القرائن القضائية
تحتل القرائن مكانة مهمة في الإثبات، حيث تشكل احدى القواعد الأساسية لوصول القضاء الى حكم عادل، إذ أن الحصول على الأدلة التي تنصب مباشرة على الواقعة محل البحث قد يكون متعذرا أو مستحيلا في كثير من الأحيان، فالقاضي لا يستطيع دائما أن يصل الى الحقائق بصورة مباشرة، فيلجأ الى تحكيم عقله وذلك باستخدام ضوابط الاستدلال وأصول المنطق للتعرف على أكبر قدر من تلك الحقائق بصورتها المطابقة للحقيقة وهذا كله يندرج تحت ما يسمى بالقرائن القضائية، وفي مقالنا هذا سنتناول ما يلي بالتفصيل:
جدول المحتويات
خصائص ومميزات القرائن القضائية
أوجه الشبه والاختلاف ما بين القرائن القانونية والقرائن القضائية
حجية القرائن القضائية في الإثبات
تعريف القرائن القضائية
عرفت المادة 43 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته، هذه القرائن بأنها القرائن التي لم ينص القانون عليها، ويستخلصها القاضي من ظروف الدعوى ويقتنع بأن لها دلالة معينة، حيث يترك لتقدير القاضي استنباط هذه القرائن.
وعليه فهي من أعمال القاضي، فهو الذي يقوم باستنباطها من ظروف الدعوى، سواء أكانت ثابتة في الدعوى المعروضة عليه أم من خارجها، ولا يجوز الإثبات بها إلا في الأحوال التي يجوز الإثبات فيها بشهادة الشهود.
أركان القرائن القضائية
تقوم القرائن القضائية على ركنين أساسيين هما الركن المادي، حيث يتكون من الوقائع الثابتة الدلالة، فقد أطلق المشرع الأردني عليها في المادة 43 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته بظروف الدعوى، فالقرينة القضائية لا تتقرر إلا إذا استخلص القاضي من واقعة ثابتة الدليل على واقعة مجهولة.
والركن الثاني هو الركن المعنوي، حيث يتمثل بعملية استنباط دليل الإثبات من الركن المادي، ويستخدم القاضي فيه عقله، وقواعد المنطق ليصل الى الواقعة المراد إثباتها، حيث يعتبر ذلك من أعمال القاضي، ويتطلب منه بذل مجهود ذهني كبير لتكوين اعتقاده من أجل أن يستخلص هذه القرينة من الواقعة الثابتة المعلومة للوصول الى الواقعة المجهولة.
ومن الأمثلة على القرينة القضائية، استنباط القاضي من واقعة القرض أن المقترض كان بحاجة الى المال عندما اقترض، وكذلك أيضا استنباط القاضي من صلة القرابة قرينة على صورية التصرف محل الدعوى.
خصائص ومميزات القرائن القضائية
تعتبر القرائن القضائية دليل إثبات غير قاطع، حيث يمكن للخصم إثبات ما يخالفها بمثلها وبما هو أقوى منها، وهي أيضا من أدلة الإثبات غير المباشرة، كونها لا تنصب على الواقعة القانونية مصدر الحق المدعى به وإنما على واقعة أخرى قريبة منها ومتصلة ومتعلقة بها.
ومن ميزات هذه القرائن أيضا أنها ليست محددة على سبيل الحصر، والعلة في ذلك أنها سلطة من سلطات وصلاحية من صلاحيات القاضي، لذلك فهي تختلف من دعوى الى أخرى، كما تعتبر هذه القرائن حجة متعدية، أي تكون حجة ثابتة في مواجهة الكافة (الخصوم والغير).
كما تتميز هذه القرائن بأنها لا تتمتع بطابع العموم والشمول في أغلب الأحوال لأنها تتغير وتتبدل، ولكن في حال تواتر القضاء على الأخذ بها تكتسب بذلك طابع إلزامي لتتحول في ذلك الى قرينة قانونية.[1]
وأخيرا تمتاز هذه القرائن بأنها من الأدلة المقيدة في الإثبات، حيث لا يجوز الإثبات فيها إلا في الأحوال التي يجوز الإثبات فيها بالشهادة، والعلة في ذلك من أجل الحد من الأخطاء التي قد تقع نتيجة خطأ القاضي في الاستنباط.
أوجه الشبه والاختلاف ما بين القرائن القانونية والقرائن القضائية
أوجه الشبه: تقوم كل من القرائن القانونية والقرائن القضائية على استنباط واستخلاص واقعة مجهولة وغير ثابتة من واقعة معلومة وثابتة وذلك على أساس ما هو راجح الوقوع، كما يجب في كليهما إثبات هذه الواقعة المعلومة.
أوجه الاختلاف: أما عن أوجه الاختلاف بينهما فتتمثل بأن مصدر كل منهما يختلف عن الآخر، فالقرائن القانونية مصدرها القانون فهي من صنع المشرع، أما القرائن القضائية فمصدرها هو القضاء وهي من عمل القاضي.
والقرائن القانونية تمتاز بأن لها صفة التجريد لكونها تتقرر مقدما، أما القرائن القضائية فلا تتقرر إلا بمناسبة دعوى مطروحة أمام القضاء، فلا تتقرر مقدما كما هو الحال في القرائن القانونية.
أما من حيث طابع الإلزام فالقرائن القانونية تتمتع بهذه الصفة، كونها وبمجرد نص المشرع عليها تكون ملزمة للقاضي ويقتصر دوره في حال وجودها وتوافرها على التحقق من مدى انطباق هذه القرينة على واقعة الدعوى وليس له سلطة تقديرية فيها، أما القرائن القضائية فلا تتمتع بهذه الصفة، لكونها خاضعة للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، فهو فقط من يستقل بتقديرها ولا رقابة عليه في ذلك.
كما تختلف كل منهما من حيث حجية الإثبات، فالقرائن القانونية البسيطة يجوز نقضها بالدليل العكسي، أما القرائن القضائية فتقبل دائما إثبات العكس ويجوز نقضها بكافة طرق الإثبات، وهي مقيدة بما يجوز إثباته بالشهود فقط.
والقرائن القضائية لا يمكن حصرها على خلاف القرائن القانونية المحددة والمحصورة في نصوص قانونية لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.
حجية القرائن القضائية في الإثبات
باستقراء نص المادة 43 فقرة 2 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته يتضح لنا أن القرائن القضائية تقع في مرتبة أدنى من الكتابة والإقرار واليمين، لكون المشرع وضعها منزلة الشهادة، حيث تعتبر هذه القرينة ذات حجية متعدية وغير ملزمة، فهي تقبل إثبات العكس بكافة طرق الإثبات، وتأخذ حكم الشهادة لأنها تقوم على الظن والترجيح.[2]
النصوص القانونية المتعلقة بالقرائن القضائية
قانون البينات الأردني
المادة 43:
- القرائن القضائية هي القرائن التي لم ينص عليها القانون ويستخلصها القاضي من ظروف الدعوى ويقتنع بأن لها دلالة معينة ويترك لتقدير القاضي استنباط هذه القرائن.
- لا يجوز الإثبات بالقرائن القضائية إلا في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة.
اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن القرائن القضائية
قرار محكمة التمييز الصادر عن الهيئة العادية رقم 327/2006 فصل 16/5/2006:
“وحيث أن قبض الأجرة عن فترة لاحقة يعتبر قرينة قضائية على استيفاء الأجور عن الفترات السابقة ونجد أن المادة 43 من قانون البينات عرفت القرائن القضائية في فقرتها الأولى، وكما ورد في الفقرة الثانية أنه لا يجوز الإثبات بالقرائن القضائية إلا في الأحوال التي يجوز الإثبات فيها بالشهادة أي أن عبء الإثبات في القرائن القضائية يقع على عاتق من يتمسك بالقرينة “.
إعداد المحامية : ثمار إبراهيم
الموقع الإلكتروني حماة الحق للمحاماة
[1] -أحمد شرف الدين –أصول الإثبات في المواد المدنية والتجارية – ص 242.
[2] – قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته – المادة 43/2.

