الأنهار الدولية في الوطن العربي
إن مسألة المياه قد بات ينظر إليها في الآونة الأخيرة على أنها أحد أهم العوامل الرئيسية التي تهدد علاقات الدول ببعضها، فضلاً عن تهديد التفاهم المشترك بينهم ، وعلى الأخص تلك المنازعات التي تتعلق بالمياه والواقعة في حوض نهر دولي معين.
وجدير بالذكر أن الطلب المتزايد بشكل مستمر على المياه في جميع أنحاء العالم وخاصة فيما يسمى ” بدول الجنوب ” سوف يتسبب في التنافس الدولي من أجل الحصول على أكبر قدر من المياه مما يؤدي إلى ازدياد هذا التنافس وحدته خلال العقود، بل السنين القادمة.
وتشير بعض الأبحاث التي اهتمت بهذا الشأن، أن هذا التنافس من الممكن أن يفوق في قوته ذلك الصراع الذي نشأ وشهده العالم أجمع بشأن البترول في أوائل القرن الحالي، بالإضافة إلى أن التنافس الدولي من أجل السيطرة على الموارد المائية، سوف يتسبب بلا شك في تهديد الأمن الوطني لبعض الدول، وبالأخص تلك التي تقع في الجزء السفلى لمجاري الأنهار الدولية.
بالإضافة إلى ما تقدم، نجد أن عدد الأنهار الدولية الموجودة في الوطن العربي لا تتجاوز الخمسين نهراً، بما فيها نهرا دجلة والفرات، ويعتبر هذان النهران من الأنهار الرئيسية في الوطن العربي، حيث انهما يعتبران أطول الأنهار العربية بعد نهر النيل، ولكن نتيجة لعدة عوامل من ضمنها ارتفاع في درجات حرارة الأرض، والاستهلاك البشرى المتزايد، تسببت هذه العوامل في ظهور الأزمة المائية للمياه الصالحة للاستعمال البشرى وذلك في الآونة الأخيرة، وكانت نتيجة ذلك أن أصبحت الصراعات تتمحور حول الموارد المائية، متخذة عدة أشكال القانونية منها والاقتصادية والأمنية حتى العسكرية.
وفي مقالنا هذا سوف نسلط الضوء على التنظيم القانوني للأنهار الدولية والتي تقع في محيط الدول العربية:
أولا : ما المقصود بالنهر الدولي :
ثانياً : الأوضاع القانونية الراهنة لبعض الأنهار الدولية في الوطن العربي
ثالثاً: التنظيم القانوني لنهر النيل:
رابعاً : الوضع القانوني لنهري دجله والفرات :
خامساً : حقوق والتزامات الدول التي يمر بها نهري دجله والفرات:
أولا : ما المقصود بالنهر الدولي :
نجد أنه من الضروري أن نمهد أولا قبل الدخول في تفاصيل موضوعنا، أن نشير إلى بيان المقصود بالنهر الدولي وذلك وفقاً لما أستقر عليه القانون والعمل الدوليان.
في العموم تقسم الأنهار، وذلك من حيث علاقتها بالحدود السياسية الدولية، إلى نوعين:
النوع الأول : وهذا النوع يتمثل في مجموع الأنهار الوطنية أو الداخلية، وهي الأنهار التي يقع الواحد منها من المنبع حتى المصب داخل إقليم دولة واحدة، وبذلك نجد أن هذه الأنهار تخضع للسيادة الوطنية للدولة المعنية، وبالتالي لا تكون محلا ً لتطبيق قواعد القانون الدولي العام عليها.
أما بالنسبة للنوع الثاني: فهذا النوع هو الذي يضم مجموعة الأنهار الدولية، حيث إن هذه الأنهار هي التي يقع مجراها أو أي من روافدها داخل أراضي أكثر من دولة، ويطلق على الأنهار الدولية في العادة اصطلاح ” الأنهار الحدودية ” تلك الأنهار التي تفصل بين أراضي أكثر من دولة.
ويمكن أن نعطي مثال على هذا النوع من خلال (نهر الأردن ) ذلك النهر الذي يفصل مجراه الرئيسي بين كل من الأراضي الفلسطينية وبين الأراضي الأردنية، (وشط العرب ) الذي يفصل بين حدود كل من العراق وإيران.
أما الأنهار الدولية التي نجدها تخترق دولتين أو أكثر، فمن أمثلتها (نهر النيل ) الذي يمر بأراضي عشر دول، بالإضافة إلى (نهر الفرات ) الذي يمر بأراضي ثلاث دول.
ثانياً : الأوضاع القانونية الراهنة لبعض الأنهار الدولية في الوطن العربي
هناك عدة ملاحظات أولية ينبغي الإشارة إليها لأهميتها وذلك قبل التعرض إلى ماهية الأوضاع القانونية الخاصة بالأنهار الدولية في الوطن العربي:
1- على الرغم من وجود الاهتمام الدولي المشترك في العديد من الموضوعات، إلا أننا إلى يومنا هذا لم نجد أية اتفاقية دولية عامه، تقوم بتنظيم طريقة الانتفاع المشترك بموارد الأنهار الدولية وذلك في غير أغراض الملاحة.
ومن الملاحظ أنه لا يكاد يتجاوز بعض القواعد العامة في الاتفاقات الخاصة بتنظيم استخدام هذه الأنهار وذلك في حالة أغراض الملاحة الدولية، ونجد ذلك في اتفاقية لشبونة لسنة 1912، ومع ذلك نلاحظ أن بعض الدول النهرية قد نجحت في إبرام اتفاقية أنشأت بمقتضاها تنظيما خاصا للنهر الدولي المشترك، ويمكن الإشارة إلى (نهر الدانوب ) كحاله نموذجية بخصوص هذا الشأن.
2- أما بالنسبة للملاحظة الثانية التي يجب الإشارة إليها في هذا المقام مفادها، ألا وهي أنه رغم عدم وجود أية اتفاقية دوليه جماعية بشأن تنظيم الاستغلال المشترك بيد الدول للموارد المائية كما ذكرنا آنفا، إلا أنه يوجد بعض القواعد القانونية العامة في هذا الشأن، والتي يمكن استخلاصها من القانون الدولي العرفي، فنجد أن اتفاق مجموعات معينة من الدول النهرية على تنظيم قانوني معين بشأن النهر الذي يمر بأراضيها، وقيام بعض الدول بتواتر العمل على ذلك، وبمضي الوقت تنشأ “قاعدة عرفية” يمكن الاحتجاج بها، ويمكننا أن نعطي مثال على هذه الحالة من خلال الإشارة إلى حالة نهر دولي لم يقم أطرافه بوضع تنظيم قانوني له بعد ولكن تواتر سلوكهم على اتباع إجراءات معينة حتى أصبحت أمر ملزم لهم.
3- وبخصوص الملاحظة الأخيرة والتي تستحق الإشارة إليها هنا، وهي تتعلق بحالة الأنهار الدولية الموجودة في المنطقة العربية، فالثابت أنه لا يوجد إلى الآن أية اتفاقية دولية بشأن تنظيم طريقة الإفادة من أي من هذه الأنهار، فعلى سبيل المثال، لا نجد أية اتفاقية دولية واحدة مبرمة بشأن بين كل من ( تركيا، سوريا، العراق )، تلك الدول التي يمر بها نهر الفرات عبر أراضيها، بالإضافة إلى ذلك، حالة نهر الأردن وروافده، ولا يكاد يستثنى من ذلك إلا نهر السنغال، فعلى الرغم من قيام كلا من ( غينيا ، مالي، السنغال، موريتانيا ) بإبرام اتفاقية مشتركه فيما بينهم عام 1968، أنشأت بمقتضاها هيئه تنظيمية مهمتها العمل على التعاون الإقليمي بين هذه الدول الأربعة، إلا أننا نجد أن هذه الهيئة لاتزال عاجزه عن تحقيق التعاون المشترك بين هذه الدول المشار إليها.
وجدير بالذكر، أن بعض الاتفاقات التي تنظم العلاقات المائية بين دولتين أو أكثر من الدول الواقعة في أحواض الأنهار الدولية في الوطن العربي، كانت تأخذ شكلا مبسطا لا يتعدى في بعض الحالات، إصدار إعلان أو تصريح مشترك أو حتى في صورة تبادل مذكرات وأن هذا الشكل المبسط لا يليق ولا يتناسب مع الأهمية الكبرى لهذه النهار باعتبارها مرافق دولية عامة، وذلك بعكس الحال في بعض الأنهار الدولية الأخرى في العالم مثل نهر ( الميكونج، ونهر الدانوب ).
وبعد الإشارة إلى هذه الملاحظات، نحاول بعد ذلك إلقاء الضوء حول الوضع القانوني للأنهار الدولية في الوطن العربي، مركزين أساسا على حالة نهر النيل الواقع في الجزء الأفريقي في الوطن العربي.
ثالثاً: التنظيم القانوني لنهر النيل:
من الملاحظ أن التنظيم القانوني هو الحاكم لمسألة الاستغلال المشترك لموارد المياه في نهر النيل، وقد أسفرت الجهود التي بذلتها بريطانيا مع الأطراف الأخرى المعنية عن إبرام هذه الاتفاقات الآتية:
1- ما يطلق عليه بروتوكول روما الموقع في 15/4/1891 بين كلا من بريطانيا والتي كانت في ذلك الوقت ممثله عن (مصر والسودان )، وإيطاليا التي كانت ممثلة عن (أثيوبيا )، وذلك بشأن تعيين الحدود ومناطق النفوذ فيما يخص بأريتريا والسودان، وبموجب المادة (3) من البروتوكول، تعهدت الحكومة الإيطالية بعدم إقامة آية أعمال أو منشآت هندسية على نهر ” العطبره “، فقد يكون ذلك من شأنه التأثير بدرجة كبيره ومحسوسة على كمية مياه النهر، حيث أنه يعتبر أحد الروافد الأساسية التي تغذى ( النيل ) المصري وقت الفضيان.
2- اتفاقية أديس أبابا التي أبرمت في 15/5/1902 بين بريطانيا وإيطاليا بشأن الحدود المشتركة بين السودان المصري – البريطاني، وكل من أثيوبيا وأريتريا، ونجد أن بموجب هذه الاتفاقية قد تعهد ملك أثيوبيا، بعدم إقامة أي مشروعات سواء على بحيرة تانا أو النهر الأزرق أو نهر السوباط، تكون سببا في التأثير على وقف تدفق نهر النيل أو حتي التأثير عليه، وذلك بشرط الرجوع والاتفاق مع بريطانيا وحكومة السودان المصري – البريطاني .
3- الاتفاق الذي أبرم في 13/12/1906 بين كل من الدول الثلاثة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث نصت هذه الاتفاقية وتحديدا في المادة (3) أن يتعهد أطراف الاتفاقية بالمحافظة على وحدة أثيوبيا من جانب، ومن جانب آخر المحافظة على مصالح بريطانيا ومصر في حوض النيل، وبالأخص فيما يتعلق بتنظيم مياه النهر وروافده.
4- الاتفاق الذي أبرم بين بريطانيا وإيطاليا، خلال الفترة من 14 – 20/12/ 1925، والذي أخذ صورة تبادل المذكرات، ونجد بموجب هذه الاتفاقية أن إيطاليا قد اعترفت بالحقوق الأولية المائية لمصر والسودان وذلك فيما يتعلق بالنيلين الأزرق والأبيض فضلا عن روافدهما، بالإضافة إلى ذلك تعهدت إيطاليا بالامتناع عن القيام بأي عمل قد يتسبب في تعديل حجم المياه في هذين النهرين بدرجة محسوسة.
5- الاتفاقية التي أبرمت عام 1932 بين كل من مصر وبريطانيا، والتي قضت بإنشاء مشروع خزان جبل الأولياء، وجدير بالذكر أن هذا المشروع قدرت طاقته التخزينية بنحو 3,5 مليار متر مكعب سنويا.
6- اتفاقية القاهرة لمياه النيل لعام 1959 والتي عُقدت بين كل من مصر وحكومة السودان بعد الاستقلال، ومن الملاحظ على هذه الاتفاقية أنها أعادت التوكيد على الحقوق التاريخية للدولتين في مياه النيل، كما يلاحظ عليها أيضا أنها وضعت إطارا قانونيا يتسم بالتنظيم والشمولية وذلك من أجل تنظيم العلاقة بين كل من هاتين الدولتين العربيتين، ونجد أن بموجب هذا الإطار القانوني، اتفق الطرفان على أن تقوم مصر ببناء ” السد العالي ” وتتولى توزيع حصيلة ما تخزنه من مياه وذلك مقدر بنسبة 14,5 مليار متر مكعب سنويا للسودان، فضلا عن 7,5 مليار متر مكعب لمصر.
أما بالنسبة لمشروعات تنظيم واستغلال مياه النيل، فقد نصت الاتفاقية على التعاون بين الدولتين وذلك في مواجهة باقي دول الحوض الأخرى، على أن تقوم مصر بتقديم تعويض مناسب للسودان بمقدار 15 مليون جنيه مصري وذلك في مقابل الأضرار التي ستصيبه من جراء إنشاء بحيرة ناصر.
وجدير بالذكر بخصوص هذه الاتفاقات السالف ذكرها، لم تنشئ مراكز قانونية جديده لأطرافها، وإنما كشفت فقط عما هو معمول به من الأساس فيما يتعلق بتوزيع مياه النيل.
رابعاً : الوضع القانوني لنهري دجله والفرات :
1- الوضع القانوني لنهر دجلة:
يمثل نهر دجلة أحد أهم الأنهار في العراق، حيث يتم استغلاله في الأغراض الصناعية والزراعية وغير ذلك، وجدير بالذكر أن في الغالب تلجأ الدول التي يجري النهر الدولي في إقليمها، إلى الاتفاق على كيفية الانتفاع بمياه النهر، وفي حالة إخلال إحدى الدول بالالتزامات المفروضة عليها طبقا لما ورد في الاتفاقية المبرمة يتم اللجوء إلى التحكيم الدولي لحل هذا النزاع.
ومن ضمن الاتفاقات المبرمة والتي توضح حقوق الدول وواجباتها بشأن تقاسم المياه واستغلالها، ( الاتفاق المبرم بين باكستان والهند )، لعام 1961 ” حول ” نهر الهندوس “ فضلا عن الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا لعام 1961، تلك الاتفاقية الخاصة بتنمية الموارد المائية ” لحوض كولومبيا “.
وجدير بالذكر أن العراق مثلها مثل باقي الدول الأخرى التي تشترك مع غيرها في المجاري المائية الدولية، حيث تستند إلى القواعد والمبادئ التي أقرها القانون الدولي العام، وذلك بشأن تنظيم مسألة استغلال المجرى المائي الدولي.
ومن قراءة تنظيم القانون الدولي للمجري المائي الدولي، يتضح لنا بعض النتائج التي يمكن ذكرها كالآتي:
- وجوب تطبيق مبدأ المساواة بين الدول وذلك بخصوص استخدام المياه الدولية.
- إن النهر الدولي هو الذي يمر عبر أراضي دولتين أو أكثر أو يفصل ما بين هذه الأراضي.
- احترام مبدأ المساواة في الاستعمال فضلا عن مبدأ التوزيع المنصف والمعقول.
- مراعاة حقوق الدول الأخرى المشتركة في النهر وعدم الإضرار بها، حيث إن للدول حق التمتع بحرية استخدام المياه التي تمر في أراضيها استخداما منصفا ومعقولا.
ويؤكد جانب من الفقه الدولي بالإضافة إلى ما أكدته محكمة التحكيم الدولية في قرارها الصادر سنة 1937، بالاعتراف للدول بالسيادة على جزء من النهر الدولي والذي يمر في إقليمها فضلا عن الانتفاع والاستفادة منه في الأغراض الزراعية والصناعية، ولكن بشرط عدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى المشاركة في النهر.
ولعل من المهم أن نذكر مشكلة (تركيا ) في عدم الاعتراف بالصفة الدولية لهذه الأنهار، حيث تقف هذه المشكلة حجر عثرة في طريق مسألة تنظيم واستغلال مياه نهري دجلة والفرات، حيث إن تركيا تعتبرها مياه وطنيه حتى النقطة التي تلتقي فيها الحدود التركية مع الحدود السورية، فهي لا تعتبرها مياه دولية إلا عند التقائها مع نهر الفرات في شط العرب.
ولكن يلاحظ أن الموقف التركي قد جانبه الصواب وذلك للأسباب التالية:
1- أن هذا الرأي يعتبر نهر دجلة نهرا عابرا للحدود، ولكنه ينسى اعتماد العراق على مياه النهر لإشباع حاجاته الحيوية، وقد استقر ذلك مدة طويلة من الزمن أصبحت حقوق العراق بمقتضاها حقوق مكتسبة تستوجب الحماية.
2- أن المجرى المائي يضم شبكة المياه السطحية والجوفية، وهذا ما أكدته الاتفاقية الدولية الأخيرة لتنظيم استخدام المياه في غير الأغراض الملاحية لعام ۱۹۹۷.
ويشكل النهران، بحكم علاقتهما الطبيعية، كلا ً واحدا ً وتتدفق مياههما صوب نقطة وصول مشتركة، والمهم هو جریان الماء الشهر الكلي وليس مكان وصول الماء النهائي، لذلك فأن ربط النهرين بقناة لا يحولهما إلى حوض واحد أو جزء من مجرى مائي واحد ([1]).
ولذلك نجد أن الجانب العراقي قد رفض الموقف التركي حيث إنه لا يتفق مع قواعد القانون الدولي فضلا عن المبادئ المستقرة في الاتفاقات والأعراف الدولية.
2- الوضع القانوني لنهر الفرات :
يعتبر نهر الفرات من الأنهار الدولية وذلك وفقا للقانون الدولي، بسبب اشتراك أكثر من دولة في حوضه، فضلا عن اعتماد دول عديدة من ضمنها العراق على الحوض تاريخيا في بناء حضارتها.
وتجدر الإشارة، بداية إلى حقيقة أن المركز القانوني الدولي لنهر الفرات لم يتحدد إلا منذ أوائل العشرينيات من القرن الحالي، وذلك بإعلان تركيا بموجب معاهدة لوزان عام ۱۹۲۳ تنازلها عن ولاياتها العربية التي بادرت – تباعا – إلى إقامة كياناتها السياسية المستقلة، وقد ترتب على ذلك أن أضحى النهر ذو صفة دولية لمروره بأراضي ثلاث دول هي من جهة المنابع إلى جهة المصب : تركيا، سوريا، العراق ([2]).
ولتحديد الوضع القانوني للنهر يمكن اللجوء إلى المعاهدات العامة فضلا عن المعاهدات التي وقعت بين الدول المشاطئة، بالإضافة إلى ذلك، يعتمد العراق مع الجانب التركي في معالجة الوضع القانوني لنهر الفرات، وحتى نهر دجلة على بعض الوثائق والتي من ضمنها:
1- الأحكام الواردة في كل من ميثاق الأمم المتحدة واللائحة الداخلية لمحكمة العدل الدولية، خاصة ما ورد في (المادة 38) منها.
2- العرف الدولي الناجم عن العديد من الاتفاقيات التي أبرمت بين الدول وذلك لتنظيم علاقتها المتعلقة بالمياه الدولية المشتركة.
3- توصيات مؤتمر ريودي جانيرو لسنة 1992.
4- معهد القانون الدولي وقواعد هلسنكي لسنة 1966.
5- نتائج إعمال لجنة القانون الدولي، بالإضافة إلى نتائج اللجنة الاستشارية القانونية الآسيوية – الأفريقية، الخاصة بمشروع قانون الأنهار الدولية.
6- إعلان مونتفيديو لسنة 1993، الصادر عن المؤتمر الدولي السابع الخاص بالدول الأمريكية.
ومن الملاحظ أن هذه الوثائق القانونية تتفق على مبدأين ألا وهما: عدم جواز الأضرار بالغير، فضلا عن ضرورة اقتسام استخدامات المياه الدولية المشتركة بشكل عادل ومنصف.
خامساً : حقوق والتزامات الدول التي يمر بها نهري دجله والفرات:
1- حقوق الدول التي يمر بها النهران:
إن مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول للمياه، هو المرشد الحقيقي لتحديد حقوق الدول المتشاطئة من نهري دجلة والفرات، وهذه المسألة تمت مناقشتها تحديدا في مجموعة قواعد ” هلسنكي لعام 1966 ” وذلك من قبل جمعية القانون الدولي.
ولابد من الرجوع إلى أهم المبادئ والتي نصت عليها الاتفاقات والأعراف الدولية، وذلك لتحديد حقوق الدول المتشاطئة للنهرين، على النحو التالي:
- إن لكل دولة من دول المجرى المائي الدولي والخاصة بنهر دجلة والفرات الحق في الانتفاع بمياه النهرين على نحو منصف ومعقول، وذلك ضمن حدود إقليمها من مياه المجرى المائي، وفى المقابل احترام حق كل دولة مشاركه وعدم حرمانها من الانتفاع المنصف.
- إن حق الانتفاع هو حق ضمني يتمثل في أن لكل دولة مشاطئة الحق في طلب الحصول على مساعدة من الدولة الأخرى، وذلك في مجال المحافظة على التوزيع العادل والمنصف لاستخدامات وحماية وتنمية المجرى المائي.
- لكل دولة مشاطئة لنهري دجلة والفرات الحق في استخدام واستغلال الجزء الذي يمر في أراضيها، ولكن بشرط عدم الإضرار بمصالح الدولة الأخرى، وذلك وفقا لما قررته محكمة العدل الدولية، فضلا عن إعلان أمريكا الصادر في عام 1933.
- إن الدولة التي يجري فيها جزء من النهر الدولي، لها الحق في مباشرة جميع أعمال السلطة العامة، من أمن وتنظيم لشؤون الملاحة، فضلا عن الحق في استغلاله في جميع النواحي الصناعية والزراعية والمالية، ولكن مع مراعاة حقوق الدول الأخرى، وعدم الأضرار بمصالحها.
2- التزامات الدول التي يمر بها النهران :
إن الانتفاع المنصف هو المبدأ الواجب تنفيذه على الدول المشتركة في النهر الدولي، حيث يتعين عليها الالتزام ببعض الواجبات عند قيامها باستغلال نهري دجلة والفرات، وجدير بالذكر أن هذه الالتزامات قد تبلورت مع ظهور قواعد القانون المعنية بتنظيم الاستغلال غير الملاحي للأنهار الدولية أي أنها ليست وليدة الحاضر.
ومن أهم الواجبات التي يجب أن يلتزم بها الدول المتشاطئة وذلك عند قيامها بالانتفاع بمياه النهرين:
- لا يجوز لأي دولة مشاطئة أن تستخدم مياه أي النهرين بحيث يترتب على هذا الاستخدام ضرر ومساس جوهري بمصالح وحقوق الدول الأخرى والتي يمر النهر في إقليمها.
- عند ممارسة الدولة لسيادتها، لابد أن تلتزم بعدم المساس بالأوضاع الطبيعية والجغرافية والتاريخية للنهر، فضلا عن الاستفادة بالقدر المعقول والمنصف للنهر.
- يجب على أي دولة تريد أن تقوم بإنشاء أية مشاريع على نهري دجلة والفرات، أن تعلم أولا باقي الدول الأخرى بذلك، وأن تزودها بكافة المعلومات والبيانات والوثائق، حتى تستطيع الدول الأخرى أن تقدر ما لتلك المشاريع من تأثير على حقوقها في الانتفاع بمياه النهرين.
- من المهم أن يتم تشكيل لجان عليا مشتركة بين الدول المتشاطئة، حتى تعمل على متابعة موضوعات المياه المشتركة، فضلا عن إعطاء حلول مستقبلية، بالإضافة إلى دراسة جيدة ووضع خطة من أجل تحقيق التعاون والتنمية.
سابعاً: نهر الأردن:
بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948 والاعتراف به دولياً، أصبح نهر الأردن نهرا دوليا، وذلك بعد أن كان نهرا عربيا خالصا، فنجد أن بعد هذا التاريخ على وجه التحديد أصبح النهر يمر بأراضي أربع دول ألا وهي: دولتا المنبع الرئيسي سوريا ولبنان، بالإضافة إلى كل من الأردن والكيان الصهيوني، وجدير بالذكر أن 77% من الموارد المائية لنهر الأردن آتية من الدول العربية الثلاث التي ذكرناهم آنفا : أي (سوريا ولبنان والأردن).
وينقسم نهر الأردن إلى ثلاث أقسام وهي : “الأردن الأعلى”،( ويمتد من منابع النهر- في سوريا ولبنان- حتى بحيرة الحولة، ويعتبر من أهم روافد نهر الأردن :(بانياس في جبل الشيخ، والدان، والحاصباني)، وهناك “الأردن المتوسط” فضلا عن ” الأردن الأعلى” فيمتد من الحولة حتى بحيرة طبرية.
وبالنسبة للقسم الثالث لنهر الأردن فتمثل في ” الأردن الأدنى” حيث يمتد من بحيرة طبرية إلى مصب النهر في البحر الميت، وجدير بالذكر أنه بذلك يمثل طول هذه المسافة حد الحدود الدولية بين كلا من المملكة الأردنية الهاشمية والكيان الصهيوني.
وأما الروافد الرئيسية التي يستمد منها نهر الأردن ماءه فهي أربعة فهناك، أولا، رافد نهر بانياس وينبع – كما تقدم – من منطقة جبل الشيخ في سورية، وتصل كمية المياه السنوية التي يلقى بها هذا الرافد – في المتوسط – في المجرى الرئيسي للنهر إلى حوالي ۱۲۰ مليون متر مكعب، وثانية، هناك رافد نهر الحصاني على بعد 14 كم من بحيرة الحولة، وتأتي معظم مياه هذا الرافد من الأراضي اللبنانية، وتبين أنه على خلاف الحال بالنسبة لبعض الروافد الأخرى لنهر الأردن كرافد نهر الدان مثلا، يعتبر الحصبان من أكثر روافد هذا النهر تغيرا على مدار السنة، وهو يصب كمية من المياه في المجرى الرئيسي للنهر تصل إلى نحو 140 مليون متر مكعب سنويا في المتوسط ، وهناك، ثالثا، رافد نهر الدان والذي يعتبر من أكثر روافد نهر الأردن استقرارا، وهو يصب كمية من المياه تتراوح ما بين 200 إلى 250 مليون متر مكعب في المجرى الرئيسي لنهر الأردن ، وبما يعادل نحو 50 ٪ من جملة الإيراد السنوي لهذا النهر الأخير. ([3])
ثامناً: نهر العاصي:
يتبع هذا النهر الأراضي اللبنانية وبالأخص في منطقة البقاع، والى تصل المسافة إلى نحو 46 كم قبل اجتيازه الحدود اللبنانية وصولا إلى الحدود السورية، ويسير نهر العاصي بعد ذلك لمسافة تصل إلى نحو 450 كم وذلك داخل الأراضي السورية، ثم يتجه بعد ذلك صوت لواء الإسكندرية لينتهي إلى خليج السويدية على البحر المتوسط.
ونجد أن نهر العاصي هو الوحيد من بين أنهار منطقة بلاد الشام والذي يسير من الجنوب لاتجاه الشمال، وبذلك تمت تسميته بهذا الاسم “العاصي”.
تاسعاً : نهر شط العرب:
إن شط العرب هو الذي يشكل الحدود السياسية أو الخط الفاصل بين كل من العراق وإيران، حيث نجد أنه يتكون من التقاء نهري الفرات ودجلة وذلك عند المنطقة المعروفة في العراق ” بكرمة على “
ونجد أن من نقطة التقاء نهري دجلة والفرات وحتى مصبه على الخليج العربي يبلغ طول شط العرب حوالي 400 كم.
أما بالنسبة لعرضة فهو يتراوح ما بين (1,5) كم وذلك عند المصب بالإضافة إلى 400 كم عند مدينة البصرة في العراق.
وعند مدينة المحمرة “خر مشهر” يصب في شط العرب رافد جديد يسمى (نهر قارون ) والذي ينبع من الأراضي الأردنية.
أما بالنسبة للاتجاه العام لسير مجرى شط العرب، فن الملاحظ أنه يجري بكامله داخل الأراضي العراقية في اتجاه الجنوب الشرقي وذلك حتى جنوب شرقي مدينة البصرة وبكلتا ضفتيه، ويقدر طول هذه المسافة بحوالي 102 كم، ولكن بداية من موقع مدينة البصرة نجد أن المجرى يستمر في الجريان داخل الأراضي العراقية، ومع سيطرة دولة إيران على ضفته الشرقية ولمسافة تمتد لحوالي 102 كم أيضا.
إعداد/ بسمة باسم.
[1] أ/د صادق زغير محيسن، م/د محمد سلمان محمود، التنظيم القانوني للأنهار الدولية ( دجلة والفرات نموذجاً)، كلية القانون، جامعة ميسان، ص6.
[2] أنظر جامعة الدول العربية –الأمانة العامة – الرشيدي – أحمد حسن – 1996- ص 25.
[3] – جامعة الدول العربية- الأمانة العامة- الرشيدي، أحمد حسن –يونيو- 1996-ص 27

