التدابير الاحترازية

التدابير الاحترازية

مما لا يخفى على كل ذي عقل، الأهمية البالغة للتدابير الاحترازية في الحد من الخطورة الإجرامية، والتقليل منها، لأن العقوبة وحدها قد لا تساعد على التخلص من العقلية الإجرامية والحد منها،  فجاءت هذه التدابير الاحترازية، والتي تهدف للعلاج والإصلاح، وإعادة التأهيل، وفيما يلي كشف الغمام عن حقائق التدابير الاحترازية.

أولاَ: مفهوم التدابير الاحترازية:

ثانياَ: شروط التدابير الاحترازية:

ثالثاَ: أنواع التدابير الاحترازية:

رابعاً: السلطة التقديرية للقاضي في تقدير التدابير الاحترازية:

خامساً: الضمانات والحقوق المكفولة خلال فترة تنفيذ التدبير الاحترازي:

سادساً: اجتهادات محكمة التمييز بشأن التدابير الاحترازية:

أولاَ: مفهوم التدابير الاحترازية:

ما هو المقصود بالتدابير الاحترازية، وما هي الخصائص التي تتسم بها؟

1- تعريف التدابير الاحترازية:

تعرف التدابير الاحترازية بأنها: مجموعة من الإجراءات التي تواجه خطورة إجرامية كامنة في شخصية مرتكب جريمة، لتدرأها عن المجتمع.[1]

ويلاحظ أن التعريف يبين لنا أركان هذه التدابير والتي تتمثل فيما يلي:

أ- مجموعة إجراءات تهدف لحماية المجتمع، وهذه الإجراءات تقرر بواسطة القانون.

ب- هذه الإجراءات تواجه الفعل الإجرامي بعد ارتكابه لتحد من خطورته، خلافاَ للتدابير الوقائية الإدارية.

ج- الهدف منها حماية المجتمع، وتقليل من خطورة المجرم.

د- تتصف هذه الإجراءات بصفة الجبر، فهي ليست إجراءات اختيارية .

يتضح إذن أن التدبير الاحترازي يفترض صدور خطورة إجرامية عن شخص ارتكب جريمة، وتستتبع هذه الخصيصة نتائج متعددة، فمن ناحية يتميز التدبير بطابع فردي، فهو يتخذ قبل شخص حددته واقعة اقترافه فعلاً إجرامياً، وهو يهدف إلى أغراض تتحقق في هذا الشخص بالذات، ويستتبع ذلك خضوع تنفيذه لقواعد التفريد وما يتفرع عنها من نتائج عقابية هامة[2].

2- خصائص التدابير الاحترازية:

تتمتع التدابير الاحترازية بخصائص مهمة، من هذه الخصائص ما يلي:

أ- شرعية التدابير الاحترازية:

لابد عند اتخاذ هذه التدابير التأكد من شرعيتها، وأن القانون قد نص عليها، وبذلك تتفق مع العقوبة في مبدأ لا عقوبة إلا بنص، لذلك السلطة التنفيذية ليست مطلقة اليد في اتخاذ التدابير الاحترازية، فهي مقيدة بالقانون، وذلك حفاظاَ على حقوق الإنسان، وأيضاَ لابد ألا تخالف هذه التدابير الدستور الذي يعتلي سقف السلم القانوني.

وقد نص الدستور الأردني عام 1952، في (المادة 8) على ذلك بقوله: لا يجوز أن يوقف أحد أو يحبس إلا وفق القانون.

وكذلك (المادة 8) من قانون العقوبات الأردني على أن: (لا جريمة إلا بنص، ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة).

ب- تحقيق الردع الخاص

تهدف التدابير الاحترازية إلى وأد أسباب الإجرام، والعوامل المساعدة على نشره؛ حتى يحقق التدبير غايته من ردع المجرم الذي تأصل فيه الإجرام، ويكون ذلك من خلال علاج المجرم وإعادة تأهيله، فحينما نفتش داخل نفسية المجرم نجد أن الذي دفعه للإجرام عوامل نفسيه، وبيئة إجرامية، إذا استمر في تواجده معها، استمرت الخطورة الإجرامية، لذلك كانت التدابير الاحترازية من أهم خصائصها تحقيق الردع الخاص من خلال إيداع المجرم المصحات أو المستشفيات أو دور العمل، ليؤهل من جديد.

ج- تجريد المجرم من وسائل الإجرام

عندما يكون هناك أسباب أدت إلى مساعدة الجاني على ارتكاب جريمته فإن تطبيق التدابير الاحترازية يكون من شأنها نزع تلك العوامل وتجريد الجاني منها حتى لا يتمكن من ارتكاب الجريمة مرة أخرى، وتتنوع هذه الوسائل ما بين عزل من العمل، أو سقوط ولاية، أو سحب ترخيص، أو مصادرة أرض ،أو إغلاق محل، أو حل الشخص المعنوي، وهكذا تتنوع التدابير الاحترازية.

د- عزل المجرم

لكي يتحقق الهدف من إصلاح المجرم وتهذيبه، لابد من نزعه من البيئة الإجرامية، والحيلولة بينه وبينها، ومن التدابير الاحترازية التي تحقق ذلك منع الإقامة في مكان معين، خاصة أماكن الإجرام، وقد يكتفي بتدبير واحد، وقد يطبق أكثر من تدبير على المجرم، فلا مانع من الجمع بين أكثر من تدبير بحسب حاجته للإصلاح.

هـ- شخصية التدابير الاحترازية

فهذه التدابير توجه لشخص المجرم، لا لغيره، وإن تأثر غيره بسببها، لكن تأثير غير مباشر، وغير مقصود، لهذا تكون التدابير الاحترازية بعد ارتكاب جريمة، وتهدف لردع خاص للمجرم، والأصل أنها متعلقة بشخص المجرم.

وـ- عدم تأقيت التدابير الاحترازية:

الأصل أن القاضي غير ملزم بتحديد وقت محدد للتدبير الاحترازي، لأن ذلك محدد بالغاية من التدبير وهو إصلاح المجرم وتهذيبه، فيكون مرد ذلك للجهة التنفيذية المسؤولة، وحكمة عدم التحديد تتمثل في الارتباط بغاية التدبير الاحترازي، ألا وهي الإصلاح والتهذيب، وهذا يظهر خلال الأيام، من سلوك المجرم، ولا يمكن تحديده، فتزول التدابير بزوال العقلية الإجرامية، وتبقى ببقائها.

وقد وردت نصوص في القانون الأردني تجلي حقيقة عدم تحديد مدة الإجراء الاحترازي من ذلك ما ورد في (المادة 92) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (كل من أعفي من العقاب بمقتضى الفقرة السابقة، يحجز في مستشفى الأمراض العقلية، إلى أن يثبت بتقرير لجنة طبية شفاؤه، وأنه لم يعد خطراَ على السلامة العامة) ونلاحظ من المادة السابقة أنها علقت مدة التدبير على تحقق الشفاء.

ز- ضمانة الحكم القضائي بالتدبير:

من أجل حماية الحريات وحقوق الإنسان، وعدم تعسف السطلة التنفيذية، يكون اتخاذ التدبير الاحترازي عن طريق الحكم القضائي، لذلك ليس من حق الجهات الإدارية إجراء تدبيراَ احترازياَ إلا بأمر قضائي.

ولكن هناك استثناء فيما يتعلق بقانون منع الجرائم عام 1974، وإعطاء السلطة الإدارية الحق في اتخاذ الإجراءات الاحترازية المناسبة، ولا يشترط ثبوت ارتكاب فعل معين للقيام بهذه الإجراءات فقد جاء في (المادة /4/ب) أن:  (ليس من الضروري في الإجراءات التي تتخذ بمقتضى هذا القانون، إثبات أن المتهم ارتكب فعلاَ معيناَ، أو أفعالاَ معينة ).

ح- ما يتعلق بالإجراءات الاحترازية من التقادم ووقف التنفيذ والعفو:

يطبق على التدابير الاحترازية نظام التقادم لكنه ليس على عمومه في كل حالات التدابير، فما يتعلق منها بالمصادرة العينية أو المنع من الحقوق أو المنع من الإقامة، لا ينقضي بالتقادم إلا بعد النظر في حال مرتكب الجريمة فإن كان خطرا على السلامة العامة فلا يسري عليه نظام التقادم، (فالمادة 347) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 عام 1961  تنص على أن: (1- مدة التقادم على التدابير الاحترازية ثلاث سنوات 2- لا يبدأ التقادم إلا منذ اليوم الذي أصبح فيه التدبير الاحترازي نافذا أو بعد تقادم العقوبة التي تلازم هذا التدبير، بشرط ألا يصدر عن القاضي قبل انقضاء سبع سنوات قرار يثبت أن المحكوم عليه لا يزال خطرا على السلامة العامة ، ففي هذه الحالة يأمر بأن يسار إلى تنفيذ التدبير الاحترازي.

ثانياَ: شروط التدابير الاحترازية:

هناك شروط عامة لكل التدابير الاحترازية، وهناك شروط خاصة بكل نوع من أنواع التدابير، ولكن محل الحديث هنا عن الشروط العامة، وهذه الشروط هي:

1- ارتكاب جريمة سابقة:

ارتكاب الجريمة أمر لازم لأجل اتخاذ التدابير الاحترازية، لأن الفعل الإجرامي ينم عن خطورة في شخص مرتكب الجريمة تحتاج لمواجهه، وتعني الجريمة ارتكاب فعل منصوص على تجريمه في القانون، بغض النظر عن أهلية الفاعل، لذلك إذا ارتكب المختل عقلياَ جريمة، فتطبق عليه التدابير الاحترازية الملائمة له، بغض النظر عن أهليته.

لذلك النظر في الجريمة يكون للركن المادي بالدرجة الأولى فيما يتعلق بالتدبير الاحترازي، أما الركن المعنوي فيكون من أجل توقيع العقوبة.

والجريمة تتكون من ثلاثة أركان:

  • الركن المادي: وهو الفعل المجرم.
  • الركن المعنوي: وهي الإرادة المتجه للفعل الإجرامي.
  • النص القانوني: وهو ما ورد في القانون من تجريم لأفعال وأقوال محددة.

فلابد من وجود جريمة سابقة للحكم بالتدابير الاحترازية من حيث الأصل، وهذا هو الرأي الغالب في الفقه الجنائي، ويؤيده الأدلة التالية:

مبدأ حماية الحقوق والحريات، لأن تطبيق التدابير الاحترازية دون سبق جريمة يمثل تعدي على مبدأ حماية الحريات، ويؤدي لتدخل السلطة التنفيذية في حريات الأفراد، ومن الحجج أيضا احترام مبدأ الشرعية، فلا يتخذ تدبير إلا بأمر قضائي بناءَ على جريمة محددة مرتكبة.

وأيضا الجريمة أقوى دليل على وجود العقلية الخطرة التي تستوجب التدخل بالتدابير الاحترازية، وأخيرا فٌان هذه التدابير تعتبر تكميلاَ للعقوبة المقررة، وهي لا تكون إلا من خلال فعل إجرامي.

وذهب رأي في الفقه الجنائي بعدم اشتراط ارتكاب جريمة سابقة لاتخاذ التدابير الاحترازية، ويؤيد هذا الرأي، أن الخطورة الإجرامية لا يلزم منها ارتكاب جريمة، لكن ذلك يمكن معرفته من خلال الأمارات والقرائن المحددة، ولا يتعارض هذا مع مبدأ الشرعية، ولا يتعارض أيضا مع العدالة المبتغاة، لأن مقصد العدالة حماية المجتمع من الإجرام.

موقف القانون الأردني:

أخذ المشرع الأردني بتطبيق بعض التدابير الاحترازية بعد وقوع الجريمة، وعرف أيضاً تلك التدابير التي تطبق قبل وقوع الجرائم، وهذا ما يتضح من خلال مطالعة قانون منع الجرائم الأردني، فعلى الرغم من تشكيك البعض في هذا القانون واتهامه بعدم الدستورية إلا أنه يُعد مثالاً واضحاً لأخذ المشرع بتطبيق التدابير الاحترازية على بعض الأشخاص قبل ارتكابهم لأي جريمة وذلك لمنع ارتكاب الجرائم.

2- توافر الخطورة الإجرامية:

التدبير الاحترازي يرتبط ارتباطاَ وثيقاَ بالخطورة الإجرامية، والخطورة الإجرامية هي :

 حالة نفسية لصيقة بشخص المجرم، تنذر باحتمال إقدامه على ارتكاب جريمة في المستقبل([3])

فالخطورة الإجرامية حالة نفسية، تمتزج باستعداد لارتكاب الجريمة، وهذا الاستعداد على درجة كبيرة من الاحتمال.

أ- إثبات الخطورة الإجرامية:

الأصل افتراض الخطورة الإجرامية فإذا تم ارتكاب أفعالاَ معينة، دل ذلك على وجود خطورة إجرامية كامنة في شخص مرتكب هذا الفعل، وقد أخذ القانون الأردني بهذا التوجه وهو افتراض الخطورة الإجرامية بمجرد ارتكاب الفعل الإجرامي، فقد نص في قانون منع الجرائم على صور اعتبرها خطرة إجرامياَ، مثال ذلك تجريم التسول، وحالة الاشتباه.

ب- العوامل التي تظهر الخطورة الإجرامية:

هناك عوامل تظهر وتكشف عن الخطورة الإجرامية، منها الجريمة المرتكبة، والبواعث الدافعة للجريمة، وصفات الجاني، والسوابق الجنائية، والبيئة الخاصة بالمجرم، فهذه عوامل تكشف عن الخطورة الإجرامية.

ثالثاَ: أنواع التدابير الاحترازية:

تتنوع وتتعدد التدابير الاحترازية بحسب حالة المجرم، وطبيعة الجريمة، ولكن هذه الأنواع يمكن دمجها تحت نوعين أصليين، التدابير الاحترازية الشخصية، والتدابير الاحترازي العينية.

1- التدابير الاحترازية الشخصية:

هي التدابير التي تنفذ داخل مؤسسات خاصة يحددها القانون لهذا الغرض، ولكن أهم ما يميز هذه التدابير أن سلب الحرية فيها ليس هدفاً لذاته وإنما لعلاج الخطورة الإجرامية في شخص من يحكم عليه بها، عن طريق استئصال العوامل التي يمكن أن تحول هذه الخطورة إلى جريمة بالفعل،[4] وتنقسم التدابير الشخصية إلى:

أ- التدابير الاحترازية المانعة من الحرية:

تتنوع هذه التدابير الاحترازية المانعة من الحرية، فمنها الإيداع في مصحات الأمراض النفسية أو العقلية، الاعتقال، الإيداع في منشأة زراعية أو دور العمل.

 الإيداع في المصحات النفسية والعقلية:

يوجه هذا التدبير لمن اختل عقله، أو أصيب بمرض نفسي، أو المدمنين، ويودع هؤلاء في مصحات أو مستشفيات، وهذه المصحات هي منشآت يودع فيها من لم تنطبق عليه المسؤولية الجنائية، كالمجانين والمرضى النفسيين.

فقد نصت (المادة 29) من قانون العقوبات على أن: (من قضي عليه بالحجز في مأوى احترازي أوقف في مستشفى معتمد لهذه الغاية من وزير الداخلية، ويعنى به العناية التي تدعوا إليها حالته، ومن حكم عليه بعقوبة مانعة للحرية، أو بكفالة احتياطية وثبت أنه في أثناء تنفيذ الحكم قد أصيب بجنون يحجز في المستشفى المشار إليها في الفقرة السابقة، ويعنى به العناية التي تدعوا إليها حالته، على ألا تتجاوز مدة الحجز ما بقي من مدة الحكم الذي علق تنفيذه، ما لم يكن المحكوم عليه خطراَ على السلامة العامة).

وجاء في (المادة 92) من قانون العقوبات الأردني ما يلي: (1- يعفى من العقاب كل من ارتكب فعلاَ أو تركاَ إذا كان حين ارتكابه إياه عاجزاَ عن إدراك كنه أفعاله أو عاجزاَ عن العلم بأنه محظور عليه ارتكاب ذلك الفعل أو الترك بسبب اختلال في عقله.

2- كل من أعفى من العقاب بمقتضى الفقرة السابقة، يحجز في مستشفى الأمراض العقلية، إلى أن يثبت بتقرير لجنة طبية شفاؤه وأنه لم يعد خطراَ على السلامة العامة).

الإيداع في مصحات لعلاج الإدمان:

الهدف منها علاج مدمني المخدرات وغيرها من هذه الأمراض التي تسبب خللاَ في العقل، ولا أكون مبالغاَ حين نقول إن خطر الإدمان يوازي خطر الإرهاب، فأصبح الإدمان ظاهرة منتشرة في العالم كله.

وقد نص على هذا التدبير قانون المخدرات والمؤثرات العقلية الأردني عام 1988، وذلك بما ورد (بالمادة 14) منه والتي نصت على أن: (للمحكمة عند النظر في أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة أن تتخذ بحق الجاني أيا من الإجراءات التالية بدلا من الحكم عليه بالعقوبة المنصوص عليه في تلك الفقرة وذلك وفقا لما تراه ملائما لحالته:

1- أن تأمر بوضعه في إحدى المصحات المتخصصة بمعالجة المدمنين على تعاطي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية للمدة التي تقررها اللجنة المعتمدة لفحص الموضوعين في المصح رهن المعالجة.

2- أن تقرر معالجته في إحدى العيادات المتخصصة في المعالجة النفسية والاجتماعية للمدمنين على تعاطي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والتردد عليها وفقا للبرنامج الذي يقرره الطبيب النفسي أو الاختصاص الاجتماعي في العيادة).

العزل والاعتقال:

نظرا لخطورة هذا الصنف من المجرمين، كان هذا التدبير الخطير وهو الاعتقال، والإبعاد عن المجتمع، فهو إجراء وقائي لمنعهم من ارتكاب الجرائم، وفي خلال فترة الاعتقال يؤهل المعتقل نفسيا واجتماعيا وخلقيا، وإدماجه في عمل مثمر ومفيد.

 الإيداع في منشأة زراعية أو دور عمل:

هذا التدبير يطبق على المجرمين والمتسولين والمتشردين بهدف تعويدهم على العمل والتكسب، وتعلمهم بعض الحرف والمهن، وذلك بما يناسب قدراتهم ومؤهلاتهم، وقد نص قانون العقوبات الأردني على ذلك في (المادة 389/1) والتي قضت بأن: (كل من تصرف تصرفاَ شائنًا أو منافياَ للآداب في محل عام.

  • استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرع إلى ذلك بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأي وسيلة أخرى، سواء كان متجولاَ أو جالسا في محل عام أو وجد يقود ولداَ دون السادسة عشرة من عمره للتسول وجمع الصدقات أو يشجعه على ذلك.
  • وجد متنقلاً من مكان إلى آخر لجمع التبرعات الخيرية مهما كان نوعها بالاستناد إلى ادعاء كاذب.
  • تصرف في أي محل عمومي تصرفاً يحتمل أن يحدث إخلالاً بالطمأنينة العامة.

يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو أن تقرر المحكمة إحالته على أية مؤسسة معينة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات .
غير أنه يجوز لوزير التنمية الاجتماعية في أي وقت شاء أن يفرج عن أي شخص عهد به إلى أية مؤسسة بمقتضى هذه المادة وفق الشروط التي يراها مناسبة كما يجوز له أن يعيده إلى المؤسسة المذكورة لإكمال المدة المحكوم بها إذا ما خولفت هذه الشروط .).

ب- التدابير الاحترازية المقيدة من الحرية:

هذه التدابير لا تسلب المجرم حريته لكنها تقلل منها وتقيدها، وذلك من خلال الوسائل التي تساعده وتعينه على الإجرام، ومن تلك الوسائل ما يلي:

الوضع تحت المراقبة:

فيكون الشخص المجرم تحت عين وبصر السلطة التنفيذية، لمنعه من الانحراف، والإجرام، ويكون ذلك من خلال الإقامة في مكان معين، أو المنع من التواجد في أماكن معينة، أو التواجد في مسكنه وقتا محددا، وفي الأردن قد أخذ بذلك قانون منع الجرائم، فقد ورد في نص (المادة 13) أن: (تسري على الشخص الذي يوضع تحت رقابة الشرطة أو الدرك القيود التالية جميعها أو بعضها حسبما يقرر المتصرف:

  • أن يقيم ضمن حدود أي قضاء أو مدينة أو قرية معمورة في المملكة وان لا ينقل مكان إقامته إلى أي قضاء أو مدينة أو قرية أخرى بدون تفويض خطي من قائد المنطقة.
  • أن يحظر عليه مغادرة القضاء أو المدينة أو القرية التي يقيم فيها بدون تفويض خطي من قائد المنطقة .
  • أن يعلم قائد المنطقة التي يقيم فيها عن تغيير منزله أو مسكنه .
  • أن يحضر إلى أقرب مركز للشرطة كلما كلفه بذلك مأمور الشرطة المسؤول عن القضاء أو المدينة التي يقيم فيها .
  • أن يبقى داخل مسكنه من بعد غروب الشمس بساعة واحدة لغاية شروقها ويجوز للشرطة أو الدرك أن تزوره في أي وقت للتأكد من ذلك.

ج- التدابير الاحترازية المقيدة للحقوق:

هذه التدابير تجمع بين سلب الحرية والمنع من الحق، فمنها إسقاط الولاية والوصاية والقوامة، ومنها المنع من ممارسة مهنة معينة، سحب الرخص، منع حمل السلاح، منع ممارسة مهنة معينة.

سحب الرخص:

وهذا التدبير يهدف لحماية الأرواح حيث يطبق على من يخالف قواعد وقوانين السير المحددة، فإذا تم ذلك استحق تنفيذ التدبير الاحترازي بسحب رخصة القيادة، وقد ورد ذلك في قانون السير رقم 49،  عام 2008، (بالمادة 81) والتي قضت بوقف سريان الرخصة لمدة محددة حالة الاتهام بالقتل أو الإصابة خطأ.

سحب السلاح:

الرخصة منحها القانون لأشخاص معينين من أجل ظروفهم الخاصة، فإذا تم استغلالها استغلالا سيئاَ، وكانت أداة لارتكاب الجرائم، فيكون التدبير الاحترازي الملائم سحب رخصة السلاح.

2- التدابير الاحترازية العينية:

الأصل أن التدبير الاحترازي يكون شخصياَ لكن قد تكون هناك خطورة في بعض الأشياء العينية المساعدة على ارتكاب الجريمة، لذلك شرعت التدابير الاحترازية العينية، وتهدف هذه التدابير الاحترازية لإتلاف أدوات تستخدم في الجريمة أو غلق محل تمارس فيه الجريمة، أو حل شخص معنوي، لأن استمراره يزيد من ارتكاب الجريمة:

أ- المصادرة:

المصادرة هي نزع ملكية المال جبراَ، وإضافته إلى الدولة دون مقابل[5]

ومن هذه الأشياء التي تصادر، المواد المخدرة، والأسلحة، والمتفجرات، والعملة المزيفة، ولكن يشترط لتطبيق هذا التدبير الاحترازي، صدور حكم قضائي فقد نص الدستور الأردني في (المادة 12) على أن: (لا تفرض قروض جبرية ولا تصادر أموال منقولة أو غير منقولة إلا بمقتضى القانون).

والمصادرة تتمتع بخاصيتين مهمتين وهما، وجوب المصادرة كما ورد (بالمادة 31) من قانون العقوبات الأردني التي جاء بها: “يصادر من الأشياء”، وأكدت ذلك (المادة 49) من قانون العقوبات على عدم تأثر المصادرة بالموت، فالمصادرة وجوبية.

الأمر الثاني، لا يشترط صدور حكم بالإدانة، فقد يموت الشخص أثناء المحاكمة، ولكن ذلك لا يمنع من المصادرة، وذلك وفقاً (للمادة 336) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ب- الكفالة الاحتياطية:

الكفالة هي: هي إيداع مبلغ من المال، أو سندات عمومية ،أو تقديم كفيل مليء ،أو عقد تأمين ضمانا لحسن سلوك المحكوم عليه أو تلافيا لأية جريمة، والكفالة لا تقر إلا بقانون، وبينت (المادة 33) من قانون العقوبات الحالات التي تفرض فيها الكفالة، وبين (المادة 34) الحالة التي تلغى فيها الكفالة.

ج- غلق المؤسسة والمحل:

تدبير يوقع على المحلات والمؤسسات لمنع ارتكاب الجريمة، فهو تدبير يهدف لغلق أماكن الجرائم، وقد يكون الغلق وجوبياَ أو جوازاي، وقد نص على ذلك التدبير قانون العقوبات الأردني في (المادة 35)، وحدد المدة بما لا تقل عن شهر ولا تزيد عن سنة.

د- وقف الهيئة المعنوية عن العمل:

إذا كان من ارتكب الجريمة ليس شخصاَ عادياَ، بل شخص معنوي فما هو التدبير الاحترازي الملائم له؟

لا شك أن هناك حالات يكون الشخص المعنوي أشد خطورة من الشخص العادي، مثال ذلك، جرائم غسيل الأموال التي تدار من أشخاص معنوية كبيرة وكذلك الإتجار في أعضاء البشر، وفي هذه الحالات يكون التدبير الاحترازي هو وقف هذا الشخص المعنوي، وقد بين قانون العقوبات الأردني في المادة 36، 37، 38 أحكام وقف الهيئة المعنوية عن العمل أو حلها، والحالات التي ينطبق عليها الحل أو الوقف.

رابعاً: السلطة التقديرية للقاضي في تقدير التدابير الاحترازية:

هل القاضي له مطلق اليد في تقدير مدة التدبير الاحترازي، أم أن النصوص تقيده في بيان المدة التي يقضيها المجرم في التدبير الاحترازي؟

السلطة التقديرية للقاضي تضيق وتتسع بحسب السياسة الجنائية للبلد التي يخضع لها والنظام القانوني الذي يتبعه، فمن الأنظمة من يوسع من دور السلطة التقديرية للقاضي، ومنها من يضيق من هذه السلطة، وهناك أنظمة توازن بين إطلاق سلطة القاضي التقديرية وبين تقييدها، وفيما يتعلق بالقانون الأردني في شأن التدابير الاحترازية نجد الاتي:

ففي قانون العقوبات (المادة 29/2) المتعلقة بالحجر في مأوى احترازي في مستشفى، لا يخضع الحجر لقيد يتعلق بالمدة، فهو متروك للجهة المسؤولة وفي ذلك تنص المادة على أن: (من حكم عليه بعقوبة مانعة للحرية أو بكفالة احتياطية وثبت أنه في أثناء تنفيذ الحكم قد أصيب بالجنون يحجز في المستشفى المشار إليه في الفقرة السابقة، ويعنى به العناية التي تدعو إليها حالته على ألا تتجاوز مدة الحجز ما بقي من مدة الحكم الذي علق تنفيذه ما لم يكن المحكوم عليه خطرا على السلامة العامة).

وعلى الجانب العكسي هناك نصوص وردت في قانون أصول المحاكمات قيدت وحددت المدة التي يخضع لها الشخص فيما يتعلق  بالتدبير الاحترازي، كما في  الفقرة 5 من المادة 233 أصول المحاكمات والتي نصت على أن: ( إذا تبين للمحكمة من الرقابة الطبية التي أجرتها أن المتهم مصاب بإعاقة عقلية (تخلف عقلي) وتبين لها ارتكابه للتهمة المسندة إليه قررت إدانته وعدم مسئوليته ووضعه تحت إشراف مراقب السلوك من سنة إلى خمس سنوات على أنه ليس هناك ما يمنع المحكمة قبل ذلك من وضعه في المركز الوطني للصحة النفسية أو أي مأوى علاجي آخر لمعالجته من مظاهر السلوك الخطيرة على الأمن العام الذي قد يرافق تخلفه).

فهذه النصوص تظهر اختلافا في أساس تحديد مدة التدبير الاحترازي، بعضها ورد النص على بيان المدة والآخر تركت ذلك للجهة المسؤولة.

خامساً: الضمانات والحقوق المكفولة خلال فترة تنفيذ التدبير الاحترازي:

ورد في قانون مركز الإصلاح والتأهيل الأردني رقم 9 لسنة 2004، النص على هذه الضمانات والحقوق ومنها تأمين الرعاية اللازمة لهم وتنفيذ برامج إصلاحية تأهلهم لحياة كريمة وتوفير الرعاية الصحية والنفسية والعلاجية للنزيل، كما جاء في (المادة 22) من قانون مركز الإصلاح، أيضا الحق في الاتصال بالمحامي، والاتصال بالأهل،  وحق ممارسة الشعائر الدينية، بجانب الحق في التعليم داخل مراكز التأهيل.

وورد في (المادة 106) من قانون أصول المحاكمات بيان دور رؤساء المحاكم في تفقد مراكز التوقيف،  والاطلاع على مراكز الإصلاح ،فقد أعطت المادة الحق لرؤساء المحاكم والنائب العام وغيرهم، الحق في تفقد السجون ومراكز الإصلاح، والتأكد من عدم وجود محتجز بغير صفة قانونية، وكذلك إعطائهم الحق في الاطلاع على الدفاتر، وأخذ نسخة منها، وكذلك الحق في سماع الشكاوى، وألزمت الموظفين بجوب تقديم المساعدة لهم.

ونص قانون الأحداث على إنشاء مكتب في كل محكمة  لمراقبة سلوك الحدث، وألزمت مراقب السلوك بتقديم تقرير عن حالة الحدث، ونصت كذلك على الحق في الإشراف القضائي كما ورد ذلك في (المادة 24)، وألزمت المادة العاشرة من قانون الأحداث، وجود موظف متخصص في علم النفس أو الاجتماع، وورد في (المادة 11) ما يجب على مراقب السلوك من تقديم تقريرا خطياَ مفصلاَ بحالة الحدث، وما يحيط به من ظروف، ومستواه العلمي وغيرها من الأمور اللازمة، والمهمة، وفي حالة تقصي مراقب السلوك في القيام بواجباته، فيكون للمحكمة الحق في استبداله بغيره، واتخاذ الإجراءات التأديبية معه.

وأشارت المادة ٢٤ من قانون الأحداث إلى أن مدة الإشراف القضائي لا تزيد عن عام، ومنحت كذلك الحق للمحكمة في حالة تعذر قيام مراقب السلوك بمهامه توكيل مراقب آخر.

سادساً: اجتهادات محكمة التمييز بشأن التدابير الاحترازية:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 398 لسنة 2013 ما يلي:

إذا تم إدخال المتهم (المميز ضده) في المركز الوطني للصحة النفسية بتاريخ 8/8/2012 وبعد معالجته تم تنظيم تقرير طبي بحقه يفيد أنه غير مدرك لكنه أفعاله ولا داعي لبقائه في المستشفى كون الحالة المصاب بها ليست مرض إنما حالة ولا علاج لها. وعلى ضوء ما ورّد بالتقرير الطبي والمؤيد بشهادة منظميه والذي ورّد فيه أن المتهم لا يشكل خطر على المجتمع وأنه لا يعاني من مرض إنما من حالة خلقية وأن عمره العقلي 8-9 سنوات، وأنه لا داعي لبقائه في المستشفى كون الفترة التي قضاها من 8/8/2012 حتى 4/9/2012 هي فترة كافية، فإن ما توصلت إليه المحكمة يتفق وصحيح القانون، وأن تطبيق المادة (233) من الأصول الجزائية يتحقق إذا كان المتهم مصاب بمرض نفسي أو إعاقة عقلية وأن يشكل خطراً على المجتمع، وفي الحالة المعروضة فإن المتهم (المميز ضده) لا يعاني من مرض إنما حالة ولا يشكل خطر حسب ما ورّد بالتقرير الطبي، وأن الفترة التي تم إيداعه فيها المستشفى كافية، فتكون المحكمة قد أصابت صحيح القانون.

وورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 33 لسنة 1959 ما يلي:

المصادرة الوجوبي هي التي تقع على الأشياء التي يعد صنعها، أو اقتناؤها، أو بيعها، أو استعمالها بحد ذاته غير مشروع، كالمواد المخدرة والنقود المزيفة والموازين المغشوشة، والأسلحة التي يتطلب القانون الترخيص بها عند عدم وجود رخصة بها وهذه المصادرات تعد إجراء مفروضا للنظام العام ويجب الحكم بها ولو لم تكن الأشياء ملكا للمتهم أو لم تفض الملاحقة بها إلى حكم.

وفي الختام، مهما تكلمنا عن التدابير الاحترازية، فلا يمكن عدم الاعتراف بأهميتها ودورها البارز في قمع الخطورة الإجرامية، وقد كانت دولة الأردن من أوائل الدول التي عملت بهذه التدابير وأخذت بها، مواكبة لسائر الدول المتقدمة، ولكن لا يخفى أنه كلما كان دور القضاء أوسع بشأن هذه التدابير، مع تقليل دور السلطة التنفيذية كان ذلك ضمانة لمزيد تأثيرها وحدها من الجرائم، ومن الخطورة الإجرامية، مع زيادة مراعاة التأهيل النفسي والاجتماعي.

إعداد الباحث/ رشاد حمدي.

[1] – محمد أديب ، مدى كفاية التدابير الاحترازية في قانون العقوبات الأردني لمكافحة الخطورة الإجرامية في ضوء المفهوم الحديث لها، رسالة دكتوراه، جامعة عمان، عام 2011، ص 11 وما بعدها، وأشار إلى كتاب، الدكتور محمود نجيب حسني، ص 67، 1968)

[2] الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسني، علم العقاب، دار النهضة العربية، 1973، ص120.

[3] – محمد أديب ، مدى كفاية التدابير الاحترازية في قانون العقوبات الأردني لمكافحة الخطورة الإجرامية في ضوء المفهوم الحديث لها، رسالة دكتوراه، جامعة عمان، عام 2011، ص 55 وما بعدها، وأشار إلى كتاب الدكتور حسنين عبيد، ص 384).

[4] الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، أساسيات علم الإجرام والعقاب، منشورات الحلبي الحقوقية، 2009، ص 460.

[5] – محمد أديب ، مدى كفاية التدابير الاحترازية في قانون العقوبات الأردني لمكافحة الخطورة الإجرامية في ضوء المفهوم الحديث لها، رسالة دكتوراه، جامعة عمان، عام 2011، ص 138 وما بعدها، وأشار إلى كتاب الدكتور محمود حسني، 892)

Scroll to Top