مصادر القاعدة القانونية للقانون المدني الأردني
لا خلاف على أن القاعدة القانونية لا يمكن أن تنشأ من العدم، بل لابد من وجود سبب منشأ لها أو مصدر يمكن أن نستخلص منه مجموعة من القواعد القانونية؛ لإدارة سلوك الأفراد في المجتمع، وتنظيم علاقاتهم مع الدولة. ونظرًا لتعدد القواعد القانونية واختلاف التعبير عن إرادة الدولة وأفرادها، فإنه كان من المستحيل أن نعتمد على مصدر واحد فقط في استخلاص القاعدة القانونية، وهو ما اضطر الجميع إلى البحث عن أكثر من مصدر لتخرج منه القاعدة القانونية. وسنتناول في هذا المقال مصادر القاعدة القانونية وفقًا لما ذكره المشرع الأردني في القانون المدني، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
أولًا: تعريف القاعدة القانونية
ثانيًا: خصائص القاعدة القانونية
ثالثًا: أنواع القواعد القانونية
رابعًا: مصادر القاعدة القانونية وفقًا لأحكام القانون المدني الأردني
خامسًا: المواد النظامية المتعلقة بمصادر القاعدة القانونية
سادسًا: السوابق القضائية المتعلقة بمصادر القاعدة القانونية
ونبين العناصر المذكورة السابقة تفصيلًا فيما يلي:
أولًا: تعريف القاعدة القانونية
يمكن تعريف القاعدة القانونية بأنها: “النصوص التي تنظم تصرفات الأفراد فيما بينهم أو مع الدولة”، كما يمكن أن نطلق عليه: “مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الأفراد الخارجي بصورة عامة ومجردة، وتوقع الدولة جزاء على من يخالفها”.
ثانيًا: خصائص القاعدة القانونية
تتميز القاعدة القانونية بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن غيرها، وتتمثل هذا الخصائص فيما يلي:
1-القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية
اكتسبت القاعدة القانونية هذه الخصيصة؛ كونها الخطاب الموجه إلى الأشخاص أو الجمهور، الذي يتضمن أمرًا بأداء فعل معين أو نهيًّا عن الإتيان بتصرف بذاته، أو إباحة هذا التصرف تحت شروط معينة، كما أنه يمكن أن تأتي القاعدة القانونية على شكل إنذار موجه إلى الجمهور بترتيب أثر ما على واقعة معينة، وينتج عن هذا الإنذار ما تريد القاعدة القانونية أن تأمر به.
2-القاعدة القانونية قاعدة عامة ومجردة
من أهم خصائص القاعدة القانونية أن تكون عامة ومجردة، حيث إنها تخاطب الخاضعين لها بصفاتهم وليس بشخصهم، فهي لا تخص شخصًا معينًا، أو تتعلق بحادثة معينة، وإنما تُطبق بشكل عام ومجرد على كل من يمكن أن تتوافر فيهم الصفات والشروط المحددة فيما نصت عليه القاعدة القانونية.
وإذا افتقدت القاعدة القانونية العمومية والتجريد، واكتسبت جميع الخصائص الأخرى، فلا تعد قاعدة قانونية، حيث إنه “لا يكفي أن يكون هناك خطاب موجه إلى الأشخاص سواء كان أمرًا أو نهيًا، أم مجرد إباحة وترخيص؛ ليُعدّ أن هناك قاعدة قانونية، بل يجب أن يكون هذا الخطاب أو هذه القاعدة عامةً ومجردةً”([1]).
كما أن ليس معنى ما سبق أنه يتعين أن تتناول القاعدة القانونية عدد كبير من الأشخاص أو الفئات أو أنه يلزم أن تشمل جميع المواطنين حتى يمكن أن يُطلق عليها قاعدة قانونية، فعدد من تخاطبهم القاعدة القانونية ليس له اعتبار، وإنما المهم أن ألا تتناول القاعدة القانونية شخصًا بعينة؛ “لذلك فقد تتناول القاعدة القانونية في أحكامها فئات من الناس لا يكون عدد أفرادها كبيرًا، كالقواعد المتعلقة بالتجار، أو الموظفين، أو أساتذة الجامعة، أو غيرهم”([2])
3-القاعدة القانونية قاعدة سلوك
القاعدة القانونية عبارة عن قاعدة تقويمية، فهي تُبين إلى كل من يخضع لهذا القانون ما يجب عليه فعله، وما لا يجب عليه فعله، فالقاعدة القانونية تعمل على تقويم سلوك الخاضعين لها عن طريق تكليفهم بأمر ما أو نهيهم عنه، وتهتم القاعدة القانونية بالسلوك الخارجي للخاضعين لها، ولا علاقة لها بنواياهم الداخلية، فمثلًا لا يعاقب القانون على تفكير الخاضع له في ارتكاب جريمة معينة، بل يتعين أن يصدر منع فعلًا معينًا يمثل سعيه في ارتكاب هذه الجريمة وهو ما يُعد شروعًا منه أو ارتكاب الفعل ذاته؛ مما يجعله خاضعًا للعقوبة المنصوص عليها.
4-القاعدة القانونية قاعدة ملزمة
إن الهدف الرئيسِ الذي تهدف إليه القاعدة القانونية هو إقامة النظام في المجتمع والحفاظ عليه عن طريق وضع قواعد منظمة؛ لتوجيه الجمهور الذين يكون لهم الإرادة الحرة لطاعة هذه القواعد أو مخالفتها، ولكن هذه الإرادة يتعين تقييدها؛ لكي تكتسب القاعدة القانونية صفة الإلزام.
ولضمان التزام الأفراد بالقاعدة القانونية، وإضفاء صفة الإلزام إليها كان من المتعين أن تقترن بجزاء يوقع على من يخالف أحكامها، وإن الغرض من هذا الجزاء هو حمل الأفراد على احترام القاعدة القانونية كرهًا إن لم يقدموا على احترامها طواعيةً. والجزاء المنصوص عليه يوقع جبرًا من جانب الدولة عن طريق الجهات التنفيذية المختصة لديها، والجزاء يكون عامًا على جميع من يخالف القاعدة، ولا يطبق على شخص دون الآخر، وإلا فقدت القاعدة القانونية قيمتها.
ثالثًا: أنواع القواعد القانونية
تنقسم القواعد الفقهية إلى عدة أنواع تختلف باختلاف المعيار المتخذ في تقسيمها، وذلك على التفصيل الآتي:
1- معيار طبيعتها القانونية
تنقسم القاعدة القانونية وفقًا لهذا المعيار إلى قاعدة قانونية عامة، وقاعدة قانونية خاصة، والأولى هي التي يتناولها القانون العام وفروعه مثل القانون المدني، والقانون الجنائي، أما الثانية فتكمن في القواعد القانونية التي يتناولها القانون الخاص وفروعه، مثل القانون الدولي.
2- معيار طريقة تنظيمها للحقوق
تنقسم القاعدة القانونية استنادًا إلى هذا المعيار إلى قواعد موضوعية، وقواعد شكلية. والقواعد الموضوعية هي تلك التي تفرض واجبًا أو تقرر حقًا على الأفراد الخاضعين لها، أما القاعدة الشكلية فإنها تلك التي تكون مختصةً ببيان الإجراءات التي يمكن من خلالها اقتضاء الحق المطالب به.
3- معيار القوة الإلزامية لها
يُعد هذا المعيار من أهم المعايير التي يُستند إليه في بيان أنواع القاعدة القانونية، وهذا المعيار قائم على القوة الإلزامية التي يضفيها المشرع على القاعدة القانونية، فأحيانًا يُلزِم المشرع الأفراد على اتباع القاعدة القانونية دون بديل آخر، وأحيانًا قد يترك لهم الحرية في تنظيم أمورهم بطريقة أخرى، ووفقًا لما سبق فيكون لدينا قواعد قانونية آمرة، وقواعد قانونية مكملة، ونبين كلًا منهما على حدة في التفصيل الآتي:
– القواعد القانونية الآمرة:
“القاعدة الآمرة هي القاعدة التي لا يجوز للأفراد أن يتفقوا على ما يخالف حكمها، لأنها تهدف إلى حماية مصالح المجتمع الأساسية ولذلك لا يسمح للأفراد باستبعاد أحكامها وتبني أحكام غيرها فيما يجرونه من عقود أو تصرفات قانونية”([3])
والعلة من جعل القاعدة الآمرة قاعدة ملزمة إطلاقًا ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها تتمثل في أن هذه القاعدة إنما تُنظم مسألةً تعدّ أساسيةً تمس كيان المجتمع، ويكون لها دورًا في إقامة النظام به.
– القواعد القانونية المكملة أو التفسيرية
هي القواعد التي يجوز للأفراد الاتفاق على ما يخالف ما قررته من أحكام، حيث يجوز للخاضعين لها الاتفاق على خلاف حمها في تنظيم علاقاتهم، وهذا يكون في المسائل الخاصة بهم التي لا تمس مصلحة المجتمع مطلقًا، خاصةً وأن هذه القواعد لا تهدف بطبيعتها حماية مصالح المجتمع الأساسية، وإنما تهدف إلى تنظيم مصالح الأفراد الخاصة. كما تنظم القواعد القانونية المكملة ما يسكت عنه الأفراد من شروط في المسائل التي تكون بحاجة إلى توضيح.
رابعًا: ما هي مصادر القاعدة القانونية وفقًا لأحكام القانون المدني الأردني؟
يوجد نوعان أساسيان لمصادر القاعدة القانونية، مصادر أصلية تكون الأساس التي تعتمد عليها القاعدة القانونية، ومصادر احتياطية هي التي تلجأ إليها القاعدة القانونية عندما لا تجد مصدرًا لها في المصادر الرسمية، ونبين مصادر القاعدة القانونية فيما يلي:
1-النص القانوني
يُعد النص القانوني هو المصدر الأول من مصادر القانون لدى المشرع الأردني، وذلك وفقًا لما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون المدني الأردني، بما نصها: “1. تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص“([4]).
والنص القانوني أو ما يطلق عليه بالتشريع ينقسم إلى ثلاثة أنواع تتفاوت في دراجاتها من حيث القوة، بحسب أهمية ما تتناوله من مسائل، وتتمثل هذه الأنواع في الآتي:
– الدستور
هو التشريع الأساسي للدولة، ويقبع على رأس التشريعات القانونية بها، ويصدر عن السلطة العليا وهي السلطة التأسيسية، وتعود أهميته المذكورة إلى كونه يضم مجموعة القواعد التي تحدد شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، والسلطات العامة، وتنظم العلاقات فيما بينها، كما أن الدستور ينص على الحريات والحقوق الأساسية للأفراد، والواجبات المفروضة عليهم، ويتعين على كافة القوانين الأخرى أن تلتزم بأحكامه ومبادئه، والقانون المخالف يكون باطلًا ولا يُعتد به.
والدستور كونه مصدر من مصادر القاعدة القانونية يتوفر في عدة صور، فقد نجد الدستور مكتوبًا، وقد يكون عرفيًا رغم أن ذلك ضئيل جدًا على مستوى دول العالم خاصةً المتطورة منها، وهناك دستور مرن من حيث قابلية التعديل عليه، ودستور جامد يكون من الصعب تعديله.
ودستور المملكة الأردنية صدر بتاريخ 8/1/1952م في عهد الملك طلال بن عبد الله بن الحسين، ثاني ملوك المملكة الأردنية الهاشمية. وعدلته السلطة المختصة عدة مرات. ومن أبرز ملامح الدستور الأردني أنه يجعل الحكم ملكية وراثية ذات نظام برلماني التمثيل. وقد نصّ على الفصل بين سلطات الدولة الثلاث واستقلالها (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية)، وعلى حقوق وواجبات المواطنين الأساسية. ويتألف الدستور الأردني من تسعة فصول و (131) مادة، وجرى آخر تعديل عليه سنة 2016م.
– التشريع العادي
يتمثل التشريع العادي في مجموعة القواعد القانونية التي تقررها السلطة التشريعية بناءً على ما نصَّ عليه الدستور، ويكون الغرض من التشريع العادي تنظيم العلاقات بين الأفراد والدولة أو بين الأفراد وبعضهم البعض في مختلف أمور الحياة داخل الدولة.
وتكون السلطة التشريعية هي المسؤولة وصاحبة الاختصاص في وضع التشريع، وذلك عن طريق اتباع الإجراءات الآتية:
- إحالة مشروع القانون من الحكومة إلى رئيس مجلس النواب مرفقًا بالأسباب الموجبة لعرضها على المجلس.
- عرض مشروع القانون على مجلس النواب وإحالته إلى اللجنة التشريعية.
- دراسة مشروع القانون في اللجنة التشريعية التي يكون لها أن تطلب استدعاء الوزير المختص أو مقدم الاقتراح أو من ترى لزوم سماع رأيه.
- مناقشة مشروع القانون في الجلسة العمومية لمجلس النواب والتصويت عليه، وإذا قررت الأكثرية قبول المشروع أو رفضه يرفع إلى مجلس الأعيان.
- إحالة القانون إلى مجلس الأعيان ودراسته، وبعد الانتهاء من دراسته يرفع قراره الى رئيس المجلس. وإذا أعاد مجلس الأعيان مشروع القانون مرفوضًا فتجري المناقشة به على نقطتين، فإما الموافقة على قرار مجلس الأعيان، وإما الإصرار على قرار مجلس النواب السابق.
- التصديق على القانون من جانب جلالة الملك.
ويسري مفعول القانون بالتصديق عليه ومرور ثلاثين يومًا على نشره في الجريدة الرسمية، إلا إذا ورد نص خاص بالقانون يحدد سريان مفعوله من تاريخ آخر.
ويختلف الدستور عن التشريع من حيث السلطة المصدرة لهما، ومن حيث موضوع كلًا منهما.
– التشريع الفرعي (الأنظمة)
هو المقصود به الأنظمة التي تضعها السلطة التنفيذية وفقًا لاختصاصها التي تكون ممنوحة لها من قِبَل الدستور، وتعمل التشريعات الفرعية على تفصيل أحكام الدستور من دون أي تعديل، وتستمد السلطة التنفيذية سلطتها في إصدار التشريعات الفرعية من التشريع ذاته التي يكون قد أعطاها السلطة في إصدار مثل هذه التشريعات؛ لأجل بيان وتفصيل ما ورد في التشريع، كما تستمد سلطتها من المبدأ العام الذي يقر للسلطة التنفيذية الحق في إصدار الأنظمة اللازمة لتنفيذ التشريعات الصادرة، ولو لم يرد في التشريع نص خاص بذلك.
ويُعد اختصاص السلطة التنفيذية في إصدار التشريع الفرعي اختصاصًا أصيلًا وليس استثنائيًا، والتشريعات الفرعية التي تصدر عن الملك تسمى مرسوم ملكي، أما تلك التي تصدر بقية السلطات تسمى تشريعات فرعية.
“ويوجد بين الدستور والتشريع والأنظمة نوع من التسلسل والتدرج، فالدستور هو أعلى هذه النصوص ثم يأتي بعده التشريع ثم الأنظمة. وهذا يعني أن التشريع يحتل موقعًا وسطًا، ومن واجب التشريع ألا يخالف الدستور في أحكامه، كما أنه يتعين ألا تخالف الأنظمة كلًا من الدستور والتشريع في أحكامها”([5])
2-أحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون
والمقصود هنا بأحكام الشريعة الإسلامية هي الأحكام التي شرعها المولى عز وجل لعباده على لسان سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والصلاة، وسميت هذه الأحكام بالشريعة؛ كونها محكمة الوضع لا ينحرف نظامها، ولا يلتوي عن مقاصدها.
وقد اعتمد المشرع الأردني على أحكام الفقه الإسلامي كمصدر من مصادر القواعد القانونية في حال عدم وجود نص قانوني صريح، وذلك وفقًا لما ورد في الفقرة الثانية من المادة (2) من القانون المدني الأردني: “فإذا لم تجد المحكمة نصًا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون”([6]).
ويُقصد بالفقه الإسلامي: “الاجتهاد للتوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، وهو الجانب العملي من الشريعة، وقد نشأ تدريجيًا منذ عصر الصحابة، نظرًا إلى حاجة الناس لمعرفة الوقائع الجديدة”([7])
والفقه الإسلامي ليس مبنيًا على مجرد رأي الفقيه المختص بل إن له مصادر محددة كان يتعين على الفقيه أن يستند إليها قبل إبداء رأيه، واتفق جمهور الفقهاء على أن هذه المصادر تتلخص في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والإجماع، والقياس، والدليل على ذلك ما ورد في حديث رسول الله عليه أفض الصلاة والسلام إلى معاذ: “أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا أَرادَ أنْ يَبعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ، قال: كيف تَقضي إذا عَرَضَ لكَ قَضاءٌ؟ قال: أَقضي بكِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال: فإنْ لمْ تَجِدْ في كِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قال: فبِسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فإنْ لمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ولا في كِتابِ اللهِ؟ قال: أَجتهِدُ رأْيي ولا آلُو. قال: فضَرَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صدْرِه، وقال: الحمدُ للهِ الَّذي وَفَّقَ رسولَ اللهِ، لِمَا يُرضي رسولَ اللهِ”([8]).
3-مبادي الشريعة الإسلامية
تُعد مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الثالث من مصادر القاعدة القانونية لدى المشرع الأردني، وذلك استنادًا إلى ما ورد في الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون المدني الأردني: “فإذا لم تجد المحكمة نصًا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فإن لم تجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية“([9]).
وتتمثل مبادئ الشريعة الإسلامية في الأصول الكليّة التي لا خلاف بشأنها من مذهب لآخر، حيث إن النظام القانوني في الشريعة الإسلامية قائم على قواعد وأحكام أساسية، ومن الأمثلة على المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية الآتي:
أ- أقرت الشريعة الإسلامية أن كل فعل ضار بالغير يكون موجبًا مسؤولية الفاعل، وإلزامه بالتعويض عن الضرر، وهو ما يسمى مبدأ “لا ضرر ولا ضرار “.
ب- مبدأ حسن النية في المعاملات.
ج- مبدأ أن العقد ملزم لعاقديه، فقد تضمّنته الآية القرآنية: “يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود”([10])
د- المتعاقدون أحرار في وضع شروطهم إلا ما يخالف الّنظام العام والآداب العامّة، وفقًا لمبدأ: “المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا”.
وهناك العديد من مبادئ الشريعة الإسلامية التي يمكن البناء عليها فيما يخص القواعد القانونية.
4-العرف
يمكن تعريف العرف بأنه: “ما ألفه الناس، وساروا عليه في تصرفاتهم، سواء أكان فعلًا، أو قولًا، من دون أن يعارض نصًا”.
والعرف يبدأ دائمًا في شكل عادة يعتادها البعض إلى أن يعتادها الجميع ويتصرف على أساسها، وتصبح عرفًا يسير على نهجه الجميع، ولا تتحول العادة إلى عرف إذا سار عليها البعض دون الأغلبية؛ لأن وقتها تكون مجرد عادة فردية.
واتخذ المشرع الأردني من العرف مصدرًا من مصادر القاعدة القانونية، وجعله في المرتبة الرابعة، وذلك وفقًا لما ورد في الفقرة الثالثة من المادة الثانية: “فإن لم توجد حكمت بمقتضى العرف”([11])، وخالف المشرع الأردني في جعل العرف كمصدر رابع من مصادر القاعدة القانونية ما قرره المشرع المصري مثلًا الذي جعل العرف كمصدر ثاني من مصادر القاعدة القانونية يأتي مباشرة خلف النص القانوني، وذلك لما يحتله العرف من أهمية كبيرة حيث إنه من أقدم مصادر التشريع الإنساني.
ويتكون العرف من ركنين أساسيين هما الركن المادي والركن المعنوي
– الركن المادي: يكمن في تكرار انتهاج مجموعة كبيرة من الأفراد سلوك معين في مسألة معينة بما يكفي أن يتوافر في النهج أن يكون عامًا، وقديمًا، وأصبح ثابتًا لدى الجميع.
– الركن المعنوي: ويتمثل في اعتقاد الناس بإلزامية العادة، أي شعورهم بأنهم ملزمون باتباع هذه العادة.
وللعرف مزايا عديدة تتمثل في:
– يكون ملائمًا ومناسبًا لحاجات الجماعة.
– يتوافق مع إرادة الجماعة؛ كونه أصبح عرفًا بسبب انتهاجهم له.
– يكون العرف قابلًا للتطور والتغيير بحسب تطور ظروف المجتمع اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
وقد وضع المشرع الأردني شروطًا بعينها لكي يمكن اعتبار العرف كمصدر من مصادر القاعدة القانونية، ووردت هذه الشروط فيما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة الثانية من القانون المدني بما نصها: “ويشترط في العرف أن يكون عامًا وقديمًا ثابتًا ومطردًا، ولا يتعارض مع أحكام القانون أو النظام العام أو الآداب، أما إذا كان العرف خاصًا ببلد معين فيسري حكمه على ذلك البلد”([12])، ومما ورد في الفقرة المشكورة يمكن أن نستخلص الشروط الآتية:
– أن يكون العرف عامًا.
– أن يكون العرف قديمًا.
– أن يكون العرف ثابتًا.
– أن يكون العرف مطردًا.
– ألا يتعارض العرف مع أحكام القانون أو النظام العام أو الآداب.
وإذا افتقد العرف المراد الاستناد إليه إلى أي شرط من الشروط السابقة؛ فلا يلجأ إليه المشرع الأردني كمصدر من مصادر القاعدة القانونية.
5-مقتضى قواعد العدالة
ويقصد بقواعد العدالة من هذا المنطلق: “مجموعة القواعد التي تحقق العدالة في أسمى صورها، والتي يمكن استخلاصها من العقل وحكمة التشريع”، فالعدالة هي المساواة في الحكم بين الأفراد الذين يخضعون للظروف والأحكام ذاتها، مع مراعاة الظروف الشخصية لكل فرد على حدة.
وقد قرر المشرع الأردني اللجوء إلى مقتضى قواعد العدالة كمصدر من مصادر القاعدة القانونية في حال عدم وجود نص قانوني، أو أحكام الفقه الإسلامي ،أو مبادئ الشريعة الإسلامية ،أو العرف، وذلك استنادًا إلى ما نص عليه في الفقرة الثالثة من المادة الثانية من القانون المدني الأردني بما نصها: “فإن لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة”([13])
6-الاسترشاد بالسوابق القضائية
السوابق القضائية هي: “مجموعة من الأحكام القضائية القطعية التي أصدرتها المحاكم والهيئات القضائية المماثلة في سياق البت في النزاعات المعروضة أمامها، والتي تم فيها تحليل القانون باستخدام هذه القضايا لحل الغموض في البت في المنظورة حاليًا”.
واجعل المشرع الأردني السوابق القضائية بمثابة المنارة التي يسترشد بها الجميع في تطبيق نصوص القانون وأحكام الفقه الإسلامي والعرف وقواعد العدالة، على أنه اشترط عدم تعارض أي من السوابق القضائية مع صريح ما ورد في أي مما ذكرناهم، وذلك وفقًا لما ورد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون المدني الأردني بما نصها: “4. ويسترشد في ذلك كله بما أقره القضاء والفقه على ألا يتعارض مع ما ذكر”([14]).
خامسًا: المواد النظامية المتعلقة بمصادر القاعدة القانونية
لقد وردت (المادة 2) من القانون المدني الأردني لتبين مصادر القاعدة القانونية لدى المشرع الأردني، وذلك وفقًا لما نصت عليه: 1. تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص.
- فإذا لم تجد المحكمة نصًا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فإن لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية.
- فإن لم توجد حكمت بمقتضى العرف، فإن لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة، ويشترط في العرف أن يكون عامًا وقديمًا ثابتًا ومطردًا ولا يتعارض مع أحكام القانون أو النظام العام أو الآداب. أما إذا كان العرف خاصًا ببلد معين فيسري حكمه على ذلك البلد.
- ويسترشد في ذلك كله بما أقره القضاء والفقه على ألا يتعارض مع ما ذكر”.
سادسًا: السوابق القضائية المتعلقة بمصادر القاعدة القانونية
ورد في الحكم رقم (184) لسنة 2020 الصادر من المحكمة الإدارية العليا الصادر بتاريخ 29/7/2020م: “يستمد مبدأ المشروعية قواعده القانونية من مصادر مكتوبة وغير مكتوبة، ولا خلاف في أن القواعد القانونية المكتوبة هي التي وضعتها السلطة المختصة بالتشريع، أما المصادر غير المكتوبة فتشمل العرف والمبادئ العامة للقانون الإداري الذي فصل القضاء بمقتضاه في العديد من المنازعات الإدارية التي عرضت عليه، وجرى اتباعه ويعتبر بحكم القاعدة القانونية ومصدر من المصادر الشرعية غير المكتوبة على اعتبار أنه يجوز للقضاء الإداري في مثل هذه الحالة الالتجاء إلى هذه القاعدة في حال عدم مخالفة ذلك لنصوص التشريع ويلزم القضاء بضمان تطبيقها باعتبارها قواعد ملزمة كالقواعد القانونية المكتوبة”([15]).
ورد في الحكم رقم (302) لسنة 2018 الصادر من المحكمة الإدارية بتاريخ 10/12/2018م: ” وحيث أن المستدعى ضده قد ذهب بخلاف ما توصلنا اليه مما يشكل مخالفة واضحة لتلك القاعدة القانونية العامة القائلة بانه لا يضار الطاعن بطعنه باعتبار تلك القاعدة عامة لا تسري فقط على القضاء الجزائي أو الحقوقي وإنما امتدادها يسري على القضاء التأديبي ذلك أن مناط مشروعية قرارات الإدارة منوط باحترامها للقانون والقواعد القانونية الفقهية والتي تعتبر من مصادر القاعدة القانونية لان الخروج على تلك القواعد يُخرج قراراتها من نطاق المشروعية إلى نطاق غير المشروعية”([16]).
وورد في الحكم رقم (6180) لسنة 2020 الصادر من بداية اربد بصفتها الاستئنافية بتاريخ 23/8/2020م: “وفي ذلك تبدي محكمتنا وبتدقيقها لعقد الإيجار أن أوصاف المأجور في العقد هو (بيت مستقل ومدخل وجنينه أمامية وخلفيه) وان مساحة قطعة الأرض المقام عليها المأجور هي 525 متر مربع، حسب سند التسجيل، وأن تاريخ عقد الإيجار هو 15/12/2017 وعليه فإن جميع هذه المعطيات تؤدي الى أن القول بأن أجرة المأجور الشهرية هي 200 ÷ 12 = 16 دينار و66 فلس هو أمر مخالف للمنطق والقول والسليم وللعرف الجاري في منطقة العقار (مستشفى الأميرة بسمه قرب العيادات) سيما وأن العرف هو مصدر من مصادر القاعدة القانونية ومن مهام المحكمة البحث عنه وتطبيقه.”([17]).
وورد في الحكم رقم (171) لسنة 2012 الصادر من بداية شمال عمان بصفتها الاستئنافية بتاريخ 22/3/2012م: “والمستأجرين لسنة 2010 وقد بين أن عقد الإيجار الذي ينص فيه على أنه يجدد تلقائيا، فإنه يجدد لمدة مماثلة واحدة، وحيث أن هذا القانون قد بين مفهوم التجديد التلقائي فإنه أولى بالتطبيق من الاجتهاد القضائي، حيث إن الاجتهاد القضائي يأتي في المراحل الأخيرة من مصادر القاعدة القانونية”([18]).
وورد في الحكم رقم (1312) لسنة 2021م الصادر من محكمة صلح حقوق شرق عمان بتاريخ 19/4/2021م: “ويسترشد في ذلك كله بما أقره القضاء والفقه على ألا يتعارض مع ما ذكر، وحيث إن مبادئ العدالة والشريعة الإسلامية هي مصدر من مصادر القاعدة القانونية تجد المحكمة أنها نصت على جواز تغيير الاسم باسم آخر تقتضي المصلحة “([19]).
ورد في الحكم رقم (197) لسنة 2020 الصادر من الغرفة الاقتصادية بعمان بتاريخ 9/11/2020م: ” وهدياً بالاجتهادين القضائي والفقهي المشار إليهم واللذين يعتبران مصدراً من مصادر القاعدة القانونية وفقاً للمادة (2) من القانون المدني فإن المحكمة تجد أن المدة الواردة في المادة (183/ب) من قانون الشركات التي تناولت عدم سماع الدعوى المتعلقة بالطعن بقرارات الهيئة العامة للشركات بعد مضي ثلاثة أشهر على عقد الاجتماع هي مدة سقوط وليست مدة تقادم بالمفهوم سالف الذكر”([20]).
إعداد: محمد محمود
[1] د/ رمضان محمد أبو السعود، المدخل إلى القانون، ص12
[2] د/ مرقس، المدخل، ص14.
[3] د/ محمد محمود، المدخل للعلوم القانونية، ص22
[4] الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون المدني الأردني
[5] د/ هاشم القاسم، المدخل إلى علم القانون، ص129.
[6] انظر الفقرة الثانية من المادة (2) من القانون المدني الأردني
[7] د/ وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، (ج1/ص15)
[8] الراوي: أناس من أصحاب معاذ بن جبل/ المحدث: ابن حزم/ المصدر: أصول الأحكام/ (ج2/ص438).
[9] انظر الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون المدني الأردني.
[10] آية (1) سورة المائدة.
[11] القرة الثالثة من المادة الثانية من القانون المدني الأردني
[12] الفقرة الثالثة من المادة الثانية من القانون المدني الأردني
[13] القرة الثالثة من المادة الثانية من القانون المدني الأردني.
[14] الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون المدني الأردني.
[15] الحكم رقم (184) لسنة 2020 الصادر من المحكمة الإدارية العليا الصادر بتاريخ 29/7/2020م
[16] الحكم رقم (302) لسنة 2018 الصادر من المحكمة الإدارية بتاريخ 10/12/2018م
[17] الحكم رقم (6180) لسنة 2020 الصادر من بداية اربد بصفتها الاستئنافية بتاريخ 23/8/2020م
[18] الحكم رقم (171) لسنة 2012 الصادر من بداية شمال عمان بصفتها الاستئنافية بتاريخ 22/3/2012م
[19] الحكم رقم (1312) لسنة 2021م الصادر من محكمة صلح حقوق شرق عمان بتاريخ 19/4/2021م
[20] الحكم رقم (197) لسنة 2020 الصادر من الغرفة الاقتصادية بعمان بتاريخ 9/11/2020م

