حفظ السلم والأمن الدولي 

حفظ السلم والأمن الدولي 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما خلفته من خراب ودمار، كان لابد من العمل والتعاون من جانب الدول علي تجنيب الأجيال المقبلة ويلات الحروب، فقد تولد اقتناع لدى الدول بضرورة الدخول في التنظيم الدولي، وذلك من خلال إنشاء منظمه عالميه يناط بها حفظ السلام العالمي، وبذلك تم إنشاء جهاز تنفيذي محدود العضوية يتولى مواجهة كل موقف أو نزاع من شأنه تهديد السلم والأمن الدولي، ورغبة في أن يكون العمل الذي تقوم به سريعا وفعالا، زود هذا الجهاز بصلاحيات واسعه في تقدير كل ما يهدد السلم الدولي أو حتي الإخلال به أو وقوع أي عمل عدواني.

 وجدير بالذكر أن نجاح مجلس الأمن في هذه المهمة وذلك عن طريق اتخاذ الإجراءات الرادعة وفق أحد المبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، أو وفق الفصل السابع من الميثاق في حق الدولة العضو المخالفة لالتزاماتها الدولية، ورغم ذلك نجد أن إسناد مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين لمجلس الأمن لم يكن في الحقيقية بالأمر السهل وذلك لكثره الاضطرابات الأمنية التي يشهدها العالم بالإضافة إلى تباين مصالح الدول.

أولا: الدور الرئيسي لمجلس الأمن الدولي:

ثانيا: إجراءات مجلس الأمن لحفظ السلم والأمن الدوليين :

ثالثاً: أبرز المعوقات والعراقيل التي تواجه مجلس الأمن الدولي في مباشرة مهامه:

رابعاً : حدود تطبيق مقترحات إصلاح مجلس الأمن:

أولا: الدور الرئيسي لمجلس الأمن الدولي:

في البداية يلجأ مجلس الأمن لأكثر من طريقة لتسوية النزاعات القائمة بين الدول وتتسم هذه الطرق بالسلمية وذلك لنشر السلم والأمن الدوليين، ومن هذه الطرق المفاوضات والتحكيم والتسوية القضائية، أو عن طريق اللجوء إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية والعديد من الآليات السلمية المعتمدة في هذا المجال.

وذلك قبل اللجوء إلى استخدام القوة في حل هذه النزاعات، وإجبار المتنازعين عن وضع حد لتلك النزاعات، حيث إن المجتمع الدولي اليوم وبسبب التقدم التقني الهائل أصبح يدرك خطورة الحروب والنزاعات وتأثيرها على حياتهم وممتلكاتهم.

1_ ضرورة إجراءات فض النزاعات:

ويلاحظ هنا أن هذه الإجراءات لابد منها، فهو إجراءات حتمية للحفاظ على عملية السلام والأمن الدولي فهو بالإضافة إلى ذلك فلمجلس الأمن الحق في إنهاء كل ما يهدد عملية السلام وإنهاء أي نزاع بين الدول والتدخل واستخدام القوة في حالة تعنت الدول ورفضها أي حلول سلميه لإنهاء النزاع، حيث أن استمرارية النزاعات له تبعات خطيره ومن الممكن أن تؤدي انتشار الجماعات الإرهابية والميلشيات المسلحة التي تقاتل لمصالح دول معينه، أو جماعات ، وفي هذه الحالة قد يتطور النزاع إلى درجه صعب معها إنهاء هذا النزاع بالطرق السلمية الممكنة، بل قد يصل الأمر إلى تدخل عدة أطراف في نزاع واحد، وأكبر دليل على ذلك ما حدث في (ليبيا )، وتصبح هناك احتماله كبيره لقيام حرب عالميه جديدة، وهذا الأمر يرفضه مجلس الأمن جملة وتفصيلا، ولهذا يسعى مجلس الأمن بشكل دؤوب إلى محاولة فض النزاعات بالطرق السلمية الممكنة ، ويحول ويمنع كل الأسباب التي من الممكن أن تتسبب في إشعال فتيل الحرب  ،وذلك مهما كانت التحديات  والصعوبات التي يواجهها.

2_ محدودية دور مجلس الأمن في فض النزاعات:

ولكننا نجد هنا رغم محاولات مجلس الأمن المستمرة في فض النزاع بين الدول إلا أن دور مجلس الأمن يُعد محدودا في فض النزاعات والمشاكل المتعلقة بالأمن التي تشهدها الساحة الدولية، فنجد أن هذه المسؤولية ليست بالأمر الهين، وذلك لعدة أسباب من ضمنها، كثرة النزاعات الدولية التي تنشب بين الحين والآخر، بالإضافة إلى انعدام الأدوات الفعالة التي تضمن الحل السلمي للنزعات المسلحة من جهة أخري، وجدير بالذكر أن مجلس الأمن كان يتشكل من أحد عشر عضواً، منهم  خمسة أعضاء دائمين، حيث تشمل العضوية الدائمة كلا من ( الولايات المتحدة الأمريكية – فرنسا – بريطانيا – روسيا – جمهورية الصين الشعبية )، أما بالنسبة للأعضاء غير الدائمين فيتم التداول علي هذه المقاعد بين أعضاء الأمم المتحدة مع إجراء انتخابات سنوية بين نصف الأعضاء الغير دائمين في وقت واحد لضمان التمثيل الجغرافي العادل بين الدول، ثم زيدت العضوية الغير دائمه من ستة أعضاء إلى عشرة أعضاء ليصبح العدد خمسة عشر عضواً بدلا من احدى عشر عضواً.

3_ اختصاصات مجلس الأمن:

وباعتبار أن مجلس الأمن الدولي هو أعلى هيئه ممثله للأمم المتحدة المنوط بها أساسا حفظ السلم والأمن الدولي، فقد تم وضع قواعد القانون الدولي الإنساني موضع التنفيذ، وفي هذا الصدد أكد مجلس الأمن الدولي على ضرورة احترام حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني، تعد جزءاً لا يتجزأ من النظام الأمني الذي وضع لتنظيم العالم .

بالإضافة إلى ذلك يوجد دوراً بالغ الأهمية لمجلس الأمن يضاف إلى الدور السابق المتعلق بحفظ السلم والأمن الدولي، والمتمثل في التسوية السلمية للمنازعات الدولية كما هو مشار في الفصل السادس من الميثاق.

ومما يختص به أيضا مجلس الأمن حسب ما جاء في (المادة 34) من الميثاق، أن يقوم المجلس بفض أي نزاع أو موقف قد يؤدي إلى إثاره أي نزاع بين الدول وذلك بهدف حفظ السلم والأمن الدولي ، كما يُفهم من المادة نفسها، أن أي تقصير من جانب مجلس الأمن قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن القومي للدول، بالإضافة إلى الآثار السلبية المترتبة على ذلك.

ومما تجدر الإشارة إليه أيضا بخصوص دور مجلس الأمن الدولي أنه لا يقتصر على مجرد دعوة الأطراف المتنازعة لتسوية نزاعتها بالطرق السلمية، بل خولت له (المادة 36) أيضا سلطة التدخل بين المتنازعين، على إثر ذلك يقدم توصياته في هذا النزاع.

 وجدير بالذكر أن هذه التوصيات تكون ملزمة للطرفين المتنازعين، وفي حالة مخالفة هذه التوصيات أو عدم العمل بها يحق لمجلس الأمن التدخل بشكل مباشر لإنهاء هذا النزاع حفاظاً على السلم والأمن الدولي.

بعد كل ما سبق يمكننا القول أن مجلس الأمن يسعى بشكل مستمر إلى حل النزاعات القائمة بين الدول لإدراكها التام بخطورة هذه المنازعات المسلحة وتداعيات الحروب وويلاتها فيحول ويمنع كل الأسباب التي قد تشعل فتيل حرب عالميه ثالثة، وذلك بالنظر إلى الخسائر الكارثية التي عاشها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، اذا أن قيام حرب عالميه ثالثة قد تكون تبعاتها أخطر من الحرب العالمية الأولي والثانية ، فيدعو دائما إلى حل النزاعات المسلحة بالطرق السلمية باستخدام كل الوسائل الممكنة لأن العالم قد ضاق ذرعاً من ويلات  الحروب والمنازعات المسلحة خلال السنوات والقرون الماضية.

ثانيا: إجراءات مجلس الأمن لحفظ السلم والأمن الدوليين :

1- فحص النزاع :

 يفحص مجلس الأمن كل نزاع بين دولتين وعليه أن يلاحظ ما يأتي :

 النزاع العسكري المسلح : وهو الصراع العسكري المسلح الذي يهدد السلم والأمن الدوليين، ويقصد بالنزاع المسلح استخدام القوة المسلحة البرية، أو الجوية، أو الصاروخية، أو غيرها من الأسلحة التي تستخدم في المنازعات المسلحة، وأشارت المادة ( 34 ) من الميثاق إلى أن مجلس الأمن يفحص كل نزاع أو حالة قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعا.

الموقف أو الحالة : جاء في (المادة 35 ) من ميثاق الأمم المتحدة – النص العربي – لكل عضو من الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن، أو الجمعية العامة إلى أي نزاع أو موقف من النوع المشار إليه في المادة الرابعة والثلاثين ( ميثاق الأمم المتحدة ، 1945 ) وعرب المصطلح الإنكليزي situation إلى الموقف، والأصح هو الحالة، وهناك من يرى أن الحالة أشد من الموقف.

2- التهديد باستخدام القوة المسلحة:

 يفحص مجلس الأمن إذا كان النزاع يهدد السلم والأمن الدوليين، ولم يعرف الميثاق الحالة التي تهدد السلم والأمن الدوليين، ويمكن أن تحدد بعض الحالات التي تهدد السلم والأمن الدوليين:

  • صدور بيان رسمي من دولة تهدد دولة أخرى بأنها ستقوم بضربها أو الهجوم عليها، ولا يعتد بأقوال الصحف والإذاعات، إلا إذا رافق ذلك عملا واقعيًا يقوم على التهديد.
  • حدوث تحركات للقوات المسلحة على نحو ينبئ عن وجود حالة توتر.
  • سحب السفراء أو البعثات الدبلوماسية من طرف أو طرفين وقطع العلاقات الاقتصادية والتجارية، مع ضرورة الإشارة إلى أن إنهاء العلاقات الدبلوماسية لا ينبئ عن وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين في شتى الأحوال.
  • تهيئة أجواء الحرب واتخاذ قرارات داخل الدول المتنازعة يستشف منها التهيؤ للحرب، أو أن تتخذ الإجراءات لتهيئة الصراع العسكري المسلح.
  • تقوم كل دولة بحشد قواتها على حدود الطرف الآخر أو بتوجيه رؤوس صواريخها نحو الطرف الأخر.

2- وسائل المنع:

في حالة تهديد دولة باستخدام القوة المسلحة أو نشوء نزاع عسكري بين دولتين، فإن على مجلس الأمن أن يتفحص هذا النزاع، فإذا ما وجد أنه نزاع محصور بين تلك الدولتين ولم يتسع نطاقه، فإن النزاع لا يهدد السلم والأمن الدوليين، ويكون حاله متروكة لتلك الدول، ولمجلس الأمن أن يتصرف وفق الفصل السادس، وذلك بأن يدعو الدول المتنازعة ويطلب منهم اختيار الطريقة الأفضل لتسوية نزاعها وذلك طبقا (للمادة  33 ) من ميثاق الأمم المتحدة، أو أن يوصي المجلس بما يراه مناسب من الوسائل لتسوية النزاع، أو يوصي بإحالة النزاع القانوني على محكمة العدل الدولية لتسوية النزاع طبقاً (للمادة 33) ميثاق الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من أن (المادة  36 ) تنص على وجوب إحالة النزاع القانوني على محكمة العدل الدولية، إلا أن ذلك لا يعني إلزام الدول المتنازعة بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، ذلك أن المادة المذكورة أشارت إلى وجوب إحالة النزاع على المحكمة عندما يقدم المجلس توصياته، أي أن المجلس غير ملزم بإصدار قرار يلزم الدول المتنازعة بإحالة نزاعها على المحكمة، وأن الدول المتنازعة غير ملزمة بإحالة النزاع على المحكمة، كما أن المحكمة لا تملك الولاية الإجبارية بالنظر في المنازعات الدولية بين الدول، طبقا (للمادة  36 ) من الميثاق.

3- وسائل القمع :

 يبدأ مجلس الأمن ممارسة سلطاته في هذا الشأن بتقرير ما إذا كان قد وقع تهديداً للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان[1]، وفي سبيل الحفاظ على استقرار السلم والأمن الوليين فإنه يشرع باتخاذ الإجراءات التالية: :

 أ – التدابير المؤقتة:

يتخذ مجلس الأمن تدابير مؤقتة لإزالة ما يهدد السلم والأمن الدوليين، ولم يحدد ميثاق الأمم المتحدة تلك التدابير ويعود تحديدها للمجلس نفسه، فقد اتخذ مجلس الأمن العديد من التدابير المؤقتة، ومن بين تلك التدابير إرسال قوات دولية تابعة للأمم المتحدة، لتكون فاصلة بين الطرفين، والطلب من الدول المتنازعة وضع منطقة منزوعة السلاح، أو الانسحاب إلى مناطق معينة .

ب- تدابير إرغام غير عسكرية:

من التدابير التي يستطيع مجلس الأمن أن يتخذها أن يطلب من الدول الأعضاء وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من الوسائل وقفة جزئية أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية وأية وسائل أخرى يرى المجلس ضرورة اتخاذها لحفظ السلم والأمن الدوليين.

ج- استخدام القوة المسلحة:

يلجأ مجلس الأمن الدولي إلى استخدام القوة المسلحة عندما تستنفذ وسائل المنع ولم يتوصل إلى تسوية النزاع بالوسائل السلمية وأن الوسائل غير الإجبارية لم تحقق النتائج المرجوة لحفظ السلم والأمن الدوليين، ويتم ذلك عن طريق القوات البرية والجوية والبحرية، التي توفرها الدول لمجلس الأمن، مع مراعاة ما يأتي:

– لا يستخدم مجلس الأمن القوة إلا في الحالات التي تهدد السلم والأمن الدولي، وعليه التأكد من أن النزاعات قد تؤدي إلى نشوء حرب عالمية جديدة  وفي هذه الحالة يجوز له استخدام القوه لإيقاف هذا النزاع بعد التأكد من أن الوسائل الودية لم تفيد في حل هذه الأزمة، وأنه اتخذ جميع الإجراءات المنصوص عليها في الفصل السادس من الميثاق .

– لا يجوز لأية دولة أخرى القيام بهذه المهمة، بل أن مجلس الأمن هو المسؤول فقط عن حل هذا النزاع.

– لابد أن يستخدم المجلس جميع وسائل الإرغام المنصوص عليها بالميثاق كقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها وذلك قبل أن يلجأ مجلس الأمن إلى القوة العسكرية مباشرة وذلك في حالة فشل هذه المحاولات.

– أن لا تتجاوز القوه العسكرية التي يستخدمها المجلس حدود إعادة السلم والأمن الدولي إلى نصابهما.

وجديراً بالذكر أن الواقع العملي أثبت غير ذلك، فرغم أنه لا يجوز لمجلس الأمن استخدام القوة إلا في حالات معينه وعند فشل الطرق السلمية كما ذكرنا سابقًا ، وإذا كانت نصوص ميثاق الأمم المتحدة واضحة في منح مجلس الأمن باستخدام القوة العسكرية من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين فإن التطبيق العملي جاء متناقض مع ذلك، حيث استخدم مجلس الأمن القوة ضد العراق من أجل حماية المصالح الأمريكية في الوطن العربي بصورة تتناقض وميثاق الأمم المتحدة.

ثالثاً: أبرز المعوقات والعراقيل التي تواجه مجلس الأمن الدولي في مباشرة مهامه:

رغم المكانة التي يحتلها مجلس الأمن الدولي على الساحة الدولية، ودوره في فض النزاعات المسلحة كما ذكرنا آنفاً، إلا أن هذه المهمة تواجها العديد من التحديات والعراقيل، مما يجعل دور مجلس الأمن الدولي محدود ومعقد في نفس الوقت.

وفيما يلي نورد بعض من هذه التحديات والعراقيل حتى يتسنى لنا فهم سبب تعثر مجلس الأمن الدولي في حل كثير من القضايا والنزاعات المعروضة عليها:

1- المعوقات السياسية:

يعد هذا النوع من المعوقات هو الأصل، فمتى تم التعامل مع القضايا بازدواجيه المعايير وإخضاعها للمصالح الخاصة، فمن الطبيعي أن نجد الهيئات والمؤسسات أياً كان نشاطها لا تؤدي دورها علي أكمل وجه، بل قد تجدها تقع في كثير من التناقضات لا نهاية لها وهذا ما يلاحظ على مجلس الأمن.

 وبالإضافة إلى ما تقدم نجد أن هناك سببا آخر يعيق مجلس الأمن عن أداء وظيفته المنوط بها في تحقيق الأمن والسلم الدولي ألا وهي (جمود المراكز غير الدائمة) في مجلس الأمن، وجعلها غير قابله للزيادة، حيث نجد أن هذه المشكلة قد تؤثر على مصداقية قرارات المجلس من جهة والتي يلاحظ عليها أنها خاضعه في أغلب الأحيان لمنطق التسيس، وفاعلية المجلس في حل النزاعات من جهة أخرى التي تعوق المجلس عن أداء وظيفته باعتباره هيئه سياسية معنيه بصيانة السلام والأمن الدولي.

بالإضافة إلى هذا يوجد سبب آخر يُعد من المعوقات السياسية متمثل في تقسيم العضوية داخل المجلس إلى عضوية دائمة وعضوية غير دائمة، يتم التناوب عليها بين العديد من الدول مما يجعل من هذه الهيئة أن تكون خاضعه لتأثيرات وهيمنه الأعضاء الدائمين في المجلس.

وبذلك ولهذه الأسباب لا يتوقع من مجلس الأمن أن يقوم بدوره على أكمل وجه، فلا يتوقع أن يكون حيادي في فض النزاعات الدولية دون الانحياز لطرف على حساب الطرف الآخر، مما يعد دليلُا هاما على ازدواجية المعايير نتيجة هيمنة الأعضاء الدائمين والتحكم في قراراته بفضل “حق الفيتو ” الذي يتمتع به الأعضاء الدائمين .

2- المعوقات المتعلقة بطبيعة تكوين المجلس:

من أبرز المعوقات التي تواجه مجلس الأمن الدولي، تلك المتعلقة بتكوين مجلس الأمن من حيث طبيعة العضوية في المجلس القائم على أساس التمييز والتفرقة بين الدول دائمة العضوية والدول غير دائمة العضوية مما يتعارض مع قواعد القانون الدولي، فالعضوية الدائمة التي أقرها مجلس الأمن للخمس دول التي ذكرناها أنفاً في حين أن العضوية غير الدائمة المتمثلة في عشرة أعضاء آخرين من الأمم المتحدة يتم انتخابهم من قبل الجمعية العامة.

فالتمييز بين الدول العظمى والإقرار لها بصفة العضوية الدائمة وبين دول أخرى ذات عضوية مؤقته كان من الأسباب الرئيسية التي تسببت في انقسام المجتمع الدولي إلى كتلتين متضادتين والذي نجم عنه نشوء ما يسمى ” بالحرب الباردة “، وذلك بسبب تعارض مصالح هاتين الكتلتين، ونظراً لهذه المخاطر الناتجة عن هذه العضوية تجددت المطالب الداعية إلى إعادة تنظيم مجلس الأمن الدولي، وذلك بوضع معايير موضوعية منطقية يمكن تطبيقها بصورة آليه للحد من هذا التمييز بين الدول .

3- المعوقات المتعلقة بنظام التصويت داخل مجلس الأمن الدولي:

إن آلية التصويت التي جاءت بها (المادة 27) من ميثاق الأمم المتحدة، يتولد عنها بعض المعوقات التي تؤثر على دور المجلس في تدويل النزاعات وتسويتها، ولعل من أهم وأبرز هذه المعوقات التي تؤثر علي دور المجلس والتي تتمثل في ( حق الفيتو ) “حق الاعتراض” ، وبسبب هذا الحق يفقد مجلس الأمن أهمية وجوده والمتمثلة في حفظ وصيانة السلم والأمن الدولي حيث أن هذا الحق يؤدي إلى تعطيل أي حل لأي مشكلة سياسية أو أمنية للدول الأخرى وخاصة الدول الضعيفة، ويحول الدول الأخرى الغير دائمة العضوية إلى مجرد شهود في التعامل مع قضايا العالم، ويجعل الحلول المطروحة النابعة من الجدل الدائم بين دول المجلس جهداً ضائعاَ لا طائل منه ومن ثم يتبين لنا أن عجز مجلس الأمن في كثير من الأوقات علي تحقيق السلم والأمن الدولي أحد أهم انشغالات واهتمامات ” هيئة الأمم المتحدة ” منذ نشأتها .

رابعاً : حدود تطبيق مقترحات إصلاح مجلس الأمن:

 في البداية يمكننا القول إن عملية إصلاح المجلس يعتريها بعض التحديات والصعوبات، فنجد أن مسألة إصلاح مجلس الأمن الدولي مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ أكثر من عقد ، حيث إن هذه المسألة باتت ضرورية لإضفاء طابع الشرعية على أعمال المجلس وذلك حسب آراء الكثير من السياسيين والخبراء القانونيين، إلا إننا نجد رغم ذلك انقسام الآراء بين مؤيد ومعارض حول عملية إصلاح المجلس.

وجدير بالذكر أن هيئة الأمم المتحدة قد قامت منذ نشأتها بحوالة إصلاح واحده لمجلس الأمن وكان ذلك في عام (1965) ، ويتمثل هذا الإصلاح في زيادة عدد الأعضاء الغير دائمين في مجلس الأمن من ستة أعضاء إلى عشرة أعضاء، فيما ظل عدد الأعضاء الدائمين خمسة أعضاء، وبذلك يتآلف مجلس الأمن من خمسة عشر دولة عضو، منها خمسة دول فقط دائمه العضوية تتمتع بحق (الفيتو )، ولا شك أن إصلاحا واحداَ فقط تم اعتماده وذلك منذ تأسيسه يدل على أن مجلس الأمن مكبل بعدد من القيود حالت دون تكملة الإصلاحات المرجوة والمنشودة من عقود من الزمن.

ونوضح بعد ذلك بعض النقاط الأساسية التي دار حولها النقاش بخصوص إصلاح مجلس الأمن:

1- إخضاع مجلس الأمن للرقابة :

وهذه من المسائل التي نوقشت بخصوص إصلاح مجلس الأمن وتفعيل دوره ، وذلك من خلال فرض الرقابة على الأعمال والقرارات الخاصة بالمجلس عن طريق بعض الهيئات القضائية المختصة أو هيئات مستقله ، مثلا ( محكمة العدل الدولية )، فهي من الهيئات التي تم اقتراحها لممارسة دور الرقابة على مجلس الأمن ، وبخصوص هذا الشأن انقسم الفقهاء إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول : يرى هذا الاتجاه أن قرار المجلس الأمني ذو طابع إلزامي، حتى لو تعارضت مع قواعد القانون الدولي ، وهي بذلك سوف تعرقل المجلس عن القيام بدوره المنوط به في تحقيق الأمن والسلم ومن أنصار هذا الاتجاه ( دلاس – والقاضي أوردا ) .

الاتجاه الثاني : بعكس الاتجاه الأول يرى أنصار هذا الاتجاه أن محكمة العدل الدولية ، مؤهله للقيام بهذا الدور الرقابي ، ومن الضروري إخضاع قرارات مجلس الأمن لرقابة محكمة العدل الدولية ، ونادى أنصار هذا المبدأ ومنهم (توماس فرانك – والقاضي أحمد القشيري ) ، بأن تتولي المحكمة سلطة إلغاء القرارات المخالفة للميثاق الصادرة عن مجلس الأمن .

ونجد هنا أنه إذا تحقق فعلا استحداث نظام الرقابة لمجلس الأمن الدولي بعيداً عن هيمنة وسيطرة الدول الدائمة والمستحوذة على ( حق الفيتو ) وخاصة ” الولايات المتحدة الأمريكية “، فقد يكون ذلك مهما وفعالا للغاية لتفعيل دور مجلس الأمن الدولي الذي ظل لسنوات يتخبط في الفشل نتيجة لغياب الرقابة على قراراته وأعماله .

2- تعديل آليات التصويت في مجلس الأمن الدولي:

وهي من أهم المقترحات المقدمة بشأن إصلاح مجلس الأمن الدولي، حيث إنها من أهم الأسباب التي أدت إلى فشل مجلس الأمن وتعثر مساعيه إلى فض النزاعات الدولية ونشر السلم والأمن الدوليين، وكما ذكرنا سابقاً أن حق الفيتو مقرر فقط لخمسة دول أعضاء وقد مكن هذا الحق الدول الخمسة من السيطرة الكلية على مجلس الأمن، ولقد تعددت الآراء بخصوص تعديل هذا الحق ويمكن حصرها في ثلاث اتجاهات كالآتي:

الاتجاه الأول: يرى مؤيدي هذا الاتجاه ضرورة إلغاؤه كلياً لتفعيل دور المجلس في تحقيق الأمن والسلم.

الاتجاه الثاني: يرى ضرورة الإبقاء على هذا الحق للأعضاء الدائمين فقط وعدم توسيع هذا الحق للأعضاء الآخرين.

الاتجاه الثالث: فيرى ضرورة الإبقاء على ” حق الفيتو ” ، ولكن مع تقييد حق استخدامه وتعديل الشروط اللازمة والضرورية لتفعيله .

وباستقراء هذه الاتجاهات الثلاث ، نجد أنه من الصعب الاتفاق على موقف جماعي واحد بخصوص كيفية تعديل حق الفيتو، وهذا ما يرجح من فرضية بقاء حق الفيتو على حاله كما هو الآن بهيمنة الدول الكبرى على مجلس الأمن الدولي ومجريات الحياة السياسية على المستوى الدولي.

3- توسيع العضوية في مجلس الأمن :

لقد حظيت هذه المسألة باهتمامات واسعة من طرف العديد من الدول، حيث تنادي لضرورة التمثيل العادل في مجلس الأمن وزيادة أعضاؤه، ورغم مناداة العديد من الدول بضرورة توسيع العضوية في مجلس الأمن إلا أن الأمر يكتنفه العديد من التحديات خاصة إذا ما تعلق الأمر بالدول التي تستحوذ على العضوية الدائمة في المجلس، ولا تزال هذه المشكلة قائمه حتى الآن.

ويمكننا أن نرى من خلال ما سبق أن آخر عملية إصلاح داخل مجلس الأمن ستظل هي الأصعب والأكثر تعقيداً، وهذا يعزز من فرضية أن يبقى دور مجلس الأمن الدولي في حل النزاعات الدولية ونشر السلم والأمن الدولي محدود وأقل فاعليه.

إعداد/ بسمه باسم.

[1] الأستاذ الدكتور/ إبراهيم خليفة، قانون التنظيم الدولي، دار المطبوعات الجامعية، 2019، ص376.

Scroll to Top