جريمة المعاكسة الهاتف والإنترنت
بالرغم من تعدد فوائد ثورة الاتصالات والمعلومات إلا أنها أفرزت لنا جرائم جديدة غير معتادة حيث اتصفت بسماته، واقترنت باسمه لذلك أطلق عليها (جرائم تقنية المعلومات)، فضلاً عن ذلك أسهمت التكنولوجيا الحديثة بانتشار نوع جديد من العنف، ومن أبرز صوره المعاكسات والتحرشات الجنسية الإلكترونية والابتزاز الإلكتروني. وسنتناول فيما يلي المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة، وذلك في العناصر الرئيسية الآتية:
أولًا: الوسائل التكنولوجية المستخدمة للقيام بالمعاكسات:
ثانيًا: أنماط المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة:
ثالثًا: كيفية التصدي للمعاكسات الهاتفية:
رابعًا: كيفية التصدي للمعاكسات عبر الإنترنت:
ثالثًا: الحماية الجزائية من المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية
رابعًا: الحماية المدنية من المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة:
خامسًا: السوابق القضائية لمحكمة التمييز والمتعلقة بالمعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة:
ونقدم شرح تفصيلي لكل من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: الوسائل التكنولوجية المستخدمة للقيام بالمعاكسات:
تتعدد الوسائل التكنولوجية الحديثة التي يتصور استخدامها للقيام بالمعاكسات، ومنها ما يلي:
1_ الهاتف المحمول:
يعتبر الهاتف المحمول أكثر الوسائل التكنولوجية الحديثة استخدامًا للقيام بالمعاكسات، إذ يمتلك أعداد كبيرة من البشر -اليوم- هواتف محمولة، بل إن بعضهم يمتلك أكثر من جهاز وأكثر من خط هاتف، ولا يشكل هذا مشكلة في حد ذاته، لكن المشكلة تكمن في استخدام هذا الجهاز للقيام بالمعاكسات، أو السب، أو القذف، وإرسال رسائل نصية قصيرة منافية للأخلاق والآداب العامة.
ولعل ما ساعد على شيوع استخدام الهاتف المحمول على هذا النحو العروض التي تقدمها شركات الاتصالات من خلال تقديمها لعروض خاصة للمكالمات والرسائل النصية بأسعار مغرية جدًا في أوقات متأخرة من الليل (بعد الثانية عشر صباحًا على وجه الخصوص)؛ مما يتيح القيام بهذا النوع من المعاكسات بعيدًا عن رقابة أولياء الأمور.
2_ الإنترنت:
يعاني الكثير من مستخدمي شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من المعاكسات من خلال رسائل متكررة منافية للأخلاق والآداب العامة، وإلحاح بالتعارف، والدعوة الصريحة لممارسة أفعال غير أخلاقية. تتم باستخدام مجموعة متنوعة من التطبيقات، أهمها: غرف الدردشة، منتديات الإنترنت، مواقع التواصل الاجتماعي (كتطبيق فيسبوك، وانستجرام، تيك توك، تلي جرام، واتساب)، الرسائل الفورية، البريد الإلكتروني.
وفي هذه الحالة يُتصور الولوج إلى شبكة الإنترنت إما من خلال استخدام الحاسب الآلي ونحوه من الأجهزة اللوحية أو الهاتف المحمول.
وفقًا لدراسة “ظاهرة التحرش في الأردن”، والتي أجرتها اللجنة الوطنية في الأردن الخاصة بشؤون المرأة عام ٢٠١٧م فإن أكثر الأفعال والسلوكيات الإلكترونية تكرارًا كانت: “تلقي مكالمات خلوية متكررة وغير مرغوب فيها”، تلاها: “استلام رسائل نصية غير لائقة أو صور فاضحة أو جنسية”، وأقلها كان: “الملاحقة والتتبع من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية”([1]).
ثانيًا: أنماط المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة:
تأخذ المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة أنماط عدة، تتمثل في:
1. التحرش اللفظي:
يتمثل التحرش اللفظي في إرسال رسائل نصية غير لائقة منافية للأخلاق والآداب العامة وخادشه للحياء، أو مكالمات صوتية، وتلفظ بكلمات ذات طبيعة جنسية، أو وضع تعليقات ذات إيحاء جنسي، ونكات جنسية، وطلب ممارسة الجنس الإلكتروني.
2. التحرش البصري:
يتمثل التحرش البصري في إرسال صور ومقاطع جنسية، أو أن يُطلب من المعتدى عليها القيام بأفعال فاضحة كالكشف عن أجزاء من جسدها أمام الكاميرا، أو قيام المتحرش بإرسال صور أو فيديوهات خاصة به وهو في أوضاع مخلة بالآداب.
3. التحرش بالإكراه أو البلطجة:
يأخذ هذا النمط صورة اختراق أجهزة الاتصال والحصول على صور شخصية خاصة بالضحية، أو معلومات عنها، وإجبارها على الموافقة على لقاء بالمتحرش على أرض الواقع، وذلك من خلال ملاحقة الضحية أو تهديدها بنشر الصور الخاصة بها، أو النيل من سمعتها من خلال التشهير بها عبر وسائل إلكترونية مختلفة.
“في ضوء ما يشهده العالم اليوم من تقدم وتطور تقني وتكنولوجي وثورة للمعلومات والاتصالات، أضحت مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ساحة لتنفيذ هذه الصورة. فقد سمحت الشبكات الإلكترونية للمشتركين فيها بإنشاء مواقع خاصة بهم، والتي قد يتم اختراقها من قِبَل البعض من أجل الوصول بصورة غير قانونية أو غير مصرح بها إلى الأنظمة أو الحسابات الخاصة بالضحية؛ للحصول على المعلومات الشخصية أو العمل على تغييرها أو تعديلها، أو الافتراء وتشويه سمعة الضحية المستهدفة أو قد يتم الوصول الى الصور الشخصية للضحية ويتم استخدامها كوسيلة للابتزاز، بحيث يتم تهديد الضحية بتوزيع مواد تشهيرية وغير قانونية متعلقة بها. على سبيل المثال تسريب صور حميمية، أو تركيب فيديوهات تتعلق بالضحية، أو قد يتم رصد أنشطة الضحية واختراقها، ومعرفة وقت حدوثها أو قد يتم انتحال هوية الضحية وإلحاق العار بها، والتواصل مع أشخاص لغرض فضح الضحية والتشهير بها”([2]).
ثالثًا: كيفية التصدي للمعاكسات الهاتفية:
تعتبر المعاكسات الهاتفية واحدة من أكثر المشكلات التي تسبب أرقًا للضحايا بشكل عام والفتيات منهن على وجه الخصوص؛ الأمر الذي يدفعهن إلى غلق الهاتف المحمول لساعات طويلة يوميًا، أو تغيير الرقم الشخصي في نهاية المطاف للتخلص من تلك المضايقات.
وفي هذا الصدد يمكن أن نذكر جملة من الإجراءات التي يمكن اتخاذها للتصدي للمعاكسات الهاتفية، في حال كانت الضحية ترغب في ذلك، ويمكن في هذا الصدد أن نفرق بين الحالتين:
الحالة الأولى: إذا كانت الضحية ترغب في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المتحرش:
في هذه الحالة لا يجب على الضحية حجب (حظر) الرقم، وإنما يجب عليها أن تقوم أولًا بتسجيل المكالمات على هاتفها، وحفظ الرسائل النصية التي قد تلقتها من المتحرش. ثم تقوم بالتوجه إلى الجهة المختصة بهذا النوع من الشكاوى، وهي مباحث التليفونات أو مباحث الإنترنت أو الإدارة العامة لجرائم الاتصالات.
تقوم الضحية بتقديم بلاغ ضد المتحرش مرفق به التسجيل الصوتي له؛ لكي يتم استخدامه كدليل على الواقعة بعد ذلك. ولن يستطيع المتحرش الإفلات من المسؤولية الجنائية هنا وإيقاع العقوبة التي تراها المحكمة مناسبة، ولن ينال من ذلك كزن هذا التسجيل قد حدث بدون إذن النيابة العامة أو إذن قضائي.
وهنا سيأتي دور فرق الكشف عن البيانات في شركات الاتصالات المختلفة التي تقوم بإرسال جميع المعلومات المتوفرة لديها عن هذا الرقم، ومن ثم يمكن اتخاذ المزيد من الإجراءات القانونية ضد المتحرش.
الحالة الثانية: إذا كانت الضحية تفضل عدم اللجوء إلى الشرطة:
فقد لا ترغب الضحية في اتخاذ أية إجراءات قانونية ضد المتحرش، وأكثر الأسباب شيوعًا وراء تصرف الضحية السلبي هو الخوف على سمعتها وتجنب المشاكل، وهذا التصرف السلبي ننتقده بشده، وغير محبذ التفكير بهذا المنطق؛ لأن هذا التفكير يُطمع المتحرش ويجعله يهرب من المسؤولية المنعقدة في حقه بناءً على أفعاله غير المشروعة.
ومن ضمن الحلول التي يمكن للمعتدى عليها اتخاذه هو ما توفره معظم شركات بطاقات الهاتف المحمول خدمة القائمة السوداء Black list، بحيث يمكن للضحية من خلال هذه الخدمة منع المتحرش من الاتصال بها مجددًا.
وإلى جانب خدمة القائمة السوداء، يمكن أيضًا للضحية حفظ أرقام المتحرشين، وإعداد خدمة تحويل المكالمات على الهاتف المحمول الخاص بها. بحيث في كل مرة يحاول المتحرش الاتصال بها ومضايقتها، سوف يتم تحويل المكالمة تلقائيًا.
رابعًا: كيفية التصدي للمعاكسات عبر الإنترنت:
في هذا الصدد يمكن أن نذكر جملة من الإجراءات التي يمكن اتخاذها ضد المعاكسات الهاتفية، في حال كانت الضحية ترغب في ذلك، ويمكن في هذا الصدد أن نفرق أيضًا بين حالتين:
الحالة الأولى: إذا كانت الضحية ترغب في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المتحرش:
إذا تعرضت الضحية لمعاكسات عبر شبكة الإنترنت -عبر تطبيق “فيسبوك” على سبيل المثال- فيجب على الضحية أن تتوجه وبحوزتها هاتفها المحمول أو الحاسب الآلي إلى مباحث الاتصالات أو مباحث الإنترنت أو الإدارة العامة لجرائم الاتصالات. وتقوم بتقديم بلاغ ضد المتحرش وتقوم الجهة المقدم إليها الشكوى بدورها بعمل تحريات وإحالة الشكوى إلى النيابة العامة.
الحالة الثانية: إذا كانت الضحية تفضل عدم ولوج الطريق القضائي:
قد لا ترغب الضحية في اتخاذ أية إجراءات قانونية ضد المتحرش لنفس الأسباب السالف ذكرها. وفي هذه الحالة توفر لها معظم تطبيقات الإنترنت خدمة حجب الرسائل الواردة من شخص المتحرش، بل وحجب الملف الشخصي له من الظهور لها مرة أخرى.
وفقًا لدراسة “ظاهرة التحرش في الأردن”، والتي أجرتها اللجنة الوطنية في الأردن الخاصة بشؤون المرأة عام ٢٠١٧ فإن “عمل بلوك لمن ارتكب التحرش” في المواقع الإلكترونية كان الأكثر استعمالًا في أول مرة أو في حال تكرارها وبنسبة مئوية بلغت (30.5%)، (29.5%) على التوالي. وكانت النسب الأقل فيما يتعلق بإخبار وحدة الجرائم الإلكترونية أو حتى التقدم بشكوى للجهات الأمنية([3]).
بالإضافة إلى الطرقة السابقة يوجد العديد من جهات المجتمع المدني التي تحاول التصدي للمعاكسات الإلكترونية منها على سبيل المثال: الموقع الإلكتروني المصري المعروف ب “قاوم” https://jordan-lawyer.com/2020/06/02/-/ وهو موقع إلكتروني لمكافحة المعاكسات والتحرش والابتزاز وجرائم الإنترنت.
في الجمهورية اليمينة أيضاً تهدف صفحة “المتحرش اليوم” عبر تطبيق فيسبوك https://www.facebook.com/Stop.molest/ إلى التقليل من ظاهرة التحرش سواء عبر الإنترنت أو في الشوارع بتضافر جهود الجميع وشعارها: “يدًا بيد لمكافحة ظاهرة التحرش والابتزاز الإلكتروني”.
ثالثًا: الحماية الجزائية من المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية:
تبين دراسة “ظاهرة التحرش في الأردن”، التي أجرتها اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة عام ٢٠١٧م أن حوالي (80.8%) من أفراد عينة الدراسة، قد تعرضوا لواحد أو أكثر من أفعال وسلوكيات التحرش الإلكتروني([4]).
وبالتالي فإن ظاهرة التحرش الإلكتروني في الأردن منتشرة بكثرة، ورغم محاولات القانون الأردني الكبيرة؛ لملاحقة مرتكبي التحرش، إلا أنه يعاني من الكثير من الصعوبات بسبب إحجام الفتيات عن التبليغ عن هؤلاء المتحرشين؛ خوفًا من الفضيحة والتشهير بهن ونظرة المجتمع لهن.
وقد صدر عام 2015م قانون الجرائم الإلكترونية رقم (27) لعام 2015م، حيث خصص (المادة 9) من قانون الجرائم الإلكترونية للجرائم الواقعة على الأشخاص ذكورًا وإناثًا وعلى وجه الخصوص لمن لم يكمل ال (18) عاماً من عمره. فقد نصت على أ: “يعاقب كل من أرسل أو نشر عن طريق نظام معلومات أو الشبكة المعلوماتية قصدًا كل ما هو مسموع أو مقروء أو مرئي يتضمن أعمالًا إباحية أو تتعلق بالاستغلال الجنسي لمن لم يكمل الثامنة عشرة من العمر بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن (300) ثلاثمائة دينار ولا تزيد على (5000) خمسة ألاف دينار”([5]).
وعاقبت المادة (11) من القانون ذلته كل من أقدم على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص ذكرًا أكان أم أنثى، فنصت على أنه: “يعاقب كل من قام قصدًا بإرسال، أو إعادة إرسال ،أو نشر بيانات ،أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو أي نظام معلومات تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن (100) مائة دينار ولا تزيد على (2000) ألفي دينار”([6]).
كما نصت (المادة 15) على أن: “كل من ارتكب أي جريمة معاقب عليها بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي نظم نظام معلومات أو موقع إلكتروني أو اشترك أو تدخل أو حرض على ارتكابها، يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع”([7]).
وبهذا يكون القانون الأردني قد قام بتحديد عقوبة التحرش الإلكتروني، كما أكدت النيابة العامة في الأردن على أن أي رسائل أو مقاطع مرئية أو حتى صور ذات مدلول جنسي تُلحق الضرر والإساءة للشخص الأخر تعد جريمة تحرش إلكتروني ومن ثم يحب معاقبة مرتكبها قانونيًا.
رابعًا: الحماية المدنية من المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة:
من المسلم به في الصياغة القانونية أن المسؤولية المدنية عبارة عن نظام قانوني يتم بموجبه إلزام كل من أقترف خطأً أو عملًا غير مشروع أن يقوم بإصلاح الضرر أو تعويض المضرور جراء عن ذلك الخطأ أو العمل غير المشروع، وعليه فإن الخطأ أو العمل غير المشروع هو ما يخلق رابطة قانونية بين المعتدي والمضرور، وهو ما يفرض أيضًا الالتزام بتعويض ما يحدث للغير من ضرر. ومن ناحية أخرى يحق للمضرور أن يتنازل عما هو حق له أو أن يقوم بالصلح.
والمسؤولية المدنية التي تنهض في هذا الصدد هي مسؤولية تقصيرية؛ وذلك لانتفاء وجود رابطة عقدية بين المضرور والشخص المسؤول عن الضرر، وهذه المسؤولية لا تقوم إلا بتوافر أركانها الثلاثة والمتمثلة في:
1. الخطأ:
أوردت النصوص سالفة الذكر صور المعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ومن هذه الصور القذف والسب والتهديد، وإرسال الرسائل القصيرة (المسج) المنافية للأخلاق والآداب العامة.
2. الضرر:
يمثل الضرر الركن الثاني من أركان المسؤولية التقصيرية والذي يُعرف على أنه: الأذى الذي يلحق بالإنسان في حق من حقوقه أو في مصلحة له معتبرة شرعًا سواء اتصلت هذه المصلحة المشروعة بسلامة جسمه أو بماله أو في اعتباره أو في كرامته.
والضرر الذي يتصور وقوعه نتيجة للمعاكسات يكون ضررًا بالشرف والاعتبار والسمعة، والمشرع الأردني فقد أغفل النص تحديدًا على تناول حق التعويض للضرر الأدبي، ولكن وفقًا للمتعارف عليه فقهًا وقضاءً فإن كل اعتداء عن طريق أجهزة الاتصالات الحديثة مثل القذف والسب والرسائل المنافية للأخلاق والآداب العامة أو إسناد أمور خادشه للشرف بحيث تحد من قدر الضحية وتعرضها لاحتقار الناس أو سخريتهم وتضر بها معنويًا والتي تكون أثقل على كاهل المضرور وأكبر وقعًا من الضرر المادي.
3. العلاقة السببية:
تمثل الرابطة السببية ركنًا أساسيًا من أركان المسؤولية المدنية سواء عقدية أو غير عقدية، فضلًا عن كونها ذات طبيعة واحدة في جميع صور المسؤولية، فهي ارتباط ما بين الخطأ والضرر أو الفعل الضار، ويتسم ارتباطها بكونه ارتباط السبب بالمسبب.
ومتى ما توافرت أركان المسؤولية المدنية ترتب عليها جزاء وهو الالتزام بتعويض المضرور عما لحقه من ضرر، والتعويض أما ان يكون تعويضًا عينيًا أو تعويضًا بمقابل (التعويض النقدي).
وجدير بالذكر أن التعويض النقدي يعد هو الأصل في المسؤولية التقصيرية؛ ولاسيما أن أغلبية الأضرار مادية كانت أو أدبية يمكن تقويمها بالنقود، والتعويض النقدي إذا لم يؤدِ إلى جبر الضرر الأدبي كليًا فإنه يؤدي إلى التخفيف من حدته؛ لأن التعويض النقدي سوف يمحو جزءً من آثار الضرر الذي أصاب المتضرر في سمعته أو كرامته أو خصوصياته ويخفف من وقعه كثيرًا.
وللمحكمة سلطة تقديرية في تقدير التعويض دون أن يخضع لرقابة محكمة التمييز، بالنظر إلى كون تقدير التعويض مسألة من المسائل التقديرية التي تختص بها محكمة الموضوع دون معقب، ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن محكمة الموضوع لا تكون خاضعةً بشكل مطلق لرقابة محكمة التمييز، فلمحكمة التمييز سلطة الرقابة على محاكم الموضوع فيما يتعلق بالمسائل القانونية لتقدير التعويض.
خامسًا: السوابق القضائية لمحكمة التمييز والمتعلقة بالمعاكسات عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة:
ما ورد في الحكم رقم (330) لسنة 2020 الصادر من محكمة التمييز الأردنية بتاريخ 17/ 3/ 2020 بما نصه: “ما قارفه المتهم … وذلك بقيامه بالحصول على صور ومقطع فيديو تعود للمجني عليها يبدو فيها الجزء العلوي من جسمها بملابسها الداخلية وتحت التهديد من قبل المتهم بنشرها وإخبار والدها في حال عدم إرسالها مما حمل المجني عليها وتحت الخوف والتهديد إلى إرسال هذه الصور ومقطعي الفيديو للمتهم والذي تمكن من الحصول عليها فعلًا … إنما تجسد أفعالًا منافية للحياء تجاه المجني عليها. … وإن أفعال المتهم تلك تبقى في حدود الأفعال المنافية للحياء وليس هتك العرض.
وعليه فإن أفعال المتهم إنما تشكل سائر أركان وعناصر جنحة القيام بفعل منافٍ للحياء خلافاً لأحكام المادة (305/1) من قانون العقوبات وبدلالة المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية مما يقتضي تعديل وصف الجرم المسند للمتهم من جناية هتك العرض المسندة إليه خلافًا لأحكام المادة … إلى جنحة القيام بفعل منافٍ للحياء … وإدانته بها بهذا الوصف المعدل. وعليه فإن محكمتنا تقر محكمة الجنايات الكبرى على النتيجة التي توصلت إليها وتؤيدها في قرار الإدانة”([8]).
وكذلك ما ورد في الحكم رقم (1434) لسنة 2021 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 22/ 6/ 2021: “طبقت المحكمة أحكام القانون على الوقائع الثابتة فوجدت أن قيام المتهم أحمد بإعطاء صورة المشتكية مروا للمتهم ….. وأن هذه الصورة قد أرسلتها المشتكية للمتهم ….. من تلقاء نفسها وقيام المتهم ….. بإرسال هذه الصورة للمشتكية على الماسنجر مع بعض العبارات الجارحة فإن هذه الأفعال من جانب المتهمين إنما تشكل مخالفة أحكام المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية المتمثلة بإرسال رسالة عن طريق الشبكة المعلوماتية تنطوي على الذم والقدح والتحقير مما يتعين معه إدانتهما بهذا الجرم .
لهذا وتأسيسًا على ما تقدم تقرر المحكمة عملاً بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المتهمين …. ……و ….. …… بجنحة إرسال رسالة عن طريق الشبكة المعلوماتية تنطوي على الذم والقدح والتحقير بحدود المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية المسندة إليهما وعملًا بالمادة الأخيرة ذاتها الحكم على كل منهما بالحبس لمدة ثلاثة أشهر والرسوم والغرامة مئة دينار والرسوم محسوبة لكل واحد منهما المدة التي أمضاها موقوفًا”([9]).
إعداد: محمد محمود
([1]) اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة: “دراسة ظاهرة التحرش في الأردن٢٠١٧”، ٢٠١٧، ص57.
([2]) على صلاح الحديثي: “الحماية القانونية للمرأة من العنف الإلكتروني”، مجلة الاجتهاد القضائي، جامعة محمد خضير بسكرة – كلية الحقوق والعلوم السياسية”، المجلد 12، العدد 2، 2019، ص 205.
([3]) اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة: “دراسة ظاهرة التحرش في الأردن٢٠١٧”، ٢٠١٧، ص68.
([4]) اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة: “دراسة ظاهرة التحرش في الأردن٢٠١٧”، ٢٠١٧، ص51.
([5]) (المادة 9) قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015. وانظر مقال محامي جرائم إنترنت، منشور على موقع محامي الأردن – حماة الحق.
([6]) (المادة11) قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015.
([7]) (المادة 15) قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015.
([8]) الحكم رقم (330) لسنة 2020 الصادر من محكمة التمييز الأردنية بتاريخ 17/ 3/ 2020
([9]) الحكم رقم (1434) لسنة 2021 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 22/ 6/ 2021.

