القانون الدولي الجنائي
مر المجتمع الدولي بفترات أزمات وتوتر بين الدول مما أدى إلى تفاقم تلك الأزمات والتي كانت سببا في قيام الحروب، حيث ساد منطق القوة على معظم العلاقات الدولية، واستمرت الانتهاكات البشرية الجسيمة حيث كانت ترتكب جرائم غاية في الفظاعة ضد الأبرياء، مما أدى ذلك إلى دفع نخبة من البشر تعمل على الحد من هذه الحروب وذلك عن طريق وضع نظام يحاسب كل من ينتهك مبادئ القانون الدولي الخاصة بحماية الجنس البشري والتي تكفل الحد الأدنى لحقوق الإنسان، ومن هنا ظهرت أهمية القانون الجنائي الدولي باعتبار أنه قانون يقوم بتوقيع العقوبة على من ينتهك النظام العام الدولي.
وجدير بالذكر، أن القانون يعمل على محاسبة مرتكبي الجرائم المتمثلة في الحرب وما يحدث فيها من انتهاكات ضد الإنسانية وليس فقط على قتل إنسان أو إصابته، ومن ضمن هذه الجرائم، إبادة الجنس البشرى، أو تدمير الطبيعة، أو جريمة تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين، أو استخدام الأسلحة السامة الضارة، وغيرها العديد من الجرائم.
أولا: مفهوم القانون الجنائي الدولي وعلاقته بالقوانين الأخرى:
ثانيا: مصادر القانون الجنائي الدولي:
ثالثا : المبادئ العامة للقانون الدولي الجنائي:
رابعا: أهداف القانون الجنائي الدولي :
خامسا : المسئولية الجنائية الدولية :
أولا: مفهوم القانون الجنائي الدولي وعلاقته بالقوانين الأخرى:
1- مفهوم القانون الجنائي الدولي:
قام العديد من فقهاء القانون بوضع تعريفات كثيره، توضح ماهية القانون الجنائي الدولي والمقصود به، باعتبار أن القانون الجنائي الدولي له أهمية قصوى في مجال إسباغ الحماية الجنائية على المصالح الحيوية للمجتمع الدولي، وسوف نتطرق إلى بعض الآراء الفقهية التي ساعدت على إظهار الآلية القانونية الدولية وأوجدت القانون وضمنت الالتزام بأحكامه، وذلك قبل الدخول في تفاصيل علاقة القوانين الجنائية بالقوانين الأخرى.
ولقد اتفق بعض الفقهاء على أن القانون الجنائي الدولي هو: ( مجموعة القواعد القانونية الناشئة عن المعاهدات الخاصة بالمساعدات الدولية بخصوص تطبيق النصوص الجنائية الوطنية )، ويُعمل بهذا التعريف في القواعد الخاصة بتسليم المجرمين فضلا عن تنفيذ الأحكام الأجنبية والإنابة القضائية.
إلا أن هذا التعريف قد وجه إليه بعض النقد حيث نجد أنه بهذا الشكل يمثل مفهوما ضيقا للقانون الجنائي الدولي، وذلك لأنه يسري على المجرمين الذين يطبق عليهم القانون الوطني عند قيامهم بارتكاب الجرائم، وعند هروب المتهم حيث يتم إعمال القانون الجنائي الدولي وتطبيق المعاهدة التي دخلت فيها الدولة التي تسعى للامساك بالمتهم الهارب، بينما نجد أن القانون الجنائي الدولي قد وضع للحد من الانتهاكات التي تحدث عند الحروب والأزمات وهذا التعريف لا يتعرض لهذه الانتهاكات.
وقال الفقيه جلاسر Glasser بأن القانون الجنائي الدولي هو: (مجموعة القواعد القانونية المعترف بها من قبل المجموعة الدولية والتي تهدف إلى حماية النظام الاجتماعي الدولي وذلك بالعقاب على الأفعال التي تخل به).
وقد عرفه البعض الأخر بأنه مجموعة من القواعد التي تحكم تنازع القوانين الجنائية من حيث الأشخاص والمكان بالإضافة إلى تحديد القواعد المقررة وذلك للعقاب على أي انتهاك بحق القانون الدولي.
ويمكننا أن نخلص إلى تعريف القانون الجنائي الدولي وفقًا لما ذكره الفقيه (graven) وهو أقرب للصحة، حين قال أنه: (القواعد القانونية التي تقوم بتحديد الأفعال التي تعد جرائم دولية وتحديد الجزاءات الجنائية المستحقة على مرتكبيها والمعتمدة كذلك في نطاق العلاقات الدولية، والتي يكون الغرض منها حماية النظام الاجتماعي الدولي وذلك من خلال المعاقبة على الأفعال التي تتضمن اعتداء عليه).
وأخيرا يمكننا القول إن القانون الجنائي الدولي له دورا هامًا مثله مثل القانون الوطني فيما بين الأفراد الطبيعيين، فالقانون الجنائي الدولي يمكن تطبيقه في حالة وقوع جريمة من شأنها تهديد الأمن والسلم الدولي، فضلا عن تحديد المسؤولية الجنائية للأفراد المرتكبين للفعل الإجرامي وتقرير العقاب المستحق لهم، وليس ذلك فقط، بل يختص القانون الجنائي الدولي بتحديد الإجراءات التي تعمل على تحديد اختصاص المحاكم وتنظيم الدعوى الجزائية بالإضافة إلى ضمان إصدار الأحكام والعمل على تنفيذها.
2- القانون الجنائي الدولي وعلاقته بالقوانين الأخرى:
هناك رأى يتزعمه الفقيه (graven) حيث يرى أن القانون الجنائي الدولي نابع من القانون الدولي العام والقانون الجنائي الوطني، ويستند رأيه هذا إلى وجود قواعد مشتركة بين كل من القانون الجنائي الدولي والقانون الجنائي الوطني وذلك من حيث الجوهر والهدف أيضا.
ولكن هناك آخرون يرون بأن القانون الجنائي الدولي هو قانون متميز ومستقل بذاته عن أي قانون آخر، ويمكن أن نبين العلاقة بين القانون الجنائي الدولي والقوانين الأخرى على النحو التالي:
أ – القانون الجنائي الدولي والقانون الجنائي الوطني:
” وحدة الغرض ” هذا ما يتفق فيه كل من القانونيين، وهو توقيع العقوبة على كل شخص يقوم بالاعتداء على النظام القانوني والاجتماعي، ونجد هنا رغم وحدة الهدف بين كل من القانون الجنائي الدولي والقانون الجنائي الوطني إلا أنه يمكن التمييز بينهم باختصار في كثير من الأمور الظاهرة كالآتي:
ذهب جانب من الفقه إلى التمييز بين القانونين على أساس النطاق:
“القانون الجنائي الوطني” نطاقه محدد وواضح بإقليم الدولة التي قامت بإصداره، بالإضافة إلى كونه قانون مكتوب ومدون يستمد أصوله من الدساتير والقوانين الثابتة، والمجرم في نظر هذا القانون هو الشخص الطبيعي، وقد يكون الشخص المعنوي كالشركات أو الجمعيات والتي تخضع للعقاب في بعض قوانين الدول، والجريمة في هذا القانون تمثل إخلالا بالنظام العام، ويختص القضاء الوطني للدولة بالعقاب على الجرائم.
أما القانون الجنائي الدولي فنجد أن نطاقه غير محدد بإقليم أو مكان معين، حيث إنه قانون يستند إلى المعاهدات والأعراف الدولية، فضلا عن أنه قانون غير مدون ومازال في مرحلة تكوينه، فالمجرم المخاطب أمام هذا القانون في الغالب يكون شخص معنوي كالدولة أو هيئة عامة.
ويشترط لكي يعد الفعل أو السلوك جريمة دولية أن يكون بتحريض من أو موافقة دولة ما، وتجري محاكمة المجرمين المنتهكين لأحكام هذا القانون – في معظم الأحيان – من خلال محاكمات دولية خاصة مثل (المحكمة الجنائية الدولية – طوكيو ).
ويميز جانب آخر من الفقه بين القانونيين على أساس التشريع:
فالتشريع الجنائي المطبق داخل حدود الدولة هو تشريع إقليمي يكون العقاب فيه من مظاهر السيادة الإقليمية بحيث لا تتعدى الحدود الإقليمية للدولة، وإذا امتد إلى جرائم تقع خارج إقليمها فهذا استثناء وارد في دساتيرها أو قوانينها، ويشترط لاعتبار الفعل جريمة داخلية أن يكون مطابقا لنص مكتوب في نصوص التجريم الوطنية.
أما القانون الجنائي الدولي فهو مجموعة من القواعد المستمدة من العرف الدولي المستقر في شأن علاقات الدول من الناحية الجنائية والناشئة عن تنقل المجرمين بين دولة وأخرى، ويشترط أن يكون الفعل المكون للجريمة الدولية خاضعاً لقاعدة تجريم دولية وليس بالضرورة أن تكون مكتوبة .([1])
ويذهب جانب آخر من الفقه في التمييز بين القانونين على أساس المسؤولية الجنائية:
حيث يناط بالقانون الجنائي الوطني مهمة النص على الأفعال الإجرامية والمحظورة وبيان العقوبة المقررة لهذه الأفعال حيث إنها تعتبر بمثابة عدوان على المصالح التي يحميها النظام القانوني للدولة، وتباشر الدولة سلطات توقيع العقاب على مرتكبي الجرائم وفق الحدود والضوابط المنصوص عليها في قانونها الجنائي.
أما القانون الجنائي الدولي، فيستمد شرعيته من العرف الدولي أو المعاهدات الثنائية والجماعية حيث إن الأفعال المحظورة والعقوبات الموقعة عليها لا تستند إلى قانون معين ومحدد.
ب- القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي العام:
هناك علاقة تبعية ودعم متبادل بين القانونين، حيث إن الأفعال والسلوكيات التي يجرمها القانون الجنائي الدولي يعتبرها القانون الدولي العام أيضا أفعالا غير مشروعة ترتكبها الدول، وبالتالي عندما يرتكب الفرد هذه الجرائم يُنسب سلوكه إلى دولة معينه بموجب القانون الدولي العام وقد يستتبع ذلك مسئولية مزدوجة، مسؤولية تتحملها الدولة والتي تحملها قواعد القانون الدولي العام والتي تتمثل – خصيصاً – في إهمال الدولة في ملاحقة بعض المجرمين، ومسئولية جنائية يتحملها الأفراد والتي تقع ضمن نطاق القانون الجنائي الدولي.
ج- القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان:
يتكون القانون الدولي لحقوق الإنسان من المعاهدات الدولية والقانون العرفي الدولي والذي يمنح للأفراد الحقوق الأساسية وذلك عن طريق تقييد سلطة الدول التي يخضعون لها، وبذلك نجد أن القانونيين يشتركان في الهدف نفسه وهو صون حياة الإنسان وكرامته فضلا عن ضمان حرياته الأساسية دون التفرقة بين الجنس أو اللون أو المعتقد.
وبذلك يعتبر القانون الجنائي الدولي فرعا مختلطا من القانون فهو بمثابة القانون الدولي العام المشبع بالمفاهيم المنبثقة عن كل من القانون الجنائي الوطني والقانون الدولي الإنساني فضلا عن القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ثانيا: مصادر القانون الجنائي الدولي:
يقصد بمصادر القانون الدولي: المنابع التي تستقى منها القاعدة القانونية منشأها وأساسها وبها ترسم حدودها، وتتنوع مصادر القانون الجنائي الدولي إلى مصدرين وهما:
- مصادر رئيسية.
- ومصادر ثانوية.
1- المصادر الرئيسية :
يتم الرجوع إلى المصادر الرئيسية لتحديد القاعدة القانونية واجبة التطبيق، وقد تأخذ هذه المصادر شكل معاهدة دولية أو قاعدة عرفية وتتبلور في قواعد قانونية ملزمة لجميع الدول، فيتم من خلالها الإجماع على إجراءات لمتابعة ومعاقبة مرتكبي الأفعال الإجرامية.
أ- المعاهدة الدولية :
هي اتفاقيات تبرمها الدول لتنظيم أمر من الأمور الدولية فيما بينهم، وقد تطلق عليها ( اتفاقية، معاهدة، أو ميثاق، نظام، أو برتوكول) وما إلى غير ذلك من المسميات التي لن تغير من قيمتها القانونية باختلاف المسمى.
وفى حالة تعذر إيجاد القاعدة المناسبة واجبة التطبيق أو حتى إذا وجدت، ولكن بها نقص، فإنه هذه الحالة ينبغي اعتبار المعاهدات الدولية قبل غيرها مصدرا للقانون الدولي العام وكافة فروعه.
وجدير بالذكر أن المعاهدات الدولية تكون ملزمة لجميع أطرافها، ولا يجوز الاحتجاج بالنصوص الداخلية للتهرب من تنفيذها، ويمكن الأخذ بها كلما كان ذلك مقبولا من الناحية القانونية باعتبارها مصدرا من مصادر القانون الجنائي الدولي.
ب- العرف الدولي:
يعتبر العرف الدولي المصدر الأول للقانون الدولي، ولكنه تراجع بعد ذلك أمام تزايد حركة تقنين القواعد العرفية ضمن المعاهدات الدولية، والعرف الدولي يتمثل في اعتياد التصرف على نهج معين في صورة عمل أو الامتناع عن العمل فضلا عن الشعور بإلزامية هذا التصرف.
فنجد أن الدول تكثر من ممارسة فعل معين ولا تنكره أكثرية الدول، بل تعترف به في صمت بعد ذلك لتصبح هذه الممارسة عرفا يأخذ شكل القاعدة القانونية، وجدير بالذكر أنه يمكن الرجوع إلى العرف الدولي لتحديد المبادئ العامة للقانون الجنائي الدولي فضلا عن تحديد مضمون الأحكام المكتوبة.
ج- النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية:
يعد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من المصادر الهامة للقانون الجنائي الدولي حيث تناول العديد من الأفعال التي تشكل جرائم دولية، ورسخ العديد من القواعد الخاصة بالقانون الجنائي الدولي، فقد جاء في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ما يؤكد على مبدأ (لا جريمة إلا بنص) وهو أحد المبادئ الراسخة في نطاق القانون الجنائي سواء على الصعيد الدولي أو على الصعيد الداخلي.
2- المصادر الثانوية:
المصادر الثانوية عبارة عن قرارات ومبادئ وأحكام دولية تكون مفسرة لعرف أو لاتفاقية دولية ويتم الرجوع إليها لكن في حالات استثنائية:
أ- المبادئ العامة للقانون:
تعرف هذه المبادئ بالمبادئ الأساسية والتي تعتمد عليها مختلف الأنظمة القانونية في العديد من الدول كما يسري تطبيقها على العلاقات الدولية.
ويجب ألا يترتب على تطبيق هذه المبادئ أي تمييز بين الأفراد وألا تتعارض مع القانون الدولي والمعايير المتفق بها دوليا، فضلا عن إلزامية توافقها وعدم تعارضها مع حقوق الإنسان.
وتعد المبادئ العامة للقانون الجنائي الدولي متأصلة في القانون الدولي وأساسه في القوانين الوطنية، ويمكن اللجوء إلى المبادئ العامة للقانون عندما تكون القواعد المنصوص عليها في كل من النظام الأساسي أو المعاهدات غير واضحة.
حيث إن تلك المبادئ تُعد المصدر الثالث للقواعد القانونية الدولية وفقاً لما ورد (بالمادة 38/1) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
ب- قرارات المنظمات الدولية وأحكام المحاكم الوطنية والدولية:
تعد الأحكام الصادرة عن المحاكم الوطنية والقرارات الصادرة عن المنظمات الدولية مصدرا مساعدا للقانون الجنائي الدولي وذلك إذا لاقت هذه القرارات والأحكام اعترافا بها على النطاق الدولي.
فالمحاكم الدولية تخضع لتأدية مهام محددة وتستمد صلاحيتها من ميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي فضلا عن سلطات الدول الموقعة عليها، ويُحدَد نطاق اختصاصها على الجرائم التي تهدد السلم والأمن الدولي وتوضح قواعد الإجراءات أو الإثبات وإصدار الأحكام التي تصبح مصدرا للقانون الجنائي الدولي.
وعليه فإن قرارات المنظمات الدولية وأحكام المحاكم الوطنية والدولية ساهمت بشكل كبير في الاستدلال على وجود القواعد وتفسيرها كذلك، وبالتالي يمكن اعتبار هذه القرارات والأحكام مصدرا من المصادر الثانوية للقانون الجنائي الدولي.
ثالثا : المبادئ العامة للقانون الدولي الجنائي :
خلصنا أن القانون الدولي الجنائي هو مجموعه من الأحكام القانونية والتي تمنع عدة أفعال معينة ومحددة على اعتبار أن هذه الأفعال جرائم خطيره، فتقوم بترتيب خطوات المقاضاة والمحاكمة وفرض العقوبة بشأن هذه الأفعال التي تعد جريمة.
ونستطيع بعد ذلك أن نقوم بتحديد المبادئ العامة لهذا القانون وفقا لما تضمنه نظام روما الأساسي في القانون الدولي، حيث يعد نظام روما الأساسي حصيلة بحث ودراسة لأعوام كثيره من الاجتهاد الفقهي والقانوني.
ونجد هنا أن مبادئ القانون الجنائي الدولي قد جاءت مفصلة ومحددة في الباب الثالث من (المادة 22 ) إلى (المادة 33)، والتي عالجت فيها العديد من أحكام القانون الجنائي، وذلك على النحو التالي:
- مبدأ الشرعية الجنائية .
- مبدأ المسؤولية الشخصية .
- عدم أخد القانون الجنائي بمبدأ التقادم، وذلك على اعتبار أن الجرائم التي تختص بها المحكمة الجنائية خطيره وتمس الأمن والسلم الدولي.
- عدم رجعية نصوص القانون الجنائي الدولي، حيث لا يسري على الجرائم التي حدثت قبل دخوله حيز النفاذ.
بالإضافة إلى ما سبق نجد أن النظام الأساسي قد قام بفصل موانع المسئولية الجنائية وقام بتحديدها في (المرض العقلي، والدفاع الشرعي، وصغر السن، وحالة الإكراه والسُكر في الوضع الإجباري ، كما أن نظام المحكمة نجده لا يعتد ولا يأخذ بنظام الحصانة الممنوحة للأفراد بحكم وظائفهم، أو حتى بأوامر الرئيس الأعلى كمانع للمسئولية الجنائية).
رابعا: أهداف القانون الجنائي الدولي :
اهتم حماة المجتمع الدولي بالمصالح المشتركة لأعضاء المجتمع الدولي حيث كانت ولا زالت محط اهتمامهم، وهذه المصالح قد تم ذكرها وتحديدها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك على سبيل المثال (تجريم الإبادة الجماعية) تلك التي تهدف إلى القضاء على نسل طائفة معينة وإنهاءها مثل ما قام به “الصرب” في البوسنه ضد المسلمين، أو ما قام به هتلر حين وضع الطائفة اليهودية بأفران حرارية وتركهم للموت، فمن هنا تم تحريم الإبادة الجماعية .
وجدير بالذكر أن أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد الهلاك الكلي، أو الجزئي لجماعة قومية ،أو عرقية، أو طائفية بهدف الإبادة الجماعية مثل:
- إلحاق ضرر عقلي أو جسدي جسيم بأفراد الجماعة.
- قتل أفراد الجماعة.
- فرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب داخل الجماعة.
- نقل أطفال الجماعة إلى جماعة أخري عنوة.
- إخضاعهم عنوة لأحوال معيشية تتسبب بإهلاكهم الفعلي كليا أو حتى جزئيا.
وجدير بالذكر أن من مصالح المجتمع الدولي احترامهم لقواعد الحرب المتعارف عليها، وعدم ارتكاب جرائم تكون ضد الإنسانية.
ويعد من قبيل الجرائم الإنسانية ما تقوم به القوات الأمريكية لمعتقلي (غوانتنامو) من حرمان شديد للحرية البدنية المتمثل في تكبيل الأرجل واليدين وتغطية أعينهم ووضعهم في سجون تحت نوع خاص من الأشعة، حيث نجد ذلك أيضا مخالف (للمادة 7 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية البند هـ ).
وبهذه الانتهاكات سالفة الذكر وغيرها الكثير ممن لم يتم ذكره نجد أن القانون الجنائي الدولي يضع جزاء عادل يتناسب مع جسامة وبشاعة الفعل المرتكب حتى يحقق الهدف الأساسي من القانون، ألا وهو تعزيز مفهوم العدالة داخل المجتمع الدولي.
بالإضافة إلى أن القانون الجنائي الدولي يهدف إلى الوقاية من الجرائم، وذلك عن طريق نصوص المحكمة الجنائية الدولية، والتي تهدف إلى مساعدة المجتمع الدولي للابتعاد عن ارتكاب الجرائم المنصوص عليها والتي يهدف القانون إلى تجريمها، في تحقيق هذا الدور الوقائي.
خامسا : المسئولية الجنائية الدولية :
اعترفت لجنة القانون الدولي في العام 1979م في مشروعها الخاص بالمسئولية الدولية على إمكانية الأخذ بفكرة المسئولية الجزائية للدولة، حيث يتبين لنا أن المجتمع الدولي حرص على تبيان هذا النوع من المسئولية، بل ووضع لها أنواع أيضا .
وجدير بالذكر أن اعتراف اللجنة بالمسئولية الجزائية للدولة لا يعنى ذلك أنها ظهرت ووجدت للتو، ولكنها عرفت قبل ظهور الأمم المتحدة، وعلى سبيل المثال قيام الجيش الأمريكي بمجموعة من المحاكمات الخاصة من خلال القيام بمساءلة جنوده عن الجرائم التي يمكن تسميتها ” بجرائم حرب ” وذلك في السنوات من 1899 م إلى عام 1902 م .
وتنقسم المسئولية الجنائية الدولية إلى نوعين وهما:
1- المسئولية الجنائية الدولية للفرد الطبيعي:
ورد في اتفاقية لاهاي الرابعة ( 1907 م ) أن الأطراف المتحاربة ستكون مسئولة عن كل الأعمال التي يرتكبها أشخاص منتمون إلى عضوية القوات المسلحة، أي أن الأفراد يمكن مسائلتهم عن الجرائم الدولية، حتى أن مؤتمر القرم قرر مسئولية الأفراد في عام 1945 م حيث ورد فيه: ” يتعرض كل مجرمو الحرب للعقوبات العادلة والسريعة”.
نستشف مما سبق أن الفرد الطبيعي الذي يتعرض للمسائل إما أن يكون رئيسا أو مرؤوسا في جرائم الحرب كالقادة العسكريين، ومن الواقع العملي نجد العديد من السوابق مثل محاكمة الزعيم السياسي لصرب البوسنة ( دارو فان كارادزيتش ) والجنرال العسكري (راتكو ملاديتش ) عام 1955 م عن جرائمهم البشعة ضد الإنسانية من تعذيب وما يعرف بالتطهير العرقي، إضافة إلى سوابق محاكم نورمبيرج في أربعينات القرن الماضي ([2]).
2- المسئولية الجنائية الدولية للدولة :
نحن نقف هنا أمام مشكلة سيادة الدولة، حيث إن تقرير هذا النوع من المسئولية قد يمس بسيادة الدولة، مما دفع الكثير من الفقهاء إلى الاختلاف، بل وتقرير كل منهم لحججه بالبراهين المختلفة، حيث نجد انهم انقسموا إلى فريقين، اعتبر الأول أن سيادة الدولة تعد حجر عثرة أمام المسئولية الجنائية للدولة، والفريق الثاني كان له رأى مخالف على أن المسئولية موجودة بالفعل ولا تمس سيادة الدولة.
وجدير بالذكر أن مبدأ سيادة الدولة لا يعرقل أو يعيق مسئوليتها الجنائية، بل تدل مسألة إقرار المسئولية أن الدولة تحترم وجودها في المجتمع الدولي، بل وتحافظ على العلاقات السلمية بينها وبين أقرانها من الدول.
وبالتالي يمكننا أن نقوم بتلخيص مبسط للمسئولية الجنائية الدولية من خلال تعريف بسيط للمسئولية الجنائية، حيث إنها تلك التي تترتب قبل شخص أو أشخاص القانون الدولي نتيجة قيامه بفعل ” إيجابي أو سلبي ” غير مشروع دوليا من شأنه أن يتسبب في ضرر لشخص آخر مما يحمل الأول التزام بالتعويض عن هذا الضرر.
إعداد / بسمة باسم.
[1] -جامعة الأندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية، الشارفي، علوي علي، ديسمبر 2019، ص 139.
[2] خالد طعمة صعفك الشمري – الكويت- 2005 – ص 40-

