مسؤولية المنظمات الدولية
تعد المنظمات الدولية من الكيانات الحديثة التي طرأت على المجتمع الدولي، وتتعدد المنظمات الدولية فمنها ما هو على مستوى عالمي مثل منظمة الأمم المتحدة، ومنها ما هو إقليمي مثل الاتحاد الأفريقي، ومنها ما هو قائم على أساس الهوية مثل جامعة الدول العربية، ومنها ما هو قائم على أساس ديني مثل منظمة التعاون الإسلامي.
وفي سبيل تناولنا لمسؤولية المنظمات الدولية يجب أن نُعّرف المنظمات الدولية، وأن نتناول نشأة وتطور المنظمات الدولية، ثم تصنيف المنظمات الدولية، وأخيرًا نتحدث عن مسؤولية المنظمات الدولية كما يلي:
أولاً: تعريف المنظمات الدولية:
ثانيًا: نشأة وتطور المنظمات الدولية:
ثالثًا: تعريف المسؤولية الدولية
رابعًا: عناصر المسؤولية الدولية:
خامسًا: الشخصية القانونية للمنظمات:
سادسًا: أنواع المسؤولية الدولية للمنظمات:
سابعًا: أركان المسؤولية الدولية للمنظمات الدولية:
أولاً: تعريف المنظمات الدولية:
لم يتفق فقهاء القانون الدولي على تعريف موحد للمنظمات الدولية، وإن كانت هناك بعض العناصر المشتركة التي اتفقوا عليها، فمن هذه التعريفات ما ذهب إليه البعض بأن المنظمة الدولية هي: “هيئة دائمة تنشئها الدول لممارسة اختصاصات دولية في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين”([1]).
وقد ذهبت البعض الأخر للقول بأن المنظمات الدولية هي: “هيئة دولية تتمتع بالإرادة الذاتية، وبالشخصية القانونية الدولية المستقلة تنشأ باتفاق مجموعة من الدول لمباشرة الاختصاصات التي يتضمنها الاتفاق المنشئ للمنظمة”([2]).
ويتضح من التعريفين السابق ذكرهما، ومن غيرهما من التعريفات أن المنظمات الدولية يشترط لقيامها أن تتوافر فيها عدة عناصر، وهي:
1ـ التنظيم:
وذلك لأن المنظمة الدولية تعتبر كيان قانوني له حقوق وعليه التزامات قانونية، وهذا ما يستلزم أن تكون لها من الصلاحيات ما يمكنها من القيام بالمهام المنوطة بها بكفاءة واقتدار، ولكي تتمكن المنظمة الدولية من القيام بمهامها يجب أن يتوافر بها شرطين هما:
- الإرادة الذاتية: وتعني بأن يكون للمنظمة الدولية الإمكانيات التي تمكنها من التعبير عن رأيها أمام المجتمع الدولي بشكل عام، وأن يكون لها رأي مستقل عن باقي أعضاء المجتمع الدولي بلا أي ضغوط من الدول الأعضاء المكونين لها، وهذا يكون طبقًا لنصوص ميثاق تكوين المنظمة من حيث طرق التصويت والحد الأدنى الذي تنعقد به الجمعية العمومية للمنظمة.
- الاستمرار والدوام: ونعني بهذا الشرط أن يكون الغرض من تأسيس المنظمة أن تقوم بعملها بشكل دائم ومستمر، وأن تكون أهدافها طويلة المدى، وأن تعمل على تحقيق هذه الأهداف بشكل دائم ومستمر، ولا يعني هذا الشرط أن تعمل المنظمة إلى ما لا نهاية؛ إذ أن هذا يتعارض مع طبيعة الحياة بشكل عام، حيث إن دوام المنظمة يوصف بالدوام النسبي وليس المطلق، وهذا ما يوضح الاختلاف بين المنظمة الدولية والمؤتمرات الدولية؛ فالمؤتمر الدولي ينعقد لغرض معين وينتهي بانتهائه.
2ـ الصفة الدولية:
الذي يميز المنظمات الدولية عن المنظمات الوطنية هو اتصافها بالدولية، ونعني بهذا الشرط أن من يقوم بتأسيس المنظمات الدولية هم الدول فقط طبقًا لقواعد القانون الدولي، وصفة الدولية شرط أساس لتكوين المنظمات الدولية، إذ أن المنظمات الدولية تقوم على أساس اتفاق حكومي، يترجم في صورة معاهدة دولية أو ما يطلق عليه “ميثاق إنشاء المنظمة”.
وتختلف المنظمات الدولية الحكومية عن المنظمات الدولية غير الحكومية، فالأولى هي التي تعنينا في هذا المقال، أما الثانية فتكوينها يختلف عن تكوين المنظمات الدولية الحكومية؛ إذ أنها تنشأ باتفاق بين جهات ومؤسسات غير حكومية، ولكنها تنتمي إلى جنسيات مختلقة ومتعددة، مثال ذلك منظمة الطيران المدني ومنظمة الصليب الأحمر، وهذا ما أقره المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراره الصادر عام 1950 والذي نص على أن: ” كل منظمة لا تنشأ عن طريق اتفاقات بين الحكومات تعد منظمة دولية غير حكومية”.
ثانيًا: نشأة وتطور المنظمات الدولية:
1ـ نشأة المنظمات الدولية:
قبل طرح فكرة المنظمات الدولية المتصفة بالاستمرارية والدوام كانت الدول تعالج مشاكلها المشتركة عن طريق المؤتمرات الدولية، وهي بذلك تسعى إلى حل مشكلة طرأت على الساحة الدولية، وينقضي المؤتمر بحل تلك المشكلة.
ثم تطورت فكرة المؤتمرات الدولية بأن تم تفعيل فكرة المنظمات الدولية والتي حصلت على إرادة مستقلة عن الدول الأعضاء فيها، وتختلف عن المؤتمرات بأنها تأخذ قراراتها بالأغلبية، حيث يلتزم الأقلية بالقرار الصادر عن الأغلبية، أما في المؤتمر الدولي فإن القرار لا يلزم إلا من وافق عليه فقط.
2ـ مراحل تطور الدول ([3]):
مرت ظاهرة المنظمات الدولية بثلاث مراحل أساسية:
- المرحلة الأولى: هي تلك التي تبدأ من مؤتمر فينا عام 1814 ـ 1815 وحتى بداية الحرب العالمية الأولى، بالرغم من أن التطور الفعلي للمنظمات الدائمة لم يحدث حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
- المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما بين الحربين العالمتين، والتي شهدت إنشاء عصبة الأمم ومنظمة العمل الدولية في اتفاقية خرساي، والتي امتدت إلى إنشاء محكمة العدل الدولية الدائمة، لتنتهي بقيام الحرب العالمية الثانية.
- المرحلة الثالثة: وهي تبدأ من نهاية الحرب العالمية الثانية وتمتد حتى اللحظة الحاضرة، وهي التي شهدت قيام منظمة الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الأخرى.
ثالثًا: تعريف المسؤولية الدولية
يُعرف جانب من الفقه المسؤولية الدولية بأنها: “نظام قانوني يكون بمقتضاه على الدولة التي ينسب إليها فعل غير مشروع طبقًا للقانون الدولي التزام بإصلاح ما ترتب على ذلك الفعل حيال الدولة التي ارتكب هذا الفعل ضدها”([4]).
وعرفها البعض الأخر بأنها: “ما ينشأ نتيجة عمل مخالف لالتزام قانوني دولي ارتكبه أحد أشخاص القانون الدولي، وسبب ضررًا لشخص دولي أخر، وأن غايتها تعويض ما يترتب على هذا العمل من ضرر”([5]).
وقد عرفها الفقيه الفرنسي شارل روسو بأنها: “وضع قانوني تلتزم بموجبه الدولة التي ينسب إليها ارتكاب فعل غير مشروع وفقًا للقانون الدولي بأن تصلح الضرر الذي لحق بالدولة التي ارتكب في مواجهتها هذا الفعل”([6]).
ويتضح من التعريفات السابق ذكرها أن المسؤولية الدولية تشترك في ثلاثة عناصر وهما الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، وهذا ما سنتناوله في الفقرة التالية.
رابعًا: عناصر المسؤولية الدولية:
أ ـ الخطأ:
وهو ذلك الفعل الذي يعد انتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي العام، وينطوي على خروج المنظمة الدولية مرتبكة الخطأ عن المتبع والمألوف في التعامل مع غيرها من الدول أو المنظمات الدولية، ويسمى الخطأ أيضًا بالفعل الغير مشروع دوليًا.
ولا يشترط أن يصدر الخطأ عن فعل إيجابي؛ حيث قد يكون الخطأ ناشئ عن موقف سلبي من أحد أشخاص القانون الدولي يتمثل في الإحجام عن القيام بأحد الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي العام.
ويشترط في الخطأ أن ينسب لشخص من أشخاص القانون الدولي، وأن يكون مخالفًا لقواعد القانون الدولي.
ب ـ الضرر:
يجب أن يقع الضرر على أحد أشخاص القانون الدولي العام، والضرر في القانون الدولي العام يشمل المساس بأي حق أو مصلحة لأحد أعضاء المجتمع الدولي، فلا تفرقة بين أن يكون الذي وقع عليه الضرر دولة أو منظمة دولية أو حتى الأفراد[7]، ويستحق المضرور من أعضاء المجتمع الدولي تعويض نتيجة للضرر الذي تعرض له، مع ملاحظة أن التعويض لا يكون إلا عن الأضرار المباشرة فقط.
ج ـ علاقة السببية بين الخطأ والضرر:
يقع عبء إثبات الخطأ الواقع من المنظمة الدولية والضرر الناتج عن الخطأ على عاتق الدولة أو المنظمة التي تعرضت للضرر، وإذا لم تستطيع إثبات الضرر الواقع عليها فلا مجال هنا لمسألة المنظمة الدولية مرتكبة الخطأ، ولا تنشأ عنه المسؤولية الدولية، وقد تناولت المادة الثالثة من مشروع لجنة القانون الدولي مسؤولية الدول تجاه بعضها البعض فيما يتعلق بالفعل الذي يترتب عليه ضرر للغير.
حيث نصت (المادة 3) على أن: ” كل فعل غير مشروع دولياً ترتكبه المنظمة الدولية يترتب عليه المسؤولية الدولية للمنظمة”.
خامسًا: الشخصية القانونية للمنظمات:
تعتبر المنظمة الدولية كيان تقوم الدول بإنشائه من أجل تحقيق أهداف مشتركة يلزم لبلوغها منح المنظمة الدولية ذاتية مستقلة:
أ ـ كيان دائم: حيث يكون للمنظمات أجهزة تباشر من خلالها أنشطتها اليومية، وتلك الأجهزة هي التي تعبر عن ديمومة المنظمة الدولية.
ب ـ الصفة الدولية: تنشئ الدول منظمات لها صفة دولية، وتكون العضوية في تلك المنظمات اختيارية، حيث يكون للدولة راغبة الانضمام أن تُقدم طلب للمنظمة بذلك.
ج ـ أهداف المنظمة: تسعي المنظمات الدولية إلى تحقيق أهدافها المنشودة من خلال تكاتف الدول الأعضاء، وتلك الأهداف قد تكون اقتصادية، أو سياسية، أو أمنية، أو غيرها من الأهداف المشروعة.
د ـ الإرادة الذاتية المستقلة: أو الشخصية القانونية الدولية ([8]).
سادسًا: أنواع المسؤولية الدولية للمنظمات:
تتعدد صور وأنواع المسؤولية الدولية فمنها ما يمكن تصنيفه من حيث المصدر، ومنها ما يمكن تصنيفه من حيث الفعل نفسه، ومنها ما يمكن تصنيفه من حيث خاصية الركن المعنوي، ونتناول هذه التصنيفات كالآتي:
أ ـ أنواع المسؤولية من حيث المصدر:
تنقسم المسؤولية الدولية للمنظمات من حيث مصدرها إلى مسؤولية دولية تقصيرية، ومسؤولية دولية تعاقدية، حيث تنشأ المسؤولية الدولية التقصيرية من إخلال المنظمة الدولية ذاتها أو عن طريق أحد موظفيها بالتزام دولي أو بقاعدة من قواعد القانون الدولي العام، ولكن تنشأ مسؤولية المنظمات الدولية التعاقدية عن طريق إخلالها أو إخلال أحد الموظفين المنتمين لها بالتعهدات الدولية والتي سبق أن التزمت بها المنظمة الدولية أمام المجتمع الدولي.
ب ـ أنواع المسؤولية من حيث الفعل نفسه:
تنقسم مسؤولية المنظمة الدولية عن أخطائها إلى مسؤولية دولية مباشرة ومسؤولية دولية غير مباشرة، فتكون المنظمة مسئولة مسؤولية مباشرة عن الأخطاء التي سببت الأضرار للغير، عندما ينتج الخطأ عن طريق موظفيها وممثليها المعينين في مختلف أجهزتها بالمخالفة لقواعد القانون الدولي، وكان الفعل الذي نتج على إثره الخطأ تنفيذًا لقرارات وأوامر صادرة عن المنظمة نفسها، أو بتكليف صادر عنها، فتكون المسئولة مسؤولية مباشرة عن تلك الأخطاء وتلتزم بالتعويض عنها وتحمل تبعاتها.
أما عن المسؤولية الدولية غير المباشرة للمنظمات فإنها تنشأ عن طريق تحملها عبء التعويض عن الأضرار التي نتجت عن التصرفات غير المشروعة والتي صدرت من الموظفين والعاملين المنتمين للمنظمة، ولكن لم تكن بتكليف منها أو خلافًا للتعليمات الصادرة منها لهم.
ج ـ أنواع المسؤولية من حيث الركن المعنوي:
تنقسم المسؤولية الدولية للمنظمات إلى مسؤولية دولية عمدية ومسؤولية دولية غير عمدية، والأساس في هذا التقسيم يرجع إلى علم المنظمة نفسها بأن الفعل ذاته مشروع من عدمه، وهل يترتب عليه ضرر للغير أم لا، فإن اتصل علم المنظمة بأن الفعل الذي شرعت في ارتكابه هي أو أحد موظفيها أو المنتمين إليها يترتب عليه ضرر للغير، فإن ذلك يُعد قرينة على اتجاه نيتها إلى الإضرار بالغير وينتج عن ذلك مسؤولية دولية عمدية، ويكون من حق الطرف المضرور أن يطالب المنظمة بالتعويض المناسب، وتلتزم المنظمة الدولية بأن تعوضه عن الأضرار التي لحقت به.
وإذا لم تتجه نية المنظمة نفسها أو ممثليها من الموظفين أو المنتمين إليها إلى قصد الإضرار بالغير، ولم يكن لديهم سوء نية، وإنما كان مجرد إهمال أو تقصير في أداء مهامهم بكفاءة فإن المسؤولية التي تنشأ عن هذا الخطأ تكون مسؤولية غير عمدية.
أما عن الجهة المسئولة بتحديد ما إذا كانت هناك نية واضحة للإضرار بالغير، وبحث توافر سوء النية من المنظمة وممثليها هي المحكمة المختصة والتي ينظر أمامها النزاع، ويكون لها سلطة تقديرية في ذلك مع الاعتماد على الأدلة والقرائن التي تطرح أمامها.
سابعًا: أركان المسؤولية الدولية للمنظمات الدولية:
أركان المسؤولية الدولية لا تختلف في أساسها عن أركان المسؤولية العادية؛ إذ أن أركان المسؤولية الدولية للمنظمات هي: الإخلال بالتزام دولي وإثبات نسبة هذا الخطأ إلى المنظمة الدولية والضرر المترتب على هذا الفعل، لتناولهن بشيء من التفصيل فيما يلي:
أ ـ عدم مشروعية الفعل أو الإخلال بالتزام دولي:
يجب لكي تتحمل المنظمة الدولية المسؤولية عن الأفعال والتصرفات الصادرة عنها بواسطة قراراتها أو عن طريق موظفيها والمنتمين إليها أن تكون هذه التصرفات غير مشروعة ومخلة بالتزام دولي قد التزمت به المنظمة من قبل، أو مخالفًا لقاعدة من قواعد القانون الدولي.
ويجب أن يكون للمنظمة الدولية الرقابة الدائمة على موظفيها والمنتمين إليها لمتابعة مدى احترام المنظمة وموظفيها للقوانين الدولية وعدم اقتراف أي تصرف من شأنه أن يعرض المنظمة للمسؤولية.
وقد بينت المواد من المادة العاشرة وحتى المادة الرابعة عشر من مشروع المواد الخاصة بتقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة والتي تتعلق بمسؤولية المنظمات الدولية المواقف التي تمثل عدم مشروعية أو إخلال بالتزام دولي.
وتلك المواد هي:
تنص (المادة 10) على أن: “وقوع انتهاك لالتزام دولي ١- تنتهك المنظمة الدولية التزاماً دولياً متى يكون الفعل الصادر عنها غـير مطـابق لمـا يتطلبه منها ذلك الالتزام، بغض النظر عن منشأ الالتزام المعني أو طابعه، ٢- تــشمل الفقــرة ١ انتــهاك أي التــزام دولي قــد ينــشأ علــى المنظمــة الدوليــة تجــاه أعضائها بموجب قواعد المنظمة”.
وتنص (المادة 11) على أن: ” لا يشكل فعل المنظمة الدولية انتـهاكاً لالتـزام دولي مـا لم يكـن ذلـك الالتـزام واقعـاً علـى المنظمة وقت حدوث الفعل”.
وتنص (المادة 12) على أن: ” ١- يقـع انتـهاك المنظمـة الدوليـة لالتـزام دولي نتيجـة فعـل لـيس لـه طـابع اسـتمراري وقت القيام بذلك الفعل، حتى لو استمرت آثاره، ٢- يمتد انتهاك المنظمـة الدوليـة لالتـزام دولي نتيجـة فعـل لـه طـابع اسـتمراري طـوال فترة استمرار الفعل وبقائه غير مطابق لذلك الالتزام، ٣- يقع انتهاك لالتزام دولي يتطلب من المنظمة أن تمنع حدثاً معيناً عند وقـوع ذلـك الحدث، ويمتد الانتهاك طوال فترة استمرار الحدث وبقائه غير مطابق لذلك الالتزام.
وتنص (المادة 13) على أن: ” ١- يقع انتهاك المنظمة الدولية لالتزام دولي من خلال سلـسلة أعمـال أو امتنـاع عـن أعمال مُحدَّدة في مجموعها بأنها غير مشروعة وقت وقوع العمل أو الامتناع الذي يكـون كافيـاً لتكوين الفعل غير المشروع، إذا ما أخذ مع غيره من الأعمال أو من حالات الامتناع عن العمل، ٢- وفي هذه الحالة يمتد الانتهاك طوال كامـل الفتـرة الـتي تبـدأ بوقـوع أول عمـل أو امتناع في السلسلة، ويظل مستمراً طالما تكررت هـذه الأعمـال أو حـالات الامتنـاع تلـك وبقيـت غير مطابقة للالتزام الدول”.
وتنص (المادة 14) على أن: ” تقديم العون أو المساعدة في ارتكاب فعل غير مشروع دولياً تكون المنظمة الدولية التي تعين أو تساعد دولة أو منظمة دولية أخرى على ارتكاب فعـل غير مشروع دولياً من جانب هذه الدولة أو المنظمة الدولية مسئولة دولياً عن ذلك إذا: (أ) قامـت تلـك المنظمـة بـذلك وهـي تعلـم بـالظروف المحيطـة بالفعـل غـير المـشروع دولياً؛ (ب) وكان هذا الفعل سيشكل فعلاً غير مشروع دولياً لو ارتكبته تلك المنظمة.”
ب ـ إسناد الفعل غير المشروع إلى المنظمة الدولية:
يجب لكي تتحمل المنظمة الدولية تبعات أخطائها أن يتم إسناد وإثبات الخطأ والعمل غير المشروع لها وإلا فإنها لا تسأل عن هذا الخطأ، والمنظمة الدولية شأنها شأن كافة الكيانات الدولية تمارس أعمالها ونشاطاتها عبر موظفين يتمتعون بحصانات وامتيازات، ولكن لا تعفيهم من المسألة، ولكن تلتزم المنظمة الدولية كشخص دولي عن التعويض عن الأضرار التي ترتبت على تصرفات وأخطاء وإهمال موظفيها التابعين لها، وهذا ما نصت عليه المواد من المادة الرابعة وحتى المادة التاسعة من مشروع المواد الخاصة بتقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة.
وجاء في تلك المواد ما يلي:
نصت (المادة 4) على أن: ” ترتكب المنظمـة الدوليـة فعـلاً غـير مـشروع دوليـاً إذا كـان التـصرف المتمثـل في عمـل أو امتناع عن عمل: (أ) يسند إلى تلك المنظمة بمقتضى القانون الدولي، (ب) يشكل انتهاكاً لالتزام دولي على تلك المنظمة.
وتنص (المادة 5) على أن: ” وصف فعل المنظمة الدولية بأنه غير مشروع دولياً أمر يحكمه القانون الدولي”.
وتنص (المادة 6) على أن: ” ١- يعتبر تصرف جهاز أو وكيل المنظمة الدولية في تأدية مهامـه فعـلاً صـادراً عـن تلـك المنظمة بمقتضى القانون الدولي، بغض النظر عن مركز الجهاز أو الوكيل بالنسبة للمنظمة، ٢- تطبق قواعد المنظمة في تحديد مهام أجهزتها ووكلائها”.
وتنص (المادة 7) على أن: ” يعتبر تصرف جهاز الدولة أو جهاز المنظمة الدولية أو وكيلها الذي يوضع تحـت تـصرف منظمة دولية أخرى، فعلاً صادراً عن المنظمة الأخيرة، بموجب القانون الـدولي، إذا كانـت المنظمـة تمارس السيطرة الفعلية على ذلك التصرف.”
وتنص (المادة 8) على أن: ” يعتـبر تـصرف جهـاز أو وكيـل المنظمـة الدوليـة فعـلاً صـادراً عـن تلـك المنظمـة، بموجـب القانون الدولي، إذا تصرف الجهاز أو الوكيل بصفة رسمية وفي إطار مهام المنظمة عموماً، حـتى إذا تجاوز التصرف حدود سلطته أو كان مخالفاً للتعليمات”.
وتنص (المادة 9) على أن: ” التصرف الذي لا يسند إلى المنظمة الدولية، بموجب المواد ٦ إلى، ٨ يعتبر مـع ذلـك فعـلاً صـادراً عـن تلـك المنظمـة بموجـب القـانون الـدولي، إذا اعترفـت المنظمـة بـذلك التـصرف وتبنّتـه باعتباره صادراً عنها، وبقدر اعترافها به وتبنّيها إياه”.
ج ـ الضرر:
لاكتمال عناصر المسؤولية الدولية يجب أن يترتب على الفعل المخالف ضرر ينسب للمنظمة الدولية، والضرر هو الخسارة التي تلحق بالفرد سواء أكان فردًا طبيعيًا أو شخصًا من أشخاص القانون الدولي العام، ومترتبًا على خطأ قد وقع من المنظمة الدولية أو أحد موظفيها أو المنتمين إليها.
ولا يشترط أن يكون الضرر المترتب على الفعل المخالف ضررًا ماديًا أو معنويًا، ولكن لم يتوصل فقهاء القانون الدولي إلى اتفاق على إلزام المنظمة الدولية على التعويض عن الضرر المعنوي، فمنهم من يجيزه ومنهم يعترض عليه.
وقد تناولت (المادة 31) من مشروع المواد الخاصة بتقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة مسألة الجبر والتعويض في الأخطاء التي ترتكبها المنظمات الدولية، حيث نصت على أن: “١- على المنظمة الدولية المسئولة التزام بالجبر الكامل للضرر النـاجم عـن الفعـل غـير المشروع دولياً، ٢- يــشمل الــضرر أي خــسارة، ماديــة كانــت أو معنويــة، تــنجم عــن الفعــل غــير المشروع دولياً الذي ترتكبه المنظمة الدولية.”
إعداد أ/ مصعب مصطفى.
[1] ـ أنظر د. جعفر عبد السلام ـ المنظمات الدولية دراسة فقهية وتأصيلية للنظرية العامة للتنظيم الدولي والأمم المتحدة والوكالات المتخصصة والمنظمات الإقليمية، دار النهضة العربية، الطبعة السادسة ـ ص 7.
[2] ـ أنظر د. سارة بهاء، إدارة المنظمات الدولية، المرحلة الثانية، الدراسات المسائية، ص 2.
[3] ـ أنظر د. جعفر عبد السلام، المرجع السابق، ص 19.
[4] ـ أنظر د. محمد طلعت الغنيمي ـ الأحكام العامة في قانون الأمم، دار المعارف، الطبعة الأولى، الإسكندرية ـ ص 1868.
[5] ـ أنظر د. إبراهيم العناني، القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، طبعة 1984، ص 84.
[6] ـ أنظر د. مصباح جمال مقبل، الموظف الدولي ومدى مسئولية المنظمة الدولية عن أعماله، دار النهضة العربية، طبعة 2011، القاهرة، ص 130.
[7] حيث يذهب البعض إلى القول بأن للفرد الحق للجوء إلى المجتمع الدولي للمطالبة بحقه حال انتهاكها وفقاً لما تقرره معاهدات حقوق الإنسان، ولكن يكون له ذلك من خلال الاستعانة بأحد المنظمات الدولية المعنية بذلك، حيث إن الفرد لا يتمتع بالشخصية الدولية التي تمكنه من رفع دعاوى المسئولية أمام القضاء الدولي.
[8] ـ أنظر د. فلك هاشم عبد الجليل المهيرات، المسئولية الدولية للمنظمات الدولية في القانون الدولي العام، جامعة الشرق الأوسط، طبعة 2016، ص28.

