الأسلحة البيولوجية في القانون الدولي
تعد الأسلحة البيولوجية من أخطر الأسلحة على الإطلاق، فإنها تدمر أعداداً كبيرة من البشر، بل والحيوانات في سرعة شديدة، عن طريق نشر الفيروسات والأمراض والأوبئة، لذا فقد تم وضع اتفاقية جنيف لعام ١٩٢٥ من أجل حظر استخدام تلك الأسلحة، ثم اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية من حيث استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية عام ١٩٧٢، ومن خلال هذا المقال سوف نتعرف على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية بشكلٍ موسع، وذلك على النحو التالي:
أولاً: تعريف الأسلحة البيولوجية:
ثانياً: نبذة عن الأسلحة البيولوجية:
ثالثاً: تنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية:
رابعاً: مؤتمر ٢٠٠٦ لمراجعة معاهدة الأسلحة البيولوجية والسمية وأعمال ما بين الدورات:
أولاً: تعريف الأسلحة البيولوجية:
تعرف الأسلحة البيولوجية بأنها تلك التي تكون لحمتها وسداها عبارة عن كائنات حية أو سموم، وتستخدم بشكل متعمد ضد العدو، وتستهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الوفيات والإصابات في صفوفه أو طردها من منطقة المجابهة، سواء في ذلك العسكريين أو المدنيين، كما تستخدم هذه الأسلحة في تدمير الثروات الزراعية والحيوانات للخصم، مع الإشارة إلى أن اصطلاح اللحمة لغة يعني ما يتشكل الثوب به من خيوط النسيج العريضة ويلحم بها السدى طولاً في النسيج[[1]].
كما تتميز الأسلحة البيولوجية بمجموعة من الخصائص نذكر منها[[2]]:
- القابلية الوبائية العالية.
- القدرة على مقاومة الظروف الطبيعية كالحرارة وضوء الشمس، والأشعة فوق البنفسجية، والجفاف.
- قابلية التكييف وسرعة الانتشار.
- القدرة على إنزال خسائر عالية عند بدء الهجوم، إما عن طريق القتل أو التفجير.
- أن يكون العامل البيولوجي المستخدم غريباً عن منطقة الهدف بحيث لا تتوفر المناعة الطبيعية لدى السكان في تلك المنطقة، وذلك لتحقيق أكبر خسائر ممكنة.
- سهولة إنتاج العامل البيولوجي وسهولة تخزينه.
كما هو الحال بالنسبة للأسلحة الكيماوية، تحدث الأسلحة البيولوجية والسموم تأثيرها ليس عن طريق انفجار وإنما عن طريق الانتشار وهي بذلك معرضة لتأثير الرياح وغيرها من أحوال الطقس، وبالتالي من المحتمل أن تلحق بالسكان المدنيين أضراراً كبيرة[[3]].
وقد تم حظر استخدام تلك الأسلحة البيولوجية بمقتضى بروتوكول جنيف عام ١٩٢٥، ولكن أغفل البروتوكول أن يحظر إنتاجها، أو تخزينها، أو حيازتها، أو نقلها، وهو ما جعل اليابان تستخدمها في حربها ضد الصين في أوائل الأربعينات، ومن الأسلحة التي استخدمتها في تلك الحرب الكوليرا والجمرة الخبيثة والطاعون، وقد وقعت خسائر بشرية فادحة حيث لاقى حوالي مئات الآلاف حذفهم من جراء تلك الحرب.
وهو ما أدى إلى ضرورة وضع أسس اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية من حيث استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية عام ١٩٧٢، لتكون بذلك قد أكملت النقص الوارد في اتفاقية جنيف لعام ١٩٢٥.
ثانياً: نبذة عن الأسلحة البيولوجية:
تعتبر الأسلحة البيولوجية من أسلحة التدمير الشامل، ويرجع استخدام الأسلحة البيولوجية إلى الحرب العالمية الأولى، حيث يزعم أنه كانت تُستخدم المواد المُمْرِضة من قِبل الجيش الألماني.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أصبحت تجرى العديد من الأبحاث المتعلقة بالأسلحة البيولوجية في الكثير من البلدان، فتم إنشاء لجنة علم البكتيريا بفرنسا عام ١٩٢١، وذلك لوضع سياسة حرب الأسلحة البيولوجية، إلى أن قاموا بتطوير العوامل المضادة للإنسان والحيوان في مختبر لو بوشي وذلك في منتصف الثلاثينات.
ثم قام الألمان بالاستيلاء عليها عام ١٩٤٠، وقد تشكلت في المملكة المتحدة لجنة فرعية مختصة بالحرب البيولوجية من أجل اتخاذ ما يلزم للدفاع عن الإمبراطورية من أي هجوم بيولوجي محتمل عام ١٩٣٦، وفي بورتو داون ببريطانيا عام ١٩٤٠ تم إقامة وحدة معنية بالأسلحة البيولوجية وهو ما تم اعتباره نقطة البداية لنظام الأسلحة البيولوجية ببريطانيا، فقد قامت تلك الأبحاث على الاهتمام بالأسلحة المضادة للمزروعات والحيوانات باستخدام تكسين البوتيولينوم (البَخَص) والجمرة الخبيثة.
وبفعل تلك الأبحاث تم إنتاج حوالي ٥ ملايين ملة صغيرة ممتلئة بالجمرة الخبيثة لإعدادها غذاء للماشية حدث ذلك عام ١٩٤١، وفي عام ١٩٤٢ قام الإنجليز بالاتحاد مع كل من كندا وبعدها الولايات المتحدة الأمريكية خلال قيام الحرب وبعدها، حيث أن بداية استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للأسلحة البيولوجية كان في عام ١٩٤١، أي قبل اتحادها مع إنجلترا بعام، حيث قامت بإنشاء لجنة معنية بتقييم مدى تهديد الحرب البيولوجية، ثم أنشأت مركزاً للأبحاث عام ١٩٤٣، وبدأت عمليات مشروع الغرفة السحابية، ثم تشغيل مرفقاً للتجارب الميدانية عام ١٩٤٤.
وقد تم التوصل إلى إمكانية نثر المواد المسببة للأمراض في الجو، ومع انتهاء الحرب فقد استطاع الأمريكان أن يتفوقوا في تقنيات تثبيت التجفيف بالتجميد واسعة النطاق.
وفي الحرب العالمية الثانية قامت بعض الدول باستخدام الأسلحة البيولوجية، وبعد انتهائها استمرت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بالبحث والتطوير في مجال الأسلحة البيولوجية، هذا بالإضافة إلى قيام بعض الدول الأخرى بمحاولة تصنيع الأسلحة البيولوجية.
مما تتألف الأسلحة البيولوجية؟:
تتكون الأسلحة البيولوجية من عوامل بيولوجية، وذخيرة ومعدات، إلى جانب وجود بعض الوسائل المستخدمة في توصيلها، فهي عبارة عن كائنات حية تتكاثر بعد انتشارها، الأمر الذي يجعل مفعولها شديد الخطورة مع مرور الزمن، حيث إنها معدية، تنتقل من كائن حي مصاب إلى آخر سليم، مما يساعد في انتشارها بشكلٍ أسرع، وفي بعض الأحيان قد تكون نقطة بداية لوباء عام.
ولا بد أن نشير إلى أن العوامل البيولوجية المستخدمة في الأسلحة البيولوجية هي: الفيروسات، والبكتريا، والفطريات، والريكتسيات، والتكسينات، وهذه العوامل تشكل خطورة بالغة على الكائنات الحية جميعها، حيث إن بعض هذه العوامل فتاكة، في حين أن البعض الآخر تسبب شللاً، والبعض الآخر يُشكل وباءً عن طريق العدوى.
ثالثاً: تنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية:
تم اعتماد الاتفاقية بحظر استحداث أو إنتاج أو تخزين الأسلحة البيولوجية عام ١٩٧٢، وفي ١٠ أبريل عام ١٩٧٢ بدأ التوقيع على الاتفاقية من قِبل الدول الأعضاء، وفي ٢٦ مارس عام ١٩٧٥ دخلت حيز التنفيذ، وقامت ٢٢ دولة بالتصديق على الاتفاقية.
نصت المادة الأولى من الاتفاقية على أنه: “تتعهد كل دولة من الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بأن لا تعمد أبداً، في أي ظرف من الظروف إلى استحداث أو إنتاج أو تخزين ما يلي، ولا اقتنائه أو حفظه على أي نحو آخر:
- العوامل الجرثومية أو العوامل البيولوجية الأخرى، أو التكسينات أياً كان منشؤها أو أسلوب إنتاجها من الأنواع وبالكميات التي لا تكون موجهة لأغراض الوقاية أو الحماية أو الأغراض السلمية الأخرى.
- الأسلحة أو المعدات أو وسائل الإيصال الموجهة لاستعمال تلك العوامل أو التكسينات في الأغراض العدائية أو المنازعات المسلحة”.
نلاحظ أنه قد وردت هذه الاتفاقية، بشكلٍ أكثر توسعاً مما جاء باتفاقية جنيف لعام ١٩٢٥، حيث تم النص على حظر استحداث، أو انتاج، أو تخزين، أو اقتناء، أو الاحتفاظ بها.
وجاءت المادة الثانية من الاتفاقية لتنص على أنه: “تتعهد كل دولة من الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بأن تقوم، في أقرب وقت ممكن وخلال فترة لا تتجاوز على أية حال تسعة أشهر بعد بدء نفاذ الاتفاقية، بتدمير جميع العوامل والتكسينات والأسلحة والمعدات ووسائل الإيصال المعينة في المادة الأولى من هذه الاتفاقية التي تكون في حوزتها، أو خاضعة لولايتها ،أو رقابتها، أو بتحويلها للاستعمال في الأغراض السلمية ويراعى في تطبيق أحكام هذه المادة اتخاذ جميع التدابير الوقائية الضرورية لحماية السكان والبيئة”.
وتلتزم جميع الدول الأطراف بأن لا تحول إلى أي كان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أياً من العوامل التكسينات أو الأسلحة أو المعدات أو وسائل الإيصال المعينة في المادة الأولى من هذه الاتفاقية، وبأن لا تقوم، بأية طريقة كانت، بمساعدة، أو تشجيع، أو تحريض أية دولة ،أو مجموعة من الدول أو أية منظمة دولية على صنعها أو اقتنائها على أي نحو آخر، وفق ما ورد بالمادة الثالثة من الاتفاقية.
كما أن على الدول الأعضاء الالتزام بمساعدة أية دولة طرف تحتاج إلى مساعدة، إذا قرر مجلس الأمن تعرضها لخطر، وفق ما جاء (بالمادة ٧) من الاتفاقية.
ونود الإشارة إلى أنه إذا حاولت أي من الدول الأطراف مخالفة نصوص الاتفاقية، يتم اللجوء إلى مجلس الأمن، ليقوم بإجراء تحقيق مع الدولة المخالفة، وتبليغ الدول الأطراف بنتائجه، ويُتْرَك لمجلس الأمن مسألة تقدير ما يلزم من تدابير بشأن تلك المسألة.
ومن الجدير بالذكر أن مجلس الأمن يحذر من استخدام الأسلحة البيولوجية، بموجب القرار رقم ١٥٤٠، والذي تم اعتماده في ٢٨ أبريل لعام ٢٠٠٤، ليوجب على جميع الدول سن قوانين وطنية تمنع مثل تلك الأسلحة البيولوجية وتحظر استعمالها استناداً لاتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية لعام ١٩٧٢، واتخاذ ما يلزم من تدابير من أجل تحقيق ما جاء بها.
كما نصت المادة الثانية عشر على أنه: ” يعقد في جنيف بسويسرا، بعد مرور خمس سنوات على بدء نفاذ هذه الاتفاقية أو قبل هذا الموعد إذا ما طلبت أغلبية الدول الأطراف في الاتفاقية بتقديمها اقتراحاً بهذا المعنى إلى الحكومات الوديعة، مؤتمر للدول الأطراف في الاتفاقية لاستعراض سير العمل بالاتفاقية بغية ضمان تحقق مقاصد ديباجة الاتفاقية وأحكامها، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بالمفاوضات بشأن الأسلحة الكيميائية، ويراعى في هذا الاستعراض ما يستجد من التطورات العلمية أو التكنولوجية ذات الصلة بالاتفاقية”.
رابعاً: مؤتمر ٢٠٠٦ لمراجعة معاهدة الأسلحة البيولوجية والسمية وأعمال ما بين الدورات:
عُقد المؤتمر خلال الفترة من ٢٠ نوفمبر و٨ ديسمبر ٢٠٠٦، فقد تم الإشارة إلى ضرورة عقد المؤتمر كل خمسة أعوام، وهو مؤتمر المراجعة السادس، وخلال هذا العام صادق على الاتفاقية ١٥٥ دولة، وخلاله عقدت لجنة تحضيرية بجنيف تبنت جدول الأعمال المؤقت للمؤتمر، ومسودة قواعد الإجراءات، وطلبت إعداد تقارير إيضاحية من أمانة السر.
نجد أنه تم تحقيق إنجازات كبيرة في الفترة ما بين الدورات منذ ٢٠٠٣، وبرز ذلك من خلال إقبال الدول الأطراف على تطبيق الاتفاقية بشكل كبير، من خلال بعض التدابير الوطنية وإجراء تجارب مشتركة بين الدول الأطراف، والقيام بتعيين مسئولون متخصصون في المسائل البيولوجية.
ويستفاد من انعقاد تلك الدورات، محاولة الوقوف على ما يلزم من أجل تقريب جميع الدول الأطراف، واستيعاب الجهد الذي يتم بذله من أجل منع تصنيع الأسلحة البيولوجية.
إعداد/ نسمه مجدي.
[[1]] انظر، د. أحمد سي علي، دراسات في القانون الدولي الإنساني، ط١، دار الأكاديمية، الجزائر ٢٠١١، ص ٥٠٨.
[[2]] انظر، د. أحمد سي علي، المرجع السابق، ص ٥٠٨، ٥٠٩.
[[3]] انظر، باري كلمان، دليل الرقابة الدولية على أسلحة الدمار الشامل، مدخل في القانون الإنساني الدولي والرقابة الدولية على استخدام الأسلحة، تحرير محمود شريف بسيوني، ١٩٩٩، ص ١٠٢٤.

