المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية

المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية

شهد العالم في الآونة الأخيرة تطورا كبيرا في شتى نواحي الحياة والمجالات الصناعية والتكنولوجية وهو الأمر الذي تبعه ازديادًا في نسبة التلوث البيئي مما حدا بالمجتمع الدولي إلى النظر في قضية تلوث البيئة والبحث في كيفية حمايتها وخصوصا مع ظهور آثار ذلك التلوث واضحا جليا في العالم ككل من تغير المناخ والأمطار الحمضية وثقب الأوزون وغيرها من مظاهر التلوث نتيجة الأضرار بالبيئة ولقد تبلورت تلك المشكلة في شكل قواعد للقانون الدولي عن المسؤولية عن الإضرار بالبيئة.

وسوف نتناول في هذا المقال المسؤولية الدولية عن الأضرار بالبيئة.

أولا: المسؤولية الدولية

ثانيًا: المبادئ القانونية للمسؤولية عن الإضرار بالبيئة

ثالثًا: الأساس القانوني للمسؤولية عن الأضرار بالبيئة

رابعًا: التعويض عن الضرر البيئي

أولا: المسؤولية الدولية

يقصد بالمسؤولية بصفة عامة التزام الشخص بتحمل نتائج أفعاله وهي بهذا المعنى تتشابه مع تعريف المسؤولية في القوانين الداخلية فالمسؤولية بالنسبة للقانون الدولي تعبر عن التزام الدول أو أشخاص القانون الدولي بعدم مخالفة قواعد القانون الدولي أو الإضرار بالغير عن طريق انتهاك قاعدة دولية.

ولقد اختلف الفقهاء في تحديد المعيار الذي تستند إليه المسؤولية الدولية على النحو التالي:

أ_ نظرية الخطأ

والتي مؤداها أنه يشترط لتوافر المسؤولية الدولية وجود خطأ أو إخلال أو خرق لقاعدة دولية من جانب الدولة أو أحد أشخاص القانون الدولي ويستوي عند أنصار تلك النظرية أن يكون الخطأ مقصود أو غير مقصود معاقب عليه داخليا أم مباح وفقا لقوانين الدولة.

ولقد واجهت هذه النظرية معارضة كبيرة من حيث إن معيار الخطأ الذي تستند إليه قواعد القوانين الداخلية في المسؤولية التقصيرية هو معيار شخصي ذاتي لا يمكن نسخه إلى القوانين الدولية.

ب_ نظرية العمل الغير مشروع

وذهب البعض الآخر إلى معيار العمل الغير مشروع ويرى أنصار هذا الاتجاه أنه يشترط لتوافر المسؤولية الدولية في حق شخص من أشخاص القانون الدولي أن يكون قد صدر منه عمل غير مشروع تسبب في الإضرار بدولة أخرى، ولكن هذا المعيار على الرغم من اتساع نطاق تطبيقه إلا أنه قاصر عن تحديد المسؤولية في الحالة التي يقع فيها ضرر عند ارتكاب الدولة لفعل لا يمثل إخلال بقواعد القانون الدولي كأن يترتب ضرر عند ممارسة الدولة لحق من حقوقها المشروعة في إجراء التجارب والأبحاث العلمية.

ج_ نظرية المخاطر

ولقد جاءت تلك النظرية لسد أوجه النقص والقصور في النظريتين السابقتين من حيث إنها اعتمدت على عنصر الضرر كأساس للمسؤولية الدولية بغض النظر عما إذا كان هذا الضرر قد نتج عن خطأ من الدولة أو نتج عن عمل مشروع أو غير مشروع فالمعيار الوحيد والمطلق في توافر المسؤولية الدولية هو حدوث ضرر لشخص من أشخاص المجتمع الدولي نتيجة تصرف صادر من شخص آخر من أشخاص المجتمع الدولي.

ثانيًا: المبادئ القانونية للمسؤولية عن الإضرار بالبيئة

في البداية يُمكن تعريف البيئة وفقا للمصطلح المتفق عليه في القوانين الداخلية أنها كل ما يحيط بالإنسان يؤثر فيه ويتأثر به وهي بهذا الوصف تشمل جميع الأشياء التي تحيط بالإنسان سواء كان طبيعيا من خلق الله لا دخل للإنسان بوجوده مثل الحدائق والأمطار والنباتات والحيوانات وكافة عناصر الطبيعة أو كانت من صنع الإنسان مثل الطرق والممرات.

ويعتبر حق الدولة في ممارسة سيادتها على أرضها هو حق مطلق لا يقيده سوى عدم التعسف في استعمال هذا الحق والتزامها بالمحافظة على مبدأ حسن الجوار.

أ_ مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق

إن هذا المبدأ هو أحد تطبيقات لمبدأ أوسع وهو أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة فوفقا لهذا المبدأ فإن الحقوق المشروعة تصبح عملا غير مشروع إذا ما تم التعسف في استعمالها فالدولة ملزمة في ممارسة حقوقها بعدم التعسف في استعمال هذه الحقوق ولقد انقسم الفقه الدولي حول مبدا عدم التعسف بين مؤيد ومعارض.

حيث ذهب مؤيدي هذا المبدأ إلى أن الدول لا تكون مشروعه إلا إذا تمت في حدود المصلحة العامة لباقي الدول وهذا المبدئ يعتبر من المبادئ القانونية الموجودة في كل نظام قانوني ويذهب الاتجاه المعارض لمبدأ عدم التعسف إلى أن معيار التعسف هو معيار غير دقيق ولا يمكن الاعتماد عليه

ب_ حسن الجوار

حسن الجوار هو من المبادئ العامة التي تفرضها حسن المعاملة بين أعضاء المجتمع الدولي ومؤداه أن حق الدولة في استخدام إقليمها وفرض سيادتها عليه مقيد بعدم الإضرار بالدول الأخرى ويقوم مبدأ حسن الجوار على عنصرين أساسيين هما:

  • يجب على الدولة عدم القيام بأي عمل من شأنه الإضرار بدولة أخرى مجاورة ولو كان هذا العمل مشروعا داخل إقليمها.
  • يجب على الدولة اتخاذ جميع التدابير الاحترازية لمنع مواطنيها من القيام بأي عمل من شأنه الإضرار بإقليم أي دولة مجاورة.

ثالثًا: الأساس القانوني للمسؤولية عن الأضرار بالبيئة

تنقسم المسؤولية الدولية عن الأضرار بالبيئة إلى حالتين من المسؤولية:

 الأولى : هي حالة قيام المسؤولية على أساس ممارسة أحد أشخاص القانون الدولي لحق من حقوقه المشروعة دوليا وداخليا، ولكن هذا الحق يتصف بالخطورة بحيث قد يترتب على استعمال هذا الحق في حالة وقوعه على ضرر لدولة أخرى ويعتبر العنصر والمعيار الأساسي للمسؤولية الدولية عن الأضرار بالبيئة في هذه الحالة هو عنصر الخطر فلولا تواجد الخطر وتوقع حدوث الضرر لما توافرت المسؤولية.

الثانية : تمثل المسؤولية بمعناها المعروف وهو الذي ينشأ عن فعل غير مشروع قام به أحد أشخاص المجتمع الدولي يمثل إخلال بالتزام أو خرق لقاعدة قانونية دولية يترتب عليها حدوث ضرر لدولة أخرى وهو ما أستقر عليه الفقه وفقا لنظرية العمل الغير مشروع ولما كان الأمر كذلك فإن العناصر الأساسية التي تقوم عليها المسؤولية الدولية عن الإضرار بالبيئة تتمثل في ثلاثة عناصر هي:

  • الخطر.
  • الضرر.
  • رابطة السببية بين النشاط الخطر والضرر (فعل التلوث).

أ_ المقصود بالخطر

الخطر كمعيار موضوعي للمسؤولية الدولية عن الإضرار بالبيئة هو نشاط ينطوي على احتمال حدوث ضرر بطبيعته واعتبار الفقه والقانون الدولي الخطر أنه عنصر أساسي من عناصر توافر المسؤولية الدولية هو أمر من المفترض أن يكون من بديهيات القانون الدولي فمن يؤدي نشاط به مخاطرة قد تسبب ضرر للآخرين في حالة وقوع حادث يجب أن يتحمل مسؤولية تلك المخاطر ومن أمثلة الخطر الموجب للمسؤولية الدولية للأضرار بالبيئة نقل مواد سامة عبر البحار أو إجراء تجارب على مواد مشعة وفي تلك الحالة يتوافر الخطر لسببين:

الأول: أن الخطر في هذه الحالة متوقعا فيمكن التنبؤ به بمجرد ممارسة النشاط.

الثاني: أن الخطر واضح ويرتبط بالنشاط ارتباط وثيق ولا يتوقع حدوثه نتيجة إهمال أو خطأ.

1_ تعريف الخطر: [1]

يمكن تعريف الخطر وفقا للاتجاه الذي ذهبت إليه لجنة القانون الدولي من أن الخطر الموجب للمسؤولية الدولية عن الإضرار بالبيئة هو الشيء الذي يعتبر بحكم طبيعته وخصائصه خطر في حد ذاته ومن ذلك مثلا (المواد القابلة للاشتعال – المواد الحارقة – المفرقعات – المخلفات الذرية) وهي الأشياء التي يعد التعامل معها أو لمسها أو التواجد بقربها خطرًا بحد ذاته سواء للإنسان الذي يتعامل معها أو للمكان الذي تتواجد به.

ولقد عرف الفقه الدولي وفقا لاتجاه الفقيه باربوزر الخطر على أنه: ” احتمال حدوث ضرر دون أن يقع هذا الضرر ويرى البعض أن الخطر هو الفعل الذي يتضمن فعله احتمال حدوث ضرر في حالة وقوع حادث دون أن يشترط أن يقع هذا الضرر حتما ويرتبط الخطر وفقا لهذا الاتجاه باستعمال الإنسان لمواد خطرة بطبيعتها “.

وقد عرفته الاتفاقيات الدولية أنه توقع حدوث وتوقع شدة هذا الضرر.

2_ شروط الخطر:

من التعريف السابق للخطر يمكن استخلاص شروطه حيث يشترط في الخطر الموجب للمسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية توافر شرطين:

يمكن توقعه

يتشرط لاعتبار النشاط خطرا أن يكون الخطر الكامن في طبيعته يمكن توقعه ولا يقصد بالتوقع هنا توقع حدوث الضرر في حالة معينة، بل يشترط ارتباط توقع الخطر بنوع النشاط نفسه مثل إجراء تجارب نووية فالخطر هنا يكمن في التعامل مع المواد المشعة بصفة عامة وليس حالة التجارب أو نوعها.

أن يكون خطر واضح

ويقصد هنا أن يكون الخطر يتضمنه النشاط نفسه ولا يتوقع حدوثه نتيجة إهمال أو خطأ، بل يشترط أن يكون الشيء بذاته خطر ويكون هذا الخطر ملموسا بحيث يمكن لأي شخص رؤية هذا الخطر.

3_ الفرق بين الخطر والآثار الضارة:

الخطر في المسؤولية الدولية يقصد به النتيجة الإجمالية لتوقع حدوث الضرر وبالتالي فإن توافر الخطر لا يقتضي بالضرورة حدوث ضرر إلا إذا وقع حادث مثل نقل مخلفات ذرية فإنه ينطوي على خطر جسيم، ولكن هذا الخطر لا يترتب عليه ضرر إلا في حالة وقوع حادث أثناء النقل.

أما الآثار الضارة فقد عرفها الفقه أنها أنشطة ينتج عنها ضرر حتمي بحيث يكون إتمام تلك الأنشطة ينطوي على ضرر لا محالة ومنها إلقاء مخلفات صناعية في منطقة متاخمة لدولة أخرى، وهو الأمر الذي ينتج عنه تسريب التلوث إلى الدولة الأخرى وفي غير الحالات التي توفق فيها الدولة الأخرى على ممارسة مثل هذا النشاط فإن ممارسته يترتب عليها تعرض تلك الدولة إلى المسؤولية الدولية.

  ب_ وقوع الضرر البيئي

يعتبر حدوث الضرر شرط أساسي لتوافر المسؤولية في كافة فروع القانون سواء القوانين الداخلية أو الدولية فلا يتصور قيام مسؤولية دون وجود ضرر، بل أن عدم وجود الضرر يترتب عليه انعدام المسؤولية كما أن الأثر القانوني المترتب على توافر المسؤولية الدولية في القانون الدولي هو إصلاح الضرر وإعادة الحال لما كان عليه وبالتالي فلا يوجد مسؤولية بغير ضرر.

1_ المقصود بالضرر:

يمكن تعريف الضرر على أنه الخسائر التي تلحق بالأشخاص سواء كانت مادية أو معنوية أو الأذى الذي تتعرض له الدول.

ويقصد بالضرر البيئي النتيجة المترتبة على العمل الغير مشروع والتي مؤداها حدوث أذى للبيئة بما تحتويه من نباتات وحيوانات.

2_ أنواع الضرر

ينقسم الضرر وفقا لدرجة شدته إلى ضرر بسيط وضرر عابر للحدود.

الضرر البسيط:

وهو الضرر الذي يمكن توقعه عن استعمال بعض الأشياء أو ممارسة بعض النشاطات ويكون ضررا يمكن تحمله ولا يؤدي إلى المسائلة الدولية وغالبا ما يكون واقع داخل حدود الدولة.

الضرر العابر للحدود: [2]

يقصد بالضرر بصفة عامة في المسؤولية الدولية أنه المساس بحق من حقوق أشخاص القانون الدولي، أما الضرر العابر للحدود يقصد به في معنى (المادة 2/5 ) من مشروع كانت تعده لجنة القانون الدولي حول المسؤولية الدولية عن أفعال لا يحظرها القانون حيث ورد بها أن الضرر العابر للحدود هو: ” النتائج المادية المترتبة على حالة، أو نشاط، أو حادث، أو أي فعل في نطاق إقليم دولة معينة يؤثر على أشخاص أو أشياء أو استخدام لإقليم دولة أخرى”.

ومن هذا التعريف يستفاد بعض الشروط اللازم توافرها في الضرر العابر للحدود وهي:

  • أن يصدر الضرر عن فعل بشري من صنع الإنسان ولا يكون بسبب كارثة طبيعية مثل الزلازل والبراكين والسيول وغيرها من الكوارث الطبيعية التي لا دخل للإنسان بها.
  • يفترض لقيام الضرر العابر للحدود وجود دولتين الأولي هي الدولة التي صدر منها التصرف وتسمي دولة المصدر والأخرى هي الدولة التي تأثرت بذلك الفعل وتسمي بالدولة المتأثرة.
  • إصابة الدولة المتأثرة بأضرار نتيجة الفعل الصادر من دولة المصدر ومثال ذلك إجراء تجارب نشاطات نووية ترتب عليها أثر عابر للحدود أو إزالة الغابات بصورة كبيرة يترتب عليها اختلال النظام البيئي له أثر عابر للحدود.

3_ شروط الضرر الموجب للمسؤولية

أن يكون محققا

يجب لاعتبار الضرر موجبا للمسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية أن يكون محققا ويكون الضرر محققا إذا كان قد وقع فعلا واكتملت عناصره وأركانه مثل حدوث تلوث نتيجة إلقاء مخلفات في البحر وهذا الضرر الحال لا خلاف على أنه يرتب المسؤولية الدولية في حق الدولة مرتكبة الفعل الضار.

ويكون الضرر أيضا محققا إذا كان مستقبلا، ولكنه محقق الوقوع لا محالة بمعنى أن الضرر لم يقع بعد، ولكن وقوعه أمر مؤكد ويعتبر الضرر المستقبل إذا كان حدوثه مؤكد موجبًا للمسؤولية وقد استثنى الفقه من موجبات المسؤولية الضرر المستقبلي الذي يحتمل وقعه أو عدم وقعه بمعنى أن حدوث الضرر أمر احتمالي قد يحدث أو لا يحدث مثل حالة احتمال انتشار الأمراض نتيجة التلوث.

أن يكون الضرر مباشر

ويكون الضرر المباشر إما متوقع حدوثه وقت ممارسة النشاط الذي ترتب عليه الضرر وبالتالي يرتب المسؤولية الدولية عن الضرر البيئي وهو تطبيقا لنظرية المخاطر، أما الضرر المباشر غير المتوقع فلا يعتد به عن البحث في المسؤولية إلا إذا كان حدوثه نتيجة خطأ أو إهمال أما الضرر غير المباشر فلا يعتد به عند النظر في المسؤولية الدولية لصعوبة إثبات عناصره.

أن يكون الضرر قد أصاب مصلحة أو حق للمضرور

الضرر الذي يعتد به كعنصر من عناصر المسؤولية الدولية أن يكون قد أصاب مصلحة أو حق مشروع لدولة أخرى مثل أن يكون الضرر قد انصب على عناصر البيئة اللازمة للحياة مثل المياه والنباتات.

أن يكون شخصيا

فلا يتصور أن تطالب إحدى الدول بتعويض عن ضرر أصاب دولة أخرى فالضرر يجب أن يكون شخصي يطالب بالتعويض عنه من الدولة المضرورة ذاتها وهو ما يعرف في القوانين الداخلية باسم الصفة [3]

ج_ وجود رابط سببية بين النشاط الخطر والضرر

تعتبر رابطة السببية هي العنصر الموجب للتعويض في المسؤولية والمسائلة القانونية فهي عنصر الربط بين النشاط الخطر وبين الضرر الواقع نتيجة لذلك الخطر وتقدير مدى توافر المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية يتطلب إثبات هذه العلاقة وهذا ما ذهب إليه الفقيه جارسيا بخصوص علاقة السببية حيث ذهب إلى أن الضرر يجب أن يكون النتيجة الطبيعية للفعل أو الامتناع الذي حدث.

ولكن تطبيق القاعدة العامة في القوانين بشأن علاقة السببية تواجه بعض الصعوبات عند تطبيقها على قواعد المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية وتكمن هذه الصعوبة في الطبيعة القانونية للضرر البيئي مثل التلوث النووي.

وتتمثل تلك الصعوبة في أن الضرر البيئي لا يحدث دفعه واحد، بل يستغرق فترات زمنية طويلة هذا غير ان الضرر البيئي هو ضرر عابر للحدود في كثير من الأحيان الأمر الذي يصعب معه نسبة هذا الضرر الي دولة بعينها

ولقد حاول الفقه الدولي التغلب على الصعوبات التي تواجه تطبيق قاعدة علاقة السببية على الضرر البيئي عن طريق تقنين قواعد خاصة في التعامل مع بعض الأضرار البيئية مثل الضرر النووي والضرر الناتج عن التلوث بالنفايات الخطرة ويقتضي الفقه الدولي بموجب هذه المعاملة الخاصة إخضاع قاعدة السببية إلى أقصى ما وصل إليه العلم [4]

رابعًا: التعويض عن الضرر البيئي

يترتب على توافر المسؤولية الدولية عن الضرر البيئي في حق دولة من الدول أن تصبح هذه الدولة ملتزمة بتعويض الدولة المضرورة ويقصد بالتعويض هنا محاولة جبر الضرر قدر الإمكان وليس إزالته نهائيا إذ أنه في بعض الحلات لا يمكن إصلاح الضرر بصورة تامة ويقصد بالتعويض في مفهوم الضرر البيئي إعادة الحال إلى ما كان عليه ووقف الأعمال الغير مشروعه، ولكن من البديهي أن هناك بعض الحالات التي لا يمكن فيها إعادة الحال ويتخذ التعويض في القانون الدولي صورتان:

أ_ إصلاح الضرر

مؤدى هذه الصورة من صور التعويض عن المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية هو إلزام الدولة المتسببة في حدوث الضرر بإيقاف العمل الغير مشروع لمنع أو إيقاف أو الحد من استمرار الضرر كما تلتزم بإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل الضرر ويعرف ذلك بالتعويض العيني وإذا كان الضرر لا يمكن معه إعادة الحال إلى ما كان عليه يتم اللجوء إلى التعويض المادي وهو يقصد به التزام الدولة المتسببة بالضرر في دفع التعويض المالي المناسب وهذا التعويض يراعي في شدة الضرر وجسامته وقيمته.

ب_ الترضية

ويتم التعويض بالترضية في حالة الضرر المعنوي دون الضرر المادي ومؤداه ألا يكون الفعل المطالب بالتعويض عنه قد أحدث ضررًا ماديا يشترط إصلاحه أو قد يكون هناك ضررا ماديا تم إصلاحه ويصاحبه ضرر أدبي أو معنوي يستلزم التعويض عنه بطريقة الترضية ويكون التعويض بطريقة الترضية في صورة اعتذار رسمي تتقدم به الدولة المتسببة في الضرر أو مذكرة دبلوماسية تعترف فيها بخطئها ولقد نظمت لجنة القانون الدولي في تقريرها الصادر عام 2000 التعويض بطريقة الترضية حيث نصت على أنه: ” شرط الترضية الذي يقع علي الدولة المسؤولة يجب اني تلائم والضرر ولا يكون في صورة تتضمن إذلالا أو إهانة للدولة المسؤولة “

كما نصت في تقريرها الصادر عام 1996 ” أن تحصل الدولة عل ضمانات بعدم التكرار [5]

وأخيرا فإن المسؤولية عن الأضرار البيئية مازالت حتى وقتنا هذا من المواضيع الغامضة بالنسبة للقانون الدولي لعدة اعتبارات منها أن الضرر البيئي لا يحدث مباشرة لكن يحدث على فترة زمنية طويلة مما يصعب عملية تحديد المسؤول عن هذا الضرر كما أن الضرر البيئي عادة ما يكون عابر للحدود فيصعب تحديد الدولة المسؤولة عن هذا الضرر، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أنه من المواضيع التي يوليها القانون الدولي عناية واهتمام.

كتابة : كريم عبد السلام

[1] – المسؤولية الدولية بدون ضرر – حالة الضرر البيئي – إعداد معلم يوسف إشراف الدكتور / بن حليلو فيصل

[2] – المسؤولية الدولية النتائج الضارة الناجمة عن أفعال لا يحظرها القانون – إعداد زيد المال إشراف الدكتور / تونسي بن عامر ص39

[3] – التعويض عن الضرر البيئي – مجلة مركز دراسات الكوفة تأليف على – ابتهال زيد ص 180-183

[4] – المسؤولية الدولية عن الأضرار بالبيئة إعداد الدكتور بواط محمد ص 83-84

[5] – المسئولية الدولية عن التلوث في أطار التعويض عن الأضرار بالبيئة – الدكتورة /لمياء علي أحمد النجار ص17

Scroll to Top