إجراءات التفتيش

إجراءات التفتيش في مرحلة التحقيق 

إن التفتيش أحد إجراءات التحقيق الابتدائي، وهو من إجراءات البحث عن الأدلة، فهو وسيلة للحصول على الدليل، وليس دليلاً بحد ذاته، ولكون التفتيش إجراء يمس بحرية الأشخاص، ويعد انتهاك لحرمة مساكنهم، فقد جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة1961 وتعديلاته لسنة2017 منظماً لأحكام التفتيش فنص على شروط التفتيش وأنواعه، ومحل التفتيش، والحالات التي يعد فيها التفتيش باطلاً، والسلطة المختصة بالتفتيش، وغير ذلك من الأحكام القانونية والتي تنظم عملية التفتيش، وسنتعرف في هذا المقال على هذه الأحكام بالاستناد لقانون أصول المحاكمات الجزائية.

جدول المحتويات

المقصود بالتفتيش

شروط التفتيش

محل التفتيش

أنواع التفتيش

من يملك الحق في الاطلاع على الأشياء المضبوطة؟

التفتيش دون إنابة من المدعي العام

إذن التفتيش

بطلان التفتيش

المقصود بالتفتيش

يقصد بالتفتيش هو البحث عن الأدلة بهدف كشف الحقيقة، وهو إجراء من إجراءات التحقيق تقوم به سلطة حددها القانون، وهي سلطة التحقيق، حيث يسفر هذا الإجراء عن ضبط أداة الجريمة أو الأدلة الجرمية المستخدمة في ارتكاب جريمة أياً كان نوعها، ويتم مباشرة التفتيش من قبل المدعي العام نفسه، أو أن ينيب أحد من موظفي الضابطة العدلية للقيام بالتفتيش.

شروط التفتيش

يحكم التفتيش كإجراء تحقيقي شروط، لا بد من توافرها لكي يكتسب التفتيش الصفة القانونية، ذلك أن الدستور الأردني نص في المادة السابعة منه على أن الحرية الشخصية مصونة، وبما أن التفتيش يمس بهذه الحرية فلا بد من وجود شروط تحكمه وهذه الشروط هي:

أولاً: يشترط لصحة إجراء التفتيش أن يكون هناك جريمة قد وقعت بالفعل، ويعد هذا الشرط أهم شروط التفتيش، فالتفتيش ليس وسيلة لكشف الجرائم، بل هو وسيلة للكشف عند حقيقة جريمة وقعت بالفعل، ويتضح هذا الشرط في نص المادة 81 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وحيث اشترط المشرع لدخول المنازل للتفتيش أن تكون هناك جريمة قد وقعت بالفعل.

ثانياً: لا يكفي لصحة التفتيش أن يكون هناك جريمة قد وقعت، وتم الكشف عنها، بل لابد من توافر أمارات أو دلائل كافية، بأن المراد تفتيشه أو تفتيش مسكنه، مشتبه به لأنه فاعل لهذه الجريمة أو شريك أو متدخل فيها، أو أنه يخفي شخصاً مشتكى عليه، أو أن هناك قرائن قوية تفيد حيازته لأشياء لها صلة بالجريمة المتركبة[1] .

ثالثاً: يجب أن يتم إجراء التفتيش من قبل سلطة التحقيق الممثلة بالمدعي العام، وللمدعي العام أن ينيب أحد موظفي الضابطة العدلية لإجراء التفتيش، فلا يجوز لموظفي الضابطة العدلية إجراء التفتيش إلا في حالات استثنائية حددها المشرع، كحالة الجرم المشهود.

رابعاً: أن يكون الغرض من التفتيش قانوني، بمعنى أن يكون التفتيش لسبب مبرر من الناحية القانونية، كأن يكون سبب التفتيش ضبط أشياء متعقلة بالجريمة أو تفيد في كشف الحقيقية، ويوجد قرائن على وجود تلك الأشياء في الأماكن المراد تفتيشها أو الأشخاص المراد تفتيشهم.

خامساً: أن يتم التفتيش وفقاً لما قرره القانون، فيجب أن يتم التفتيش بحضور المشتكى عليه، وفي حال عدم وجود المشتكى عليه كأن يكون موقوفاً، يتم التفتيش بحضور مختار محله، أو من يقوم مقامه أو بحضور اثنين من أقاربه، أو شاهدين يستدعيهما المدعي العام.

محل التفتيش

للمدعي العام أن يقوم بالتحريات في جميع الأمكنة التي يُحتمل وجود أشياء أو أشخاص فيها يساعد اكتشافها أو اكتشافهم على ظهور الحقيقة[2]، فمحل التفتيش الأماكن أو الأشخاص، سواءً كان المشتكى عليه أو منزله محل للتفتيش، كما يمكن أن يكون محل التفتيش شخص غير المتهم، أو منزل غير المتهم.

أنواع التفتيش

يقسم التفتيش كإجراء تحقيقي إلى نوعين وهما: تفتيش الأشخاص وتفتيش الأماكن، وكلا النوعين يهدف إلى ضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة، والتحفظ عليها.

تفتيش الأشخاص

يقصد بتفتيش الأشخاص هو البحث عن الأدلة في أجزاء جسم الشخص المراد تفتيشه، كما يشمل البحث في ملابسه الخارجية والدخيلة، ويشمل أيضاً ما يحمله من أشياء وكذلك السيارة التي يقودها أو الدابة التي يعتليها[3]، فقد نصت المادة 86 على للمدعي العام ان يفتش المشتكى عليه وله ان يفتش غيره اذا اتضح من إمارات قوية انه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة، ويتضح لنا من خلال هذا النص أن المشرع لم يجعل قيود على تفتيش المشتكى عليه بينما اشترط في حال تفتيش شخص غير المشتكى عليه أن تكون هناك دلائل قوية تدفعه للتفتيش، ويقصد بالدلائل أي أن يكون مشتبه به، ويجب أن يكون الاشتباه قوي، وتقدير درجة الشبهات تعود للمدعي العام، ويخضع في ذلك لرقابة محكمة الموضوع.

تفتيش الأنثى

نصت المادة 86 على أنه إذا كان المفتش أنثى يجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى تنتدب لذلك، وعليه نجد أن المشرع قد حرص على ألا تكون إجراءات التحقيق التي تتخذ في مواجهة الإنسان حتى ولو كان متهماً مؤدية على إهدار كرامته الإنسانية.

هل قصد المشرع المنع المطلق من أن تُفتش الأنثى من قبل المدعي العام الذكر؟

لا، المنع جاء بتفتيش إجزاء الجسم التي تعد من العورات والمساس بها يعد إخلالاً بالآداب العامة أما مثلاً لو كان المدعي العام يريد تفتيش قبضت يد المشتكى عليها فله ذلك[4] .

تفتيش المنازل

نص الدستور الأردني على حرمة المساكن، فجاء بنص المادة العاشرة للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وقد بين القانون هذه الأحوال وهي حالة وقوع جرم مشهود، أو لوقوع جريمة غير مشهودة وقعت داخل أحد المنازل وطلب صاحب البيت إلى المدعي العام بإجراء التحقيق بشأنها، أو في حال وقعت جريمة داخل المنزل وتم الاشتباه بأن بصاحب المنزل بأن يكون فاعل للجريمة أو مشترك أو متدخل فيها أو أن بحوزته أشياء تتعلق بالجريمة، وذلك سنداً لنص المادة 33 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث يلاحظ أن المشرع نص على أنه في الحالة التي تفترض أن يكون الشخص المطلوب تفتيش منزله حائزاً أشياء تتعلق بالجريمة أو أنه مخف شخصياً مشتكى عليه، حيث جاء بنص المادة أنه إذا تبين من ماهية الجريمة أن الأوراق والأشياء الموجودة لدى المشتكى عليه يمكن ان تكون مدار استدلال على ارتكابه الجريمة فللمدعي العام أو من ينيبه ان ينتقل حالاً الى مسكن المشتكى عليه للتفتيش عن الأشياء التي يراها مؤدية الى إظهار الحقيقة.

من يملك الحق في الاطلاع على الأشياء المضبوطة؟

لكل من المشتكى عليه أو وكيله وفي حال عدم وجود وكيل يكون لمختار المحلة أو اثنين من أقارب المشتكى عليه أو شاهدين يحضرهما المدعي العام وذلك للاطلاع على الأشياء التي يراد ضبطها قبل القيام بإجراء الضبط، والسبب في ذلك لسلامة إجراءات التفتيش والضبط من الناحية القانونية، فلا ينازع في سلامتها وصحتها في القضاء فيما بعد، ولذلك نص المشرع على ضرورة أن يتم عرض المضبوطات على أحد هؤلاء وأن يقوم بالمصادقة والتوقيع على محضر الضبط حيث جاء بنص المادة 36 / 3. تعرض الأشياء المضبوطة على المشتكى عليه أو على من ينوب عنه للمصادقة والتوقيع عليها وان امتنع صرح بذلك في المحضر.

محضر الضبط

سنداً لنص المادة 38 فإن للمدعي العام أن يوقع هو الكاتب والأشخاص الذين يحضرون التفتيش على كل صفحة من أوراق الضبط التي ينظمها بمقتضى الأحكام السابقة، وإذا تعذر وجود هؤلاء الأشخاص فيسوغ للمدعي العام تنظيم المحاضر بمعزل عنهم ويصرح بذلك في المحضر.

من الأشخاص الذين يحضرون التفتيش؟

تجري معاملات التفتيش بحضور المشتكى عليه موقوفاً أو غير موقوف، وفي حال كان موقوفاً للمدعي العام أو من ينيبه من رجال الضابطة العدلية لإجراء التفتيش أن يأمر بإحضاره من مكان توقيفه لحضور معاملة التفتيش، فإذا رفض أو تعذر حضوره، يتم إجراء التفتيش أمام وكيله، وفي حال لم يكن موجود أمام مختار محله، فإذا لم يكن موجود، يجري التفتيش بحضور إثنين من أقاربه، وفي حال عدم وجودهم، يجري التفتيش بحضور شاهدين يستدعيهما المدعي العام، سنداً لنص المادة 36/1/2 وهذا الترتيب فيما يخص حضور التفتيش هو أمر وجوبي ولا يجوز مخالفته.

الحالات التي يجوز فيها لأعضاء الضابطة العدلية إجراء التفتيش دون إنابة من المدعي العام

في حالة الجرم المشهود الذي يقع في مكان ليس فيه مدعي عام يجوز إجراء التفتيش دون الحاجة لإنابة من المدعي العام، كذلك في حالة الجرائم التي تقع داخل أحد المساكن ويطلبهم صاحب المسكن لإجراء التحقيق بشأن الجريمة التي ارتكبت، ففي هذه الحالات يكون موظفو الضابطة العدلية ملزمون بأن ينظموا ورقة ضبط ويستمعوا لإفادات الشهود، وأن يجروا التحريات وتفتيش المنازل. سنداً لنص المادة 46 من ذات القانون.

أعضاء الضابطة العدلية المخولون بأمر التفتيش

حدد المشرع في المادة 44 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أفراد الضابطة العدلية الذين منحهم سلطة التحقيق وهم رؤساء المراكز الأمنية وضباط الشرطة فقط، وذلك لخطورة التفتيش.

إذن التفتيش

يشترط موافقة المدعي العام على إجراء التفتيش، ولكن لا يشترط أن تكون الموافقة خطية، فمن الممكن أن تكون الموافقة من خلال الاتصال الهاتفي، كما أنه في الحالات التي أجاز القانون لأعضاء الضابطة العدلية دخول منزل والتفتيش دون إذن من المدعي العام كحالة الجرم المشهود.

بطلان التفتيش

بعد أن نظم المشرع الأردني إجراءات التفتيش في قانون أصول المحاكمات الجزائية ،فإن مخالفة هذه الأحكام يترتب عليها البطلان كسائر الإجراءات القانونية التي نظمها المشرع ونص على بطلانها في حال تمت بصورة غير الصورة التي حددها القانون، ومن يدفع ببطلان إجراءات التفتيش هو المتهم، وليس للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، على أنه على المتهم أن بدفع ببطلان إجراءات التفتيش أمام محكمة الموضوع، ولا يجوز الدفع بالبطلان لأول مرة أمام محكمة التمييز، ويترتب على بطلان إجراءات التفتيش بطلان الإجراءات اللاحقة له والمرتبطة به، كبطلان الضبط الذي جرى على أثر التفتيش، ويبطل أيضاً  الدليل الذي تم الحصول عليه استناداً على تفتيش باطل ، فلا تستطيع المحكمة أن تستند على شهادة الأشخاص الذين قاموا بإجراء التفتيش الباطل .

هل يمكن للمحكمة أن تستند على دليل أخر مستمد من التفتيش الباطل؟

نعم، كاعتراف المتهم الذي تم أمام النيابة العامة أو أمام المحكمة بعد رفع الدعوى الجزائية عليه، طالما أن هذا الاعتراف قد جاء غير متأثر بالتفتيش الباطل.

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بإجراءات التفتيش

الحكم رقم 711 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: عدم حضور المشتكى عليه لإجراءات التفتيش لا يبطل التفتيش.

فقد جاء بالحكم:

وعن السبب الرابع: –

الذي ينصب على تخطئة المحكمة بالأخذ بضبط التفتيش لمنزل المميز وضبط المواد المخدرة دون حضور المميز.

وفي ذلك نجد أن إجراء التفتيش بغير حضور المشتكى عليه لا يترتب عليه البطلان كما هو وارد بنص المادة (81) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وحيث إن التفتيش جرى بحضور زوجة المتهم نور أبو العز ومندوبة عن الشرطة النسائية والملازم طارق القرعان بصفته مدعي عام منتدب فإن مثل هذا الإجراء لا يخالف القانون مما يتعين معه رد هذ السبب.

الحكم رقم 115 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: تفتيش الأشخاص.

 قام المتهم الأول بالترجل من المركبة والاحتفاظ بهذه الحبوب بناء على طلب من المتهم الثاني والانتظار لحين حضور أحد الأشخاص لأخذها في حين توجه المتهم الثاني إلى مظلة التفتيش وبعد إنهاء إجراءات التفتيش غادر المتهم الثاني مركز حدود جابر وبقي المتهم الأول ينتظر قدوم أحد الأشخاص لأخذ حبوب(بليركا) منه إلا أنه جرى إلقاء القبض عليه من قبل رجال مكافحة المخدرات وتم ضبط الحبوب بحوزته والتي بعدها بلغت 6300 حبة من حبوب مستحضر (بليركا) وبتاريخ 19/9/2019 ألقي القبض على المتهم الثاني وعلى أثر ذلك جرت الملاحقة.

الحكم رقم 2921 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: لا يشترط الموافقة الخطية على إجراء التفتيش.

لا تجد المحكمة من البينة الدفاعية المقدمة ما ينفي ارتكاب المتهم يوسف للجرم المسند إليه إذ إن تلك البينة قد انحصرت حول واقعة ضبط صورة عن صحيفة قطعة الأرض موضوع جرم التزوير في منزل المتهم يوسف وانحصر دفعها على الاستعصاء والتمسك بعدم صحة ضبط تفتيش منزله وبالنسبة لهذا الدفع من قبل وكيل الدفاع ببطلان ضبط إجراءات تفتيش منزل المتهم يوسف وجدت المحكمة وبالرجوع إلى ضبط التفتيش وشهادة الملازم جبر فقد تضمن الحصول على موافقة مدعي عام دير علا السيد خلدون غنيمات وحيث استقر الاجتهاد القضائي بأحكام محكمة التمييز بأنه يجوز للضابطة العدلية الحصول على إذن تفتيش سواء خطياً أو من خلال اتصال هاتفي وحيث تضمن ضبط التفتيش الحصول على موافقة مدعي عام دير علا فتكون إجراءات التفتيش موافقة للقانون وحيث لا يوجد في أحكام القانون وبالتحديد قانون أصول المحاكمات الجزائية إلزامية أن تكون الموافقة خطية حيث النص الوارد بالقانون موافقة المدعي العام بشكل مطلق سواء كانت هذه الموافقة شفاهية أو خطية وبالتالي وحيث تضمن الضبط الحصول على موافقة المدعي العام فيكون ما أثاره وكيل المتهم من بطلان في إجراءات التفتيش حرياً بالرد فقررت المحكمة رد الدفع المثار من وكيل المتهم .

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021،ص384.

[2] د. حسن صادق المرصفاوي، المرصفاوي في أصول الإجراءات الجنائية منشأة المعارف بالإسكندرية،1998، ص 390

[3] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021،ص384.

[4] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021،ص384.

Scroll to Top