الضرر الأدبي والتعويض عنه

الضرر الأدبي والتعويض عنه

الضرر هو الركن الذي لا خلاف عليه من أركان المسؤولية المدنية عقدية كانت أو تقصيرية، وهو في حد ذاته بمثابة الشرارة الأولى التي ينبعث منها التفكير في المسؤولية المدنية، فلا مجال لقيام المسؤولية في حال انتفاء الضرر.

 والضرر بهذا المعنى يقصد به كل ما ينتج عن الاعتداء على حق من حقوق الشخص، أو عن الإخلال بمصلحة مشروعة له، حتى لو لم يكفلها القانون بدعوى خاصة، فيكفي مجرد المساس بمصلحة مشروعة للمضرور، ولا يشترط أيضًا لوقوع الضرر أن يقع اعتداء على حق مالي للمضرور، فقد يقع الاعتداء على حق غير مالي، فالضرر قد يكون مادياً أو أدبياً وكلاهما يستوجب التعويض، وسنتناول في هذا المقال جميع ما يخص الضرر الأدبي في العناصر الرئيسية التالية:

أولًا: تعريف الضرر الأدبي:

ثانيًا: أساس تسويغ الضرر الأدبي:

ثالثًا: صور الضرر الأدبي:

رابعًا: تمييز الضرر الأدبي عن الضرر المادي:

خامسًا: شروط الضرر الأدبي:

سادسًا: صاحب الحق في التعويض عن الضرر الأدبي:

سابعًا: انتقال التعويض الأدبي عن الضرر إلى الغير:

ثامنًا: كيفية التعويض عن الضرر الأدبي:

تاسعًا: السوابق القضائية الخاصة بالضرر الأدبي:

ونتناول فيما يلي شرح تفصيلي للعناصر السابقة:

أولًا: تعريف الضرر الأدبي:

يمكن تعريف الضرر الأدبي على أنه: ” الضرر أذى يصيب الشخص في عواطفه، أو شعوره، أو شرفه، أو سمعته، أو مركزه الاجتماعي. وهناك من اكتفى بالقول: “الضرر المعنوي هو ذلك الضرر الذي لا يطال الذمة المالية، وعما يلحق الشخص فقط ألمًا معنويًا “([1])

وقد عرف المشرع الأردني الضرر الأدبي فيما ورد في (المادة 267) من القانون المدني الأردني على أنه: “… كل تعدٍ على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي…”([2]).

ثانيًا: أساس تسويغ الضرر الأدبي:

“وأسس القانون الأردني نظرية التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي (المادي) على أساس الضمان التي استقى أحكامها من الفقه الإسلامي بخلاف القوانين المدنية العربية الأخرى التي أُسس مقابل الضرر على نظرية التعويض ومن حيث الشكل والمضمون لا يوجد خلاف بينهم إلا أن مبدأ الضمان يقوم على مبدأ جبر الضرر الحال وللضمان في الفقه الإسلامي عدة معاني فهو بمعنى التعويض وبمعنى الكفالة. والضمان بمعنى التعويض هو رد الشيء أو بدله بالمثل أو القيمة وهو المال الذي يُحكم به على مسبب الضرر”([3]).

ثالثًا: صور الضرر الأدبي:

تتميز صور الضرر الأدبي بتعددها، ويمكن حصر هذه الصور بالقول: إن الضرر الأدبي هو ذلك الضرر الذي يسبب ألمًا للمضرور، وتنوع هذه الصور إنما يرجع إلى تنوع مصادر هذا الألم ودرجة شدته.

وتنوع صور الضرر الأدبي دفع بعض الفقهاء إلى التمييز بين نوعين من الضرر الأدبي، هما:

1.    ضرر أدبي متصل بضرر مادي:

فقد يجتمع الضرر الأدبي مع الضرر المادي في آن واحد، بل إنه من النادر جدًا ألا ينجم عن الضرر الأدبي ضرر مادي أيضًا، كأن يُصاب شخص بحادث يسبب له عاهة مستديمة، فالمضرور في هذا الفرض يصيبه ضرر مادي يتمثل في نقص قدرته على العمل بالإضافة نفقات العلاج والتعطيل عن العمل. كما يصيبه أيضًا ضرر أدبي يتمثل في الآلام التي يعاني منها نتيجة للتشوه الذي أصابه.

وأيضًا إذا وقع اعتداء على حق المؤلف في نسبة آرائه وأفكاره، فلا يكون له فقط المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي، بل له أيضًا المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي الذي لحق يه من جراء هذا الاعتداء.

2.    ضرر أدبي محض:

قد يكون الضرر الأدبي مجردًا من أي ضرر مادي، كالمساس بمشاعر الحنان والعاطفة، وبالمشاعر الدينية، ومثاله الأفعال التي تشكل مساسًا بالشرف والاعتبار، مثل السب والقذف والشتم والذم، حيث إنها تسبب للمضرور ألمًا في نفسه يجوز معه المطالبة بالتعويض عنه. وكذلك الحال بالنسبة لانتحال الاسم، والتعدي على الحياة الخاصة، وإفشاء الأسرار بشكل غير مشروع. ويندرج تحت هذه الصورة إنهاء الخطبة دون سبب جدي قبل موعد الزفاف بأيام قليلة؛ لما ينطوي عليه مثل هذا الفعل من مساس بسمعة وشرف المخطوبة في الأوساط العائلية بصفة خاصة والاجتماعية بصفة عامة، ومن ثّمَّ يجوز لها المطالبة بالتعويض.

رابعًا: تمييز الضرر الأدبي عن الضرر المادي:

يدور التمييز بين الضرر الأدبي والمادي في محل حصول الضرر وهذا ضمن معياران هما:

1-   المعيار الأول:

يعتمد هذا المعيار على أساس الحق الذي وقع عليه الضرر، فإذا وقع الضرر على حق مالي؛ فإن الضرر الحاصل يكون مادي. أما إذا وقع على حق معنوي؛ فيكون الضرر أدبي.

2-   المعيار الثاني:

يعتمد على الضرر الحاصل من الاعتداء، فإذا كان ضرر مالي أو ملموس أي يمكن رؤيته بالعين؛ فيكون التعويض عن ضرر مادي. أما إذا كان الضرر لم يرتب خسارة مالية، بل يؤدي إلى المساس بكرامة وسمعة الشخص؛ فيكون الضرر أدبي.

خامسًا: شروط الضرر الأدبي:

تظافرت جهود فقهاء الشريعة الإسلامية ورجال الفقه القانوني؛ فاتفقوا على أن شروط الضرر المادي هي نفسها شروط الضرر الأدبي، أي أن الشروط التي ينبغي توافرها في الضرر الأدبي لقيام المسؤولية تتمثل في الآتي:

1-   أن يكون الضرر الأدبي محقق الوقوع:

اشترط رجال الفقه القانوني لقيام المسؤولية عن الضرر الأدبي، أن يكون الضرر الأدبي محققًا واقعًا، وبعبارة أخرى أن يكون ذلك الذي تحددت عناصره على الفور، وأن يكون ثابتًا ويقينًا ومؤكدًا، وألا يكون ثمة مجال للشك في وقوعه.

 وهو بذلك يتضمن الضرر المستقبلي وهو ذلك النوع من الأضرار الذي قامت أسبابه وتراخت آثاره للمستقبل. ومن ذلك ما نص عليه المشرع الأردني في القانون المدني في (المادة 268) على أنه: “إذا لم يتيسر للمحكمة أن تعين مدى الضمان تعيينا نهائيًا فلها أن تحتفظ للمتضرر بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير”([4]).

2-   وقوع الضرر على حق أو مصلحة مشروعة:

يجب أن يُصيب الضرر الأدبي حقًا محميًا ومعترفًا به من قبل القانون أي أن يكون مكتسبًا، أو مصلحة مشروعة. والحق المقصود هنا هو: “كل حق أو مركز يحميه القانون بدءً من حق الإنسان في الحياة إلى سلامة الجسد، والأموال، والحقوق الشخصية ،والعينية. أما المصلحة المشروعة فتتنوع بحسب الغاية منها فقد تكون اجتماعيةً أو سياسيةً أو اقتصاديةً، والعبرة في هذا الصدد بعدم مخالفتها للنظام العام الآداب العامة”([5]).

ومن ثّمَّ فلا يجوز للخليلة المطالبة بالتعويض عما أصابها من حزن وأسى من جراء فقدان خليلها؛ لأن العلاقة التي تستند إليها هي علاقة غير مشروعة وغير مشمولة بحماية القانون؛ لمخالفتها النظام العام. وبشكل آخر لا يجوز للشخص أن يُطالب بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء حبسه الذي كان عقوبة لجرم ارتكبه، حيث إن حبسه جاء نظامًا وفقًا لحكم قضائي مكتسب القطعية مبني على أسبابه.

3-   أن يكون الضرر المطالب به شخصيًا:

يجب على من يطالب بالتعويض أن يكون هو بذاته من أصابه الضرر المطلوب التعويض عنه، أما إذا انتقل حق المطالبة بالتعويض للغير فيسمى بالضرر المرتد، ويعد الضرر المرتد ضررًا شخصيًا بالنسبة لمن اُرتد عليه، وستناول ذلك بشيء من التفصيل عند الحديث عن صاحب الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي.

4-   أن يكون الضرر الأدبي مباشرًا:

يشترط في الضرر الأدبي أن يكون مباشرًا، أي أن يكون نتيجةً طبيعيةً للخطأ المرتكب بشكل مباشر دون أن يكون هناك عامل آخر متسبب في ذلك الضرر، ومن ثمَّ يتعين وجود رابطة سببية بين خطأ مرتكب الفعل والضرر المعنوي أو الأدبي الذي أصاب المضرور.

ويؤكد على ذلك الشرط ما نص عليه المشرع الأردني في (المادة 266) من القانون المدني، بما نصها: “يُقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”([6]).

سادسًا: صاحب الحق في التعويض عن الضرر الأدبي:

يُعد صاحب الحق في التعويض عن الضرر الأدبي كل من أصابه مثل هذا الضرر باعتباره المضرور مباشرةً من الضرر (وهو ما يُعرف بالضرر الأدبي الأصلي)، وقد ينعكس هذا الضرر إلى الغير، ناشئًا له حقًا شخصيًا بالمطالبة بالتعويض، ومستقلًا عن حق المضرور الأصلي (وهو ما يُعرف بالضرر الأدبي المرتد)، وإن كان مصدر التعويض واحد عن كلا الضررين الأصلي والمرتد.

1.    الضرر الأدبي الأصلي:

هو الضرر الذي يصيب المضرور نفسه في حقًا مباشرًا له أو مصلحة مشروعة.

2.    الضرر الأدبي المرتد:

وهو الضرر الذي يصيب العواطف والمشاعر بسبب إصابة المضرور أو وفاته، بيد أن ذلك مرهون بوجود رابطة قرابة أو مصاهرة بين المضرور الأصلي والمضرور بالارتداد. وفي الواقع يمكن أن تسبب وفاة المضرور أو إصابته حزنًا وألمًا نفسيًا لأقاربه ولأصدقائه فهل يحق لكل هؤلاء المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي الذي أصابهم من جراء وفاة المضرور أو إصابتهم. للإجابة على هذا التساؤل وجب علينا التطرق إلى نطاق الضرر الأدبي المرتد على النحو التالي:

نطاق الضرر الأدبي المرتد:

اختلف نطاق الضرر الأدبي من دولة إلى أخرى، ويتضح ذلك فيما يلي:

  • اتفق الفقه والقضاء الفرنسي على تعويض الضرر الأدبي المرتد الذي لحق بأحد أقارب المصاب في حالة الوفاة فقط. بيد أن الآراء الصادرة عن محكمة النقض والغرفة الجنائية فيما يتعلق بتعويض المضرور بالارتداد في حالة إصابة المضرور فقط دون وفاته ظلت في صراع ما بين مؤيد ومعارض، ففي حين أيدت الأولى تعويض الضرر الأدبي المرتد، رفضت الثانية ذلك، إلى أن جاء اليوم الذي استقرت فيه الاجتهادات الصادرة عن الغرفة الجنائية الفرنسية إلى تعويض الضرر الأدبي المرتد الذي يلحق بذوي المضرور من جراء جسامة إصابته شرط إثباتهم أن هذا الضرر الذي لحق بهم جراء هذه الإصابة هو شخصي ومباشر([7]).

“ولقد أُثيرت في فرنسا مسألة تحديد دائرة أصحاب الحق في التعويض عن الضرر المعنوي المرتد جدلًا طويًلا، ولكن تصدرت محكمة النقض الفرنسية لهذه المسألة في حكمها بتاريخ 27/2/ 1970 والتي قررت فيها استحقاق التعويض بموجب المادة (1382) مدني فرنسا في حالة الضرر المرتد نتيجة لوفاة المجني عليه دون توقف على وجود رابطة قانونية بين طالب التعويض والمجني عليه، ومنذ صدور هذا الحكم بشأن الضرر المرتد سواء أكان ماديًا أم معنويًا، فإنه لم يعد ثمة ما يمنع من قبول دعاوى التعويض التي يرفعها أشخاص أجانب عن أسرة المتوفى عما يصيبهم شخصيًا من أضرار مادية ومعنوية، بما في ذلك التي ترفعها الخليلة”([8]) .

  • أما بالنسبة لموقف المشرع الأردني فقد حدد نطاق التعويض عن الضرر الأدبي المرتد بطائفتين من الأشخاص، الأزواج والأقارب، حيث نصت (المادة 267) من القانون المدني على أن: “ب. ويجوز أن يقضي بالضمان للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب”([9])، وبهذا لم يحدد المشرع الأردني من جانبه درجة القرابة، تاركًا الأمر لسلطة القاضي التقديرية، والملاحظ أن المشرع الإماراتي قد سار على نفس المنوال.
  • أما القانون المدني المصري وبموجب المادة (222/2) منه فقد حصر أصحاب الحق في التعويض عن الضرر المعنوي الناجم عن الوفاة في نطاق الأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية وهم الوالدان والأخوة والأخوات والجدة لأم، والجدة لأب ،والأولاد، والأحفاد. ولا يعطي القانون لهؤلاء جميعًا تعويضًا إذا وجدوا، ولكن يحكم به لمن أصابتهم ألم وحزن حقيقي من جراء الوفاة، وهو ما يعني أن نطاق التعويض في القانون المصري ليس بدرجة الاتساع التي اتخذها القضاء الفرنسي سواء العادي أو الإداري([10]).

ونرى من جانبنا أنه كان حريًا بالمشرع الأردني أن يتدخل بإضافة فقرة جديدة توجب على القاضي التحقق من مدى قوة الرابطة بين المتوفي وبين المضرور بالارتداد، خاصةً في حال رابطة القرابة الزائد عن الدرجة الثانية، فيحكم القاضي بالتعويض عن الضرر الأدبي لمن لحق به ألمًا حقيقيًا وحزنًا؛ بسبب وفاة المضرور. أما إذا ثبت للقاضي انتفاء مثل هذا الألم فيجب عليه أن يحكم برد دعوى التعويض عن الضرر الأدبي.

سابعًا: انتقال التعويض الأدبي عن الضرر إلى الغير:

اختلف الفقهاء في مسألة مدى جواز انتقال التعويض عن الضرر الأدبي إلى الغير، إلى اتجاهين على النحو التالي:

1-   الاتجاه الأول:

يرى أنصار هذا الاتجاه أن الحق في التعويض عن الضرر الأدبي هو حق شخصي، ومن ثَمَّ فإنه لا يتحول إلى حق مالي إلا إذا تمت المطالبة به من جانب المضرور، فإذا لم يطالب به، ينقضي هذا الحق ولا ينتقل إلى ورثته، معللين ذلك بأن مثل هذا الحق يُعد متصلًا بشخص المضرور ولا يحق لأحد غيره أن يباشره، فإذا توفي دون المطالبة به؛ فإن ذلك يُعد دليلًا على تنازله عنه.

2-   الاتجاه الثاني:

يرى أنصار هذا الاتجاه أن اعتبار الحق في التعويض عن الضرر الأدبي حقًا شخصيًا لا يمحو عنه صفته المالية، ووجوده في ذمة المضرور في أثناء حياته، ومن ثَمَّ فإن هذا الحق ينتقل إلى الورثة بعد وفاة المضرور، حتى لو لم يطالب به في أثناء حياته، فعدم المطالبة به لا يعني النزول عنه، وذلك لأن النزول عن الحق لا يُفترض. فضلًا عن أن الحق في التعويض عن الضرر الأدبي ينشأ في مثل هذه الحالة من وقت وقوع الضرر؛ ومن ثَمَّ فالقول بأن حق التعويض عن الضرر الأدبي لا يدخل في ذمة المضرور إلا من تاريخ المطالبة به ينافي ما سبقت الإشارة إليه.

وقد أورد المشرع الأردني حالات انتقال التعويض عن الضرر الأدبي إلى الورثة وقيدها بأحد الأمرين التاليين:

أولًا: وجود اتفاق مسبق بالتعويض ومقدراه بين المُورِث المضرور والمسؤول عن الضرر، فحتى بوفاة المضرور بعد إبرام الاتفاق يظل المسؤول عن الضرر الأدبي ملزمًا بأداء مبلغ التعويض لورثة المضرور.

ثانيًا: قيام المُورِث برفع دعوى للمطالبة بتعويضه عن الضرر الأدبي وحصوله على حكم قطعي بالتعويض.

ويمكن لنا في ضوء ما سبق بيانه أن نوضح الفرق بين الضرر الأدبي المرتد والضرر الموروث، فالضرر الأدبي المرتد هو ضرر مباشر غير موروث، يصيب من انعكس عليه ضرر من جراء الخطأ الذي كانت نتيجته وفاة شخص تربطه به علاقة زوجية أو قرابة، فتخلق الوفاة في نفسه حزنًا وأسًا بالغًا، فيُحكم له بالتعويض كمقابل لمعاناته.

أما الضرر المَوروث فهو أن يصيب الشخص ضررًا أدبيًا ثم يتوفى في أثناء أو بعد قيامه برفع دعوى المطالبة بالتعويض عما أصابه من ضرر؛ ومن ثَمَّ فهو يدخل ضمن الذمة المالية له ويصبح جزءً من تركته، ويؤول إلى ورثته كلٍ حسب نصيبه من هذه التركة، كما أنه يُعد حقًا قابلًا للانتقال إلى دائني المضرور المتوفى.

ثامنًا: كيفية التعويض عن الضرر الأدبي:

يصبح مرتكب الخطأ مسؤولًا عن تعويض الضرر المترتب على خطئه متى توافرت أركان المسؤولية المتمثلة في الخطأ والضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.

ويعتبر التعويض الجزاء العام المترتب على المسؤولية المدنية، ويكون التعويض هنا نقدًا غالبًا، فضلًا عن أنه قد يتخذ شكلًا آخر غير النقود. ومن الملحوظ اتجاه معظم التشريعات المدنية إلى جعل التعويض النقدي هو التعويض الأصلي عن الضرر الأدبي، أما التعويض العيني فيُقضى به استثناءً عند توافر شروطه في بعض الحالات. ونتناول فيما يلي كل منهما على النحو التالي:

1.    التعويض العيني:

يقصد بالتعويض العيني إزالة الضرر من خلال محو الآثار المترتبة عليه بإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل وقوع الضرر على نحو يوفر للمضرور ترضيةً من جنس الضرر الذي أصابه.

لكن يرى البعض أنه إذا كان يمكن تصور التعويض العيني بالنسبة للإضرار للمادية، إلا إن التعويض العيني عن الأضرار الأدبية يقتصر على نطاق محدود ببعض صوره، وبشرط توافر الشروط التالية:

  • أن يكون الحكم بالتعويض العيني ممكنًا.
  • ألا يكون في التعويض العيني إرهاقًا للمحكوم عليه.
  • أن يكون التعويض العيني بطلب من المضرور.
  • أن يكون التعويض العيني ملائمًا لما تقتضيه الظروف.

2.    التعويض بمقابل:

ويأخذ التعويض بمقابل صورتين:

  • التعويض بمقابل نقدي: يعتبر التعويض بمقابل نقدي من أكثر طرق التعويض جبرًا للمضرور، على أساس أن للمال وظيفة إصلاحية للضرر، وفي هذه الصورة يقوم مسبب الضرر الأدبي بدفع مبلغ مالي للمضرور يُعادل قيمة ما تسبب به من ضرر.

 ويثور التساؤل هنا على أي أساس يتم تحديد قيمة التعويض في الضرر الأدبي؟

والإجابة على هذا التساؤل تكمن في أن تحديد قيمة التعويض عن الضرر الأدبي مسألة تقديرية ترجع للقاضي ناظر الدعوى، بحيث يجتهد فضيلة القاضي في الوصول إلى قيمة مرضية تعويضًا للمضرور، وفي الوقت ذاته لا تكون مجحفةً على المحكوم عليه.

  • التعويض غير النقدي: قد يأخذ التعويض عن الضرر الأدبي صورة الحكم بأداء عمل معين قد يكون هو الأنسب في جبر الضرر.

تاسعًا: السوابق القضائية الخاصة بالضرر الأدبي:

لقد ورد في الحكم رقم (3244) لسنة 2006 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 3/ 12/ 2006بما نصه: “وحيث إن الاجتهاد القضائي قد استقر على أن المقرر فقهًا وقضاءً أن لكل شخص الحق في سلامة جسمه وبأن إحداث عاهة مستديمة يخل بقدرته على الكسب سواءً كان الإخلال حالًا أو مستقبلًا ما دام محققًا يستوجب التعويض بغض النظر عما إذا كانت الإصابة لم تسبب له خسارة أو تفوت عليه ربحًا لأن العاهة المستديمة تلازم المضرور ما زال حيًا. وأن مفهوم الضرر الأدبي هو ذلك الضرر الناتج عن التعدي على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي وبما أن إصابة المدعي المتمثلة في تخلف عاهة جزئية دائمة بنسبة (30%) من قواه العامة من شأنها النيل من مركزه الاجتماعي حيث لم يعد بالإنسان السوي وبالتالي يتوجب التعويض عن ذلك”([11]).

كما ورد في الحكم رقم (406) لسنة 2005 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 23/8/2005م، بما نصه: “تشمل مسؤولية الضمان عن الفعل الضار الضرر المادي والضرر الأدبي عملًا (بالمادتين 266 و267) من القانون المدني. وحيث إن اجتهاد محكمة التمييز استقر على أن مفهوم الضرر الأدبي المقصود بالضمان في حكم القانون هو الضرر الأدبي الناتج عن التعدي على الغير في حريته أو عرضه أو في شرفه أو سمعته أو في مركزه الاجتماعي حسب نص (المادة 267) من القانون المدني. وحيث إن إصابة المميز ضده …. قد أدت إلى عجز بنسبة (10%) من قواه وقصر مقداره (1سم) في الطرف السفلي الأيمن وميل واعوجاج الساق الأيمن وقد انعكس على وضعه الاجتماعي إذ لم يعد بالإنسان العادي غير المصاب وبالتالي فإنه يستحق تعويضٌ”(([12])).

وما ورد في الحكم رقم (2065) لسنة 1998 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 31/3/1999م، بما نصه: “حيث إن إصابة المميز ضده قد أدت إلى شلل أيسر في الطرفين السفلي والعلوي ونوبات تشنجية تحتاج إلى علاج دائم وفقد عظمى في أيمن الجمجمة وأن هذه الإصابات تشكل عاهة دائمة قدرتها اللجنة الطبية الولائية بـ (70%) من قواه العامة فيكون بذلك قد تضرر في مركزه الاجتماعي حيث لم يعد بالإنسان السوي وبالتالي يستحق تعويضًا”([13]).

إعداد: محمد محمود

([1]) زليخة رواحنة: “حق المجني عليه في التعويض عن الضرر المعنوي (دراسة مقارنة)”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة محمد خيضر بسكرة، ص22-23.

([2]) انظر (المادة 267) من القانون المدني الأردني لسنة 1976.

([3]) يوسف أحمد علي مفلح: “مدى انتقال الضرر الأدبي إلى الغير وفق التشريع الأردني”، مجلة العلوم القانونية والسياسية، الجمعية العلمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية، السنة 8، العدد 2، 2018، ص98-99.

([4]) المادة 268 من القانون المدني الأردني لسنة 1976.

([5]) د/ راقية عبد الجبار علي: “الضرر الأدبي: تأصله القانوني وكيفية التعويض عنه”، مجلة الجامعة الأسمرية الإسلامية، الجامعة الأسمرية الإسلامية، السنة 5، العدد 10، 2008، ص442.

([6]) (المادة 268) من القانون المدني الأردني لسنة 1976.

([7]) وسام إداريس خلف الجبابسة: “التعويض عن الضرر الأدبي: دراسة مقارنة”، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا – جامعة مؤته، 2020، ص 52 ، د/ فواز صالح: “التعويض عن الضرر الأدبي الناجم عن جرم دراسة مقارنة”، مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 22، العدد 2، 2006، ص286-289.

([8]) هيمن حسين حمد أمين: “الضرر المعنوي والتعويض عنه في القانون والقضاء الإداري المقارن دراسة تحليلية مقارنة”، المركز العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018، ص208.

([9]) انظر (المادة 267) من القانون المدني الأردني لسنة 1976.

([10]) انظر (المادة 222) من القانون المدني المصري.

([11]) الحكم رقم (3244) لسنة 2006 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 3/ 12/ 2006.

([12]) الحكم رقم (406) لسنة 2005 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 23/ 8/ 2005.

([13]) الحكم رقم (2065) لسنة 1998 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 31/ 3/ 1999.

Scroll to Top