حالات يجوز فيها للمحكمة توجيه اليمين

حالات يجوز فيها للمحكمة توجيه اليمين

تعتبر اليمين إحدى طرق الإثبات التي نص عليها المشرع الأردني في قانون البينات رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته ،وتتمتع اليمين بأن لها خصوصية تميزها عن غيرها من وسائل الإثبات ،بما لها من قوة في حسم وإنهاء النزاع ،وقسم المشرع الأردني في القانون سالف الذكر اليمين الى نوعين اليمين الحاسمة وكذلك  اليمين المتممة ،وعالج كل منها على حدى ،وبين على وجه التفصيل و التحديد من يختص بتوجيه كل يمين ،والى من توجه.

فاليمين الحاسمة توجه من قبل أحد الخصوم الى خصمه الآخر ليحسم بها النزاع ،واليمين المتممة توجه من قبل المحكمة الى أحد الخصمين ليس لحسم النزاع إنما لإكمال الدليل الناقص ،وفي مقالنا هذا نتناول الحالات التي يحق فيها للمحكمة كاستثناء على الأصل العام توجيه اليمين الى أحد الخصوم ،والتي تناولتها المادة 54 فقرة 2 من قانون البينات ،وعليه سيكون محور مقالنا هذا حول ما يلي :

تعريف باليمين التي توجهها المحكمة

اليمين التي توجهها المحكمة تعتبر استثناء على مبدأ حيادية القاضي وتعتبر تدخلا في بينات الدعوى من قبل المحكمة ، فالأصل ان البينات ملك للخصوم، إلا أنه خروجا على هذه الأصل فيجوز للمحكمة أن تتدخل بتوجيه اليمين لأي من المتقاضيين في أحوال معينة أوردها المشرع على سبيل الحصر لا الاستثناء.

وقد عالج المشرع الأردني الحالات التي يجوز بها للمحكمة توجيه يمين للمتداعين ، وهذه الحالات في المادة 54 فقرة 2 من قانون البينات، وقد جعلها إجبارية للقاضي، أي أن القاضي ملزم بتوجيهها وملزم بالأخذ بنتيجتها، مقتصرا توجيهها على المدعي، الذي لا يوجد أمامه سوى خيارين هما: الحلف أو النكول، ولم يجز له المشرع أن يردها على الخصم الآخر.

ومن خلال نص المادة 54 من قانون البينات سالفة الذكر، يتبين لنا أن هذه الحالات هي: يمين الاستظهار، ويمين الاستحقاق، ويمين الشفعة، ويمين رد المبيع لعيب فيه، وبالتالي فإن هذه الحالات وردت على سبيل الحصر، ولا يجوز القياس عليها بتوجيه هذه اليمين في هذه الحالات، مع مراعاة أنه يجب أن تقع اليمين فيها على القطع والثبات، ولا يملك القاضي فيها تغيير صيغة اليمين المنصوص عليها قانونا تغييرا يؤثر في مدلولها ومعناها.

ويجب أن تكون الواقعة التي ينصب عليها اليمين غير مخالف للنظام العام أو الآداب أو ممنوعة بالقانون، مثل أن يكون المدعي قد أقام دعواه على تركة الميت مطالبا بدين قمار، ففي هذه الحالة، حتى لو أثبت المدعي هذا الدين فإنه لا يجوز للقاضي أن يحلفه هذه اليمين.

حالات يجوز فيها للمحكمة توجيه اليمين

يمين الاستظهار

تعريف يمين الاستظهار: هي اليمين التي يوجهها القاضي بمقتضى نص القانون الى المدعي الذي أثبت دعواه بالبينة القانونية على حقه في تركة المتوفى على أنه لم يستوف هذا الحق بنفسه أو بغيره من الميت بوجه ولا أبرأه ولا أحاله على غيره ولم يوف من طرف أحد وليس للميت في مقابل هذا الحق رهن.

وقد نصت على هذه اليمين المادة 54/2/أ من قانون البينات ،وقد نصت عليه أيضا المادة 83 من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 ،ويتضح لنا من سياق المادتين أن هذه اليمين يوجهها القاضي الى المدعي في مجلس الحكم ،وهي إجبارية من القاضي الى المدعي الذي يدعي بحق على تركة متوفى (دين)،فيحلفه القاضي هذه اليمين على أنه لم يستوف هذا الحق أو أي مقدار منه سواء بنفسه أو بغيره بطريق الوكالة أو بطريق الأمر بالاستيفاء ،ولا أبرأه من كل الدين أو بعضه ولا قبل حوالة على غيره في كل الدين أو بعضه ،ولا أوفى كله أو بعضه من طرف أحد ،وليس للميت في مقابلة كل هذا الحق أو بعضه رهن حتى لو أن المتوفى قد أقر بذلك الحق في مرض موته ،فإذا حلف المدعي اليمين على الوجه المبين ،فإنه يحكم له وإذا امتنع عن الحلف (نكل عنه)خسر دعواه .

مشروعية يمين الاستظهار

تتجلى مشروعية هذه اليمين بأنها شرعت حماية لحق الميت ورعاية لهذا الحق الذي أقيمت الدعوى على تركته من قبل المدعي، وعليه لا يجوز للقاضي حماية لهذا الحق أن يقضي لمصلحة المدعي بهذا الحق بمجرد إقامة البينة عليه بعد موت خصمه الأصلي، فاعتبر المشرع الأردني أن ما قدمه المدعي دليلا غير كافي، ولا بد من تعزيزه واستكماله بأن يقوم المدعي بحلف هذه اليمين.

وكذلك فإن الحق موضوع هذه اليمين ينطوي على شيء من الخفاء والشك بدليل أن من يدعي حقا على تركة المتوفى وإن كان قد أقام الدليل على هذا الحق فإنه في حقيقة الأمر لا يواجه خصمه الحقيقي وهو الميت، الذي من المفترض بأنه أقدر على تقديم بيناته ودفوعه لهذا الحق، بخلاف ورثته اللذين يجهلون هذه البينات والدفوع أو يجهلون بعضها، وبالتالي فإن المدعي يثبت صدق دعواه من خلال حلف هذه اليمين.

اليمين حق للتركة وليست حق للورثة

وهذه اليمين هي حق للتركة وليست حق للورثة، كونه من المحتمل وجود دائن للتركة أو ظهور موصى له، لذلك يجب على القاضي أن يحتاط للحفاظ على حقوق هؤلاء، حتى لو طلب الورثة عدم تحليف المدعي، فيجب على القاضي تحليفه هذه اليمين على الرغم من إقرارهم بالحق المدعى به. [1]

وعليه فإن الأثر المترتب على هذه اليمين بعد توجيهها للمدعي وحلفها من قبله، أن القاضي يحكم لصالحه بالحق المدعى به، أما إذا امتنع عن حلفها أو نكل عنها، فلا يحكم له بالحق المدعى به ويخسر دعواه. [2]

يمين الاستحقاق

هي يمين إلزامية توجه من قبل المحكمة الى مدعي الاستحقاق على حق أو مال بعد أن يقيم الدليل الذي يتطلبه القانون على ثبوت استحقاق هذا المال، فيحلفه القاضي على أنه لم يبع هذا المال ولم يهبه لأحد ولم يخرجه من ملكه بأي وجه من الوجوه. [3]

وهذه اليمين هي اليمين الثانية من الأيمان التي نص عليها المشرع في المادة 54 من قانون البينات ،وتوجيه هذه اليمين لا يعتبر تنازلا عن البينات الأخرى ،كون المحكمة توجهها من تلقاء نفسها وليس بناءا على طلب الخصم ،فهذه اليمين تعتبر يمين استثبات يحلفها القاضي على واقعة شخصية ويعزز الدليل المقدم اليه من قبل المدعي ،وبالتالي فهي لا تعتبر دليلا في الحكم ولا يقوم القاضي بتحليفها لمدعي الاستحقاق إلا بعد ثبوت الاستحقاق .

وعلى ذلك فإن المشرع الأردني اعتبر البينة التي قدمها مدعي الاستحقاق دليلا غير كامل، كونه من المتوقع والممكن أن يكون مدعي الاستحقاق قد أخرج هذا المال من ملكه أو وهبه، مما يجعل بينة المدعي غير كاملة، وبالتالي لإكمال هذا النقص، يحلف القاضي مدعي الاستحقاق هذه اليمين.

وإذا وجه القاضي يمين الاستحقاق إلى مدي الاستحقاق بعد ثبوته، فإذا حلف فإنه يحكم لصالحه ويكسب دعوه، أما إذا نكل عن حلف هذه اليمين فإنه يترتب على ذلك أن يخسر دعواه، ولا يجوز لمدعي الاستحقاق بأي حال من الأحوال عند توجيه هذه اليمين إليه أن يردها على خصمه، وذلك لان النص القانوني لا يجيز ذلك لتحديده مسبقا لمن يقع عليه عبء حلف هذه اليمين، وهو مدعي الاستحقاق.

يمين رد المبيع لعيب فيه

وتسمى يمين الاستيثاق وهي يمين إجبارية تحلفها المحكمة الى المشتري إذا أراد رد المبيع لعيب فيه، وأن عليه هذا البائع هذا العيب وأثبت المشتري هذا العيب، فيحلفه القاضي قبل الحكم على أنه لم يرض بهذا العيب صراحة أو ضمنا، وذلك لأنه من المحتمل أن يكون المشتري قد رضي بهذا العيب بعد أن يكون البائع قد أطلعه عليه، وتصرف المشتري بالمبيع تصرف المالك، فإنه في هذه الحالة يسقط خياره برد المبيع لعيب فيه.

وأعتبر المشرع الأردني أن ما قدمه المشتري من بينة لإثبات العيب تعتبر دليلا غير كافي، ولا بد من استكماله بتحليف المشتري على أنه لم يرض بالعيب قولا أو دلالة، وهذه اليمين من واجبات المحكمة التي يجب عليها توجيهها بعد أن يقوم المشتري بإثبات العيب حتى ولو لم يطلب البائع تحليفه هذه اليمين.

فإذا قام القاضي بتوجيه هذه اليمين الى المشتري الذي أثبت وجود عيب في المبيع بالدليل المطلوب قانونا، فإنه لا يجوز له أن يرد هذه اليمين على البائع، لان القانون حدد لمن توجه هذه اليمين وهو المشتري، وبالتالي فليس أمامه إلا الحلف أو النكول، فإذا حلف حكم لصالحه، وإذا نكل خسر دعواه.

يمين الشفعة

هي اليمين التي توجه من قبل المحكمة إلى مدعي الشفعة بعد أن يقيم الدليل الذي يتطلبه القانون بإثبات حق الشفعة، وذلك لأنه من المحتمل أن يكون مدعي لشفعه قد أسقط حقه في الشفعة، فعليه أن يعزز مطالبته بأن بحلف يمين الشفعة على أنه لم يسقط حق شفعته بأي وجه من الوجوه.

وعليه فلا يجوز للمحكمة أن توجه يمين الشفعة إلى القاصر، لأنه غير مكلف بها كما أن تحليف يمين الشفعة من واجبات المحكمة حتى ولو لم يطلب الخصم ذلك، والقانون لا يلزم المحكمة أن تؤجل الدعوى لحين توجيه يمين الشفعة كما أن يمين الشفعة لا توجه إلا بعد الانتهاء من سماع مرافعات طرفي الخصومة في موضوعها، وإثبات مدعي الشفعة لدعواه.[4]

من يوجه اليمين في تلك الحالات؟

يتضح لنا وبعد استقراء نص المادة 54 من قانون البينات، بأن الذي يوجه اليمين في الحالات السابقة هو القاضي، فهي من واجبات المحكمة وإجبارية للقاضي فهو ملزم بتوجيهها، حتى لو لم يطلب الخصم ذلك، ويتم توجيهها للمدعي فقط والذي أثبت كافة وقائع دعواه بالبينات القانونية.[5]

لمن توجه اليمين ؟

توجه اليمين وفقا لنص المادة 54 من قانون البينات للمدعي الذي أثبت كافة وقائع دعواه بالبينات القانونية، كما يتوجب أن يكون الحلف على واقعة الادعاء بكاملها، ويجب أن يصدر قرار من المحكمة بالتحليف ،كونه من واجبات المحكمة كما أسلفنا ذكره.

الآثار المترتبة على توجيه اليمين وفق المادة 54 من قانون البينات

إذا أثبت المدعي دعواه، وقرر القاضي تحليف المدعي اليمين، فلا يكون أمام المدعي إلا خيارين هما: أن يحلف هذه اليمين، فإذا حلفها حكم لصالحه، أو أن ينكل عنها، وفي هذه الحالة يخسر دعواه، ولا يجوز له بأي حاله من الأحوال أن يردها إلى المدعى عليه.

ويجب على المدعي أن يحلف اليمين في الحالات المذكورة سابقا، ولا يحق له توكيل شخص آخر لحلفها، كونها مقررة عليه وحده قانونا، وذلك ما تم النص عليه صراحة في متن المادة 54 من قانون البينات.

وتعد هذه اليمين إجبارية ملزمة للقاضي للتحليف والأخذ بنتيجتها، كما أنها إجبارية للمدعي بأن يحلفها وإلا خسر دعواه، ولا يملك القاضي بعد تحليف المدعي لها إلا أن يحكم لمصلحته.

النصوص القانونية

-قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته:

-المادة 54 فقرة 2:

على المحكمة من تلقاء نفسها تحليف اليمين في أي من الحالات التالية:

  • إذا أثبت أحد ادعاءه بحقه في التركة فتحلفه المحكمة على أنه لم يستوف بنفسه أو بواسطة غيره هذا الحق من الميت ولم يبرؤه منه ولم يحله على غيره ولم يستوف دينه من الغير ولم يكن للميت رهن مقابل هذا الحق.
  • إذا استحق أحد المال وأثبت ادعاءه تحلفه المحكمة على أنه لم يبع هذا المال ولم يهبه لأحد ولم يخرجه من ملكه بأي وجه من الوجوه.

ج- إذا أراد المشتري رد المبيع لعيب فيه تحلفه المحكمة أنه لم يرض بالعيب صراحة أو دلالة.

د- إذا أثبت طالب الشفعة دعواه تحلفه المحكمة بأنه لم يسقط شفعته بأي وجه من الوجوه.

-القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976

-المادة 83:

لا تحلف اليمين إلا بطلب الخصم، ولكن تحلفه المحكمة يمين الاستظهار وعند الاستحقاق، ورد المبيع لعيب فيه وعند الحكم بالشفعة ولو لم يطلب الخصم تحليفه.

اجتهادات محكمة التمييز

قرار محكمة التمييز الصادر عن الهيئة العادية رقم 8/2017 فصل 14/2/2017

“وحيث أن المدعي كان قد اشترى جرافة من مورث المميزين وأنه دفع مبلغ 10500 دينار وأن هذا البيع كان خارج دائرة الترخيص لم يتم التنازل عن الجرافة وأن مورث المميزين كان قد حرر للمدعي شيكا بالمبلغ الذي قبضه من المدعي وحيث أن ورثة المدعى عليه لم ينكروا واقعة تحرير السند الخطي للمدعي وحيث أن بيع الجرافة خارج دائرة الترخيص هو بيع باطل لا يرتب أثرا وحيث أن محكمة الاستئناف قررت توجيه يمين الاستظهار للمدعي بصيغة طرحتها ذلك أن توجيه يمين الاستظهار توجه بحكم القانون دون حاجة لطلب أحد الفريقين ذلك.

وحيث أن المدعي قد حضر وحلف يمين الاستظهار بأنه لم يستوف المبلغ المدعى به بنفسه أو بواسطة غيره من الميت بأي من الوجوه ولم يبرئ الميت ولم يحله على غيره ولم يكن للميت رهن مقابل ذلك الحق فإن تحليف المدعي يمين الاستظهار يكون متفقا وحكم القانون وبذلك تكون تركة الميت مثقلة بهذا الدين ويدفع هذا المبلغ من التركة بحدود ما آل للمميزين من تركة مورثهم.

وحيث خلصت محكمة الاستئناف للنتيجة ذاتها فيكون قرارها في محله “.

إعداد المحامية : ثمار إبراهيم

الموقع الإلكتروني حماة الحق للمحاماة

[1] -تمييز حقوق –رقم 97/1956 –تاريخ 4/5/1956 –منشورات مركز عدالة.

[2] -تمييز حقوق رقم 611/1986 –تاريخ 10/4/1987 –منشورات مركز عدالة.

[3] -تمييز حقوق رقم 148/1972 –تاريخ 19/12/1972 –منشورات مركز عدالة.

[4]-تمييز حقوق رقم 276/1980 –تاريخ 3/8/1980 – منشورات مركز عدالة وتمييز حقوق رقم 100/1985 –تاريخ 24/5/1985 –منشورات مركز عدالة.

[5] -تمييز حقوق رقم 100/1985 –تاريخ 1986-منشورات عدالة.

Scroll to Top