تنازع الاختصاص القضائي الدولي

تنازع الاختصاص القضائي الدولي

إن الغاية من تحديد الاختصاص القضائي الدولي، هو تحديد ولاية القضاء الوطني فيما يتعلق بالمنازعات المشتملة على عنصر أجنبي، مما يتعين معه معرفة قضاء أي دولة هو المختص بالفصل في ذلك النزاع، ويعتبر الاختصاص القضائي الدولي مسألة أولية أسبق على تطبيق قواعد تنازع القوانين .

أولا: التعريف بمفهوم الاختصاص القضائي الدولي وأحكامه ومبادئه العامة:

ثانيا : طبيعة العلاقة بين الاختصاص القضائي الدولي والداخلي:

ثالثا : علاقة تنازع الاختصاص التشريعي بتنازع الاختصاص القضائي:

رابعا : موقف الدول من العلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي:

خامسا : موقف القضاء الدولي من العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي:

أولًا: التعريف بمفهوم الاختصاص القضائي الدولي وأحكامه ومبادئه العامة:

 يشمل مفهوم الاختصاص القضائي الدولي مجموعة من التعاريف، حيث تم تعريفه في اصطلاح النظام القضائي بأنه: (توزيع المهام بين المحاكم والهيئات القضائية المختلفة عن طريق بيان حصتها من المنازعات والمسائل التي يخول لها الفصل فيها ومنح الحماية القضائية بشأنها).

و هذا ما يشمل اختصاصات وصلاحيات القانون الدولي في علاقته و تدخله في المسائل الداخلية للدول والاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وفيما يتعلق بأحكامه نجد أنه يقصد باصطلاح الاختصاص القضائي للمنازعات الدولية الخاصة مجموعة القواعد التي تحدد اختصاص محاكم الدولة بنظر المنازعات التي تحتوي على عنصر أجنبي بالمقابلة للحدود التي تباشر فيها محاكم الدول الأخرى سلطتها القضائية، فقواعد الاختصاص القضائي الدولي في دولة معينة تعني الحالات التي تؤول الاختصاص لمحاكمها في المنازعات المشتملة على عنصر أجنبي فقط دون أن تبين الحالات التي ينعقد فيها الاختصاص لمحاكم الدول الأخرى في المسائل التي تجعل من المحاكم الوطنية تدفع بعدم اختصاصها.

ولما كانت الدولة تمارس سلطتها القضائية عن طريق محاكمها كان المقصود بالاختصاص القضائي الدولي هو تحديد الحدود التي تمارس فيها محاكم دولة معينة مهامها القضائية بالمقابلة للحدود التي يباشر فيها قضاء الدول الأجنبي[1].

 أما فيما يتعلق بالمبادئ ذات العلاقة بالاختصاص القضائي الدولي فهي تلك التي نصت عليها (المادة 38) من المبادئ المعترف بها من الأمم المتمدينة كمصدر من مصادر القانون الدولي، وهي تلك القواعد العامة التي تبلغ درجة من الشيوع والإتباع مما جعلها تصبح أساسا للقواعد التفصيلية أي تتفرع منها قواعد فرعية – مثل قاعدة لا ضرر ولا ضرار (أصلية) تتفرع منها قاعدة البراءة وكقاعدة – الضرورات تبيح المحظورات تتفرع منها الضرورة تقدر بقدرها.

إضافة إلى أن القرارات والسوابق القضائية التي صدرت من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وقرارات هيئات التحكيم الدولية المعترف بيها وأحكام المحاكم الوطنية الخاصة بالمنازعات الأجنبية أيضا تعتبر مصدر احتياطي للقانون الدولي ذلك ما يعزي ارتباطها الوثيق والقوي بتحديد الاختصاص القضائي الدولي .

ولقد لعبت هذه القرارات والسوابق دورا كبيرا في تطوير القانون الدولي وقد اعتمدت عليها المحاكم في قضايا تخص التعويضات، والإبادة الجماعية ،والصيد، وغيرها.

ثانيا : طبيعة العلاقة بين الاختصاص القضائي الدولي والداخلي:

أجمع الفقهاء على ضرورة التوصل والتعرف على طبيعة العلاقة بين القانون الدولي والداخلي لأنه أحيانا تحدث وقائع تكون لها أحكام من القانون الدولي والداخلي مما يحدث خللا أو اضطرابا خاصة أننا نعلم أن هنالك مجتمعات داخلية يحكمها القانون الداخلي ومجتمعات دولية يحكمها القانون الدولي .

الإجابة حول الحديث عن طبيعة العلاقة بين القانون ضرب الفقيه براوللي مثالا بالسفينة التي تخترق حدود قانون الجمارك للمياه الإقليمية لدولة من الدول ويتمسك الربان بالقانون الدولي الذي يحدد 20 ميلا بحريا بينما قانون الجمارك يحدد سلطاته في حدود 25 ميلا.

وللإجابة على هذا التساؤل نشأت مدرستان هما مدرسة الثنائية (الازدواجية ) ومدرسة الوحدة، فيثور السؤال ما هو القانون الذي يسمو على الآخر أي الذي له أولوية في التطبيق في مثل هذا النزاع .

1- مدرسة النظرية الثنائية (الازدواج):

تنظر هذه المدرسة إلى أن كل من القانونين الدولي والداخلي يمثل نظاما قانونيا مستقلا عن الآخر من خلال الاتي:

أ/ القانون الدولي هو قانون ينظم علاقات بين دول ذات سيادة.

ب/ أما القانون الداخلي يطبق في المجال الداخلي حيث ينظم العلاقة بين الأفراد بعضهم البعض وبينهم وبين الدولة وهذا الفرق يجعل عدم إمكانية تطبيق قواعد قانون من القانون الآخر (اختلاف على مستوى القواعد ).

وترى هذه المدرسة طبيعة العلاقة بين القانونين هي أن كل من القانونين مستقلاً استقلالاً كاملا عن بعضهما والعلاقة التي بينهما هي علاقة انفصال كامل واستقلال تام.

أ- وتبنى على هذه الفكرة الخلاصات والنتائج الأتية:

  • كلا القانونين مستقل عن الآخر ويعمل كل منهما في دائرة خاصة به.
  • أن قواعد القانون الدولي لا تسري على أي أوضاع داخلية إلا بتحويل القاعدة القانونية إلى معاهدة شارعه في القانون الداخلي.
  • انفصال كل قانون عن الآخر يعني ألا يمتد أثر أي منهما على الأخر.

فمثلاً لا يحدد القانون الدولي العام من هو الأجنبي لكنه يبين واجبات الدولة تجاه الأجنبي ويترك تحديد الأجنبي للقانون الداخلي للدولة .

ب- حجج المدرسة الثنائية في الفصل بين النظامين:

– اختلاف أشخاص كل قانون عن الآخر حيث أشخاص القانون الدولي هم الدول والمنظمات أما أشخاص القانون الداخلي هم الأفراد الطبيعيين.

– اختلاف مصدر الإلزام – مصدر الإلزام في القانون الداخلي هي الإرادة المنفردة للدولة بينما مصدر الإلزام في القانون الدولي يعود للإرادة المشتركة للدول.

– اختلاف الطبيعة القانونية لكلا النظامين إذ يعتبر أنصار النظرية الثنائية أن القانون الدولي ينظم العلاقة بين الدول أما الداخلي فهو نظام فرض وخضوع من الدولة باعتبارها السلطة العليا .

– درجة المحاكم الوطنية بتطبيق قانونها الوطني حتى لو وجد تعارض مع القانون الدولي.

ج- النقد الذي وجه لها:

– القانون الدولي يوجه خطابه بصفة عامة للدول إلا أن هذا الخطاب موجه بصفة خاصة للأفراد الطبيعيين لأن الدولة ليس لها وجود حقيقي إنما مجازي .

– أن لا تطبق المحاكم الداخلية القواعد الدولية هذا لا يعني انفصال العلاقة بين القانونيين إنما ذلك لاختصاص المحاكم .

2- مدرسة نظرية الوحدة:

ينظر أصحاب هذه المدرسة للقانونيين باعتبارهما وحدة واحدة تجمعهما الصفة القانونية فكل من القانون الدولي والداخلي هو كتلة قانونية واحدة وحسب نظرهم فإن القانون واحد مقسم لقسمين دولي وداخلي، ولكن ظهر خلاف واضح بين أنصار مدرسة الوحدة حول علو أي من القانونين على الأخر، فذهب رأي الغالبية لعلو كعب القانون الدولي على حساب الداخلي بينما ذهب قلة للقول بعلو القانون الداخلي.

أ- أنصار علو القانون الداخلي على القانون الدولي:

يرى أصحاب هذه المدرسة بأن كلا القانونين مزيج واحد ولذلك يؤيدون علو القانون الداخلي على الدولي بسبب قوة مصدر القانون الداخلي الذي يصدر من الهيئة التشريعية بينما القانون الدولي هو مجموعة قواعد اتفاقية للدول.

النقد الذي وجه لهم:

أنصار هذه المدرسة ركزوا على أن القانون الدولي مجرد قواعد اتفاقية بين الدول دون النظر لمصادر الإلزام الأخرى إلى القواعد العرفية التي لا تقل أهمية عن قواعد القانون الداخلي.

ب- أنصار علو القانون الدولي على القانون الداخلي:

كما أوضحنا سابقا موقف غالبية أنصار مدرسة الوحدة بالنسبة لعلو القانون الدولي على القانون الداخلي وأن القانون الداخلي تابعًا للدولي وصادرا عنه عن طريق التفويض وأن القانون الداخلي ما هو إلا مجرد مظهر من مظاهر سيادة الدولة على إقليمها ورعاياها وأن القانون الدولي هو المختص بتحديد الاختصاص الشخصي والإقليمي للدولة وهو الذي ينسق وينظم العلاقة بين الدول ويقرر سيادتها المتميزة ليحول دون التنازع بينهما .

وحتى الدولة عندما تضع تشريعاتها الداخلية فإنها تضعها بتفويض من القانون الدولي بموجب الاختصاصات المستمدة منه.

النقد الذي وجه لهم:

– أنها أهملت التاريخ، فالقانون الدولي حديث النشأة  مقابل القانون الداخلي الذي يسبقه بقرون.

– ليس من المنطق القول بانشقاق قديم من جديد حسب التسلسل التاريخي للقوانين.

– أن القضاء الدولي استقر بسبب القانون الداخلي وليس العكس  .

– القاضي الوطني إذا أراد تطبيق قاعدة دولية فإنه يراعي عدم تعارضها مع دستوره الوطني[2]

ثالثا : علاقة تنازع الاختصاص التشريعي بتنازع الاختصاص القضائي:

تنازع الاختصاص التشريعي هو التنازع الذي يحصل جراء اتصال علاقة قانونية خاصة في عنصر أو أكثر من عناصرها بقوانين أكثر من دولة واحدة، كقانون جنسية أطراف العلاقة وقانون موطنهم وقانون محل إبرام العقد وقانون موقع المال وقانون محل التنفيذ وقانون المحكمة المرفوع إليها النزاع ، وتزاحم وتنازع هذه القوانين فيما بينها على حكم هذه العلاقة القانونية المنطوية على عنصر أجنبي، مما يستلزم معرفة أي منها يجب تطبيقه عليها.

أما تنازع الاختصاص القضائي فهو التنازع الذي يثور في قضية مشوبة بعنصر أجنبي لا بشأن القانون الواجب تطبيقه عليها، وإنما بشأن المحكمة المختصة برؤيتها، وتنازع الاختصاص التشريعي غير متلازم لتنازع الاختصاص القضائي الدولي، لأن الأول يعني تنازع وتزاحم قوانين عدة دول على حكم قضية مشوبة بعنصر أجنبي والبحث عن أنسب قانون من بين تلك القوانين لتطبيقه عليها، والثاني يعني تحديد المحكمة المختصة للنظر في قضية مشوبة بعنصر أجنبي من بين المحاكم المتنازعة على اختصاص نظر تلك القضية.

 فتنازع الاختصاص التشريعي مسألة قائمة بذاتها وتنازع الاختصاص القضائي الدولي مسألة قائمة بذاتها ولا تلازم بينهما فإذا ثبت الاختصاص القضائي الدولي لمحكمة دولة معينة في قضية مشوبة بعنصر أجنبي لا يستلزم بالضرورة ثبوت الاختصاص التشريعي لقانون تلك الدولة في نفس القضية، كما أن ثبوت الاختصاص التشريعي لقانون دولة معينة في قضية مشوبة بعنصر أجنبي لا يستلزم بالضرورة انعقاد الاختصاص القضائي الدولي لمحكمة تلك الدولة في نفس القضية.

ففي تنازع الاختصاص التشريعي يتم البحث عن القانون الواجب تطبيقه في قضية مشوبة بعنصر أجنبي معروضة على القاضي، كما لو أقام أردني الجنسية دعوى طلاق على زوجته في إيطاليا، فتعتبر هذه القضية مشوبة بعنصر أجنبي ويبحث قاضي الموضوع فيها عن القانون الواجب تطبيقه عليها، هل هو القانون الأردني أم القانون الإيطالي أم قانون دولة أخرى.

وإذ أراد ألماني الجنسية الزواج في الأردن، فيبحث القاضي الأردني عن القانون الذي يحدد أهليته اللازمة وموانع ومراسم هذا الزواج، حيث يبحث عن القانون الواجب التطبيق سواء كان الأردني أم الألماني.

بينما في تنازع الاختصاص القضائي الدولي يتم البحث عن المحكمة المختصة بنظر العلاقة القانونية المشوبة بعنصر أجنبي ، فاذا أقام فرنسي الجنسية دعوى طلاق على زوجته الفرنسية في الأردن ، يبحث عن هل تختص المحاكم الأردنية بنظر هذه الدعوي أم المحاكم الفرنسية؟

اجتماع الاختصاص التشريعي والقضائي:

ورغم استقلال الاختصاص التشريعي عن الاختصاص القضائي الدولي وعدم وجود التلازم بينهما فقد يجتمعان أحيانا، كما لو كانت قاعدة الإسناد التي تعقد الاختصاص التشريعي لقانون دولة معينة في قضية مشوبة بعنصر أجنبي تعقد الاختصاص القضائي الدولي في نفس الوقت محاكم تلك الدولة من حيث الأساس، وهذا ما يتم إعماله بالنسبة لنظام الملكية العقارية، حيث يعطى الاختصاص القضائي الدولي في النزاع المتعلق بالعقار لمحكمة موقعه، كما أن العقار يخضع من جهة أخرى لقانون موقعه.

أو كما لو أبرم عقد بين شخصين في دولة معينة أتخذا فيها موطنهما المشترك ، فتختص محاكم تلك الدولة في نظر المنازعات الناتجة عن هذا العقد على أساس أنها محاكم مكان إبرام العقد ويختص قانونها بحكم النزاع على أساس أنه قانون موطنهما المشترك، و أحيانا قد يجسر أحد الاختصاصين الأخر، كما في التزام المحكمة التي ينعقد لها الاختصاص القضائي بتطبيق ما يقضي به النظام العام الوطني في دولتها على النزاع المشوب بعنصر أجنبي المعروض عليها، لأن قاضي الموضوع ملزم بمراعاة ما يقضي به النظام العام و الآداب في دولته عند النظر في قضية مشوبة بعنصر أجنبي و لو بعد تحديد القانون الواجب تطبيقه, فإذا كان القانون الأجنبي الواجب تطبيقه مخالف للنظام العام والآداب في دولة القاضي، يمتنع القاضي عن تطبيقه ويطبق بدلا منه قانونه الوطني.

فمثلا إذا أقام أجنبي دعوى نفقة في الأردن على أحد أقاربه وكان القانون الوطني لهذا الأجنبي لا يعترف بالنفقة بين الأقارب، يمكن للقاضي الأردني أن يحكم بالنفقة بين الأقارب بموجب القانون الأردني لأن هذه المسألة وإن كانت متعلقة بالأحوال الشخصية وخاضعة للقانون الشخصي، إلا أن عدم الحكم بالنفقة في القانون الأجنبي الواجب تطبيقه يتعارض مع النظام العام والآداب في الأردن، فالنظام العام في هذه القضية يمنع تطبيق القانون الأجنبي المختص ويعقد الاختصاص التشريعي فيها للقانون الأردني فضلا عن اختصاصها القضائي الدولي.

وأحيانا إذا تقرر تطبيق قانون أجنبي في قضية مشوبة بعنصر أجنبي، قد تعتبر محكمة تلك الدولة الأجنبية هي المختصة أيضا بنظر تلك القضية لأسباب فنية أو دينية لتطابق ذلك مع واقع الحال والمصلحة التي تحدد ضرورة اتحاد الاختصاصين معا، كما في الدول التي تطبق أحكام الدين، فتعتبر بعض المسائل القانونية المدنية، كالزواج وغيره خاضعة لأحكام الدين وتقوم الجهات الدينية بتعقيدها وحسم منازعاتها مباشرة، استنادا إلى القواعد الدينية.

 فمثلا في الإسلام تخضع الروابط العائلية لأحكام الشريعة الإسلامية ويقوم رجال الدين في بعض البلدان الإسلامية بتطبيقها مباشرة، كما في شمال الجزائر والسعودية وتونس ودول البلقان، أو مثلا يعتبر البت في الزواج موضوعيا وقضائيا من اختصاص الكنيسة الكاثوليكية، ففي هذه البلدان يوجد تلازم وثيق بين القانون الواجب تطبيقه والجهة المختصة بحسم نزاع مشوب بعنصر أجنبي متعلق بمثل هذه الروابط[3].

رابعا : موقف الدول من العلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي:

إن القانون الداخلي لكل دولة يختص بوضع الحلول المناسبة لمشكلة العلاقة بينه وبين القانون الدولي، فهي قضية خاصة بكل دولة، والدولة هي التي تحدد كيفية إدماج القانون الدولي في القانون الداخلي كالتطبيق التلقائي أو اتخاذ تدابير تشريعية أو تنفيذية، وهي التي تحدد المكانة التي يحتلها القانون الدولي أمام المحاكم الوطنية للدولة.

ففي إنجلترا يسير القضاء الإنجليزي على أن جميع قواعد القانون الدولي العرفي المعترف بها أو التي حازت موافقة إنجلترا تعتبر جزء من القانون الإنجليزي، أما المعاهدات الدولية فيجب أن يصدر تشريع من البرلمان يسمح بأن تكون جزء من القانون الداخلي.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية فإن قواعد العرف الدولي تعتبر جزء من القانون الداخلي، فجميع القواعد العرفية التي اعتمدتها الولايات المتحدة حتى وإن تعارضت مع قوانين سابقة للكونجرس تعلو على القوانين الداخلية، أما المعاهدات الدولية فتعتبر حسب الفقرة (2) من المادة (6) من الدستور الاتحادي الأمريكي بمثابة قانون أعلى للبلاد مثل الدستور حيث جاء فيها: (الدستور وجميع المعاهدات التي أبرمتها أو التي تبرمها الولايات المتحدة تعد القانون الأعلى للدولة ).

وفي فرنسا تقوم المحاكم الفرنسية بتطبيق قواعد العرف الدولي كجزء من القانون الداخلي، أما المعاهدات فبمقتضى نص (المادة 55) من الدستور الفرنسي لسنة 1958م فإن المعاهدات أو الاتفاقات المصدق أو الموافق عليها بشكل صحيح تتغلب منذ نشرها على القوانين الفرنسية.

وفي هولندا فإن القانون الدولي يسمو على جميع قواعد القانون الداخلي بما في ذلك الدستور الهولندي، فطبقا للتعديل الدستوري الذي أقر سنة 1963م يمكن للمعاهدة التي تعقدها هولندا أن تخالف الدستور، ويمتنع على المحاكم الهولندية أن تعلن عدم دستورية المعاهدة.

وفي ألمانيا وحسب (المادة 25) من دستور ألمانيا الاتحادية الصادر 1949م تعتبر القواعد العامة للقانون الدولي جزءا من القانون الاتحادي، وهي تسمو على القوانين الاتحادية وليس على الدستور الألماني وترتب لسكان الاتحاد حقوقا والتزامات مباشرة.

 خامسا : موقف القضاء الدولي من العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي:

لقد استقر القضاء الدولي على سمو القانون الدولي على قواعد القانون الداخلي في كثير من القضايا التي عرضت عليه ، ففي قضية – ألاباما – التي عرضت على محكمة تحكيم دولية منعقدة في جنيف، أصدرت هذه المحكمة حكما في 14/9/1872م أدانت فيه بريطانيا وألزمتها بالتعويض لحكومة الولايات المتحدة، و لم تأخذ المحكمة بالدفع الذي تقدمت به بريطانيا وهو خلو القانون الإنجليزي من أي نص يمنع الدولة المحايدة من السماح لمواطنيها بصنع السفن للدول المتحاربة، و قررت بأنه ليس سببا لإعفاء بريطانيا من التزاماتها الدولية بضرورة إتباع قواعد العرف الدولي الخاص بواجبات الدول المحايدة.

وفي قضية مونتيجو التي عرضت على محكمة تحكيم دولية، أصدرت هذه المحكمة حكما في 26/7/1875م أكدت فيه مسئولية الحكومة الفيدرالية الكولومبية دوليا عن الأعمال غير المشروعة للولايات المتحدة ورفض الدفع الذي تقدمت به الحكومة الفيدرالية باعتبار أن النقص هو في الدستور الكولومبي، واعتبرت أن النقص في الدستور لا يعفي الدولة من مسئولية إصدار القوانين التي يجب أن تكون مطابقة للمعاهدات، لأن المعاهدة فوق الدستور.

 وفي حكم المحكمة لمحكمة العدل الدولية الدائمة صادر سنة 1932م بخصوص معاملة بعض المواطنين البولونيين والأشخاص الأخرين الذين هم من أصل بولوني أو الذين يتكلمون لغة بولونية والذين يقيمون في أرض دانزج الحرة، ذكرت المحكمة أن الدولة لا يمكنها أن تحتج بنصوص دستورها لكي تتخلص من الالتزامات المفروضة عليها في مواجهة دولة أخرى بمقتضى قواعد القانون الدولي أو المعاهدات الدولية السارية.

و أكدت محكمة العدل الدولية في كثير من أحكامها سمو القانون الدولي ، ومن بين تلك الأحكام ما صدر في قضية المصائد بين النرويج و بريطانيا في 18/11/1951م ، وفي قضية نوتيبوم سنة 1955م وغيرها، و لقد دلت تطبيقات الدول على أنها تحاول دائما التوفيق بين القانونين وبذلك يندر أن يحصل تعارض أو تناقض بينهما لأن الدولة أو الدول هي التي تقوم بتشريع القوانين الداخلية والتي تقوم بنفس الوقت بالموافقة على الالتزام بقواعد القانون الدولي، فمثلا، إن القانون الدولي يثبت حقوق الإنسان ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م و بعد ذلك يأتي دور القوانين الداخلية لضمان هذه الحقوق في التشريعات الداخلية.

إعداد المحامي والباحث: أ/ عادل عثمان عشر عثمان.

[1] تنازع الاختصاص القضائي، أ/ البشير أوشير، د/ شهرزاد نوار 2016/2017،مركز البحوث /الجزائر جامعة العربي بن مهيدي ، كلية الحقوق والعلوم السياسية / قسم الحقوق ص 5—6.

[2] محاضرات في القانون الدولي العام، د/ منير إسماعيل 2015، مركز المداد للخدمات / جامعة النيلين، كلية القانون / السودان ص 8—13.

[3] القانون الدولي الخاص، غالب علي الداودي و حسن الهداوي، الجزء الأول ص 54—58.

Scroll to Top