أحكام التحقيق الابتدائي وحالات وجوبه
إن التحقيق الابتدائي هو الركيزة الأولى والأساسية للكشف عن حقيقة الجرائم المرتكبة ضد المجتمع ، فلا يمكن التوصل إلى حقيقة الجريمة ونسبتها إلى المشتكى عليه، دون التحقيق في وقائع وظروف الجريمة، وقد نص قانون أصول المحاكمات الجزائية ،على إجراءات التحقيق الابتدائي، وعلى أهم سمات وعناصر التحقيق الابتدائي، وعلى نطاق التحقيق الابتدائي والجهة المختصة به، والجرائم التي يجب إجراء التحقيق الابتدائي فيها ، وسنتعرف على كل ذلك وأكثر فيما يخص طبيعة وماهية التحقيق الابتدائي في هذا المقال .
المقصود بالتحقيق الابتدائي
إن التحقيق الابتدائي هو أولى مراحل الدعوى الجزائية، حيث إن الدعوى الجزائية تمر بثلاثة مراحل وهي مرحلة الاستقصاء وجمع الأدلة وتسمى مرحلة التحقيق الأولي، تليها مرحلة التحقيق الابتدائي، وأخيراً مرحلة التحقيق النهائي وهو ما يعرف بمرحلة المحاكمة، ويقصد بالتحقيق الابتدائي هو مجموعة الإجراءات التي تجري بمعرفة سلطة معينة، وتستهدف التنقيب عن الأدلة بشأن جريمة قد ارتكبت، ثم تقدير مدى كفاية هذه الأدلة لإحالة المتهم إلى المحاكمة[1].
أهمية التحقيق الابتدائي:
إن التحقيق الابتدائي هو الخارطة القانونية التي تكشف عن تفاصيل وقوع جريمة ما، قبل إحالتها إلى القضاء، حيث يتم تزويد المحكمة بدعوى واضحة المعالم والحدود، من حيث الأشخاص ومن حيث الوقائع ،بحيث تقوم المحكمة بإجراءات المحاكمة والفصل في الدعوى الجزائية ، وقد أعطى المشرع الأردني لسلطة التحقيق صلاحيات واسعة من أجل الوصول إلى الحقيقة فيما يخص الجريمة المرتكبة، وذلك من خلال فحص الأدلة القائمة عند وقوع الجريمة والتي تقع بين يدي سلطة التحقيق، وهذه الأدلة يتم جمعها واستقصائها في المرحلة التي تسبق مرحلة التحقيق وهي مرحلة التحقيق الأولي وهي مرحلة تتمثل بإجراءات ضبط الواقعة وجمع الأدلة التي تثبت وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها،
الجهة المختصة بإجراءات التحقيق الابتدائي
إن النيابة العامة هي السلطة المختصة بإجراء التحقيق الابتدائي وفقاً للشكل الذي حدده القانون، و المتمثل بمجموعة الإجراءات القضائية التي تباشر عند وقوع الجريمة بهدف الكشف عنها، وسلطة النيابة العامة في مباشرة إجراءات التحقيق تتم من قبل المدعي العام الذي له صلاحية إنابة غيره من موظفي الضابطة العدلية في بعض الإجراءات التحقيقية، فالقائمين على التحقيق هم قضاة يمارسون صلاحياتهم المنوطة بهم بموجب القانون، ويلتزم هؤلاء بالقواعد الأساسية للتحقيق، فمهمتهم تحري الحقيقة كما هي وتقديمها للقضاء بصورة كاملة وشاملة لعناصر الدعوى.
نتيجة التحقيق الابتدائي
ينتهي التحقيق الابتدائي باتخاذ القرار: إما الإحالة إلى المحكمة المختصة وأما بمنع المحاكمة وإما بإسقاط الدعوى.
سمات التحقيق الابتدائي
يتسم التحقيق الابتدائي بعدة سمات يتطلبها القانون وهي:
السرية
أي ألا يتم التحقيق وإجراءاته أمام الجمهور وإنما تنحصر مباشرة جميع إجراءات التحقيق بحضور المشتكى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال ووكلائهم، باستثناء إجراء سماع الشهود الذي يتم بمعزل عنهم، كما يحظر نشر أي من هذه الإجراءات، وإن لم ينص القانون صراحةً على سرية التحقيق الابتدائي إلا أن حصر الجهات المخولة بحضور التحقيق يستخلص منه سرية التحقيق، والهدف من أن تتم إجراءات التحقيق بسرية هو تجنب تأثير الرأي العام على مجريات التحقيق، منع التشهير بالمشتكى عليه الذي لم تثبت إدانته بعد.
الحضور
كما ذكرنا أن حضور إجراءات التحقيق محصورة بالمشتكى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال ووكلائهم، وذلك سنداً لنص المادة 63 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إلا أن للمدعي العام في حالة الضرورة والاستعجال أن يباشر إجراءات التحقيق بمعزل عن هؤلاء، على أن يسمح لهم بالاطلاع عليها فيما بعد.
محاضر التحقيق
يتم تدوين إجراءات التحقيق الابتدائي في محاضر رسمية، وذلك للإثبات فالمحكمة تؤسس قناعتها استنادا إلى معلومات مكتوبة تم الوصول إليها بالشكل الذي حدده القانون، وهذا الشكل يتمثل بالإجراءات المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
نطاق التحقيق الابتدائي
إن إجراءات التحقيق الابتدائي هي إجراءات البحث عن الأدلة وتتمثل بالانتقال والمعاينة، ندب الخبراء وسماع الشهود والتفتيش والاستجواب، وضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة، ولكن هذه الإجراءات ليست على سبيل الحصر، فنطاق التحقيق الابتدائي يتسع ليشمل الأوامر التي يتمثل فيها استخلاص نتيجة هذه الإجراءات [2]،وهي الإجراءات الاحتياطية ضد المتهم أثناء التحقيق وتتمثل بمذكرة الحضور أو الإحضار، الأمر بالقبض، والتوقيف، إخلاء السبيل.
هل يلزم المدعي العام بترتيب معين فيما يتم اتخاذه من إجراءات التحقيق؟
لا لم يلزم المشرع سلطة التحقيق بترتيب معين، كما لم يلزم المحقق بأن يباشر التحقيق في مكان معين وترك ذلك لحسن تقديره، إلا أنه يتوجب على المحقق إعلان الخصوم باليوم الذي يباشر فيه التحقيق ومكانه، وللمحقق أن يرسم خطته لكشف الحقيقة وفقاً لما يراه ملائماً لذلك [3]
عناصر التحقيق في الجريمة
إن عناصر التحقيق في الجريمة تتمثل بإبراز أهم النقاط التي يجب أن يتناولها المحقق عند إجراء التحقيق قي جريمة ما، وذلك لبيان كل ما يتصل بها ويؤدي إلى كشف الحقيقة، وهذه العناصر هي:
1_ إثبات وقوع الجريمة وتحقيق أركانها، وذلك بالبحث بوقائع الجريمة، والأدوات المستعملة فيها، وبعد ذلك البحث في مدى نسبتها إلى المتهم، كما على المحقق أن يبحث عن أركان الجريمة ويتناول كل ركن منها في التحقيق، فيحدد فيما إذا كانت الجريمة مقصودة أو غير مقصودة، وإذا كان المتهم فاعل أصلي أو مشترك بالتدخل أو التحريض، كما يجب أن يبحث في أسباب التبرير وموانع العقاب إن وجدت.
2_ مكان وقوع الجريمة ووقت ارتكابها
على المحقق أن يُبدي اهتمام خاص في تحديد مكان ووقت ارتكاب الجريمة، وذلك نظراً لأهميتهم، فمكان الجريمة يفيد في تحديد الاختصاص المكاني لسلطة التحقيق والمحكمة المختصة بنظر الدعوى، كما يفيد في التعرف على مدى صدق الشهود، ويفيد في معرفة مدى توافر ظرف مشدداً في بعض الجرائم كجريمة السرقة.
أما وقت ارتكاب الجريمة، له أهمية في تحديد فيما إذا كان هناك ظرف مشدد كوقوع الجريمة ليلاً، كما أن تحديد تاريخ وقوع الجريمة
3_ كيفية ارتكاب الجريمة
يجب أن يتناول التحقيق كيفية ارتكاب الجريمة، حيث إن معرفة كيف وقعت الجريمة يؤدي الى الكشف عن كثير من التفاصيل المتعلقة بالجريمة، كمعرفة مرتكبها وطريقة ارتكابها.
4_ سبب ارتكاب الجريمة
معرفة الدافع لارتكاب الجريمة، يوضح السبب لارتكابها، مما يساعد المحقق ويهديه إلى توجيه بحثه نحو معين لكي يصل إلى الحقيقة.
الجرائم التي يلزم فيها إجراء التحقيق الابتدائي
إن الجريمة تصنف تبعاً لدرجة خطورتها، وقد أوضح المشرع الأردني ذلك في المـادة (٥٥) من قانون العقوبات الأردني حيث قسم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات، فهل التحقيق الابتدائي إلزامي في جميع الجرائم؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من النظر في مشروع قانون معدل لبعض مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 2021 والذي عدل بعض مواد القانون الأصلي الصادر لسنة 1961 وتعديلاته لسنة2017،
ومن المواد التي جاء ت مسودة مشروع القانون معدله أو لا غيه له، المادة 51 حيث إن المشرع قد قام بإلغائها في مشروع القانون المعدل والاستعاضة عنها بنص أخرى، فقد كانت تنص المادة 51 على أن التحقيق الابتدائي إلزامي في جميع الجنايات والجنح التي تدخل ضمن محكمة البداية، حيث جاء بنص المادة:
- يباشر المدعي العام التحقيق في الجنايات وما يري التحقيق فيه من الجنح، إلا إذا نص القانون على وجوبه في جنحة ما أو بناء على طلب من النائب العام المختص.
- إذا كان الفعل أو الترك جناية، يكمل المدعي العام التحقيقات التي أجراها أو التي أحال أوراقها إليه موظفو الضابطة العدلية ويصدر قراره بحسب المقتضى.
- إذا كان الفعل أو الترك جنحة فله ان يحيل الأوراق إلى المحكمة المختصة مباشرة أو أن يستمر بالتحقيق فيها وفقاً لأحكام هذا القانون.
- وفي جميع الأحوال، يشفع الإحالة بادعائه ويطلب ما يراه لازما.
حيث إن مشروع القانون المعدل لقانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 2021 يلغي النص السابق للمادة 51 وينص على مضمون جديد وهو:
- إذا كان الفعل جناية أو جنحة تزيد مدة العقوبة فيها على الحبس سنتين يٌتم المدعي العام التحقيقات التي أجراها أو التي أحال إليه أوراقها موظفو الضابطة العدلية ويصدر قراره المقتضى.2. وأما إذا كان الفعل جنحة لا تزيد مدة العقوبة فيها على الحبس سنتين فله أن يحيل الأوراق إلى المحكمة المختصة مباشرة، إلا إذا نص القانون على وجوبها في جنحة ما أو بناء على طلب من النائب العام المختص.3. وفي جميع الأحوال، يشفع الإحالة بادعائه ويطلب ما يراه لازما.
وعليه بالنظر إلى النص الحالي ومشروع النص المعدل نجد:
مدى إلزامية التحقيق الابتدائي في قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961 وتعديلاته لسنة2017.
أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961 وتعديلاته لسنة2017، جعل التحقيق في الجنايات وجنح البداية إلزامي، فلا يجوز إقامة الدعوى الجزائية مباشرة أمام المحكمة المختصة، وإنما يلزم أن يتم فيها أولاً التحقيق الابتدائي، وبعد إجراء هذا التحقيق، تحال الدعوى الجزائية إلى القضاء ، أما بخصوص الجنح التي تدخل في اختصاص محكمة الصلح فالتحقيق فيها هو أمر جوازي لا إلزامي ، فللمدعي العام أن يحيل الأوراق إلى المحكمة المختصة مباشرة، أي يمكن إقامة الدعوى الجزائية في القضايا الصلحية أمام قاضي الصلح، ولو لم يتم فيها تحقيق ابتدائي.
مدى إلزامية التحقيق الابتدائي في مسودة مشروع القانون المعدل لقانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 2021.
أما مشروع القانون المعدل لقانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 2021، أيضا نص على أن التحقيق إلزامي في الجنايات وإن كان قد استبدل الصياغة حيث أن النص الحالي ينص على أن المدعي العام يباشر التحقيقات في الجنايات ….، ومشروع النص المعدل ينص على أنه إذا كانت الجناية تزيد عقوبة الحبس فيها عن سنتين للمدعي العام أن يجري التحقيقات فيها …..، وبطبيعة الحال عقوبة الجناية تزيد عن سنتين، وعليه فإن التعديل للنص لم يقصد الجنايات، وإنما قصد الجنح، حيث أن النص الحالي كما ذكرنا ينص على أن التحقيق في الجنح جوازي للمدعي العام الا إذا وجد نص في القانون على وجوب التحقيق في جنحة معينة أو اذا طلب منه النائب العام إجراء التحقيق في جنحة ، حيث ألزام التحقيق في بعض الجنح المذكورة حصراً في القانون وترك للمدعي العام الحرية في التحقيق في باقي الجنح أو إحالتها مباشرة للقضاء، أما النص المعدل ألزم المدعي العام بالتحقيق في الجنح التي تزيد عقوبة الحبس فيها عن سنتين دون حصرها بجنح معينة.
إعداد المتدرب صهيب مساعدة والمحامية ليلى خالد.
[1] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية،1988، ص 6.
[2]د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية،1988، ص 616.
[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 361.

