أركان قواعد الإسناد

أركان قواعد الإسناد

قواعد الإسناد هي تلك القواعد التي تطبق على النزاعات التي يتخللها عنصر أجنبي، بحيث تتمثل وظيفتها في تحديد القانون الواجب التطبيق على هذا النزاع، وقواعد الإسناد هي بمثابة قواعد قانونية تتكون – مثلها مثل أي قاعدة قانونية – من عنصري الفرض والحكم، إلا أن قواعد الإسناد لها خصوصيتها فيما يتعلق بركن الفرض وهو ما سنتولى توضيحه في مقالنا الحالي:

التعريف بقواعد الإسناد:

أولاً: الفكرة المسندة:

ثانياً: ضابط الإسناد:

ثالثاً: القانون الواجب التطبيق:

التعريف بقواعد الإسناد:

قواعد الإسناد هي قواعد قانونية وطنية من صنع المشرع الوطني، تطبق في تلك الحالة التي يعرض فيها على القاضي الوطني نزاع يتخلله عنصر أجنبي، سواء تمثل هذا العنصر في أحد طرفي النزاع أو في مكان إبرام التعاقد أو في مكان تحقق الضرر أو في مكان حدوث الخطأ أو في مكان تنفيذ العقد.

ووجود عنصر أجنبي يتخلل النزاع لا يقتصر مفهومه على أن أحد طرفي النزاع يحمل جنسية أجنبية، حيث قد يكون كل من الطرفين وطنيين ومع ذلك تظهر الحاجة إلى قواعد الإسناد، وذلك في حالة وجود عنصر أجنبي أخر يتخلل النزاع.

ومن الجدير بالذكر أن قواعد الإسناد لا تهدف إلى وضع حد للنزاع، حيث إنها قواعد غير مباشرة، فهي لا تعطي حل لموضوع النزاع، ولكن يقتصر أثر تطبيقها على تعيين القانون الواجب التطبيق على النزاع، وهي قواعد تتسم بالحيادية أي أنها لا تفضل القانون الوطني على القانون الأجنبي، بل تتولى تعيين القانون الواجب التطبيق بصورة آلية وفقاً للقواعد التي رسمها المشرع الوطني.

وقواعد الإسناد كأي قاعدة قانونية تتكون من عنصري الفرض والحكم، إلا أن عنصر الفرض في قواعد الإسناد له خصوصيته، حيث إنه يتكون بدوره من عنصرين وهما الفكرة المسندة وضابط الإسناد، فإذا ما تم تحديد الفكرة المسندة وضابط الإسناد المكونين للركن الأول للقاعدة فإنه يتم تطبيق الركن الثاني وهو القانون الواجب التطبيق المتمثل في الحكم.

وفيما يلي سنتولى تبيان أركان قواعد الإسناد:

أولاً: الفكرة المسندة:

لا يمكن وضع الدعاوى والحقوق تحت حصر، فمنها ما هو مسمى ومنها ما هو غير مسمى، لذلك وتخفيفاً لوطأة تعذر تعداد الحقوق والدعاوى فقد تم اللجوء إلى ما يسمى بالفكرة المسندة والتي يتم من خلالها وضع تقسيمات للحقوق تمهيداً لإسنادها إلى القانون الواجب التطبيق.

فمثلاً كسب الملكية يُعد من قبيل الأفكار المسندة، بغض النظر عن كيفية الكسب سواء تم من خلال العقد أو الميراث أو الوصية أو الالتصاق أو الحيازة، فتلك الأسباب تدخل في فكرة مسندة واحدة والمتعلقة بكسب الملكية، وفي هذا الصدد مثلاً نجد أن (المادة 19) من القانون الأردني قد نصت على أن: (يسري على الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى قانون الموقع فيما يختص بالعقار ويسري بالنسبة إلى المنقول قانون الجهة التي يوجد فيها هذا المنقول وقت تحقق السبب الذي ترتب عليه كسب الحيازة أو الملكية أو الحقوق العينية الأخرى أو فقدها).

فالمشرع عادة ما يلجأ إلى جمع مختلف العلاقات القانونية وتصنيفها إلى طوائف كبيرة ومتجانسة تشترك مع بعضها في الطبيعة ثم يقضي بخضوعها لقاعدة إسناد واحدة، وعادة ما يجري تصنيف العلاقات إلى مسائل الأحوال الشخصية ومسائل الأموال والالتزامات التعاقدية ثم يتم إجراء تقسيمات داخلية مثل تقسيم الأحوال الشخصية إلى مسائل أهلية وآثار زواج وطلاق وتطليق وغيرها[1].

ويكون للقاضي دور جوهري سابق على اختيار قاعدة الإسناد التي تتولى بيان القانون الواجب التطبيق، ويتمثل هذا الدور في ضرورة تكييف وقائع الدعوى المطروحة أمامه ليحدد أي من الأفكار المسندة التي تدخل فيها تلك الوقائع، فيتعين على القاضي أن يحدد هل الوقائع المطروحة أمام تتعلق بآثار الزواج، أم الطلاق، أم الميراث، أم غيرها ليقوم بعد ذلك بإدخالها في الفكرة المسندة الخاصة بها.

وبعد إدخال الوقائع في الفكرة المسندة يأتي الركن الثاني لقواعد الإسناد والذي يتمثل في ضابط الإسناد:

ثانياً: ضابط الإسناد:

إن اتصال النزاع بعدة دول يُعد مبرر ومسوغ لتنازع تلك القوانين لانطباقها على هذا النزاع، فمثلاً إذا افترضنا أن هناك شخص أسباني أبرم عقد مع شخص أردني على شراء الأخير لوحة فنية من عمل الإسباني، وتم إبرام هذا العقد في فرنسا، فإذا رُفت دعوى على المشتري الأردني أمام المحاكم الأردنية فإن القاضي الأردني سيجد نفسه أمام ثلاث قوانين تتنازع لانطباقها على هذا النزاع والتي تتمثل في القانون الإسباني والقانون الفرنسي والقانون الأردني.

حيث إن انتماء البائع إلى الجنسية الإسبانية يرشح انطباق القانون الإسباني، في حين أن انتماء المشتري إلى الجنسية الأردنية يرشح انطبق القانون الأردني وإبرام العقد في فرنسا يرشح انطباق القانون الفرنسي.

وعندما يتولى المشرع تحديد ضابط الإسناد فإنه يبحث عن أكثر القوانين التي ترتبط بالنزاع والتي تكون أجدر على حكم العلاقة القانونية، دون محاباة لقانون على غيره، فتحديد ضابط الإسناد – إذن – يعتمد على استجلاء أكثر القوانين ارتباطاً بالنزاع المعروض على القاضي، ولكن الذي يتولى تحديد هذا الضابط هو المشرع وليس القاضي.

ولكن يثار التساؤل عن كيفية معرفة العنصر الذي يشكل عنصر الثقل والذي يعطي أولوية لقانون دون غيره من القوانين المتنازعة؟

الواقع أن علم القانون الدولي الخاص قد استقر على ما يلي:

1- عنصر الأطراف هو ضابط الإسناد في مجال الأحوال الشخصية:

استقر العمل على أن الأطراف في مسائل الأحوال الشخصية هم المكونين لعنصر الثقل في مختلف الموضوعات التي تتعلق بالأحوال الشخصية كالزواج، أو الطلاق، أو التطليق، أو الانفصال الجسماني ،أو الميراث، أو الولاية، أو الوصاية وغيرها من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية.

ففيما يتعلق بالزواج مثلاً نجد أن تحديد ضابط الإسناد يكون وفقاً لجنسية أطراف عقد الزواج أو موطن أياً منهما، بحيث يكون التركيز على طرفي العقد دون الاهتمام بمكان إبرامه، فنجد أن النظم اللاتينية تعتد بجنسية أحد الطرفين في حين تفضل النظم الأنجلوسكسونية الاختيار بحسب قانون الموطن.

ومن ثم يتبين أنه إذا كنا بصدد أحد الدول المنتمية إلى النظم اللاتينية فإن ضابط الإسناد في مسائل الأحوال الشخصية سيتحدد وفقاً لجنسية أحد أطراف العلاقة القانونية، أما إذا كنا بصدد نزاع خاص بالأحوال الشخصية في أحد البلدان التي تنتمي إلى النظم الأنجلوسكسونية فإن موطن أحد الأطراف هو الذي يمثل ضابط الإسناد.

فمثلاً نجد أن ضابط الإسناد في القانون الأردني فيما يتعلق بالشروط الموضوعية لعقد الزواج هو قانون كل من الزوجين، وهذا ما نصت على (المادة 13/1) من القانون المدني الأردني بقولها: (يرجع في الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين)، وهو ذات الحكم الذي اتبعه المشرع المصري في (المادة 12) من القانون المدني والتي نصت على أن: (يرجع في الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين).

2- عنصر المحل أو الموقع هو ضابط الإسناد في مجال الأموال:

غني عن البيان أن المال سواء أكان عقار أم منقول فإن مركز ثقله يتمثل في موقعه، لذلك تم الاستقرار على أن تخضع المعاملات التي ترد على الأموال – منقولة كان أم عقارية – إلى قانون بلد موقعها.

وبالتالي سنجد أن في المثال الذي سبق طرحه والمتعلق بشخص أسباني أبرم عقد مع شخص أردني على شراء الأخير لوحة فنية من عمل الإسباني، وتم إبرام هذا العقد في فرنسا، فإن القانون الأجدر على حكم تلك العلاقة هو القانون الفرنسي والذي كان يوجد فيه المنقول لحظة إبرام العقد على نقل ملكيته من الإسباني إلى الأردني، وهذا ما اتبعه المشرع الأردني بموجب (المادة 19) من القانون المدني، وكذلك ذهب في ذات الاتجاه المشرع المصري عندما نص في (المادة 18) من القانون المدني على أن: (يسري على الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى، قانون الموقع فيما يختص بالعقار، ويسري بالنسبة إلى المنقول، قانون الجهة التي يوجد فيها هذا المنقول وقت تحقق السبب الذي ترتب عليه كسب الحيازة أو الملكية أو الحقوق العينية الأخرى أو فقدها).

3- عنصر السبب أو الإرادة هو ضابط الإسناد في الالتزامات التعاقدية:

“من مقتضيات اعتبار عنصر السبب أو الإرادة بمثابة مركز الثقل في مسائل الالتزامات التعاقدية ضرورة البحث عن ضابط إسناد مستمد من هذا العنصر ثم إلصاق النزاع به، وقد استقر الرأي على أن هذا الضابط هو إرادة المتعاقدين ذاتها لأنها هي الأساس في مجال التعاقد”[2].

فلما كان العقد شريعة المتعاقدين، وأن العقد يخضع لمبدأ سلطان الإرادة فكان الأحرى أن يفسح المجال لإرادة المتعاقدين لاختيار القانون الواجب التطبيق على ما قد يطرأ بين أطراف العلاقة التعاقدية من منازعات.

ولكن تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من استقرار الأمر في معظم التشريعات على منح الإرادة سلطان اختيار القانون الواجب التطبيق في الالتزامات التي يتخللها عنصر أجنبي إلا أن ذلك لا يعني أن تلك الإرادة مطلقة، فإرادة الأطراف عاجزة عن كل تغيير في الاختصاص القانوني في كل ما يتعلق بالقواعد الآمرة كتلك التي تنظم شروط انعقاد العقد وكذلك لا تستطيع الإرادة تغيير القانون المختص بالنسبة لأسباب انتهاء العقد، لأن القانون الذي نشأ في ظله العقد هو الذي يُحدد أسباب انتهائه دون دخل للإرادة في ذلك[3].

إذن فالإرادة المشتركة لطرفي – أو أطراف – العلاقة التعاقدية هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية، هذا التحديد قد يكون من خلال الاتفاق في بند من بنود العقد أو في اتفاق مستقل، وفي حال تحديد قانون ما لحكم الالتزامات التعاقدية فإنه يسمى “بقانون الإرادة”.

وفي حال تخلف الاتفاق على تحديد قانون ما لحكم المنازعات الخاصة الناتجة عن التقاعس عن تنفيذ الالتزامات التعاقدية فإن المشرع يضع حلولاً احتياطية تنطبق في تلك الحالات، فمثلاً نجد أن (المادة 20) من القانون الأردني قد جعلت الاختصاص لقانون دولة الموطن المشترك إن وجد وإلا فيكون لقانون دولة إبرام العقد وذلك حال تخلف اتفاق الطرفين على تحديد القانون الواجب التطبيق، حيث نصت المادة المذكورة في فقرتها الأولى على أن: (يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين اذا اتحدا موطناً فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد . هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك)، وهذا ما اتبعه المشرع المصري بنصه في (المادة 19/1) من القانون المدني على أن: (يسري على الالتزامات التعاقدية، قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً، فإن اختلفا موطناً سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد. هذا ما لم يتفق المتعاقدان أو يتبيّن من الظروف أن قانوناً آخر هو الذي يُراد تطبيقه).

أنواع ضوابط الإسناد:

هناك نوعين رئيسيين لضوابط الإسناد وهما:

أ- ضابط الإسناد البسيط أو المفرد:

هذا الضابط يمثل الوضع العادي أو الغالب في مجال قواعد الإسناد، حيث إنه لا يتضمن سوى معيار واحد لتحديد القانون الواجب التطبيق، وذلك مثل ما ورد (بالمادة 14/1) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يسري قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت انعقاد الزواج على الآثار التي يرتبها عقد الزواج، بما في ذلك من أثر بالنسبة إلى المال).

ففي الحالة السابقة نجد أن هناك ضابط إسناد وحيد هو الذي سيحدد القانون الواجب التطبيق والمتمثل في قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت انعقاد الزواج.

ب- ضابط الإسناد المركب:

ينقسم ضابط الإسناد المركب إلى ثلاث صور تتمثل فيما يلي:

– ضابط الإسناد التوزيعي:

وذلك حين يرتبط موضوع النزاع بأكثر من دولة بروابط متساوية يصعب تحديد أهمية أياً منهم وترجيحها على الأخرى، فيكون الحل هنا هو التطبيق المشترك لتلك القوانين، وذلك مثل ما أوردته (المادة 13) من القانون الأردني بنصها على أن: (يرجع في الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين، أما من حيث الشكل فيعتبر الزواج ما بين أجنبيين أو ما بين أجنبي وأردني صحيحاً إذا عقد وفقا لأوضاع البلد الذي تم فيه أو إذا روعيت فيه الأوضاع التي قررها قانون كل من الزوجين).

ففي هذه الحالة سيطبق مثلاً على الشروط الموضوعية لصحة الزواج المبرم بين زوجين يحمل كل منهما جنسية مختلفة قانون كل منهما، فإذا تصورنا مثلاً أن قانون الزوج يتطلب ثلاث شروط لصحة الزواج في حين يتطلب قانون الزوجة شرطين لم ينص عليهما قانون الزوج فإنه يتطلب توافر الخمس شروط حتى يكون الزواج صحيح في هذه الحالة.

– ضابط الإسناد التخييري:

قد يرى المشرع في بعض الأحيان أن هناك عدد من القوانين أهلاً لحكم النزاع على الرغم من عدم تشابههم أو تشكيلهم لذات مركز الثقل للنزاع، ولكن تيسيراً على المتنازعين فإن المشرع يحدد لهم بعض القوانين التي تصلح لحكم النزاع، ومن أمثلة ضوابط الإسناد التخييرية ما ورد (بالمادة 21) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (تخضع العقود ما بين الأحياء في شكلها لقانون البلد الذي تمت فيه ويجوز أيضا أن تخضع للقانون الذي يسري على أحكامها الموضوعية كما يجوز أن تخضع لقانون موطن المتعاقدين أو قانونهما الوطني المشترك).

– ضابط الإسناد الاحتياطي:

نجد في تلك الحالة أن المشرع يضع ضوابط إسناد على سبيل التدرج، إن وجد الأول لا يعمل بالثاني وإن وجد الثاني لا يُعمل بالثالث، بحيث يكون الضابط الأول هو صاحب مركز الثقل الأقوى للنزاع بينما يقل الثاني عنه ويقل الثالث عنهما، ومن أمثلة قواعد الإسناد التي تضمنت ضابط إسناد احتياطي ما ورد (بالمادة 20/1) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد . هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك).

فيتضح إذن من مطالعة النص السابق أن المشرع الأردني قد وضع ضوابط إسناد تختلف في قوتها يجب أن يُعمل بأولها فإن تخلف يُعمل بالضابط الذي يليه، وتلك الضوابط هي من حيث قوتها:

  • قانون الإرادة.
  • قانون الموطن المشترك حال تخلف الأفراد على تحديد قانون يسري على النزاعات التي قد تحدث بينهم.
  • قانون بلد إبرام العقد حال اختلاف المتعاقدين في موطن كل منهم.

وجديراً بالذكر أن هذا الترتيب ملزم للقاضي الذي لا يجوز له أن يطبق قانون الموطن المشترك حال اتفاق الأطراف على قانون يسري على الالتزامات التعاقدية، وتكمن العلة القانونية وراء وضع قواعد إسناد احتياطية في تجنب حدوث فراغ قانوني مما يعيق عملية تحديد القانون الواجب التطبيق.

ثالثاً: القانون الواجب التطبيق:

تكمن مهمة قاعدة الإسناد في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع الذي يتخلله عنصر أجنبي، وهذا لا يتم إلا من خلال إدراج وقائع النزاع في فكرة مسندة توطئة لتحديد ضابط الإسناد وصولاً إلى تحديد القانون الواجب التطبيق.

ومن ثم يتضح أن تحديد القانون الواجب التطبيق لا يخضع للأهواء أو الاختيار بين أفضل القوانين المتنازعة، وإنما يتم تحديده بصورة آلية محايدة دون مفاضلة لقانون على آخر، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الأمر لا ينطبق على إطلاقه، لأن هناك بعض قواعد الإسناد التي لا تشير إلا إلى قانون معين ويرجع ذلك لأغراض معينة تختلف باختلاف الحالة المعروضة.

فمثلاً نجد أن القانون الواجب التطبيق على النزاعات العينية المتعلقة بالعقارات هو قانون بلد العقار دون وضع اعتبار لأي ضابط إسناد آخر، حيث لا يجوز للمتعاقدين – مثلاً – اختيار قانون آخر غير قانون بلد العقار، فبمطالعة قاعد الإسناد في مختلف التشريعات سنجد أنها تقييم استثناء مطلق على انطباق قانون بلد العقار على المنازعات العينية التي تتعلق بهذا العقار، فمثلاً نجد أن (المادة 20/2) من القانون المدني الأردني أوردت هذا الاستثناء بقولها: (على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شان هذا العقار)، فضلاً عن نص (المادة 19) والتي قررت أن: (يسري على الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى قانون الموقع فيما يختص بالعقار).

ويمكن أن نجد الحكمة من هذا الاستثناء المشترك بين مشرعي دول العالم كامنة في إعلاء فكرة سيادة دولة العقار والتي سترفض – حتماً – أن يطبق على عقار كائن في إقليمها قانون أجنبي، لذلك وحتى يتحقق الهدف المرجو من قواعد القانون الدولي الخاص والمتمثلة في وضع حل لتنازع القوانين جاء هذا الاستثناء بمنح قانون موقع العقار الاختصاص بالنزاعات التي تتعلق به.

وكذلك هناك حالات أخرى لا تشير فيها قواعد الإسناد إلا إلى قانون محدد، وذلك مثل ما ورد (بالمادة 15) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (في الأحوال المنصوص عليها في المادتين السابقتين إذا كان أحد الزوجين أردنيا وقت انعقاد الزواج، يسري القانون الأردني وحده فيما عدا شرط الأهلية للزواج)

والواقع أن في غير ذلك من الحالات والتي يتم فيها تحديد القانون الواجب التطبيق بصورة آلية ومحايدة فإن ذلك يؤدي إلى نتائج غاية في الأهمية تتمثل فيما يلي:

1- سيكون الحل الذي تم التوصل إليه مرضياً لمعظم الدول مما يضفي عليه قسطاً من الاحترام على المستوى الدولي مما يحقق حالة من التعايش المشترك بين النظم القانونية، ” فاتباع المنهج التحليلي  الذي يستند إلى المنطق العلمي هو الذي يفسر تشابه الكثير من حلول التنازع المقررة في الأنظمة القانونية الداخلية المختلفة على نحو دفع البعض إلى حد الاعتقاد بارتداد هذه الحلول المتشابهة إلى العرف الدولي بوصفه مصدراً لها”[4].

2- سيؤدي اختيار القانون وفقاً للصورة المبينة سالفاً إلى تمتع الأحكام القضائية بالفاعلية على المستوى الدولي، فلو تصورنا أن دولة أقامت محاباة لقانونها الداخلي على حساب قانون آخر أجنبي فإن الحكم الذي سيصدر من قاضي تلك الدولة سيكون هو والعدم سواء إذا تقرر تنفيذه خارج حدود إقليمها، أما اختيار القانون وفقاً لمنهج علمي قائم على التحليل المنطقي يؤدي إلى قبول النتيجة التي تم التوصل إليها على نطاق دولي واسع مما يتيح فرصة أكبر لتنفيذ الحكم الصادر عن القاضي المعروض عليه النزاع.

3- إن اختيار القانون الواجب التطبيق بصورة علمية استناداً إلى منهج تحليلي منطقي وكفالة تنفيذ الأحكام الصادرة المستندة إلى القانون المختار يؤدي إلى تدفق الأفراد خارج بلدانهم سعياً وراء إبرام الصفقات والعقود دون خشية من النزاعات التي قد تطرأ على أطراف العلاقة القانونية الأخرى إيماناً منهم بأن الحكم الذي سيحصلون عليه من أي دولة سيكون من الممكن تنفيذه مما يؤدي إلى تمكنهم من اقتضاء حقوقهم، وهذا الأمر – بلا شك – يعمل على تعزيز انسياب التجارة الدولية.

والجدير بالذكر أن قاعدة الإسناد لا تقف مهمتها عند حد اختيار القانون الواجب التطبيق حال وجود عنصر أجنبي متخلل للنزاع، بل أنها كذلك تحدد الوقت الذي يتم فيه إعمال ضابط الإسناد والذي يليه تحديد القانون الواجب التطبيق، فإذا كان هناك بعض ضوابط الإسناد التي تتسم بالثبات مثل قانون موقع العقار أو قانون بلد الإبرام، فإن هناك من الضوابط ما يسهل تغييره فيأتي دور قاعدة الإسناد في هذه الحالة لتحدد ما هو الوقت الذي يعتد به لبيان القانون الواجب التطبيق، فمثلاً نجد أن (المادة 14) من القانون المدني الأردني تقيم نموذجاً على تلك الحالة بنصها على أن: (يسري قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت انعقاد الزواج على الآثار التي يرتبها عقد الزواج، بما في ذلك من اثر بالنسبة إلى المال).

فلو تصورنا أن الزوج كان مصري الجنسية ثم تجنس بالجنسية الأمريكية مما أدى إلى فقدانه الجنسية المصرية فإن القانون الذي سيسري على هذا الزوج – حال نشوء نزاع أمام القاضي الأردني – سيكون هو القانون المصري على فرض أن الزوج كان مصرياً وقت إبرام الزواج.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] أنظر الدكتور/ عبد المنعم زمزم، الوسيط في القانون الدولي الخاص، 2015، دار الثقافة العربية، ص 65.

[2] الدكتور/ عبد المنعم زمزم، الوسيط في القانون الدولي الخاص، 2015، دار الثقافة العربية، ص69.

[3] أنظر الدكتور/ حسن الهداوي، تنازع القوانين، 1997، دار الثقافة والنشر والتوزيع، ص148.

[4] الأستاذ الدكتور هشام صادق، تنازع القوانين، ص 16 – المشار إليه لدى الدكتور/ عبد المنعم زمزم، الوسيط في القانون الدولي الخاص، 2015، دار الثقافة العربية، ص70.

error: حقوق الطبع محفوظة لشركة المحامي سامي العوض © Copy Right Protected