تأثير المصطلح القانوني للمحامي
إن اللغة وعاء الفكرة ومنبعها، فالفكرة القانونية يجب أن تكون ذات أوعية تمتاز بخصوصية، وأن مبعث الخصوصية في لغة الفكر القانوني هو غلبة الاصطلاح في التعبير عن تلك الفكرة، ولا مبالغة إن قلنا إن اللغة القانونية تنطوي على نوع من الصعوبة، فنلاحظ ان قارئ الأدب والتاريخ وحتى الفلسفة أو المنطق قد لا يجد من الصعوبة في متابعة الفكرة المقروءة، ما يجده القارئ في متابعة الفكرة القانونية.
وعلى الرغم من خصوصية الاصطلاح في التعبير القانوني، الا ان اعتبار المحامي وشخصيته، وتعمقه في فهم التراكيب والمصطلحات القانونية، ومدى نجاعة أسلوبه في عرض ذلك المصطلح، وحسن أداءه في إيصال الفكرة القانونية السليمة للقاضي، له من الدور الكبير والإسهام العظيم في نجاح الدعوى وإظهار الحقيقة.
أهمية أسلوب المحامي لإنجاح دعواه
فأسلوب المحامي في التعبير عن المصطلح القانوني وقوة فهمه وإدراكه لما يعنيه هذا المصطلح والمدى الذي يرنو إليه من خلال ذات المصطلح في ضمير القاضي ووجدانه، يسهم في إعانة المحامي على إظهار الحقيقة ونجاح دعواه، فقد تحضر جلسة أثناء نظر دعوى معينة في المحكمة، وتلاحظ أسلوب المحامي في استعمال المصطلح القانوني فتشعر وكأنك تغرف من بحر، وفي مقابل ذلك، فقد تجد من الأسلوب في طرح الفكرة القانونية ما يشعرك كأنك تحفر في الصخر.
لا شك في أن أهم و أعظم ما يعين المحامي أو القانوني في التعبير عن المصطلح القانوني هي معرفته العميقة في لغة القانون، فاللغة اعظم وسيلة لإيصال الفكرة القانونية، ولغتنا العربية بحر لا نفاد له من المصطلحات والتراكيب التي قد تتشابه في رسمها أو حروفها لكنها تختلف في تشكيل حركاتها فيتغير المعنى من جذوره، ولنا في اللغة العربية من الأمثلة الكثيرة والكلمات الوفيرة التي تتشابه شكلا و حرفيا وتختلف معنىً و موضوعا، فكلمة جنة ، تحتمل ثلاثة أوجه ومعانٍ في أقل تقدير، فتقرأ بكسر الجيم وتحمل معنى الجن ، وتقرأ بفتح الجيم فتحمل معنى الأرض ذات الجنان والأنهار، وتقرأ بضم الجيم فتحمل معنى الوجاء أو الدرع .
نصائح في كيفية استخدام اللغة
تحتم علينا لغتنا العربية وممارستنا لمهنة المحاماة وتعاملنا مع المصطلحات القانونية ان نراعي في تعبيرنا واستعمالنا للمصطلح القانوني بعض الأمور الهامة،
- تجنب الألفاظ العامية، وان نتقيد قدر الإمكان بالألفاظ العربية الفصيحة.
- الابتعاد ما أمكن عن الأغراب في اللغة، أي الألفاظ الغريبة التي يقل استخدامها، ولا يعلمها الكثير من الناس.
- ألا يسفّ في المفردات التي يستملها، والسف من السفاهة، فلا تستخدم الكلمات السفيهة حتى يسترشد القارئ أو السامع، وحتى يكون المعنى مفهوما مما يعطي انطباعا حسنا عن الكاتب أو المتكلم.
- الالتزام بالتراكيب اللغوية السليمة والحركات الإعرابية الصحيحة، فلا يجر الفاعل أو يرفع المفعول به، وإلا فانه قد يختلف المعنى اختلافا كليا، ومثاله قوله تعالى ” إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ” فلفظ الجلالة ” الله ” جاء منصوبا لوقوع فعل الخشية، اما العلماء فقد جاءت مرفوعة لوقوع الخشية من قبلهم. وإنما نضرب هذا المثال لبيان مدى التأثير الكبير الذي تحتمله الكلمة في اللغة العربية عند تغيير حركة إعرابها مثلا.
- يجب ان تكون الكلمات والتراكيب اللغوية واضحة لا لبس فيها، لا أن يكون المصطلح فضفاضا يحتمل الكثير من المعاني، الأمر الذي قد يؤثر في صياغة لائحة الدعوى والمذكرات المقدمة أو المرافعة بالتالي السير بالدعوى الى النجاح.
أخطاء لغوية شائعة بين القانونيين
هنالك العديد من الأمثلة الشائعة بين القانونيين من محامين وقضاة وغيرهم، فالواجب ان يكون الدارس للقانون والباحث فيه والممارس للأعمال القانونية من محاماة وغيرها، ان يكون على اطلاع واسع باللغة وقواعدها ومئالاتها ومعانيها، وأن تكون لغة الباحث القانوني مضبوطة دون عثرات.
كلمة (حيث) ، وحيث إن
أيضا، هنالك من التعابير القانونية كثيرة الاستخدام، منتشرة بين المحامين والقضاة، وهي كلمة (حيث)، ولا تستخدم في مكانها الصحيح، فكلمة (حيث) تكون للدلالة على المكان وقد تدل على الزمان، وإذا اتصلت ب (ما) الكافــّـة، تضمنت معنى الشرط وحذفت الفعلين، مثال ذلك:” حيثما تستقم يقدر الله لك نجاحا “
ومن قبيل الخطأ الشائع في استخدام تلك الكلمة، أن كثيرا من المحامين يقول ( حيث إن ) والصحيح أن يقوم ( حيث إن )، والناظر في قرارات المحاكم واجتهادات القضاء، يجد استعمالا متكررا لكلمة (حيث) بصورة خاطئة، فمثلا في جملة (حيث إن المحكمة تجد ان المدعى عليه قد استدان من المدعي، وحيث إن المدعى عليه لم يثبت وفاءه للمدعي …..)) فالواضح ان المقصود من استعمال كلمة (حيث) الجملة السابقة هو للدلالة على معنى الشرط، وقد تبين أن كلمة حيث لوحدها لا تفيد معنى الشرط إلا إذا اتصلت ب (ما) الكافــــّة.
(كلمة القاضي أو المحامي ومثيلاتها)
هنالك من الكلمات ما ينتهي بحرف علة (و، ا، ي) مثل كلمة القاضي والمحامي، فكثيرا ما يتم استعمالها على وجه خاطئ، وهي تستعمل على الوجه الاتي:
- في حالة الرفع والجر تحذف الياء للاستثقال وتستبدل بتنوين الكسر، مثل: للمدعي حسابٌ جارٍ. أو مثل: مررت اليوم بمحامٍ.
- في حالة النصب يبقى حرف الياء ويظهر عليه الفتحة، مثل: رأيت اليوم قاضيا
- في حال كان الاسم المنقوص معرفا ب (أل) فتظهر الياء في الحالات جميعا. مثل: جاء القاضي اليوم.
- إذا كان الاسم المنقوص في موقع المضاف، فتظهر الياء دوما، مثل: مثلتُ أمام قاضي الأمور المستعجلة.
جملة مدمن تعاطي المخدرات
يرد كثيرا مصطلح (مدمن على تعطي المخدرات) حتى في القوانين المسنونة، فقد ورد التركيب السابق في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية عبارة (تتم معالجة المدمنين على تعاطي المواد المخدرة …). أيضا ورد هذا التعبير في مواد ذات القانون، فمثلا (لا تقام دعوى الحق العام على المدمن على تعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية …..)
والصواب في هاتين العبارتين، إزالة حرف الجر (على) الوارد بعد كلمة المدمن أو المدمنين، ولا وجه لإدخال (ال) التعريف على كلمة المدمن أو المدمنين، وعند الأخذ بالاعتبار هاتين الملاحظتين تستقيم صياغة التعبير، فتصبح الجملة (تتم معالجة مدمني المواد المخدرة …..) و (لا تقام دعوى الحق العام على مدمن تعاطي المواد المخدرة …).
لفظ (قط)
أحيانا، قد يرغب المحامي أو الباحث القانوني بتوكيد النفي فيقول (ان المشرع لا يشير قط) أو (ان مثل هذه العقود لا تصح قط).
والصواب، ان مثل هذه التعابير تحكمها قاعدة ان (قط) لفظ يختص بالنفي مع الفعل الماضي، والصحيح فيما تقدم من صيغ ان تستعمل كلمة (أبدا)، فيقال: (ان المشرع لا يشير أبدا، أو ان مثل هذه العقود لا تصح أبدا.)
وأما في حال استخدام لفظة (قط)، فيقال: (ان المشرع لم يشر قط) أو (ان مثل هذه العقود لم تصح قط).
كيفية استخدام العدد والمعدود
نشير في هذا المقام الى اهم قاعدة في الأعداد، وهي التذكير والتأنيث، أوضحها بشكل يسير على النحو الاتي:
- الأعداد من 3 الى 9 تكون على عكس المعدود، سواء كانت هذه الأعداد مفردة، مثاله: حرر المدعى عليه ثلاث كمبيالات، أو كانت مركبة، مثاله: يشتمل النظام على أربع عشرة بند. أو معطوفا عليه، مثاله: لدى المحكمة ثلاث وعشرون جلسة.
- العدد (10) يكون على عكس المعدود ان كان مفردا، مثاله: نظرت المحكمة عشر قضايا، ويكون موافقا للمعدود ان كان مركبا، مثاله: سمع المحامي أحد عشر موكلا.
- الأعداد (100، 1000) وألفاظ العقود (20، 30 …، 80) تكون على صورة واحدة، مثاله: (إقرار الخصم يغني عن ألف حجة) (نجحت في خمسين قضية) (أتعاب الدعوى سبعين ألف دينار)
أهمية اللغة السليمة في صياغة العقود
أيضا من اهم الممارسات القانونية التي ترتبط ارتباطا وثيقا باللغة هي انشاء العقود وكتابتها، فيا بالغ أهمية اللغة ومراعاتها في انشاء العقد، وضرورة توخي الدقة في استخدام تعابيرها وتراكيبها، وتنسيق معانيها ووزنها مع المقصود في الاتفاق بين الطرفين بحيث تتجلى الغاية منه.
فالوضوح ثم الوضوح، والحرص على إظهار الفكرة التي يعبر عنها دون لبس أو غموض والا قـُـتلت فكرته ودُفن عمله القانوني، وتحت عنوان (دعنا نقتل كل المحامين) دعا كاتبان غربيان في كتابهما (اللغويات القانونية) الى قتل كل المحامين، والسبب في دعوتهما قولهما ((ان اللغة التي يصاغ بها القانون ويستخدمها كثير من المحامين تستخدم لعمل سحابة كثيفة من الدخان لتختبئ وراءها المعاني ويفتقد المنطق الواضح.. بالتالي فان مثل هذه اللغة تتسبب في مزيد من المنازعات والمشاكل بدلا من حلها.))
المصدر : موقع المحامي الأردني.

