حقوق وواجبات الدول في القانون الدولي العام
يتكون المجتمع الدولي من عدة كيانات منها الدول والمنظمات الدولية غيرها من الكيانات، وتنفرد الدول بأنها العنصر الأساسي المكون لهذا المجتمع، وقد كانت هناك العديد من المحاولات لتجتمع الدول على طاولة واحدة ولكي يضمهم كيان سياسي واحد، انتهى إلى أن يتولد عن هذا التصور هيئة الأمم المتحدة، والتي اشتمل ميثاقها على عدة مواضيع تناقش أساسيات العمل الدولي، منها ما يتعلق بالعناصر المكونة للدولة، وشروط الاعتراف بالدول حديثة التكوين، وأيضًا حقوق وواجبات الدول الأعضاء تجاه بعضها البعض.
ويترتب على الاعتراف بالدولة من المجتمع الدولي أن يكون لها حقوق وعليها واجبات والتزامات، وفي هذا المقال سنتناول حقوق وواجبات الدول تجاه بعضها البعض، وتجاه المجتمع الدولي بشكل عام، ولكن قبل ذلك سوف نتناول تعريف القانون الدولي العام والدولة والعناصر المكونة لها وأنواع الدول بشيء من الإيجاز كالآتي:
أولاً: تعريف القانون الدولي العام والدولة والعناصر المكونة لها
ثانيًا: أنواع الدول في القانون الدولي العام
ثالثًا: حقوق الدول في القانون الدولي العام
رابعًا: واجبات الدول في القانون الدولي العام
أولاً: تعريف القانون الدولي العام والدولة والعناصر المكونة لها
أ_ تعريف القانون الدولي العام
لم يتفق فقهاء القانون الدولي على تعريف واحد للقانون الدولي العام، فمنهم من يطلق عليه القانون العام أم قانون الأمم([1])، واستند في ذلك إلى العنصر المكون والأساسي للدول وهو الشعب، أو قانون الشعوب([2]) وهذا أيضًا قد ذهب في أساسه إلى ما ذهب إليه أصحاب الرأي الأول، وهناك من أطلق عليه تسمية قانون الحرب والسلام([3]) وهذا استند في سبب التسمية إلى ما يتناوله القانون الدولي العام من مشاكل قد تتعرض لها الدول.
ويمكن القول إن أفضل تعريف للقانون الدولي العام أنه: “مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول فتحدد مالها من حقوق وما عليها من واجبات”([4]).
ويتناول القانون الدولي العلاقات العامة بين الدول وبعضها البعض، وأيضًا يتناول العلاقة بين الدول وبين الكيانات الأخرى أعضاء المجتمع الدولي مثل المنظمات الدولية، إذ أن الدولة تمثل فرد في مجموعة الدول، لها ما لهم من حقوق وعليها ما عليهم من واجبات.
ب_ تعريف الدولة
تعددت التعريفات المطروحة من فقهاء القانون الدولي للدولة، ويرجع السبب في ذلك الغموض والالتباس الذي يحيط بمفهوم الدولة، ولكن التعريف الصحيح والواقعي للدولة هو “أنها ظاهرة سياسية واجتماعية وكذلك ظاهرة قانونية”([5]).
ويتفق الفقه الدولي على أنه يشترط لتكوين الدول اجتماع ثلاث عناصر أساسية وهي:
الشعب والإقليم والسلطة الحاكمة([6]).
ج_ العناصر المكونة للدولة
1_ الشعب
هو مجموعة من الأفراد المكونة لسكان إقليم معين ، وتقيم بصفة دائمة في ذلك الإقليم، وتلتزم بالخضوع والتبعية للسلطة الحاكمة في الدولة.
ويترتب على التعريف السابق أنه يشترط لتكوين الشعب المقيم بالدولة أن يكون من سكان ذلك الإقليم، ولكن لا يشترط أن يكون من السكان الأصليين، أو أول من سكن وأقام على تلك الأرض، كما أنه يشترط أن تكون تلك الإقامة بصفة دائمة؛ إذ أنه لا يطلق على الرحالة مصطلح الشعب إذ أنهم دائمي التنقل من إقليم إلى آخر، وأخيرًا يشترط أن يلتزم شعب ذلك الإقليم أن يتبعوا ويخضعوا لأوامر السلطة الحاكمة في الإقليم.
ولا يشترط وجود عدد معين من البشر لتكوين الشعب المكون للدولة، إذ أن الدولة قد تتكون من عدد قليل من البشر كبعض الدول صغيرة الحجم، كما أنه لا يشترط أن يكون هناك سقف لعدد سكان الدول فنجد أن بعض الدول مثل الصين والهند يتخطى تعدد سكانها المليار نسمة.
2_ الإقليم
والإقليم هو ذلك النطاق المادي الذي يقيم فيه الشعب بصفة دائمة ، وتمارس عليه الدولة سيادتها ويكون خاضعًا لها خضوعًا تامًا وتفرض نفوذها وسيطرتها عليه، وهناك ثلاثة أشكال للإقليم تخضع لسيطرة السلطة الحاكمة وهي الأرض والإقليم البحري والإقليم الجوي، بالإضافة إلى ما يوجد في باطن الأرض، ويجب أن يتكون من عنصرين أساسيين هما: الثبات، ووضوح حدود الإقليم .
ويعني الثبات: بأن الأفراد المكونين لشعب هذه الدولة يقيمون في هذا الإقليم على وجه الدوام والاستقرار، ولا يكون الغرض من إقامتهم التنقل بشكل دائم مثل البدو، ومثال ذلك القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية؛ إذ أنهم كانوا قبل رسم الحدود يتنقلون بين الدول بشكل مستمر ودائم.
ويعني التحديد: أن تكون معالم وحدود الإقليم ثابتة غير متغيرة، وواضحة بشكل لا يثير الخلافات والنزاعات بين الدول على الحدود، وهذا الشرط يعد شرطًا أساسيًا لمنع النزاعات بين الدول وبعضها البعض، وهذا الذي يٌظهر فائدة المعاهدات بين الدول لتحديد الحدود، وتظهر أهمية ذلك في النزاعات والخلافات التي نراها الآن على الساحة العالمية على تقسيم وتحديد الحدود البحرية بين الدول.
ويشمل الإقليم بشكل أساسي على الإقليم الأرضي بكل ما يحتويه من معالم طبيعة، وبالنسبة للدول الساحلية يشمل أيضًا جزء من البحر الذي يلي سواحل الدول حتى مسافة 12 ميل بحري باتجاه عرض البحر.
3_ السلطة السياسية
يلزم لتوافر أركان الدولة أن يكون هناك سلطة سياسية حاكمة للشعب وتبسط سيطرتها على الإقليم ذاته، وتتولى إدارة المرافق العامة في الدولة.
ولا يشترط القانون الدولي أن يكون للسلطة الحاكمة شكل معين، أو نظام قانوني وسياسي معين؛ لأن هذه المسائل لا تدخل في اختصاص القانون الدولي العام، لأنها من اختصاص القانون الداخلي للدولة، والتي لها مطلق الحرية في اختيار نوع الحكم الذي يناسبها ويرتضيه شعبها.
ثانيًا: أنواع الدول في القانون الدولي العام([7])
تختلف تقسيمات الدول في القانون الدولي العام، فحين ينظر إلى التقسيم من حيث التكوين يتم تقسيمها إلى دول بسيطة ودول مركبة، وحين ينظر إلى التقسيم من حيث السيادة تنقسم إلى دول تامة السيادة ودول ناقصة السيادة، وسوف نتناول هذه التقسيمات بشيء من التفصيل كالآتي:
أ_ تقسيم الدول من حيث تكوينها
1_ الدول البسيطة
هي الدول التي تقوم بإدارة شئونها الداخلية والخارجية من سلطة سياسية واحدة ، ولا يكون لحجم الدولة أي عامل مؤثر في ذلك، ولا لتعدد أقاليمها؛ طالما توجد حكومة واحدة هي المسئولة عن متابعة شئون الدولة، دون النظر لأي اعتبارات أخرى تؤثر على تلك السلطة الحاكمة في الدولة.
2_ الدول المركبة
وهي الدول التي تتكون من أكثر من دولة، وترتبط فيما بينها برابطة التبعية والخضوع لكيان أكبر، قد يكون هيئة أو مجلس، وغالبًا ما يكون لها رئيس واحد فقط على رأس الحكم أو النظام السياسي، ومثال ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أنها تتكون من عدة ولايات اجتمعت واتفقت لأن تخضع لنظام سياسي معين، وأن تترابط مع بعضها البعض لتكوين دولة يتخطى تعداد سكانها الآن مائتان مليون نسمة.
ب_ تقسيم الدول من حيث السيادة
1_ دول تامة السيادة
وهي الدولة المستقلة بتدبير أمورها ومصالحها الداخلية والخارجية، ولا تخضع لسيادة وهيمنة دولة أخرى، وذلك مثل أغلب دول العالم في العصر الحديث، التي تستقل في سيادتها ولا تخضع لسلطات دول أخرى تتحكم في شعبها وتبسط سيطرتها على إقليمها سواء الأرضي أو البحري أو الجوي.
2_ دول ناقصة السيادة
وهي على النقيض من الدول تامة السيادة، فهي دول تكون تابعة وخاضعة لسيادة دولة أخرى في إدارة وتصريف شئونها الداخلية والخارجية، وقد تكون محمية من دولة أخرى فتكون خاضعة لسيادتها وهيمنتها، ولا تستطيع أن تباشر أي مظهر من مظاهر السيادة على الإقليم دون الرجوع للسلطة الحاكمة.
ثالثًا: حقوق الدول في القانون الدولي العام([8])
حقوق الدول في القانون الدولي العام هي تلك الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية وأخرها ميثاق هيئة الأمم المتحدة، حيث اشتمل هذا الميثاق على عدة حقوق للدول تجاه بعضها البعض، ويقابل هذه الحقوق واجبات والتزامات قانونية يجب أن تلتزم بها الدول، ولقد حدد القانون الدولي أربعة حقوق أساسية للدول وهي حق البقاء وحق السيادة والاستقلال وحق المساواة وحق الاحترام المتبادل، تمارسها الدول هذه الحقوق من خلال اكتسابها أو تمتعها بوصف شخص القانون الدولي العام:
ويمكن أن نحدد حقوق الدول في الأربعة الحقوق الأساسية وهي:
أ_ حق البقاء:
حق الدولة في البقاء هو حق أصيل لها، ويترتب على هذا الحق أنه لا يحق لأي دولة أن تعتدي على دولة أخرى بدون وجه حق، ومنع التطهير العرقي والإبادة الجماعية على أساس العرق، أو الدين، أو اللون، أو اللغة، فهذا يتعارض مع حق الدولة في البقاء على الخريطة السياسية.
وسبب إقرار هذا الحق في ميثاق هيئة الأمم المتحدة هو ما فعلته ألمانيا النازية بقيادة هتلر خلال الحرب العالمية الثانية بحق يهود أوروبا بشأن التطهير العرقي لهم.
ووضع القانون الدولي عددًا من الضوابط والضمانات التي تقنن حق الدول في البقاء مثل التزام الدول بتسوية نزاعاتها مع غيرها من الدول بالطرق السلمية، وألا تلجأ للحرب واستعمال السلاح، وأن تلتزم بأن تعامل رعايا الدول الأخرى القاطنين داخل أراضيها المعاملة القانونية التي أقرتها القوانين والأعراف الدولية، وأن تحترم رؤساء ومبعوثي الدول الأخرى وأن تلتزم بأن تمنحهم الحصانات والامتيازات القانونية المقررة لهم.
فحق البقاء حق أساسي ومشروع للدول؛ لذلك يجرم المجتمع الدولي كل عمليات الإبادة أو التطهير العرقي التي تهدف إلى إبادة فئة أو شعب معين بناء على التمييز العرقي أو الديني أو على أساس اللون أو اللغة، وهذا ما يسعى إليه المجتمع الدولي بشكل أساسي لمحاربة التطهير العرقي وإبادة الشعوب دون حق.
ويتفرع من حق البقاء عدة حقوق فرعية هي:
1_ حق الدفاع المشروع عن النفس
ويعتبر حق الدفاع عن النفس من الحقوق المتفرعة عن حق الدولة في البقاء، إذ أن دفاع الدولة عن نفسها بغير عدوان منها على غيرها حق أساسي، ولكن يشترط أن يكون في الإطار القانوني، وألا تستخدم أي نوع من الأسلحة المحرمة دوليًا، وأن تدفع به الدولة عن نفسها ضد أي عدوان من أي دولة قد تسول لها نفسها أن تعتدي عليها، وألا يكون ذريعة للهجوم والتعدي على غيرها من الدول المجاورة([9]).
2_ حق منع التوسع العدواني
حق الدولة في البقاء يتفرع عنه حقها في منع أي تعدي من الدول المجاورة لها، وأن تمنع أي دولة أخرى تسول لها نفسها أن تعتدي على أي إقليم تابع لها، ومنعها من أن تضم أي جزء من أراضي تلك الدولة إلى أراضيها.
يحق للدول أن تتدخل بكافة الوسائل، لما في ذلك استخدام القوة، للحيلولة دون توسع دول ما على حساب جيرانها، وقد سارت السياسة الدولية في أوروبا بالفعل على نحو يتفق مع هذا القول، مستندة في ذلك إلى فكرة التوازن الدولي، فعلى أساس هذه الفكرة اشتركت بريطانيا وفرنسا وحلفائهما في الحرب العالمية الأولى لوقف توسع إمبراطوريتي ألمانيا والنمسا، وعلى أساسهما أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا ثانية عام 1939 بعد الاعتداء ألمانيا على النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا تباعًا، ذلك أن حق الدولة في البقاء مقيد بما لغيرها من الدول المحيطة من حق في البقاء أيضًا([10]).
ب_ حق السيادة والاستقلال
حق السيادة والاستقلال حق متفرع من حق الدولة في البقاء؛ فلا يتصور ألا يكون للدولة الحق في الدفاع عن نفسها دفاعًا شرعيًا سواء على المستوى الفردي أو الجماعي حتى ولو بالاشتراك مع غيرها من الدول الصديقة أو المتحالفة، وهذا الحق نظمته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي جاء في نصها كما يلي “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورًا …المادة”([11]).
ويظهر من النص السابق أن للدولة والسلطة الحاكمة فيها حق ثابت وهو حق السيادة على إقليمها، دون المنازعة أو العدوان من أي طرف خارجي، وليس لأي كيان أو دولة أن تتدخل في شئونها الداخلية أو الخارجية على حد سواء؛ إذ أنه يمثل عدوان وتعدي على سيادة الدول.
وفي هذا الإطار يرى بعض فقهاء القانون الدولي أنه يمكن التفرقة بين الاستقلال الداخلي والاستقلال الخارجي للدول، فنتناول هذه التفرقة كالآتي:
1_ الاستقلال الداخلي
الاستقلال الداخلي للدولة ما هو إلا ضمانات وصفات محمية ومعترف بها للدولة، ومن صور الاستقلال الداخلي للدول حرية العمل السياسي والتشريعي والقضائي ضمن حدود إقليمها، وتفصيل ذلك فيما يلي:
- حرية العمل السياسي: وتعني حرية العمل السياسي أن يكون للدولة الحرية في اختيار نظامها السياسي سواء أكان جمهوريًا أو نيابيًا أو رئاسيًا وحتى ملكيًا، دون أدنى تدخل من دولة أو منظمة خارجية، ولكن يجب أن يضمن ذلك استقرارها السياسي، كما جاء في نص المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
- الاستقلال التشريعي: وهو حرية الدولة في وضع دستورها بالذي يتفق مع نظامها السياسي الحاكم، وبما تراه متوافقًا مع حاجياتها، وأن تشرع من القوانين ما يضمن سير العمل داخل الدولة بشكل متوازن، وأن تحدد الشروط الواجب توافرها لدخول إقليمها من رعايا الدول الأخرى.
- الاستقلال القضائي: ويعني ذلك أن سكان الدولة يحتكمون لمحاكم وقوانين وتشريعات الدولة، ويتعاملون وفق القواعد الموضوعة بنصوص هذه القوانين، دون تدخل من أي كيان خارجي يفرض عليها أي قانون أو نص تشريعي، مع كفالة ومراعاة تطبيق نصوص القانون الدولي بشأن معاملة الأجانب المقيمين داخل إقليم الدولة.
2_ الاستقلال الخارجي
وهذا يعني أن الدولة لها كامل السلطة والحق في أن تمارس علاقاتها الخارجية بالدول والمنظمات بحرية دون سلطة أعلى من دولة أو كيان خارجي، فإن للدولة الحرية في إدارة علاقاتها الدبلوماسية كما تريد مع الدول أو المنظمات سواء باتفاقيات أو معاهدات دولية، وهي عندما تمارس حقها في الاستقلال الخارجي فإنها تمارس حق أصيل ومستمد من سيادتها واستقلالها.
ج_ حق المساواة
حق المساواة هو حق أصيل للدولة أمام المجتمع الدولي، إذ من غير المتصور أن يكون هناك تفرقة بين دولة ودولة على أي أساس، فكما هناك حق للمساواة بين البشر، أيضًا هناك حق للمساواة بين الدول، فإن للدولة نفس الحقوق التي لباقي الدول، وعليها نفس الالتزامات التي على غيرها من الدول دون تمييز على أي أساس سواء أكان ديني أو عرقي.
وحق الدولة في المساواة يشتمل على أن يكون لها الحق في التصويت على القرارات الدولية، وألا يكون لدولة صوت أو حق أعلى من غيرها من الدول.
ولا يعني حق المساواة أن تتساوى الدول في المساحة أو عدد السكان أو الموارد، وإنما المساواة القانونية بين الدول.
ولكن وللأسف فإن هذا الحق قد يكون مهدورًا بسبب اعتراف بعض الدول لنفسها ببعض الحقوق لتتميز عن غيرها من الدول، وهذا ما تم النص عليه عند تأسيس مجلس الأمن، فقد اعترفت واختصت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين وروسيا والمملكة المتحدة، وهذا الحق يعطي لهذه الدول أن تمنع أي قرار يتعارض مع مصالحها أو يضر باقتصادها، وكما يتضح أن حق الفيتو ما هو إلا تعدي على حق المساواة بين الدول.
ويترتب على حق المساواة القانونية بين الدول عددًا من النتائج أهمها:
أ ـ حرية الدول في إدارة شئونها بما تراه مناسبًا ما لم يمثل تعدي على غيرها ممن الدول، ولها أن ترفض أي طلب قد ترى فيه تدخلاً في شئونها الخاصة.
ب ـ المساواة بين الدول في حق التصويت في المؤتمرات والهيئات الدولية التي تشترك فيها، فلا يكون لدولة أي سلطة أو نفوذ أقوى من دولة أخرى أيًا كانت سلطتها أو قوتها الاقتصادية والعسكرية أو وضعها في المنطقة، وتكون القرارات الصادرة من هذه الهيئات ملزمة للجميع طالما تم الموافقة عليها بطريق الأغلبية.
د_ حق الاحترام المتبادل
حق الاحترام المتبادل هو حق للدول في التعامل مع بعضهم البعض، ويعد حق الاحترام المتبادل نتيجة لحق الدول في المساواة القانونية واحترام كيانها القانوني وعدم التعدي عليها وعلى مراكزها السياسية.
ويترتب على هذا الحق احترام الدول المتجاورة للحدود، وعدم التعدي عليها وعدم الإخلال بالاتفاقيات والمعاهدات القانونية الموقعة بين الدول.
ويكون احترام مركز الدولة السياسي باحترام نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وعقائدها الدينية، وكل ما يتعلق بسير الشئون العامة فيها.
وتكون مراعاة مركز الدولة الأدبي بأن تقدم كل دولة لرؤساء الدول الأجنبية ومبعوثيهم الاحترام المتصل بصفتهم، والمراسم التي جرى بها العرف الدولي والعادات المرعية، وأن تتخذ التدابير اللازمة لمعاقبة كل من يقدم على فعل فيه تعد على كرامة أو اعتبار أحد هؤلاء، ولكل دولة الحق في أن ترعى الدول الأخرى الشكل والاسم الذي تتخذه لنفسها والألقاب التي يتخذها رئيسها طالما أنه ليس في هذا الشكل وهذه الأسماء والألقاب مساس بالحقوق الشرعية لدول أخرى، ولكل دولة الحق أيضًا في احترام شارتها الرسمية وعلمها وما يتبع ذلك من واجب الدول الأخرى في الامتناع عن تقليد تلك الشعارات وذلك العلم([12]).
رابعًا: واجبات الدول في القانون الدولي العام
في مقابل استحقاق الدول للحقوق الأربعة السابق ذكرهم فإنها عليها التزامات وواجبات
أساسية يجب أن تلتزم بها، وإلا يعد ذلك إهدارًا لمبدأ المساواة بين الدول، والواجبات والالتزامات المفروضة على الدول هي الالتزامات التي تؤكدها قواعد القانون الدولي العام، وهناك أيضًا بعض الواجبات تمليها قواعد الأخلاق والمجاملات الدولية ويُمكن حصر تلك الواجبات فيما يلي:
1_ الامتناع عن إثارة الاضطرابات الداخلية
يقع على عاتق كل الدول الالتزام بالامتناع عن إثارة الشغب والاضطرابات داخل إقليم غيرها من الدول وإن حدث فيجب على الدولة التي تعرضت لمثل هذه الأعمال أن تتخذ الإجراءات المناسبة لمثل هذا الشغب والاضطرابات في أراضيها محافظة على أمنها الداخلي ولمنع امتدادها إلى إقليم الدول المجاورة.
فيجب على السلطة الحاكمة في الدولة أن تمنع أي نشاط من شأنه المساس بسلامة وأمن الدول المجاورة، فيجب عند نشوب أي نزاع داخلي في إقليم الدولة أن تلتزم بحماية الحدود بينها وبين الدول الملاصقة لها.
2_ عدم تهديد السلام والنظام الدوليين والإقليميين
يجب أن تلتزم كل دولة بألا تؤدي الظروف السياسية والاضطرابات الداخلية بها إلى تهديد السلام والأمن والنظام الدوليين والإقليميين، فهذا الواجب مقابل لحقها في السيادة والاستقلال؛ إذ أن استقلال الدول يفرض عليها أن ألا تهدد غيرها من الدول وتلتزم بالسلم والنظام الدولي والإقليمي على حد سواء، وذلك عملاً بنص (المادة 7 ) من مشروع لجنة القانون الدولي.
3_ تسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية
وتلتزم كل دولة بأن تسوي منازعتها وخلافتها بينها وبين غيرها من الدول أعضاء المجتمع الدولي بالطرق الودية والسلمية، وألا تلجأ إلى العنف أو استخدام السلاح في فض هذا الخلاف، وهذا ما ورد في نص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على أن : “يقوم أعضاء المنظمة بسوية منازعاتهم الدولية بالوسائل السليمة على وجه من شأنه ألا يعرض السلم والأمن الدوليين والعدل للخطر”.
وقد فرض الميثاق الدولي عقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية على الدول المعتدية أو من يعاونها، وهذا لا يتعارض مع حق الدول في الدفاع عن نفسها تجاه أي تعدي أو عدوان خارجي.
4_ الامتناع عن اللجوء إلى الحرب
الامتناع عن اللجوء للحرب أو أي عمل من أعمال العدوان وهذا الواجب يعادل واجب الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول الأعضاء.
ومما لا شك فيه أن الأحكام الواردة في الميثاق تعتبر التزامات صريحة في عدم التجاء الدول إلى إعلان الحرب أو الاشتراك فيها، وهي بذلك تنفي حق الدولة في الاستناد إلى السيادة في هذا النطاق، على أن الميثاق استثنى من ذلك حالة واحدة وهي حالة الدفاع الشرعي عن النفس([13]).
5_ الامتناع عن مساعدة الدولة المعتدية والتعاون مع الأمم المتحدة في نظام الأمن الجماعي
الالتزام بالامتناع عن مساعدة المعتدي الذي تتخذ ضده المنظمة الدولية عملاً من أعمال المنع أو القمع هو من واجبات الدول تجاه المجتمع الدولي فيجب أن تلتزم الدولة بألا تعين المعتدي في اعتدائه، كما تلتزم بأن تساعد هيئة الأمم المتحدة في رد هذا العدوان.
وهذا ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في ( المادة 2 ) في فقرتها الخامسة والتي تنص على ما يلي :”يقدم جميع الأعضاء كل ما في وسعهم من مساعدة إلى (الأمم المتحدة) في أي عمل تتخذه وفق هذا الميثاق، كما يمتنعون عن مساعدة أية دولة تتخذ (الأمم المتحدة) إزاءها عملاً من أعمال المنع أو القمع”.
كما أنه يتفرع من هذا الالتزام التزامين فرعيين هما:
- الأول وهو التزام سلبي ويتمثل في عدم الانحياز إلى جانب الدولة التي تؤدبها الأمم المتحدة.
- الثاني وهو التزام إيجابي ويتمثل في ضرورة أن تضع كل دولة كل إمكانياتها المتاحة تحت تصرف الأمم المتحدة في إعمال الفصل السابع من الميثاق([14]).
6_ الامتناع عن الاعتراف بالتوسع الإقليمي
تلتزم كل دول هيئة الأمم المتحدة بالامتناع عن الاعتراف بأي توسع إقليمي مكتسب بغير حق تكتسبه أي دولة معتدية، ومصدر هذا الالتزام نجده في نص المادة الثانية في الفقرة الرابعة منها الخاصة بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها.
وأيضًا عملاً بنص (المادة 11) من المشروع وهو واجب أو مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.
7_ تنفيذ الالتزامات الدولية بحسن نية
تنفيذ الالتزامات الدولية بحسن نية سواء تلك التي نصت عليها المعاهدات الدولية أو تلك التي ورد النص عليها في مصادر القانون الدولي الأخرى وهو واجب يجب الالتزام به إلا في حالة استحالة تنفيذ الالتزام.
ويمثل واجب تنفيذ الالتزامات بحسن نية شرطًا جوهريًا وأساسيًا لأي نظام قانوني، على الرغم من أن نطاق هذا الواجب يمكن أن يكون موضوعًا لتفسيرات متعددة.
8_ التقيد بالقانون الدولي
يجب أن تلتزم كل دولة بأن تتقيد في تعاملاتها وعلاقاتها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية بأحكام القانون الدولي، ويعد هذا الواجب شرطًا أساسيًا لوجود نظام قانوني دولي، وهو واجب أساسي لا يمكن إنكاره، وهو واجب ملزم لكل دولة احترام وتطبيق قواعد القانون الدولي في العلاقات الدولية التي تقيمها الدولة من غيرها من الدول الأخرى.
9_ الحيلولة دون التلوث
ويعد هذا المبدأ والالتزام ناشئ وحديث العهد بالمجتمع الدولي، كما أنه لا يوجد نص أو قانون اتفاقي يلزم أي دولة بأن تمتنع عن الإضرار البيئي، ولكن المبادئ العامة للعدالة هي التي تشير إلى وجود مثل هذا الواجب.
كما ينادي البعض باعتبار الدولة التي تستعمل إقليمها بقصد إجراء تجارب ذرية مسئولة عن الأضرار التي تنتج عن الإشعاعات الذرية، وعن الغبار الذي يصل إلى أقاليم الدول الأخرى.
10_ واجب منع التزييف
تلتزم كل دولة من دول أعضاء المجتمع الدولي أن تمتنع عن تزييف وتزوير النقد والعملات وكذلك طوابع البريد، وهذا الالتزام وإن لم تتضمنه أي اتفاقيات دولية أو نص من نصوص ميثاق هيئة الأمم المتحدة إلا أن بعض الدول اعتبرت نفسها ملزمة بمنع التزييف وذلك بسنها التشريع الداخلي المناسب.
وقد سبق أن حدث تزييف على مستوى الدول خلال الحرب، ففي الحرب العالمية الثانية زيفت بريطانيا وألمانيا كل منهم عملت الأخرى بغرض الإضرار بها.
11_ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية
شددت لجنة القانون الدولي على أنه يقع على عاتق كل دولة واجب معاملة جميع الأشخاص الخاضعين لسيادة الدولة على أساس المساواة واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لهم دون تمييز بسبب العرق، أو الجنس، أو اللون، أو الدين، وهذا الواجب منصوص عليه في المادة السادسة من مشروع إعلان حقوق وواجبات الدول([15]).
تلك هي أهم الواجبات الدولية التي جاء النص عليها في ميثاق الأمم المتحدة ومشروع لجنة القانون الدولي والتي يترتب على الإخلال بأحدها إثارة دعوى المسئولية الدولية قبل الدولة المنتهكة للالتزام الدولي.
إعداد/ مصعب مصطفى.
[1] ـ أنظر د/ محمد طلعت الغنيمي و د/ محمد السعيد الدقاق ـ القانون الدولي العام ـ دار المطبوعات الجامعية ـ الإسكندرية ـ 1991م ـ ص1.
[2] ـ أنظر د/ أحمد سرحال ـ قانون العلاقات الدولية ـ بيروت ـ ط2 ـ 1993م ـ ص12.
[3] ـ أنظر د/ سموجي فوق العادة ـ القانون الدولي العام ـ ترجمة (رينيه جان دوبوي) ط3 ـ باريس، 1983م ـ ص12.
[4] ـ أنظر د/ علي خليل إسماعيل الحديثي ـ القانون الدولي العام ـ الجزء الأول ـ المبادئ والأصول ـ دار النهضة العربية ـ ط2010 ص7.
[5] ـ أنظر د/ علي خليل إسماعيل الحديثي ـ المرجع السابق ـ ص97.
[6] ـ فعلى سبيل المثال نصت المادة الأولى من اتفاقية حقوق وواجبات الدول الأمريكية المبرمة في مونتفديو عام 1933م على أنه “…يجب لكي تعتبر الدولة شخصًا من أشخاص القانون الدولي أن تتوافر فيها الشروط التالية: أ- شعب دائم، ب- إقليم معين، ج- أهلية للدخول في علاقات مع الدول الأخرى”.
[7] ـ أنظر د/ علي خليل إسماعيل الحديثي ـ المرجع السابق ـ ص 127.
[8] ـ أنظر د/ رجب عبد المنعم متولي ـ القانون الدولي العام ـ ط 2010 ـ ص 312 وما بعدها.
[9] ـ أنظر د/ علي صادق أبو هيف ـ القانون الدولي العام ـ منشأة المعارف ـ الإسكندرية ـ الطبعة السادسة ـ 1962 ـ ص208.
[10] ـ أنظر د/ على صادق أبو هيف ـ المرجع السابق ـ ص209.
[11] ـ المادة رقم 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
[12] ـ أنظر د/ أبو هيف ـ المرجع السابق ـ ص 247.
[13] ـ أنظر د/ حامد سلطان ـ القانون الدولي العام في وقت السلم ـ دار النهضة العربية ـ القاهرة ـ ط 1962 ـ ص777.
[14] ـ أنظر د/ محمد شكري ـ مدخل إلى القانون الدولي العام ـ مطبعة جامعة دمشق ـ دمشق (1406ـ1407) ـ (1986ـ1987م) ـ ص158.
[15] ـ أنظر المحامي الدكتور/ عصام جميل العسلي ـ دراسات دولية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ ط 1998 ـ ص 43.

