نظرية الدفاع الاجتماعي

نظرية الدفاع الاجتماعي

إن مصطلح défense sociale أو مصطلح الدفاع الاجتماعي ليس وليد اللحظة الحالية، بل هو مصطلح مستخدم منذ العصور القديمة، وكان المقصود منه هو ضرورة وحتمية توفير الحماية الشرعية للمجتمع في سبيل الوقاية من العناصر التي من الممكن أن تلحق الضرر به دون اعتبار لمصالح المجرمين والخارجين عن القانون في سبيل إعلاء المصلحة العامة دون البحث عن أي وسائل إصلاحية لمساعدتهم على العودة إلى المجتمع والاندماج معه مرة أخرى.

ولقد بررت التشريعات السابقة للثورة الفرنسية العقوبات القاسية بحجة حماية المجتمع، ومؤخرًا استخدم بعض الفقهاء مصطلح الدفاع الاجتماعي بمعاني أوسع وأشمل وأعم من المقصد العام في الماضي فبالرغم من أن الدفاع الاجتماعي قديمًا هدف إلى حماية المجتمع من الجريمة إلا أنه بمفهومه الحديث حمل معاني إنسانية أكثر ويهدف إلى حماية كل من المجرم والمجتمع من ظاهرة الجريمة.[1]

وفي فحوى المقال نوضح كيف بدأت حركة الدفاع الاجتماعي وجذورها التاريخية وكيف تبعتها تعديلات وتطورات ديناميكية النظرة الفلسفية لها من خلال الأركان الآتية:

أولاً: واقع ما قبل حركة الدفاع الاجتماعي:

ثانياً: نظرية غراماتيكا الإيطالية (حركة الدفاع الاجتماعي القديمة):

ثالثاً- نظرية مارك أنسل الفرنسية (نظرية الدفاع الاجتماعي الحديثة):

أولاً: واقع ما قبل حركة الدفاع الاجتماعي:

بدأ علماء القانون الجنائي في القرن الثامن عشر يقودون توجهًا جديدًا يعاكس مبدأ العقوبات الأولية التي تستهدف الردع العام لتنقل بذلك العقوبة من مرحلة اعتبارها مجرد إجراء عقابي تبيحه وتقرره القواعد الأخلاقية أو أنه يمثل تعويض عادل وصالح للمجتمع إلى مرحلة الوظيفة الوقائية للعقاب التي تلعب العقوبة دورًا في حماية المجتمع من خلال منع تكرار الجريمة سواء من أفراد المجتمع العاديين وهو ما يسمى بالردع العام Prévention générale ، أو من الشخص المدان نفسه وهو ما يسمى بالردع الخاص Prévention special .

وفي ذلك السياق تم النظر إلى العقوبة كونها تحمل طابع القصاص والانتقام وتم تضمينها بالطابع الإقصائي، والتي تركز على أن كفاح المجتمع ضد الجريمة لا يمكن إلا من خلال استئصال المجرم من المجتمع ككل، ومن هنا برزت أهمية عقوبة الإعدام وكذلك سائر العقوبات المتعلقة بالحرمان من الحرية (خاصة طويلة الأمد أو مدى الحياة)، وذلك لأنها تؤدي في النهاية إلى إقصاء المحكوم عليه من المجتمع ولذا كانت الدراسات العقابية في هذه المرحلة تسمى بعلم السجون “Science Pénitentiaire”.

ونتيجة للعيوب الواضحة في الوظيفة الإقصائية للعقوبة لما لها من عواقب سلبية على المحكوم عليه وأسرته وعدم تناسبها مع الجرائم ذات الطبيعة البسيطة من الناحية الاجتماعية فقد بدأ الاهتمام بغرض عقابي آخر للعقوبة الجنائية ونشره وهو الغرض من الردع الذي يمكن تحقيقه من خلال “التخويف أو الإصلاح” “Ladissuasion par l’amendement.

وقد تركز ذلك التوجه على مساريين المسار الأول يتكون من جزأين:

الأول: هو الردع العام الموجه لكل الناس من خلال العقوبة حيث يستهدف ترهيب باقي أفراد المجتمع وإحباط إرادتهم الإجرامية ومن ثم يتنوع هذا الردع بين الأشخاص حسب نوع الجريمة المرتكبة فهو لا يترتب على العقوبات المالية أو التي تشكل تهديد بسيط مثل العقوبات المقررة للمخالفات، كما يختلف الردع حسب نوع الجريمة فعقوبة الإعدام أشد من الحبس في درجة الردع والأخيرة لها تأثير رادع أكثر من الغرامة، وأخيرًا يعتمد الغرض من الردع العام على نوع الجاني، فعلى سبيل المثال المجرم العاطفي ليس لديه قصد جنائي لارتكاب فعلته الآثمة مما يجعله بتأثر بالردع العام أكثر من غيره، وهناك طوائف أخرى أقل قوة ردع بسبب الأمل في الإفلات من العقاب.[2]

أما عن المسار الثاني: فهو يمثل الردع الخاص وهو التخويف الذي يقع على المحكوم عليه ويشمل الحديث عن المستقبل ومألات العقوبة على الأفراد بعد تنفيذها وما يترتب عليها من آثار تلحق بالمحكوم عليهم ، ومع ذلك فإن هذا الترهيب بالذات في حالات العقوبة الشديدة التي تحرم الحرية في بعض الأحيان يكون مبالغًا فيه بشكل قد يجعل المحكوم عليه أكثر عدوانية ويكره السياقات الاجتماعية بسبب التأثير السلبي للسجن على الصحة والنفسية والجسم والأسرة للمحكوم عليه.

وكنتيجة لفشل وظيفة الردع بشقيها العام والخاص في مكافحة الجريمة توجب على الدراسات العقابية أن تتخذ نهجًا حديثًا في النظر إلى غرض العقوبة الجنائية وأساليب المعاملة العقابية وهو ما شجع عليه أنصار المدرسة الوضعية الإيطالية التي بدورها لا تنظر إلى خطورة الأحداث الذاتية للحوادث الجنائية كأحد أسس العقوبة، بل تنظر إلى احتمالية ارتكاب جرائم منه في المستقبل.

ومن هنا برزت الطريقة الثانية المتمثلة في محاولة تحقيق الردع بأسلوب الإصلاح، أي أن يتم العمل بطرق مختلفة بغية تأهيل المحكوم عليه في المستقبل للبعد عن الجريمة وأن يتوافق سلوكه مع القواعد الاجتماعية السائدة في المجتمع، وبشكل عام تحويله إلى رجل شريف، وهذا الهدف – بحسب المدارس العقابية في فرنسا وخاصة مدرسة الدفاع الاجتماعي – يلقي بعبء تربوي على الإدارة وعبء تقديم أوجه الرعاية الصحية والاجتماعية للمحكوم عليه، سواء أكان أثناء مرحلة التنفيذ التأديبي أو بعد ذلك في إطار ما يُعرف بالرعاية اللاحقة للمحكوم عليه بهدف ضمان تأهيله ومشاركته كعضو مفيد في المجتمع ومن ثم يصبح تحقيق هذا الهدف من أهم اهتمامات الباحثين في علم العقوبة.[3]

وقد دفع ذلك التطور البعض – ومع غلبة هذه المفاهيم الحديثة في العلاج العقابي – إلى إطلاق مصطلح “علم معاملة المجرمين”، على ذلك العلم الذي يدرس القواعد التنفيذية للعقوبات الجنائية المختلفة (العقوبات والتدابير) ويدرس وسائل مكافحة الجريمة العامة والوقاية منها وهذا أمر تعنى به الأمم المتحدة في إطار دعوتها المتكررة للعديد من المؤتمرات الدورية التي تعقد كل خمس سنوات حول “منع الجريمة ومعاملة المجرمين”، بما في ذلك المؤتمر الأول الذي عُقد في جنيف بسويسرا عام 1955حيث تم عرض المشروع الذي أعدته الأمانة العامة للأمم المتحدة والموافقة عليه من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في 31 يوليو 1957 لتمثل مجموعة القواعد التي وافق عليها الخبراء في مجال العقوبات بالإجماع كمبادئ وأساليب مقبولة بشكل عام في معاملة السجناء وإدارة المؤسسات العقابية ولتكون بمثابة دليل للعمل في مجال الإصلاح العقابي.[4]

ثانياً: نظرية غراماتيكا الإيطالية (حركة الدفاع الاجتماعي القديمة):

إن أول من نظم أركان وأفكار محددة حول الدفاع الاجتماعي هو العالم الإيطالي “فيليبو غراماتيكا”، وهو أستاذ القانون الجنائي بجامعة “جنوة” بإيطاليا، ثم لحقه في ذلك العالم الفرنسي “مارك أنسيل”، وهو أحد كبار القضاة في فرنسا وهو الذي يُنسب إليه بداية تصحيح الدورة العقابية، وفيما يلي سنقدم إيضاحًا لوجهات نظر كل من هذين العالمين.

نشر الأستاذ الإيطالي “فيليبو غراماتيكا”  أفكاره وجمع ملخصًا لمذهبه في كتابه “مبادئ الدفاع الاجتماعي”، عام 1934، ولقد جاءت أفكار غراماتيكا على النقيض من الأسس التي يقوم عليها الفكر الإجرامي المعاصر حيث أنه لا يعترف بالعقوبات أو المسؤولية الجنائية بل إن قانون العقوبات نفسه يتحمل المسؤولية عن السلوك المنحرف وهي مسؤولية تلزمه بإعادة تأهيل الشخص الذي انحرف سلوكه وتجعل إعادة التأهيل حقًا أساسيًا للشخص المنحرف أو يستبدل العقوبات بإجراءات مساعدة اجتماعية تهدف إلى الإصلاح ولا تقتصر على مدة وتطبق في أي مكان باستثناء السجون.

ولقد أضحت أفكار السياسة الإجرامية لمدرسة الدفاع الاجتماعي بالغة الانتشار، وبدأت تفرض نفسها على ساحة الفكر القانوني وتثير الجدل والنقاش منذ أن أسس الفقيه “فيليبو غراماتيكا” مركز دراسات الدفاع الاجتماعي في جنوة عام 1949 ثم تلاه المؤتمر الثاني الذي عقد في لييج عام 1949 حيث تأسست الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي والتي ضمت في صفوفها جميع أنصار الدفاع الاجتماعي الحديث وتولى رئاستها غراماتيكا.[5]

 ولقد دارت النقاشات حول مدى فاعلية الأفكار التي يمكن أن تتبناها الجمعية وجاهزيتها للتطبيق، وتنوعت الاتجاهات المقترحة وكان من ضمن الاقتراحات برنامج يمثل الحد الأدنى من أفكار ومبادئ الدفاع الاجتماعي، ومن أصداء مدرسة الدفاع الاجتماعي أنه في عام 1948 أنشأت الأمم المتحدة قسمًا للدفاع الاجتماعي تابعًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي على الصعيد العربي ولقد تأسست المنظمة العربية الدولية للدفاع الاجتماعي بموجب اتفاقية خاصة أقرها مجلس جامعة الدول العربية عام 1960، وقد بدأت هذه المنظمة نشاطها ضد الجريمة من خلال عمل “الدائرة العربية الأولى” للدفاع الاجتماعي بالقاهرة عام 1966.

أنشأ غراماتيكا في عام 1947 مركزًا لدراسات الدفاع الاجتماعي في سان ريمو بإيطاليا وتم إنشاء قسم الدفاع الاجتماعي في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة عام 1948 ثم في عام 1949  تم إنشاء الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي بفضل جهود غراماتيكا التي نشرت عام 1961 كتابه مبادئ الدفاع الاجتماعي مرة أخرى والذي تمت ترجمته إلى الفرنسية عام 1964 من قبل الفقيه مارك أنسل، وقد انطلق غراماتيكا من مبدأ التزام الدولة بتحقيق الدفاع الاجتماعي من خلال إعادة تأهيل الجانحين، وأساس ذلك الالتزام النظرة إلى الشخص المنحرف على إنه ضحية ظروف اجتماعية معينة دفعته إلى طريق الانحراف، ولقد رسم غراماتيكا الطريق لتحقيق الدفاع الاجتماعي من خلال بيان كيانًا مفهومًا شاملاً للدفاع الاجتماعي مستقلًا عن المفاهيم السابقة، ومن ثم فقد تقررت حتمية إلغاء قانون العقوبات وقتها وتم تشجع التمرد على جميع أفكاره المعروفة في الجريمة والمسؤولية والعقوبة الجنائية والحكم الجزائي وغيرها واستبدالها ببدائل مستمدة من فكرة الدفاع الاجتماعي التي هي في نفس الترتيب تمثل قانون الدفاع الاجتماعي، السلوك المنحرف، الشخص المنحرف، المسؤولية الاجتماعية، تدابير الضمان الاجتماعي، حكم الدفاع الاجتماعي.

1_ أهم المبادئ التي أسس عليها غراماتيكا نظريته:

1- يعتقد غراماتيكا أن السلوك المنحرف هو نتيجة عوامل مجتمعية تقود إلى الاضطراب وعدم الاستقرار في المجتمع، لذا فإن المسؤولية عن هذا السلوك واقعة على عاتق الدولة، ومن ثم تنطوي مسؤوليتها عن هذا السلوك على التزام بإعادة تأهيل الشخص المنحرف حتى يصبح شخصًا اجتماعيًا.

2- السلوك المنحرف حسب غراماتيكا لا يتوقف عند الحدود الحالية لقانون العقوبات بل يتجاوزها لمواجهة كل سلوك “معادي للمجتمع”، ولذا فإنه يرى أن ما يعتبره القانون جريمة في نظر الدفاع الاجتماعي ليس إلا أحد أشكال السلوك المنحرف وهو كل فعل يشكل خطراً على المجتمع، سواء كان مجرماً قانوناً أم لا.

3- رفض فكرة المسؤولية بالمعنى التقليدي المرتبط بالواقعة المنسوبة إلى الفاعل والضرر الناجم عنها، وأقر أن المسؤولية تستمد وجودها من التقدير الشخصي والنفسي للمجرم حيث أنه ليس للجريمة أهمية في حد ذاتها بل هي أحد عناصر تقييم شخصية الجاني.

4- لا مكان للعقوبة كشكل تقليدي في تشريعات الدفاع الاجتماعي، فبدلا من ذلك ينبغي أن يتم استبدالها بتدابير الدفاع الاجتماعي وتختلف هذه التدابير عن فكرة العقوبة في عدة نواحٍ منها:

  • أن تكون هذه الإجراءات متناسبة مع شخصية الجاني – لا مسئوليته – عن الضرر الناجم عن الجريمة.
  • هذه الإجراءات أشمل من العقوبة لأنها تنطبق على المسؤولين جنائياً كما تنطبق على الأشخاص الذين يخضعون في التشريع الحالي لتدابير احترازية بصفتهم غير مسؤولين جنائياً.
  • التدابير الاجتماعية ذات مدد غير محدودة لأنها مرتبطة بمدى خطر المجرم المتهم بارتكاب الواقعة وبالتالي فهي تنتهي بتحقيق هذا الإصلاح أو زوال الحاجة إليه.
  • يجوز اتخاذ هذه الإجراءات سواء بعد ارتكاب الفعل الذي يدل على انحراف الشخصية أو قبل ارتكابه لمجرد أن الشخص يتسم بعدم الملاءمة الاجتماعية.
  • الغرض من التدابير هو إعادة تأهيل الجاني وإصلاحه وليس تحقيق العدالة أو الردع العام حيث يتطلب التعامل مع المجرم مساعدة المجرم على عدم العودة إلى ارتكاب الجريمة ومع ذلك فإن حركة الدفاع الاجتماعي لا تتطلب من القاضي اتباع أسلوب معين في العلاج يجب تطبيقه لإعادة تأهيل الجانح، بل للقاضي الحق في اختيار التدبير الذي يراه مناسباً لكل محكوم عليه بالنظر إلى شخصيته سواء كان لهذا الإجراء طبيعة العقوبة كما هي في مفهومه التقليدي أم لا.

 وكضمان قانوني لإجراءات الدفاع الاجتماعي طالب غراماتيكا بأن تكون هذه الإجراءات مدعومة قضائيًا سواء في مرحلة الحكم أو في مرحلة تنفيذ الإجراء حتى لا يساء استخدام هذا الإجراء، مما يضر بحرية الأفراد.

وكان للدفاع الاجتماعي صدى في كثير من التشريعات وخاصة في بداية هذا القرن وقد تم توجيه الانتباه إلى المجرمين ذوي الحالات الخطرة وتم اتخاذ الإجراءات الأمنية ضدهم كعقوبة مستقلة عن العقوبة التقليدية، كما تم دعم حركة الدفاع الاجتماعي من قبل الأمم المتحدة والتي قررت الانضمام إلى حركة منع الجريمة والإصلاح الجنائي، لذلك بدأت اللجنة الاجتماعية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي نشاطها منذ عام 1964 تحت اسم برنامج الدفاع الاجتماعي وسميت جسدها بوزارة الدفاع الاجتماعي وعملت الحركة على تطوير السياسة الجنائية الدولية لتكون ذات أهداف اجتماعية وبرنامج عملي وتنظيم النشاط اللازم لتحقيق هذه السياسة على المستوى الدولي وتقديم المساعدة الفنية اللازمة حتى تكون هذه السياسة فعالة، فضلاً عن نشر المعلومات حول الدفاع الاجتماعي وتحديد و حشد التنظيم الفني والإداري المناسب لتحقيق هذه الأهداف.

وداخل الدول العربية تم إنشاء “المنظمة العربية الدولية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة” بموجب اتفاقية أقرها مجلس جامعة الدول العربية في 4/10/1960، والغرض من إنشاء هذه المنظمة هو العمل على دراسة أسباب الجريمة ومكافحتها وإعادة تأهيل المجرمين وضمان التعاون المشترك بين الشرطة الجنائية في الدول العربية وأجهزة مكافحة المخدرات، لتتخذ أجهزة الشرطة جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق مستوى متقدم من الدفاع الاجتماعي في الدول الأعضاء، وللمنظمة جمعية عمومية مكونة من مندوبين من دولها الأعضاء ولها ثلاثة مكاتب دائمة وهم: المكتب الدائم لمكافحة الجريمة ومقره بغداد والمكتب الدائم للشرطة الجنائية العربية ومقره دمشق وعدد من المكاتب بالعواصم العربية الأخرى مثل عمان.

2_ تقدير نظرية غراماتيكا:

أ- المزايا:

في الواقع يعود نجاح هذه الحركة إلى طبيعتها الإنسانية والتقدمية والواقعية المعاصرة لسياق تاريخي مليء بالكوارث الإنسانية وقتها والمتمثلة في التعذيب والإبادة والحروب شديدة التدمير، وهي تهدف إلى مواجهة الجريمة من خلال مواجهة أسبابها الحقيقية بشكل واقعي وبالتالي فهي تؤمن بأن للعدالة الجنائية دور اجتماعي حقيقي في هذا المجال، وعلى الرغم من ذلك فهي لا تضحي بكرامة الإنسان، بل هدفها مساعدة المجرم على عدم العودة إلى ارتكاب الجريمة بشكل علمي وواقعي.

علاوة على ذلك لم تهدر حركة الدفاع الاجتماعي المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الجنائي، بل حاولت الحفاظ قدر الإمكان على النظم التقليدية للقانون الجنائي أو بتعبير أدق التزمت بالحد الأدنى من الضمانات القانونية الذي يمنع القضاء من تحويل دوره الاجتماعي في مكافحة الجريمة إلى سيطرة واستبداد، ومن هنا نصت على توافر الجريمة بمعناها القانوني لإمكانية التدخل القضائي وحظرت اتخاذ تدابير ضد شخص قبل ارتكاب الجريمة ورفضت فكرة الأحكام القضائية غير المحددة المدة.

وبفضل هذا العالم بدأت الأنظار تتجه إلى شخصية المنحرف والاهتمام بها من أجل تحليل وتدارك العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي دفعته للانحراف حتى يتمكن القاضي من تحديد المقياس الاجتماعي المناسب له وعليه طالب ” غراماتيكا ” بتضمين ملفات المجرمين المنظورة أمام منصات القضاء الجوانب الاجتماعية والشخصية للمنحرف حتى تكون الظروف المحيطة به محل نظر من أجل تحديد الإجراء الاجتماعي الأنسب لشخصه.

ولقد أُشيد بهذا التوجه الفكري لحرصه على أن ينظر القضاء في قضية الإدارة الاجتماعية، بل ويشرف على تنفيذها بعد صدور الحكم.

ب- الانتقادات:

أن أفكار هذه الحركة أخذ عليه عدد من الانتقادات لا بأس به منها إهماله لمبدأ الشرعية حيث طالب بإلغاء قانون العقوبات ومبادئه وأحكامه وهذا من شأنه أن يقضي على مبدأ الشرعية وهو أحد أهم ضمانات الحرية الفردية كما أنه من المسلم به أن هذه الحركة تتجاهل تحقيق العدالة والردع العام في الإجراءات الاجتماعية وتحصر هدفها في التأهيل.

حيث تم انتقاد أفكار غراماتيكا للجريمة والمسؤولية الجنائية والعقاب على النحو التالي:[6]

من حيث الجريمة:

إن القول بأن الجريمة اجتماعية والتنديد بها كظاهرة قانونية يبدو غير مستقيم واقعيًا وإذا كنا قد انتقدنا المدرسة الوضعية للعقوبات لأنها رجحت طغيان العقوبات على الواقع الاجتماعي للجريمة في إطار واقعها القانوني فإن هذا النقد واجب من باب أولى لمدرسة تنكر تمامًا الواقع القانوني للجريمة وتتخيلها فقط على أنها اجتماعية.

المسؤولية الجنائية:

صعوبة التنصل من المسؤولية الجنائية التي أسسها الفكر القانوني الغربي الحديث، ونود أن نشير إلى أن المسؤولية الجنائية هي مفهوم قانوني يجب السيطرة عليه وتحديد محتواه بسبب الآثار القانونية الهامة للغاية التي ينطوي عليها.

من حيث العقوبة:

إن استبدال التدابير الاجتماعية بالعقوبة ونتائج هذه الإجراءات مثل عدم تنفيذها في السجون بل في أي مكان آخر وعدم تقييدها بالزمن وتطبيقها على الجانحين من أجل إصلاحه فقط بغض النظر عن اعتبارات الانتقام أو التفكير أو العدالة المجردة أو الردع جاء بنتائج عكسية وهو إحساس الأفراد بتطبيع المجتمع مع العقوبة، وكلها قيلت من قبل أغراض العقاب والإقرار بهذا يبعدنا تمامًا عن القانون الجنائي، ويمكن القول أن إلغاء القانون الجنائي والالتفات لبعض  عبارات “غراماتيكا” لهه نتائج أبعد من ذلك من حيث الأهمية وهي إلغاء القضاء الجزائي واعتبار إعادة التأهيل مجرد عمل فني إداري.

ثالثاً- نظرية مارك أنسل الفرنسية (نظرية الدفاع الاجتماعي الحديثة):

مارك أنسل هو رائد توجهات الجانب المعقول من حركة الدفاع الاجتماعي إذا ما قورنت آرائه بالمبادئ التي ينادي بها غراماتيكا والتي يعتبرها العديد من المفكرين متطرفة، ولقد أطلق على الحركة التي يقودها أنسل اسم “La Défense Sociale Nouvelle”  لتمييزها عن آراء غراماتيكا في الدفاع الاجتماعي، ومن ثم يمكن القول أن أفكار الدفاع الاجتماعي الحديث تقوم حاليًا على أفكار إنسانية للسياسة الإجرامية  في محاولة لتجديد النظم العقابية بهدف تنظيم مكافحة الجريمة بطريقة علمية وعقلانية من خلال الاستفادة من تقدم العلوم الإنسانية.

وبالرغم من أن مارك أنسل استفاد كثيرًا من أفكار المدارس السابقة إلا أنه لم يتبعها وعارضها في العديد من المبادئ، وهذا واضح فيما يلي:

1- يلتقي مارك أنسل مع غراماتيكا في تحديد هدف الدفاع الاجتماعي وهو حماية المجتمع من ظاهرة الجريمة من خلال مكافحة الظروف التي تؤدي إلى ارتكاب الجرائم وكذلك حماية الجاني من ظاهرة الإجرام من خلال إصلاحه وإعادة تأهيله حتى لا يعود إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى ولقد حاول مارك أنسل تجاوز انتقادات غراماتيكا والآخرين الذين سبقوه، واعترف أنسل بوجود قانون العقوبات والقضاء الجنائي ولم يوافق على إلغاءهما.

2- استخدم مارك أنسل من المبادئ التقليدية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وحرية الاختيار كأساس للمساءلة الجنائية وعلى ذلك اعتبر الخطأ عنصرًا من عناصر الجريمة واعترافه بالمسؤولية الجنائية، إلا أنه لا يتفق مع المدرسة التقليدية الجديدة فيما تصادق عليه من افتراضات قانونية عامة مثل نظرية الجريمة المستحيلة وتقسيمها إلى استحالة مطلقة واستحالة نسبية وعدم مراعاة الدافع لارتكاب الجريمة واعتماد قاعدة عدم الجهل بالقانون.

3- ورفض مارك أنسل مبدأ الحتمية الذي تبنته المدرسة الوضعية سواء أكانت الحتمية مبنية على أسس بيولوجية كما ذهب لمبروزو أم على أسس اجتماعية كما يرى فيري.

4- طالب مارك أنسل بضرورة دراسة شخصية الجاني من جميع جوانبها البيولوجية والاجتماعية ووضع هذه الدراسة في يد القاضي قبل المحاكمة حتى يتمكن من اختيار الإجراءات المناسبة لشخصية الجاني من أجل تأهيله وإصلاحه مع الحرص التام على كرامته وإنسانيته لذلك يتطلب الأمر دائمًا العثور على ملف شخصي يحتوي على بحث علمي عن شخص المتهم من خلال مجموعة من الفنيين من أطباء وعلماء نفس وعلماء اجتماع وعلماء إجرام … إلخ.

5- رفض مارك أنسل فكرة العقوبة المزدوجة المتمثلة في تطبيق العقوبة والتدبير التي طالب بها الاتحاد الدولي لقانون العقوبات ودعا إلى توحيد العقوبات والتدابير الاحترازية في نظام واحد يسمى الإجراءات الاجتماعية حيث يطبق القاضي ما يراه مناسبا لشخصية الجاني تحقيقا للإصلاح والتأهيل.

6- تدابير الدفاع الاجتماعي تُطبق لغرض وحيد هو إعادة تأهيل المحكوم عليه وإصلاحه أي لتحقيق الردع الخاص وهذا يعني أن هذه الحركة أهملت أن أحد أهداف الإجراءات تحقيق العدالة والردع العام.

1_ تقدير حركة مارك أنسل:

أ- المزايا:

تتميز حركة مارك أنسل للدفاع الاجتماعي بطابعها الإنساني والاجتماعي حيث إن الهدف من الإجراء المتخذ ضد المجرم هو إصلاح المجرم وإعادته إلى المجتمع من خلال إصلاحه وتأهيله وحماية المجتمع من الجريمة ومن مزايا هذه الحركة تتمثل في حرصها على تأكيد احترام الكرامة الإنسانية للمحكوم عليه وحماية الحريات الفردية بإقرار مبدأ الشرعية.

إلا أن هذه الحركة متهمة بخلط العقوبة والتدابير الاحترازية رغم الفروق الكبيرة بينهما ويراعى أيضًا أن غرض التدابير مقتصر على الردع الخاص وأنها تتجاهل غرضين مهمين هو تحقيق العدالة والردع العام على الرغم من أهمية هذين الغرضين.

وكان جل ما قدمته حركة الدفاع الاجتماعي الجديدة هو التركيز بالغ الأثر على شخصية المجرم من خلال إعداد ملف سمي بالملف الشخصي لاستغلال معلوماته في مختلف مراحل الدعوى، وذلك ما تبناه المشرع الفرنسي في قانون أصول المحاكمات الجزائية عندما عدل (المادة 81/6) بالقانون رقم 466-83 الصادر في 10 يونيو 1983 والذي ألزم قاضي التحقيقات في الجنايات بفحص الملفات الشخصية لبيان ظروف المتهم من حيث وضعه المادي والأسري والاجتماعي وتفويضه في الجن والسماح له في جميع الأمور بإجراء فحص طبي ونفسي لشخص المتهم (المادة 81/7).

هذه الفكرة – “ملف الشخصية” – كان لها تأثير إجرائي على بعض الفقهاء عندما اقترحوا تقسيم مراحل المحاكمة إلى مرحلتين، بحيث تكون المرحلة الأخيرة هي التي ينظر فيها القاضي في الظروف المتعلقة بشخص المتهم “المحكوم عليه” من الناحية المادية والعائلية والاجتماعية وغيرها من العوامل المؤثرة لتقدير العقوبة المناسبة لقضيته، وقد تم تكريس هذا الاقتراح – إلى حد ما – في بعض التشريعات بما في ذلك قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي بموجب القانون رقم 624-75 المؤرخ 11 يوليو 1975 (المادة 469/3 والمادة 539/1) عندما أن أمرت المحكمة بعد الفصل فيها بالإدانة بتأجيل العقوبة، إذا ثبت لها أن الضرر الناتج عن الجريمة قد أزيل أو على وشك الزوال وأن الجاني في طريقه إلى التكيف الاجتماعي مرة أخرى.

ب- العيوب:

 لكن وعلى الرغم من انتشار مفاهيم الدفاع الاجتماعي الجديدة إلا أنها تعرضت للعديد من جوانب النقد نلخصها في الآتي:[7] 

1- عيب هذه الحركة هو أنها تفتقر إلى وجود منهج موحد يجعل منها مدرسة متكاملة أو حركة عقائدية وليس مجرد تشتت للأفكار، وقد يبدو أن ذلك كان متعمدًا من قبل مارك أنسل لأن في رده على هذا النقد أوضح أن الدفاع الاجتماعي الجديد لا يمثل اتجاهًا أيديولوجيًا ومن ثم فهو غير مرتبط بأي دين أو بأي أيديولوجية سياسية بل أكد أن أفكاره مجرد توجه مستقل يهدف إلى إرساء مبادئ عامة تحكم رد الفعل الاجتماعي للجريمة حتى تصبح السياسة الإجرامية الحديثة معبرة عن أحد جوانب تضمين الطابع الاجتماعي على القانون المعاصر وخاصة القانون الجنائي.

2- ناقدوا الحركة أيضا عابوا عليها الإقرار بالتزامها الضمني باعتماد النتائج التي توصلت إليها العلوم الإنسانية الأخرى رغم أن تلك العلوم لا تزال في طور التكوين ولم تصل بعد إلى حقائق مؤكدة مثل علم الجريمة من خلال الاهتمام بشخصية المجرم، ومع ذلك فإن ما يخفف من المبالغة في هذا النقد – ووفقًا لما يراه مارك أنسل نفسه – هو أن هذه الحركة كانت قادرة على الجمع بين علماء القانون وعلماء السلوك الإجرامي في فروع أخرى من العلوم الإنسانية دون أن يكون رجل القانون تابعًا لها والهدف أن يدرك المحامي أنه ليس الوحيد المتخصص في مكافحة الجريمة بل أنه يشترك في فروع أخرى في ذلك بحيث يُنظر إلى الجريمة على أنها حقيقة قانونية ذات طابع اجتماعي دون تفضيل جانب على الآخر.

3- يتوجب أن يخرج قانون العقوبات من عزلته السامية ووضعه في خانة العلم الاجتماعي المرتبط بالشخصية الإنسانية والعلوم المرتبطة بها ليكون علمًا مستقلًا، كما قال مارك أنسل في هذا: “إن إتاحة الفرصة للقاضي لفهم الشخص الذي أمامه من حيث شخصيته ودوافعه وبيئته لا يؤدي إلى دعوة ذلك القاضي للتخلي عن مهمته الحقيقية”، ولكن الدافع من وراء كل هذا هو التقدم نحو إقامة نوع من العدالة الإنسانية مما يستلزم التخفيف من المبالغة في النظرة القانونية المجردة للجريمة وأن يتك إضفاء بعض الخصائص الشخصية النابعة من التمايز الفردي والاجتماعي لكل مجرم.

4- أُخذ على حركة مارك أنسل المبالغة في استهداف العقوبة للردع الخاص مما أدى إلى التأثير على غرض الردع العام الأمر الذي يضعف الشعور بالمسؤولية لدى الأفراد والجماعة.

وقد رد مارك أنسل على هذا النقد بالقول إن الأهداف الأخلاقية للعقاب وكذلك هدف إعادة التأهيل يمكن تحقيقهما من خلال الجمع بين العقوبة والتدابير في نظام موحد للنظام العقابي ولا يعتبر ذلك خطأً وذلك لأن كلا النوعين من الجزاءات يستند إلى أسس مختلفة، فبالعقوبة يمكن للقاضي أن يواجه الجريمة على أساس القمع العام أو الردع فيما يتعلق بباقي المجتمع (الهدف الأخلاقي) وبإجراءات احترازية يمكنه تحقيق الهدف الاجتماعي المتمثل في إعادة تأهيل المجرم وإصلاحه من خلال البرامج العلاجية والتعليمية بحيث يخمد الصراع بين العقوبة والتدابير ويصعد الصراع بين الهدف الأخلاقي وهدف إعادة التأهيل للعقوبات الجنائية.

ربما ما جعل هذا الاتجاه يبالغ في الهدف المؤهل للعقاب الجنائي – كما يقول مارك أنسل – هو أن تحقيق الردع العام كهدف للعقاب يظل غير مؤكد حتى يتم تنفيذ العقوبة فعليًا داخل المؤسسة العقابية وليس بمجرد حكم القاضي نفسه، بالإضافة إلى أن الأثر الرادع للعقوبة لا ينبع في الواقع من العقوبة نفسها التي يطبقها القاضي، بل تحدث نتيجة عوامل أخرى أكثر أهمية منها مثل سرعة تحقيق العدالة الجنائية وفاعليتها بجانب دور الشرطة والنيابة العامة والقاضي الجزائي.[8]

إعداد/ أميرة سيعد.

[1] عبود السراج، الوجيز في علم الإجرام وعلم العقاب مطبعة جامعة دمشق 1989 ص 30

[2] د. محمد زكي أبو عامر، دراسة في علم الإجرام والعقاب، القسم الثاني، علم العقاب، 1987، ص303.

[3] د. محمود نجيب حسني، علم العقاب، دار النهضة العربية، 1972، ص 91.

[4] د. أحمد المجدوب، معاملة المذنبين طبقاً لقواعد الحد الأدنى، المجلة الجنائية القومية، مارس 1978 ص 40

[5] محمد الفاضل، المبادئ العامة في التشريع الجزائي مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية 1984- 1985 ص 140

[6] د. فتوح عبد الله الشاذلي، علم الإجرام والعقاب أستاذ القانون الجنائي كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية 2017 ص 305

[7] راجع حول الانتقادات التي وجهت للدفاع الاجتماعي الجديد ورد مارك أنسل عليها ، د. حسن علام ، الترجمة العربية للدفاع الاجتماعي الجديد منشأة المعارف الإسكندرية ص267 وما بعدها.

[8] د. حسن علام ، الترجمة العربية للدفاع الاجتماعي الجديد ، المرجع السابق ، ص 273

Scroll to Top