فإن هذه الجريمة تتحقق بتسخير الغير للقيام بالتسول أياً كانت وسيلة هذا التسخير، سواء كان بتسريح الأحداث أو بتسريح الأبناء أو باستغلال عجز الغير بالاتفاق معهم للحصول على أموال من خلال استعطاف الناس.

تطبيق قضائي لجريمة تسخير الغير للتسول “التسول الإلكتروني”:

بينت محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية أحد الوسائل التي قد تستخدم للتسول والتي تتم من خلال أحد مواقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، وعلى الرغم من حكمها ببراءة المستأنف ضده إلا أن هذا الحكم يكشف عن ملابسات تلك الوسيلة.

ففي حكمها رقم 292 لسنة 2020 قضت بأن: (الثابت في البينة قيام المستأنف ضده بإنشاء منشور على صفحة على الفيس بوك يطلب فيها التبرع لصالح المشتكي …… عبيد كون الأخير لديه أعاقه جسدية “قطع قدمه اليمنى” بعد أن حصل على صورة المشتكي عن طريق مركز الإمام الشافعي القرآني الذي تديره الشاهدة ……… التي قامت بتزويد المستأنف ضده بصورة المشتكي المثيرة للشفقة عن طريق الشاهدة ……….. التي حصلت على الصورة (حسب إفادتها الشرطية) من زوجة المشتكي وتمكن المستأنف ضده من جمع تبرعات أصبحت محل خلاف بحسب الشاهد ………. وصلت إلى مبلغ 2000 دينار، وعليه يكون الجرم الواجب إسناده هو جنحة التسول بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي بحدود المادة 389/3 من قانون العقوبات).

فيتبين إذن من خلال استقراء الحكم السابق أن المحكمة قررت بأن استخدام صور الغير وحالاتهم لاستعطاف الناس لجلب الأموال في صورة تبرعات أو غيرها يُعد يشكل جريمة تسخير الغير للتسول.

ويلاحظ أن المستأنف ضده قد رُفعت عنه المسئولية الجنائية لثبوت عدم وجود اتفاق بينه وبين المشتكي عملاً (بالمادة 15) من قانون الجرائم الإلكترونية والتي تنص على أن: (كل من ارتكب أي جريمة معاقب عليها بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلومات أو موقع إلكتروني أو اشترك أو تدخل أو حرض على ارتكابها يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع).

وبمفهوم المخالفة يتضح أنه لو وجد اتفاق بين المستأنف ضده والمشتكي على جمع تبرعات تذرعاً بحالته لكان من شأن ذلك توافر البنيان القانوني لجريمة تسخير الغير للتوسل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

جريمة تسول الحدث

يكثر في معظم المجتمعات ارتكاب الأحداث لجرائم التسول، ويرجع ذلك لأسباب متعددة قد تتمثل في التفكك الأسري الذي يدفع الحدث إلى التسول ليتمكن من العيش أو إلى أن المتسول عادة ما يسخر الطفل في جني المال باستجداء الناس نظراً لأن الأطفال عادة ما تنال شفقة وعطف عموم الأشخاص.

لذلك عني المشرع الأردني بإفراد نص خاص لمواجهة تسول الأحداث وهو المقرر بموجب (المادة 5) من تعليمات تنفيذ قانون مراقبة سلوك الأحداث والتي نصت على أن: (كل حدث يقوم بالتسول باي وسيلة وباي صورة كانت في الأحياء السكنية والأماكن العامة والشوارع وخاصة عند الإشارات الضوئية، يعرض نفسه للملاحقة والاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية وتتم إحالته بقرار من الحاكم الإداري إلى محكمة الأحداث المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون أو أي عقوبة اشد في أي قانون آخر).

يُعد التسول أحد الآفات الاجتماعية التي يجب أن تُعالج بحكمة من قبل السلطات المعنية، ومن ضمن الوسائل التي قد تستخدم للحد من ظاهرة التسول ما يلي:

يُعد أحد أهم وسائل مواجهة التسول هي توفير الضمان الاجتماعي بشكل يتناسب مع حاجة الفرد وأسرته بالنسبة للأشخاص الغير قادرين على الكسب.

ويجب حث المجتمع على العمل وزرع ثقافة العمل والكسب المشروع في أبناء المجتمع، وهذا ما يأمر بيه دين الإسلام الحنيف الذي يحث على العمل والسعي لكسب الرزق والتوكل والبعد عن التواكل.

ويتعين على الأجهزة المعنية أن تتولى كفالة اليتيم والمشرد الذي فقد مأواه بسبب حروب أو تفجيرات أو غيرها حتى لا يجد في التسول مأواه.

الوسائل التي استخدمها المشرع الأردني لمواجهة التسول

مما سبق ذكره يتضح أن المشرع الأردني قد استعان بالعديد من الوسائل التي تهدف إلى مواجهة ظاهرة التسول ومحاولة الحد منها سواء باستخدامه للتدابير العقابية المتمثلة في عقاب المتسول أو من يسخر الأشخاص للتسول، فضلاً عن انتهاجه لتشديد العقاب على المستول العائد ليكون ذلك بمثابة أمر رادع يمنع من وقع عليه العقاب من العودة إلى التسول.

فضلاً عن قيام المشرع الأردني باستخدام التدابير الاحترازية التي تعمل على مواجهة تلك الظاهرة سواء بمنح وزير التنمية الاجتماعية حق الإفراج عن المتسولين بفرض شروط عليهم تكفل صلاح أحوالهم واستفادتهم من المعاملة العقابية التي خضعوا لها أثناء وضعهم في المؤسسات المخصصة لهم، أو في تخيير القاضي بوضع المتسول في الحبس أو في مؤسسات مخصصة لهم تتولى علاجهم النفسي بشتى الصور التي تكفل حثهم على العيش الكريم وطلب الرزق والبعد عن التسول.

بالإضافة إلى أن المشرع الأردني قد منح بعض الجهات مكنة إنشاء الملاجئ لضم العجزة والمتسولين لوضعهم فيها وفقاً لشروط وضوابط معينة، وهذا ما يتضح – مثلاً – مما قررته (المادة 115) من نظام بلدية البيرة بنصها على أن: (يجوز للمجلس البلدي إنشاء الملاجئ للعجزة وجمع المتسولين ووضعهم فيها إلى المدة وضمن الشروط التي يراها مناسبة).

وفي سبيل مواجهة ظاهرة التسول فقد قرر المشرع الأردني أن يمنح وزير التنمية الاجتماعية سلطة منح بعض الأشخاص صفة الضبطية القضائية لضبط المتسولين، وهذا ما قررته (المادة 389/5) من قانون العقوبات بنصها على أن: لوزير التنمية الاجتماعية تكليف موظف أو أكثر لاستقصاء الجرائم الواردة في هذه المادة والقبض على مرتكبيها وإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة ولهذه الغاية يكون للموظف المكلف صفة الضابطة العدلية.

بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن جريمة التسول

محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم 314 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن

وحيث إن المتهمة كانت تستجدي الصدقة من الناس فإن ذلك يشكل عناصر وأركان الجرم المسند إليها بحدود المادة (389) عقوبات ويتعين إدانتها به.

محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم 147 لسنة 2018 والتي قضت فيه بأن

إنه بتاريخ 20/10/2013 وأثناء تواجد المتهم خالد الطوالبة في مسجد العلا الواقع في ضاحية الأمير حسن ادّعى المتهم المذكور أنه عضو في لجنة بناء مسجد في مأدبا وبدأ بجمع التبرعات إلا أنه ونتيجة اشتباه رئيس لجنة إعمار مجلس العلا بعدم صحة الأوراق التي بحوزة المتهم قام الأخير بأخذ دفتر الوصولات الذي كان بحوزة المتهم وبطاقته الشخصية والمبلغ المالي الذي قام بجمعه وإرسالها مع ضبط تم تحريره بتلك الواقعة إلى مديرية أوقاف العاصمة ليتم فيما بعد إحالة المتهم إلى مدعي عام مأدبا، إن المتهم …. كان يقوم بجمع التبرعات مدعياً أنه عضو في لجنة إعمار مسجد الجزيرة، وإن المتهم …. لم يكن عضواً من أعضاء اللجان أو الرعاية في مساجد محافظة مأدبا نهائياً، لذلك قررت المحكمة عملاً بالمادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المتهم ……… بجنحة جمع التبرعات الخيرية بالاستناد إلى ادعاء كاذب خلافاً لأحكام المادة (389/1/ج) من قانون العقوبات والحكم عليه عملاً بالمادة ذاتها بالحبس لمدة شهر واحد والرسوم محسوبة له مدة التوقيف.

إعداد/ أحمد منصور.

مراجعة وتدقيق/ المحامية ليلى خالد.

[1] روان علي – تسول الأطفال في الأردن – 2019 – ص186.

[2] سورة البقرة – الآية 273.

[3] الحديث النبوي الشريف – صحيح البخاري – ص 1470 – مشار إليه في جريمة التسول – جنان غافر، زهراء علي حسين – 2020- ص 6.

[4] رواه مسلم في كتاب الزكاة.

Scroll to Top