النظام القانوني للمياه العذبة العابرة للحدود

النظام القانوني للمياه العذبة العابرة للحدود

الماء هو الحياة، هو الأساس الذي يستند عليه المجتمعات والبيئة الطبيعية، فلا بديل عن الماء وإن وجد له بديل، وذلك على عكس باقي المصادر الطبيعية الأخرى، ومع ذلك تعاني دول كثيره من ندرة المياه، وقد يؤدي ذلك إلى فتح أبواب الصراع بين الدول بسبب زيادة الطلب المستقبلي على المياه، ومن المتوقع أن الضغوط التي تتعرض لها موارد المياه بالإضافة إلى تغيير المناخ سوف يتسبب ذلك في تضخم الاختلافات الإقليمية في العالم.

وحديثنا في هذا المقال عن المياه العذبة العابرة للحدود والتي تربط بين سكان البلدان المختلفة، فضلا عن أنها تمثل مورداً لملايين الناس، حيث تغطي أحواض الأنهار العابرة للحدود أكثر من 40% من مساحة اليابسة على سطح الأرض، وجدير بالذكر أن الاستخدام المنصف والمعقول للمياه العابرة للحدود يمثل تحديا كبيرا للأمن والسلم العالمي.

بعد ذلك ينبغي لنا هنا أن نقوم بتقسيم الأنهار والبحيرات وخزانات المياه الجوفية إلى قسمين، (أولهما ) ما كان داخل حدود دوله بكاملها، (وثانيهما ) ما كان بين دولتين وأكثر وهو ما يطلق عليه” المياه العابرة للحدود “، وهذا هو صلب الموضوع، وما سنتناوله في مقالنا على النحو التالي.

أولا : ماهية ” المياه العابرة للحدود ” ما هي أهميتها ؟

ثانياً: الصراع والتعاون حول المياه العابرة للحدود:

ثالثاَ : القانون الدولي للمياه والتعاون بشأن المياه الجارية للحدود:

رابعا : دعائم التعاون في مجال المياه العابرة للحدود :

خامسا: إسهام منظومة الأمم المتحدة في التعاون بشأن المياه العابرة للحدود:

أولا : ماهية ” المياه العابرة للحدود ” وما هي أهميتها ؟

يشير مصطلح “المياه العابرة للحدود” إلى الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، التي تمر بها الحدود السياسية لدولتين أو أكثر، حيث إنها لا تنحصر في الإطار السيادي لدولة واحدة.

وبهذا التعريف نستطيع أن نتحدث بشيء من التوضيح حتى يتسنى لنا فهم أعمق لهذا المصطلح وذلك عن كلا من:

  • الأنهار العابرة للحدود .
  • المياه البحرية العابرة للحدود .
  • المياه الجوفية العابرة للحدود.

1- الأنهار العابرة للحدود:

يعيش ما يقرب من 40% من سكان العالم حول أحواض الأنهار والبحيرات التي تضم اثنين أو أكثر من البلدان، والأهم من ذلك أن أكثر من 90% من سكان العالم يعيشون حول تلك الأحواض، وتغطي ما يقرب من 263 بحيرة ونهر أي ما يقرب من نصف مساحة اليابسة على سطح الأرض، بنسبة 60% من تدفق المياه العذبة في العالم في 145 دوله، منها 30 دوله فقط تقع الأنهار داخلها تماما ([1]).

2- المياه البحرية العابرة للحدود:

تدخل البحيرات العذبة العابرة للحدود في نطاق الاتفاقيات الدولية للأنهار العابرة للحدود، ونجد هنا أن هناك العديد من الدول التي وقعت اتفاقيات ثنائية للبحيرات، ومن أشهر هذه الاتفاقيات، بل أشهرها على الإطلاق اتفاقية (مياه البحيرات العظمى ) في أمريكا الشمالية لعام 1978.

3- المياه الجوفية العابرة للحدود :

إن طبقات المياه الجوفية تعد من أهم المصادر للمياه العذبة في العديد من مناطق العالم، وبالأخص في ظل الظروف المناخية الجافة وشبة الجافة، والجدير بالذكر أن استغلال موارد المياه الجافة لابد أن يستند على المعرفة العلمية، ومعلومات موثوقة، بالإضافة إلى تجنب النزاعات التي قد تكون محتملة الحدوث بين الدول المتجاورة.

وبعد أن انتهينا من تعريف مصطلح ” المياه العابرة للحدود ” من المهم أن نشير الى أهمية المياه العابرة للحدود وذلك لعدة أسباب نذكرها كالتالي:

سوف تزداد تكلفة المشاريع الجديدة بين الدول في المستقبل، فعلى سبيل المثال،  تشير تكلفة المتر المكعب من المياه للجيل القادم من مشاريع إمدادات المياه المحلية بدعم من البنك الدولي أنها غالبا ما ستكون 2-3 أضعاف التكلفة من الجيل الحالي.

إن تزايد احتياجات المياه سوف يسبب ضغطاً إضافياً على المياه المتاحة للاستخدام التقليدي، وفي هذه الحالة لابد من تحصيص المياه بين الدول، تجنباً لأي صراعات من الممكن أن تنشأ.

وق بنيت سدود وقناطر قد تكون قريبه جداً من الحدود بين البلدين على الأنهار الرئيسية العابرة للحدود، أو على روافده الرئيسية، ونجد أن ذلك من الممكن أن يؤثر على تدفق المياه في دول المصب، ومن الجدير بالذكر أن هناك اتفاق قد تم توقيعه في إبريل لعام 1995″ بشأن ” نهر الميكونج “ بين ( كمبوديا – وتايلاند – ولاوس – وفيتنام )  وذلك من أجل التعاون على التنمية المستدامة لنهر الميكونج وذلك تحت رعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ثانياً: الصراع والتعاون حول المياه العابرة للحدود:

هناك أسباب عديدة تؤدي إلى تنفيذ اتفاقيات التعاون والتكامل وذلك في مجال المياه، ومنها: التنمية الاجتماعية والاقتصادية وذلك من خلال التوفيق بين القطاعات المختلفة، والتنمية المستدامة من خلال إدارة الموارد بالإضافة إلى المعابر الحدودية التي تساعد في تلافي الآثار السلبية، زيادةً على ذلك يمكن حل المصالح المتضاربة من خلال الأطر القانونية والسياسية وخفض التكاليف والتخطيط المشترك وتقاسم المنافع.

جدير بالذكر أنه يوجد حالات من التعاون دون توقيع اتفاقات مشتركه ونذكر منها على سبيل المثال: أنه يمتد القطاع الصناعي مع مراعاة الحد من الملوثات الناشئة نتيجة هذا الامتداد حول نهر الراين رغم عدم وجود أي اتفاقات رسمية.

ويمكننا أن نحدد مستويات الصراع والتعاون بين الدول من خلال (مصفوفة كرايج )، حيث إن المؤشرات تبين ارتفاع الصراع مستقبلاً مع بروز علاقات غير مستقرة، وعلى العكس من ذلك نجد أن معدلات التعاون تكون في حالة استقرار، ويمكننا أن نذكر بعض الأمثلة للتوضيح: فنجد أن أعلى درجات التعاون تظهر من خلال توسيع مجالات التعاون الاقتصادية والصناعية والعسكرية والتكنولوجية بالإضافة إلى الدعم الاستراتيجي، بينما نجد أعلى درجات الصراع قد تظهر لنا من خلال “إعلان رسمي للحرب بسبب المياه”.

1- اتفاقيات المياه العابرة للحدود في إفريقيا:

أفريقيا هي أرض المياه العابرة للحدود، فإن كل البلدان الأفريقية تشترك في أحواض أنهار عابره للحدود أو خزانات مياه جوفية.

ولكننا نجد عدم القدرة في توظيف أداه حيوية لتحسين وتطوير الوضع المائي للقاره في ظل غياب قاعدة بيانات وعدم المعرفة حيث يحد من قدرة صناع القرار في الحاضر والمستقبل، ومع ذلك نجد منذ أكثر من 140 عاماً العديد من المعاهدات والاتفاقات والبروتكولات، وجديرًا بالذكر أنه في الفترة الاستعمارية لأفريقيا قد تم توقيع هذه الاتفاقات، حيث إنه في هذه الحقبة كانت وسيلة النقل الرئيسية تتمثل في الأنهار، بل كانت كذلك مصدرا لمصايد الأسماك.

2- إدارة حوض نهر النيل:

يعد نهر النيل ثالث أنهار العالم من حيث المساحة بعد كل من الأمازون والكونغو، حيث تقدر مساحته بنحو 2,9 مليون كم مربع، أي ما يعادل 10 % من مساحة قارة أفريقيا، بالإضافة إلى ذلك يمتد حوض نهر النيل في الركن الشمالي من قارة أفريقيا .

وإذا أردنا أن نرتب دول حوض النيل على أساس اعتمادها على نهر النيل، سوف تأتي مصر في المقدمة، ثم السودان وتليها أوغندا، أما بالنسبة لباقي الدول فاعتمادها على النهر يكون محدود .

ويصل إلى مجرى نهر النيل الرئيسي ما يقدر بنحو 80 % من مياهه من الهضبة الأثيوبية، فضلا عما يقدر بنحو 20 % من هضبة البحيرات الاستوائية، وجدير بالذكر أنه قد تم اقتراح بناء ( قناة جو نجلي ) وذلك لتقليل خسائر التبخر، ولكن بسبب الحرب التي اندلعت في جنوب السودان لم تتم وتوقف العمل في القناة.

أ_ بعض الاتفاقات الحاكمة لمياه النهر النيل:

هناك العديد من الاتفاقيات التي وقعت على مر التاريخ والتي كان الهدف منها تنظيم الانتفاع بمياه النيل، نذكر بعض منها للتوضيح:

 اتفاقية أديس أبابا 1902:

وقعت هذه الاتفاقية بين كل من بريطانيا وإثيوبيا، وعهد فيها إمبراطور أثيوبيا ” منليك الثاني “، بعدم إقامة أي منشآت على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو نهر السوباط التي من شأنها أن تعترض سريان نهر النيل، إلا بموافقة كلا من الحكومة البريطانية والحكومة السودانية.

اتفاقية لندن 1925:

وقعت هذه الاتفاقية بين بريطانيا وذلك بالنيابة عن تنزانيا، وبين بلجيكا نيابة عن رواندا وبروندي، حيث تتعلق باستخدام كلا الدولتين لنهر كاجيرا.

اتفاقية 1953:

وقعت هذه الاتفاقية بين مصر وبريطانيا نيابة عن أوغندا، بخصوص إنشاء خزان أوين عند مخرج بحيرة فيكتوريا، وفي تلك الاتفاقية تعهدت بريطانيا نيابة عن أوغندا، بأن إنشاء محطة كهرباء وتشغيلها لن يتسبب في خفض كمية المياه التي تصل لمصر أو تخفيض منسوبها بما يسبب إضرار بمصلحة مصر.

ثالثاَ : القانون الدولي للمياه والتعاون بشأن المياه الجارية للحدود:

يتكون القانون الدولي للمياه من مجموعة مبادئ ومعايير ضمن القانون الدولي والتي توفر أدوات عملية للدول المشاطئة لتحديد الحلول المفيدة للجميع، يعكس هذا ممارسات الدول ويهدف إلى تيسير النقاش والتعاون بين الدول، وتوضح المبادئ التالية من اتفاقية الأمم المتحدة حول المجاري المائية 1997 الطبيعة الخاصة بالقانون الدولي للمياه ([2]):

هناك مبدآن أساسيان يعبران عن مفهوم التشارك بالمياه ألا وهما: مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمجري المائي، والمبدأ الثاني المتمثل في عدم التسبب في أضرار جسيمة، ( يوجد هذان المبدآن في المادتين 5 ، 7 )، ونجد أن هذين المبدأين يدعمان بعضهم البعض مع مراعاة أنه يجب على صانعي القرار في الدول التي بها مجري مائي أن يحرصوا عند أخذ هذا القرار وأن يفكروا جيدا بالنتائج المترتبة على ذلك وأثره على بعض الدول التي يمر بها المجرى المائي.

أما بالنسبة للركن الثاني وهو التزام الدول المشاطئه بالتعاون مع الأخذ في الاعتبار العوامل الجغرافية والمناخية والبيئية بالإضافة إلى الخريطة المائية والهيدرولوجية، وجدير بالذكر أنه يمكن استخدام وسائل معينة تتمثل في الآليات والهيئات المشتركة.

فطبقا (للمادة 9) لابد من الاهتمام بدعم وتعزيز آليات تبادل المعلومات، فضلاً عن أنه يجب تسوية النزاعات بالطرق السلمية، بل تجنبها طبقا (للمادة 33) وذلك من خلال الوسائل المعتادة لتسوية النزاعات، بالإضافة إلى إنشاء لجنة تقصي الحقوق وذلك بناء على طلب أحد الأطراف.

رابعا : دعائم التعاون في مجال المياه العابرة للحدود :

تعتبر الإرادة السياسية والتزام الحكومات شرطين أساسين للنجاح في إدارة المياه العابرة للحدود، حيث إن تحقيق التعاون العابر للحدود هو دائما ما تكون رحلة طويله ومعقدة، ولا يوجد طريق واحد ولا حل عالمي واحد يمكن الاعتماد عليه، بل على العكس من ذلك يوجد عدة طرق يمكن إتباعها، ولكن يجب مراعاة أن أية ترتيبات يجب أن تكون مصممة حتى تتناسب مع الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وليس ذلك فقط، بل يجب أن تكون سياسة الموارد المائية منسقة تماما مع السياسات القطاعية والموارد الطبيعية الأخرى.

وسنذكر بعد ذلك، سبعة حلول تكون عادة ضرورية من أجل تعاون مستدام طويل الأجل وموثوق به عابر للحدود وهم :

1- الصكوك القانونية :

لابد من وجود إطار قانوني سليم، حيث يعد ذلك أمراً ضرورياً وأساسياً من أجل تحقيق تعاون مستقر ومستديم بل أيضا موثوق به، فنذكر مثلا على الصعيد العالمي، الاتفاقية المتعلقة بقانون استخدام المجاري المائية الدولية لعام 1997 وذلك في الأغراض غير الملاحية، حيت تعد تلك الاتفاقية خطوة مهمة إلى الأمام، رغم أنها لم تدخل بعد حيز النفاذ ولكن الجمعية العامة قد اعتمدت هذه الاتفاقية بالفعل، ونجد أن المبادئ الأساسية التي تمثل هذه الاتفاقية تشكل بالفعل جزءاً أساسياً من القانون العرفي الدولي، وتتمثل هذه المبادئ تحديداً في الاستخدام المنصف والمعقول وقاعدة عدم الضرر.

وجديرًا بالذكر أنه كان من الممكن إبرام عدد من الاتفاقات والمعاهدات بشأن استخدام وحماية وتنمية المجاري المائية العابرة للحدود خاصة بعد اعتراف المجتمع الدولي بأهمية الأطر القانونية والثنائية والإقليمية وكذلك الأطر متعددة الأطراف، ونذكر من هذه المعاهدات والاتفاقات، معاهدة نهر السند سنة 1960، ومعاهدتي ماها كالي والغانج لعام 1996، واتفاقية توزيع مياه باكستان لعام 1991، واتفاق نوعية المياه للبحيرات الكبرى لعام 1978، كل ذلك يعاد على توفير إطار داعم مهم من أجل تحقيق التعاون.

وكذلك فإنه رغم انتشار الاتفاقات المتعلقة بإدارة المياه العابرة للحدود إلا أنها في بعض الأحيان تكون غير فعالة، فلا يزال هناك العديد من المجاري المائية، التي نجدها تفتقر إلى الأطر القانونية بالشكل الكافي لتحقيق التعاون، ناهيك عن المكامن المائية والتي تفتقر أيضا إلى أي نوع من أنواع أطر الإدارة التعاونية.

وبالإضافة إلى ذلك نجد أن ضعف قدرات الدول على تنفيذ الاتفاقات فضلا عن القصور الموجود في الاتفاقات نفسها المتمثلة في الافتقار إلى آليات التنفيذ، وعدم كفاية تكامل بعض الجوانب مثل البيئة، ومحدودية النطاقات القطاعية لهذه الاتفاقات، كل ذلك كان نتيجة طبيعية للمشاكل الموجودة على الصعيدين الوطني والمحلي.

2- الهياكل المؤسسية وتنمية القدرات :

تعد الهياكل المؤسسية على كل من الصعيد الوطني والعابر للحدود شرطاً أساسياً مسبقاً وذلك من أجل تحقيق التنمية المستدامة فضلا عن إدارة المياه العابرة للحدود، وعلينا أن نشير إلى دور الإدارة الفعالة للمياه العابرة للحدود علي الصعيد الوطني، حيث تدعو الحاجة إلى التنسيق والتعاون بين الوزارات ومختلف المؤسسات المتصلة بالمياه، فضلا عن الإلزام بالشكل الكافي في المجال السياسي ومجال التمويل كذلك، ولكننا مع ذلك نجد هناك بعض العقبات المتمثلة في غياب إرادة سياسيه قوية لوضع القوانين والاتفاقات اللازمة لتحسين وتنسيق استخدامات المياه بصورة فعالة في مختلف الإدارات والقطاعات بصورة متكاملة.

وعلى الصعيد العابر للحدود، فإنه لن يتأتى تنفيذ القوانين بصوره فعالة متكاملة إلا من خلال إنشاء هيئة تكون لها القدرة الكاملة على تنفيذ القوانين، ويمكن أن نجد ذلك في اللجان المعنية بالأنهار والبحيرات فضلا عن مكامن المياه، فهذا يضمن بشكل أساسي التعاون بين الهيئات الحكومية المختلفة بالإضافة إلى الإدارة الجيدة للموارد المشتركة، ولابد أن تكون لهذه الهيئات ولاية قوية تحظى بالدعم السياسي من مختلف الحكومات للعمل على تنفيذ القوانين الفعالة.

بالإضافة إلى ذلك يجب إشراك طائفة متنوعة من الجهات المختلفة بجانب الدول بما في ذلك المنظمات غير الحكومية، وأصحاب المصلحة المحليون، ومشاركون من القطاع الخاص فضلا عن مؤسسات البحوث، فيمكن بذلك النجاح نتيجة هذا التعاون والتفاعل المستمر بين المستويات المختلفة وأصحاب المصلحة.

3- نهج متكامل :

ثمة حاجه إلى نهج متكامل يتسق مع التخطيط طويل الأجل والتخطيط للطوارئ، حيث ترتبط تنمية المياه العابرة للحدود فضلا عن المياه الوطنية وإدارتها ارتباطا وثيقا بالنمو المسئول والمستدام، وذلك من خلال إدماج القدرة على التحمل في النظم الضعيفة.

إن معظم الترتيبات القائمة في مجال التعاون العابر للحدود تتسم بطابعها القطاعي بشكل كبير، حيث نجد أن معظمها يتناول على وجه التحديد استعمالات المياه أو محطات المياه فضلا عن تدابير مراقبة وتنظيم تدقق المياه أو البيئة، ومع وضع الآليات الملائمة بالإضافة إلى إجراء التغييرات اللازمة في التشريعات ينبغي أن تستخدم الكيانات القطاعية بصورة متكاملة وفعاله بوصفها اللبنات الأساسية لنهج متكامل.

4- تبادل المعلومات والرصد والتقييم المشترك

إن إدارة الأحواض من قبل بلدين أو أكثر من دولة تستوجب الحصول على معلومات موثوقة ومؤكده، حيث المعلومات الموجودة على شبكات للقياس فضلا عن برامج الرصد المنظمة بشكل جيد وهذا يعد شرطاً أساسياً مسبقاً، وذلك لإجراء تقييمات دقيقة للموارد المائية بالإضافة إلى المشاكل المطروحة، ويساعد هذا التقييم في صياغة السياسات العامة على الصعيد المحلي والوطني والعابر للحدود، ويساعد كذلك بشكل أساسي في عملية اتخاذ قرارات مستنيرة.

ويضطلع تبادل المعلومات، بما في ذلك ما يتعلق بالتلوث الناجم عن الحوادث، ومشاريع الهياكل الأساسية التي يمكن أن تؤثر على دول أدنى المجرى، والظواهر الشديدة ( الفيضانات والجفاف )، وعلى العمليات، لأغراض من قبيل توليد الطاقة الكهرومائية، والملاحة والري، بدور حيوي في بناء الثقة وإيجاد رؤية مشتركة بين البلدان المشاطئة، وفي هذا السياق، يروج كل من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية واليونسكو لعدد من السياسات العامة الرئيسية المتعلقة بتبادل البيانات والمنتجات الهيدرولوجية على نحو  “حر وغير مقيد” ([3]).

5- نهج قائم علي المشاركة :

تساعد مشاركة الجمهور بشكل كبير في بلوغ أقصى حد من الاتفاق، وتولي زمام الأمور وتسهيل تنفيذ القرارات والسياسات، فضلا عن تعزيز الشفافية وصنع القرار.

وهناك عدة طرق لإشراك الجمهور، فيجب أولاً أن تشترك جميع الفئات المعنية، ويجب إلزام مشاركة الممثلين الحكوميين والمزارعين والصناعات والسكان المحليين والأوساط البحثية والقطاع الخاص والجامعات النسائية وذلك في محاولة تنمية الاستراتيجيات والاتفاقات والمؤسسات المعنية بالأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، وتتمثل الطريقة الملائمة لتحقيق هذا الغرض من خلال تجميع البيانات الخاصة بأصحاب المصلحة وذلك عن طريق إقامة شبكات وعقد جلسات استماع علنية، وجدير بالذكر أنه ينبغي أن تتسم هذه المشاركة بالشفافية والمصداقية.

ولكن مع ذلك نجد أن هناك العديد من التحديات بالنسبة لمشاركة الجمهور، فقد يكون الجمهور غير مدرك بشكل كافي عن كيفية المشاركة في عملية صنع القرار وليس ذلك فقط، بل تباين التشريعات ونظم الإدارة بالإضافة إلى الأولويات المطروحة في البلدان المتجاورة، فهذه الأسباب جميعها تشير إلى أن آليات مشاركة الجمهور في العديد من البلدان ليست متطورة بشكل كافي، وهي أقل تطورا من المستوى العادي أيضا، فلابد من توافر القدر الكافي من الموارد المالية حتى تكون فعالة.

ومع كل هذه التحديات والصعوبات يمكن للجهود المبذولة أن تكون ناجحة بشكل كبير في مجال مشاركة الجمهور العابرة للحدود، والدليل على ذلك مشروع سارا دار وسارو فار، واتفاقية التعاون في حماية نهر الدانوب ، والشراكة الإقليمية لمنع تدهور نهر كورا.

6- تقاسم المنافع والتكاليف:

ينبغي للبلدان المشاطئة أن تركز علي تقاسم تلك المنافع بطريقه عادلة وعلى بلوغ المستوى الأمثل للمنافع المحصلة على نطاق الأحواض، حيث أن استخدام المياه بدلا من القيام بتوزيعها يوفر إلى حد كبير أفضل نطاق لتحديد الإجراءات التعاونية بشكل نفعي متبادل، حيث أن ادراك البلدان أن وجود خطه تعاونية من أجل تنمية وإدارة الموارد ستنتج عنها منافع كثيرة، ويمكن للبدان على سبيل المثال أن تعوض قيام البلدان الأخرى المشاطئة بإنشاء وتشغيل سعة وتخزين إضافية، ويعد هذا التعاون والتضامن على مستوى الأحواض قد يخول لدول المنبع تقاسم بعض من المنافع المحصلة من المصب نفسه، وبالتالي تقاسم تلك التكاليف.

غير أنه من المهم تحديد وتطبيق نهج خاص على المنافع والتكاليف التي لا يكون من السهل قياسها أو حتى تحديدها.

7- التكاليف :

إن التنمية والإدارة الفعالة لموارد المياه أصبح ينظر إليها كمنفعة دولية ومشتركة تحتاج إلى تمويل مناسب، حيث يتعين تنمية القدرات وتحقيق الاستدامة وذلك فيما يتعلق بوضع أطر قانونية مناسبه فضلا عن إنشاء المؤسسات، بالإضافة إلى إنشاء برامج استثمارية طويلة الأجل، حتى تحقق المستوى الأمثل للموارد المائية وحمايتها.

وجدير بالذكر أن مستوى التمويل اللازم يختلف اختلافاً كبيرا بين مورد مائي عابر للحدود وآخر، فهو يعتمد على وجود هيئة مشتركه محددة وقوية وليست الموارد الوطنية المتاحة في الميزانية فحسب، حيث يستخدم في العادة خليط من المصادر المختلفة للمياه من المشاريع والميزانيات الوطنية فضلا عن آليات التمويل للتعاون في مجال إدارة المياه العابرة للحدود.

خامسا: إسهام منظومة الأمم المتحدة في التعاون بشأن المياه العابرة للحدود .

1- لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية :

تعد لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية هي المسئولة عن متابعة تحقيق الأهداف المتفق عليها دوليا بشأن المياه والمرافق الصحية فضلا عن قيامها بدعم الأعضاء من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية المنشودة والمقاصد الوطنية المتعلقة بالمياه والمرافق الصحية، وتعتبر القضايا المتعلقة بالمياه العابرة للحدود من المجالات ذات الأولوية التي تستلزم عملا مشتركا وقد أدركت ذلك لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية.

وجدير بالذكر أن المقاصد الرئيسية والأهداف التي تسعى إليها لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية، هي توفير معلومات كاملة تكون متسقه وشاملة، فضلا عن إسداء المشورة بشأن الدعم التقني للبلدان وأصحاب المصلحة حتى يتمكنوا من تحسين إدارة المياه العابرة للحدود.

2- أنشطة الكيانات التابعة للأمم المتحدة :

تقوم الوكالات بدور فعال ونشط في توفير المشورة السديدة للمؤسسات والدول الأعضاء المشتركين في كتل مائية عابره للحدود، ومن ضمن هذه المساعدات التي تقدمها للدول، هو توفير خدمات قانونية لمساعدتها على تهيئة بيئة قانونية ملائمة لإقامة تعاون مستقر ومتبادل في مجال المياه العابرة للحدود.

3- التنسيق بين الوكالات بشأن المياه العابرة للحدود:

أنشأت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية في عام 2008 – وذلك تقديرا لأهمية إدارة المياه العابرة للحدود- فرقة عمل مختصة بالمياه العابرة للحدود وقامت بتنسيقها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، ثم تحولت إلى مجال أولوية مواضيعي مستمر على الأجل الطويل في فبراير 2010 للجنة الأمم المتحدة والمعنية بالموارد المائية.

وجديرًا بالذكر أن مجال الأولوية المعني بالمياه العابرة للحدود يعمل على وضع برنامج يهدف إلى تقوية وتعزيز التنسيق والتماسك للأنشطة التي يضطلع بها الأعضاء في لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية في مجال المياه العابرة للحدود ،فضلا عن تشجيع الجهود المشتركة والعمل على تيسير التبادل المستمر لكل من المعلومات والخبرات والدروس المستفادة.

إعداد/ بسمه باسم.

[1] عبدالعظيم ، عبد العظيم أحمد ، جامعة الكويت – كلية العلوم الاجتماعية- قسم الجغرافيا ، أغسطس/شوال 2014 ، ص6  –

[2] -المصدر: انظر مقال محامي أردني قوي. مسألة بقاء، تقرير الفريق العالمي رفيع المستوي المعني بالمياه والسلام، ص25.

[3]– الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة الرابعة والستين، التنمية المستدامة، المياه والسلام والأمن “مذكرة من الأمانة العامة”، ص13 .

Scroll to Top