إشكاليات الجنسية الأردنية

إشكاليات الجنسية الأردنية 

سنتحدث هنا عن الجنسية الأردنية وأهم مشكلاتها القانونية في ضوء أحكام قانون الجنسية الأردني رقم 6 لسنة 1954 وتعديلاته”

ورد في (المادة 5) من الدستور الأردني أن (الجنسية الأردنية تحدد بقانون)، وتطبيقاً لذلك تنظم دولة الأردن حالياً جنسيتها وفقاً للقانون رقم 6 لسنة 1954 وتعديلاته، وتضع بموجبه الضوابط التي تنظم جنسيتها من خلالها.

إلا أننا وعلى ساحة الواقع العملي نجد أن هناك الكثير من المشكلات التي تواجه قوانين تنظيم الدول لجنسياتها، فمن تلك القوانين من يقف مكتوف الأيدي أمام تلك المشكلة لخلوه من حكم ينظمها، ومنها من يكون قد نظم حلاً لتلك المشكلات أو بعضها، ومنها من يتم تعديله من قبل المشرع ليضمنه حلاً يتمكن من خلاله مواجهتها، خاصة وأن كل دولة تضع قوانين تنظيم جنسيتها بما يتوافق مع ظروفها وطبيعتها واتجاهاتها، وبالتالي تختلف قوانين تنظيم الجنسية من دولة إلى أخرى .

أولاً: نظرة عامة على الجنسية في ضوء قانون الجنسية الأردني

ثانياً: مبررات اكتساب الجنسية

ثالثاً: موقف المشرع الأردني من المشكلات العملية للجنسية

رابعاً: بعض أحكام القضاء الأردني في مسائل الجنسية

خامسًا: الخاتمة والخلاصة

أولاً: نظرة عامة على الجنسية في ضوء قانون الجنسية الأردني

1- مفهوم الجنسية في قانون الجنسية الأردني

القاعدة العامة في قيام الدولة بمفهومها المعاصر هو قيامها على أركان ثلاثة وهي الشعب والإقليم والسلطة، وهو ما يوضح أن شعب الدولة هو أحد أعمدتها التي لا غنى لها عنه ولا قيام لها بدونه، وبالتالي فإن كل دولة يقع على قائمة أولوياتها تحديد المعايير التي يتحدد وفقاً لها معالم هذا الشعب، وتلك المعايير لا تخرج عن معيارين رئيسيين وهما معيار التوطن ومعيار الجنسية، والغالب في الاستخدام لدى الغالبية العظمى لدول العالم هو اعتمادها على الجنسية لتحديد معالم الشعب.

وتستند الجنسية في تأصيلها إلى ما تسبغه الدولة من حماية على مواطنيها المتمتعين بجنسيتها، وإلى ما يبديه المواطنين من امتثال وخضوع للدولة وأوامرها ونواهيها، مع ملاحظة أن حماية الدولة لا تشمل مواطنيها المتواجدين في إقليمها فقد، بل تمتد لتشمل مواطنيها المتواجدين في خارج إقليمها وداخل إقليم دولة أخرى.

مما يقودنا إلى ما تم وضعه من قبل الفقه القانوني من تعاريف في شأن الجنسية، حيث عرفت الجنسية بأنها الرابطة التي تربط الشخص بدولة ما، وهذه الرابطة تتسم بطبيعة قانونية وسياسية ووجدانية، بحيث يصبح معها هذا الشخص فرد من أفراد شعب هذه الدولة[1].

 وفي تعريف آخر جاء أن الجنسية هي حالة عامة وسياسية يتمتع بها الفرد ويستدل منها على انتمائه وانتسابه وولائه إلى دولة محددة، وخضوعه لتلك الدولة برابط التبعية[2].

وغيرها من التعريفات الأخرى للجنسية والتي اجتمعت على أنها رابطة لها طابع سياسي وليس مدني ويستدل منها على الدولة التي ينتمي إليها الفرد.

2- الطبيعة القانونية لرابطة الجنسية

على الرغم من تعدد النظريات وتباين الآراء حول تكييف الجنسية من حيث الطبيعة القانونية لها، إلا أن تلك النظريات والآراء لم تسلم من سهام النقد التي وجهت إليها، عدا نظرية واحدة اتفق عليها السواد الأعظم من فقهاء القانون وهي النظرية التنظيمية.

ومضمون النظرية التنظيمية يخلص في أن الجنسية هي رابطة أو علاقة ذات طبيعة تنظيمية، ويرجع ذلك إلى أن تلك النظرية تتفق مع واقع أن الدولة هي صاحبة الاختصاص المنفرد في تحديد معالم شعبها ومواطنيها، وذلك باعتبار أن الدولة هي القادرة على تحديد ذلك بما يتفق مع اتجاهاتها ومصالحها ومصالح شعبها، وبالتالي فإن الدولة هي التي تحدد وبشكل مسبق القواعد التي تنظم ثبوت الجنسية أو اكتسابها، ولا يكون أمام الفرد سوى الخضوع لتلك القواعد والدخول في الجنسية دون مناقشة تلك القواعد متى كانت الشروط الخاصة بها قد ثبتت لديه.

ولا ينال من تلك الطبيعة التنظيمية للجنسية ما تحدثه إرادة الأفراد في حالات معينة من تأثير في نشأة تلك الرابطة القانونية أو انتهائها، حيث إن إرادة الأفراد لا تمثل سوى عامل مهيئ لظروف معينة ترتبط بنشأة أو زوال الجنسية، فلا يمكن اعتبارها مصدراً رئيسياً أو مباشراً للجنسية.

3- الطرفين الرئيسيين لرابطة الجنسية

كأي علاقة أو رابطة قانونية فإن الجنسية تقوم بين طرفين رئيسيين وهما الطرف المانح للجنسية (الدولة)، والطرف المتلقي للجنسية (الفرد).

أ- الطرف الأول: الدولة

تحتل الدولة مكانة الطرف الأول المانح في شأن الجنسية، وذلك لكونها الطرف الذي يتمتع بسلطة تحديد شخص من تثبت له جنسيتها، وهي المرجع الأول والأخير في تحديد معالم شعبها، وهي الأجدر بتحديد المواصفات التي يجب أن يتمتع بها من ينتمي إليها ويحق له بموجبها أن يحمل جنسيتها، وبالتالي فإن وظيفة منح الجنسية تقتصر على الدولة دون سواها.

ويمكن للدول التي تتمتع بسيادة ناقصة أن تمنح جنسيتها أيضاً، شريطة أن تتمتع تلك الدول بالأركان والعناصر التي تستند إليها الدول بوجه عام في قيامها، ولكن في حالة فقدها أحد تلك الأركان والعناصر كما هو الحال في الاستعمار الذي ينهي الشخصية القانونية للدولة، فعندئذ لا تتمكن من منح جنسيتها لأي أحد، حيث إن الدولة تستمد تلك الوظيفة من سلطتها السياسية التي تزول باستعمارها.

ب-الطرف الثاني: الفرد

يحتل أيضاً الفرد دائماً مرتبة الطرف الثاني المتلقي للجنسية، ويقصد بالفرد هنا الشخص الطبيعي حيث أن الجنسية هي صفة أو علاقة لا تثبت سوى للإنسان، خاصة وأن الواجبات الناشئة عن الجنسية لا يمكن تصور تأديتها من قبل الشخص المعنوي، كما هو الحال في الخدمة العسكرية التي تقتصر على الشخص الطبيعي، ولا ينال من ذلك ما يقال من أن الشركات والسفن وغيرها من الأشخاص المعنوية التي تتمتع بطبيعة خاصة وتحمل جنسية لدولة ما، حيث أن الجنسية التي تحملها تلك الأشخاص الاعتبارية تمنح لها لهدف وحيد يتمثل في تحديد تبعيتها السياسية، وذلك حتى يمكن تحديد الدولة التي يخضع لقوانينها.

ثانياً: مبررات اكتساب الجنسية

سوف نتعرض بداية لمبررات اكتساب الجنسية بوجه عام، ثم نعقب ذلك ببيان ما اعتمده منها القانون الأردني في شأن اكتساب الجنسية ألأردنية.

1- مبررات اكتساب الجنسية بوجه عام

تنقسم مبررات اكتساب الجنسية في التشريعات المختلفة إلى نوعين من المبررات، النوع الأول هو المبررات الخاصة بالجنسية الأصلية، والنوع الثاني هو المبررات الخاصة بالجنسية المكتسبة.

أ- مبررات اكتساب الجنسية الأصلية

يقصد بالجنسية الأصلية الجنسية التي تثبت للفرد بمجرد ولادته ودون توقفها على أي عمل يتم من قبل هذا الفرد، فهو يكتسب تلك الجنسية فور ميلاده، وهذه الجنسية تجد مبرر ثبوتها في حقين لا ثالث لهما وهما حق الدم أو حق الإقليم، وفي بعض الأحيان قد يؤخذ بالحقين معاً.

– حق الدم: يطلق عليه البعض أيضاً مسمى حق البنوة، وهو الحق الذي يثبت للشخص في أن ينتسب إلى ذات الجنسية التي يتمتع بها والده، وبالتالي فإن تلك الجنسية تثبت له بمجرد ميلاده، والمحور الأساسي لذلك الحق هو أن يكون هذا الشخص قد ولد لأب يتمتع بالجنسية التي تثبت له.

وبمجرد تحقق هذا الشرط فإن الابن يكتسب الجنسية التي يحملها والده بشكل أصلي، سواء كانت ولادته قد تمت على أرض دولة الجنسية أو في أرض دولة أخرى، فالعبرة هنا ليس بمكان الميلاد، ولكن برابطة النسب (البنوة)[3].

– حق الإقليم: يقصد بهذا الحق كمبرر لاكتساب الجنسية الأصلية الحق الثابت للدولة في أن تفرض جنسيتها على أي شخص تتم ولادته على إقليمها وأراضيها، ويرد أصل ذلك الحق والحكمة من تقريره إلى أن الشخص متى ولد على أرض دولة ما فهو يتمتع في الغالب الأعم بالولاء والانتماء إليها، خاصة وأن ولادة الفرض غالباً ما تكون في الدولة التي يتخذها والديه موطناً لهما، كما تكون مصالحهم وأعمالهم ومصالح المولود بها.

وبالنظر إلى هذا الحق نجد أنه لا يشترط أن يحمل الأبوين أو أحدهما جنسية الدولة التي حدثت الولادة على إقليمها، فيمكن أن يكون الأبوين أجنبيين ويحملان جنسية تختلف عن جنسية الدولة التي وقعت الولادة على أرضها، ويظل المولود متمتعاً بجنسية الدولة التي ولد على أرضها.

ب- مبررات اكتساب الجنسية المكتسبة (الطارئة)

يطلق على هذه الجنسية أيضاً الجنسية الطارئة، وسميت بذلك لأنها لا تثبت للشخص أو تطرأ عليه إلا بعد استيفاء بعض الشروط والإجراءات التي يحددها القانون، وبالتالي تختلف تلك الجنسية عن الجنسية الأصلية في كونها لا تكتسب أو تثبت بمجرد الولادة كما في الجنسية الأصلية، بل يكون ثبوتها للشخص بشكل لاحق على الميلاد، وكنتيجة لعمل قانوني إيجابي يقوم به هذا الشخص، فلا تثبت له الجنسية إلا من تاريخ إتمام هذا العمل القانوني، وهذا النوع من الجنسية له مبررات متعددة وأسباب يتم اكتسابها استناداً إليها، وتتمثل تلك المبررات في:

– التجنس: ويقصد به أن الشخص الراغب في اكتساب الجنسية الخاصة بدولة ما يقوم بتقديم طلب إلى السلطات المختصة في تلك الدولة، ويتضمن هذا الطلب على إعلان برغبته في اكتساب جنسية هذه الدولة، وتثبت له الجنسية بمجرد الموافقة على طلب تجنسه وصدور القرار بذلك.

إلا أن ذلك لا يمنع الدولة التي قدم إليها الطلب أن تقابله بالرفض، وعندئذ لا يتجنس مقدم الطلب بجنسية الدولة، والتي يكون لها الحق في رفض هذا الطلب دون إبداء أسباب ودون معقب عليها في ذلك.

– الزواج المختلط: ويقصد به أن يتزوج شخصين يحمل كلاً منهما جنسية دولة تختلف عن جنسية الآخر، وهذا الزواج يعد مبرراً لتكتسب الزوجة أو الزوج – في بعض التشريعات – جنسية زوجه.

ويستند هذا المبرر لكسب الجنسية إلى ركيزتين، الركيزة الأولى هي تحقيق وحدة الجنسية للأسرة الواحدة حيث تفرض الجنسية التي يتمتع بها الزوج على زوجته من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق مبدأ استقلال الجنسية، حيث تظل الزوجة محتفظة بالجنسية الأصلية لها، ويكون حصولها على الجنسية التي يحملها زوجها من خلال تقدمها بطلب تجنس.

– الولادة والتوطن بإقليم الدولة: وهذا المبرر لاكتساب الجنسية يخلص في أن من يستفيد منه يجب بداية أو يكون قد من ولد هو مولود يتمتع بجنسية أجنبية – وفي الغالب تكون جنسية والديه الأجنبيين – وأن تكون ولادته قد وقعت على أرض الدولة المنشود حصوله على جنسيتها، ثم أقام فيها لمدة تحددها تلك الدولة لضمان انخراطه في مجتمعها واختلاطه بشعبها، وقد يكتسب تلك الجنسية بموجب تقدمه بطلب لذلك بعد بلوغه سن الرشد، أو يتم منحه الجنسية بعد مرور فترة الإقامة المطلوبة، وله حرية الاختيار بعد بلوغه سن الرشد في أن يظل محتفظاً بها أو يتنازل عنها.

2- موقف المشرع الأردني من مبررات اكتساب الجنسية

نهج المشرع الأردني منهجاً حسناً فيما أخذ به من مبررات لثبوت الجنسية الأردنية، حيث قرر حق الدم في ثبوت الجنسية الأصلية كقاعدة عامة، بينما أخذ بحق الإقليم على سبيل الاستثناء وفي حالات معينة كمبرر لثبوت الجنسية الأصلية، كما منح حق التجنس لبعض الفئات التي جعل لها حق التمتع بالجنسية الأردنية متى توافرت في حقها شروط محددة، وذلك فيما نصت عليه (المادة 3) من قانون الجنسية الأردنية رقم 6 لسنة 1954 وتعديلاته من أن (يعتبر اردني الجنسية 1- كل من حصل على الجنسية الأردنية أو جواز سفر اردني بمقتضى قانون الجنسية الأردنية لسنة 1928 وتعديلاته والقانون رقم 6 لسنة 1954 وهذا القانون . 2- كل من كان يحمل الجنسية الفلسطينية من غير اليهود قبل تاريخ 15/ 5/ 1948 ويقيم عادة في المملكة الأردنية الهاشمية خلال المدة الواقعة ما بين 20/ 12/ 1949 لغاية 16/ 2/ 1954. 3- من ولد لاب متمتع بالجنسية الأردنية. 4- من ولد في المملكة الأردنية الهاشمية من ام تحمل الجنسية الأردنية وأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له أو لم تثبت نسبته الى أبيه قانوناً. 5- من ولد في المملكة الأردنية الهاشمية من والدين مجهولين ويعتبر اللقيط في المملكة مولوداً فيها ما لم يثبت العكس. 6- جميع أفراد عشائر بدو الشمال الواردة في الفقرة (ي) من (المادة 25 ) من قانون الانتخاب المؤقت رقم 24 لسنة 1960 والذين كانوا يقيمون إقامة فعلية في الأراضي التي ضمت الى المملكة سنة 1930).

وسوف نتعرض بشيء من التفصيل لكافة تلك الحالات سواء الخاصة بثبوت الجنسية الأصلية أو المكتسبة فيما سنتعرض إليه بشأن المشكلات العملية لمسألة الجنسية.

ثالثاً: موقف المشرع الأردني من المشكلات العملية للجنسية

1- الحالة الأولى: أن يولد ابن أو ابنة للمواطن الأردني

اعتبر المشرع الأردني تلك الحالة هي أساس ثبوت الجنسية الأصلية للابن أو الابنة استناداً إلى حق الدم، وذلك وفقاً لنص الفقرة (3) من (المادة 3) من قانون الجنسية الأردنية التي قررت أنه يعتبر أردني الجنسية من ولد لأب يتمتع بالجنسية الأردنية، ومن مضمون ذلك يتبين أن ثبوت الجنسية الأصلية لأبناء المواطن الأردني استناداً إلى حق الدم يلزم له توافر شرطين رئيسيين:

أ- أن يكون والد المولود هو مواطن أردني

اشترط المشرع أن يكون الأب أردنياً حتى تثبت لطفله الجنسية الأردنية الأصلية منذ ولادته، وهو ما يؤكد أن القاعدة الرئيسية في اكتساب الجنسية الأردنية الأصلية هي حق الدم، ويجب أن ننوه إلى نقطة هامة وهي أن ثبوت الجنسية الأردنية للطفل تستلزم تمتع الأب بالجنسية الأردنية عند ميلاد طفله، وبالتالي إذا كان الأب يتمتع بالجنسية الأردنية عند ميلاد طفله ثم زالت عنه الجنسية بعد ولادته لأي سبب، فإن ذلك لا ينسحب على المولود ويظل متمتعاً بالجنسية الأردنية.

ب- أن يكون نسب الطفل لوالده الأردني ثابت

هذا الشرط هو شرطاً بديهياً خاصة وأن علاقة البنوة هي التي تكسب المولود جنسية والده الأردني، فرابطة البنوة بمثابة المعبر الذي تعبر منه الجنسية الأردنية للأب لتنتقل إلى طفله، وهو ما يستلزم أن يكون نسب الابن ثابتاً لأبيه، ولا يختلف الحال سواء كان طفلاً شرعياً أو غير شرعي، فالمناط هنا هو ثبوت نسبه لأبيه.

ومتى كان هناك نزاع حول نسب الصغير لأبيه، واستمر هذا النزاع لفترة بعد ولادة الصغير، ثم صدر حكماً بثبوت النسب، فإن هذا الحكم يعد حكماً كاشفاً عن ثبوت نسب الصغير لوالده منذ ولادته بأثر رجعي، وهو ما يجعل الجنسية ثابتة له أيضاً منذ ولادته وليس منذ صدور الحكم بثبوت نسبه لأبيه.

2- الحالة الثانية: أن يكون المولود لأب وأم مجهولين أو عديمي الجنسية

تتعلق هذه الحالة بمشكلة تتجسد في فرضين، الأول هو أن يولد الطفل دون أن يكون له والدين معلومين، والثاني هو أن يولد لأبوين معلومين ولكنهما لا يحملان أي جنسية أي عديمي الجنسية، والفرضين يطبق عليهما حكماً واحداً وهو اكتساب الطفل للجنسية الأردنية الأصلية استناداً إلى حق الإقليم، إلا أن القانون قد رهن تمتع المولود لأب وأم عديمي الجنسية بتحقق شرط رئيسي وهو أن يكون قد ولد على إقليم دولة الأردن، ويعد العثور على هذا المولود داخل دولة الأردن دليلاً على أن واقعة الولادة قد تمت على إقليم الدولة، وهذا الدليل يقع على عاتق الدولة إثبات ما يخالفه.

أما في حالة المولود لأبوين مجهولين فقد اشترط المشرع بالإضافة إلى ولادته داخل إقليم الدولة شرط إضافي يلزم تحققه أيضاً ليكتسب المولود الجنسية الأردنية الأصلية، ويتمثل هذا الشرط في أن يكون كلاً من والديه مجهولاً، فإذا كان أحدهما معلوماً ففي تلك الحالة يفتقد المولود شرطاً أساسياً من شروط اكتساب الجنسية، حيث يلحق عندئذ بالجنسية التي يحملها من هو معلوم من أبويه.

3- الحالة الثالثة: أن يكون المولود لقيطاً

يقصد باللقيط المولود الذي يتم نبذه وتركه من قبل أهله خشية من العيلة أو الريبة أو لأي سبب آخر، بحيث يكون هذا المولود غير معلوم الأب أو الأم، وبالتالي لا يكون له من يمكنه أن يكتسب منه الجنسية استناداً إلى حق الدم، والمشكلة التي تواجه تشريعات الجنسية المختلفة هنا هي أي جنسية تثبت لهذا المولود اللقيط؟

استقرت الغالبية العظمى من قوانين الجنسية – ومن ضمنها قانون الجنسية الأردنية – على إخضاع اللقيط لمبرر (حق الإقليم)، وذلك بإكسابه الجنسية الأصلية للدولة التي وجد على أرضها، وهو ما نص عليه المشرع الأردني في الفقرة (5) من (المادة 3) بقانون الجنسية الأردنية في شأن اللقيط، حيث قرر له الجنسية الأردنية الأصلية استناداً لحق الإقليم باعتباره قد ولد على أرض الدولة، فوجود اللقيط على الأراضي الأردنية قرينة بسيطة على كونه ولد عليها، إلا أن المشرع قد منح الدولة الحق في إثبات ما يخالف تلك القرينة، أي إثبات أنه لم يولد بإقليم الدولة، بل ولد خارجه ثم نقل إلى داخل إقليمها بعد ولادته، فإن تمكنت الدلة من إثبات ذلك لا تثبت للمولود الجنسية الأردنية.

4- الحالة الرابعة: من يولد لأم أردنية ووالد عديم أو مجهول الجنسية

قد تتحقق تلك الحالة متى تزوجت الأردنية من شخص زالت جنسيته قبل أن يولد طفلهما، أو أن يكون هذا الشخص مجهول الجنسية، وبوجه عام أن تكون الأردنية متزوجة من شخص لا يحمل جنسية معينة عند ميلاد صغيرهما، فإذا ما تم تطبيق معيار ومبرر حق الدم على هذا المولود فإنه سيكون عرضة لانعدام جنسيته، لذلك ومعالجة من المشرع الأردني لتلك الحالة وتفادياً لانعدام جنسية المولود، فقد منح هذا المولود الجنسية الأردنية الأصلية استناداً إلى حقي الدم والإقليم معاً، حيث أن القانون اشترط أن تكون الأم أردنية وهو ما يمثل حق الدم من جانب الأم، كما أن واقعة الميلاد قد حدثت على الإقليم الأردني وهو ما يمثل حق الإقليم.

أ- أن تكون الأم حاملة للجنسية الأردنية

استلزم القانون لحصول المولود لأم أردنية على جنسيتها أن تكون هذه الجنسية ثابتة لها عند ولادة الطفل، خاصة وأن فاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي لو فقدت الأم جنسيتها قبل حدوث الولادة فلا يكون لها عندئذ جنسية أردنية يمكن أن تمنحها إلى صغيرها، لذلك يكون مناط تمتع الأم بالجنسية الأردنية هو لحظة ولادة الصغير.

ولم ينص القانون على تحديد لنوع جنسية الأم الأردنية، وهل هي جنسية أصلية أم مكتسبة، أو حتى تحصلت عليها بطريق التجنس، فالأمر سيان في كافة تلك الحالات طالما كانت الأم تحمل الجنسية الأردنية عند ولادتها لصغيرها، أياً كان السبيل الذي تحصلت من خلاله على جنسيتها.

ب- أن يكون نسب المولود لأمه الأردنية ثابتاً

استلزم المشرع أيضاً أن يكون نسب المولود لأمه الأردنية ثابتاً، وهو ما يقصد به أن يكون هذا المولد مولوداً شرعياً أنتجته علاقة زوجية صحيحة أبرم بشأنها عقد زواج صحيح، ولا يؤثر على ذلك انحلال رابطة الزواج قبل الولادة بالطلاق أو الوفاة، فالعبرة بإثبات نسب المولود إلى أمه هو العلاقة التي نتج عنها سواء استمرت أو انتهت، لاسيما وأن انتهاء العلاقة الزوجية لا ينال من نشوئها صحيحة ومحققة لآثارها.

مع ملاحظة أن عملية إثبات النسب وكيفيتها وإجراءاتها وغيرها من المسائل والتفصيلات الأخرى التي تتعلق بإثبات النسب للأم في تلك الحالة يكون وفقاً لما نص عليه القانون الأردني دون سواه، خاصة وأن منح الجنسية الأردنية هو موافقة من الدولة على دخول الحاصل على الجنسية في شعبها، وبالتالي لا يعقل أن يتم تنظيم أي أمر يخص ذلك وفقاً لقانون أجنبي يخص دولة أخرى[4]، ويؤيد ذلك ما نص عليه القانون المدني الأردني في مادتيه رقم (14) و(15) على الترتيب من أن:

– (1- يسري قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت انعقاد الزواج على الآثار التي يرتبها عقد الزواج، بما في ذلك من أثر بالنسبة إلى المال. 2- أما الطلاق فيسري عليه قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت الطلاق، ويسري على التطليق والانفصال قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت رفع الدعوى).

– (في الأحوال المنصوص عليها في المادتين السابقتين إذا كان أحد الزوجين أردنيا وقت انعقاد الزواج، يسري القانون الأردني وحده فيما عدا شرط الأهلية للزواج).

وحيث أن الأم تحمل الجنسية الأردنية فإن النسب باعتباره من أحد آثار الزواج يخضع للقانون الأردني، حيث يتعذر تطبيق نص القرة (1) من (المادة 14) لكون الأب مجهول أو عديم الجنسية، وبالتالي لا يكون هناك قانون له يمكن تطبيقه.

5- الحالة الخامسة: من يولد لأم أردنية ولا يثبت نسبه لأبيه

تختلف هذه المشكلة عن المشكلة التي تم تناولها في الفقرة السابقة من حيث ثبوت نسب ابن الأم الأردنية لأبيه، فالحالة السابقة تخضع لكون الأب معروف ونسب الصغير ثابت له، ولكنه – أي الأب – عديم أو مجهول الجنسية، أما هنا فيكون الأب معروف وله جنسية محددة، ولكن نسب الصغير له غير ثابت لإنكار الأب له، وهذا لا يتحقق إلا في حالتين، الأولى أن يكون الصغير نتيجة لعلاقة غير مشروعة، والثانية أن يكون المولود نتيجة علاقة مشروعة، ولكن الزوج (الأب) ينكر نسب الصغير إليه، فما هو موقف المشرع الأردني في هاتين الحالتين؟

قرر المشرع الأردني لهذا المولود الجنسية الأردنية الأصلية استناداً إلى حق الإقليم وحق الدم من جهة الأم معاً، حيث اشترط لثبوت جنسية الأم لمولودها في تلك الحالة عدة شروط يمكننا أن نوجزها في النقاط التالية:

أ- أن تكون الجنسية الثابتة للأم عند ميلاد الصغير هي الجنسية الأردنية

وقد أوضحنا هذا الشرط سلفاً في معرض الحديث عن المولود لأم أردنية وأب مجهول أو عديم الجنسية، ولذلك فإننا نحيل إليه في شأن بيان مضمون هذا الشرط.

ب- أن تكون واقعة الميلاد قد تمت على الإقليم الأردني

حيث لم يجد المشرع أن حمل الأم للجنسية الأردنية هو سبب كاف ليتم منح صغيرها الجنسية الأصلية، فتزيد في ذلك بموجب هذا الشرط والذي يفيد أن ميلاد الطفل داخل الإقليم الأردني هو شرط رئيسي لا يغني عنه حمل الأم للجنسية الأردنية، وهو نموذج عملي حي للأخذ بحق الدم مع حق الإقليم.

ج- ألا يكون نسب المولود لأبيه ثابتاً

تستكمل شروط حصول الصغير في تلك الحالة على الجنسية الأردنية بالشرط الأخير والمتمثل في أن يكون نسب هذا الصغير غير ثابت لأبيه، وهو ما قد يتحقق في أكثر من صورة، فمثلاً يمكن أن يكون هذا الصغير قد جاء نتاجاً لعلاقة غير شرعية (زنى)، أو كانت العلاقة الشرعية قائمة والأب والأم متزوجان، إلا أن الأب ينكر نسب الصغير إليه، ولم تتمكن الأم من إثبات النسب للأب.

* ومتى تحققت تلك الشروط الثلاث فإن الجنسية الأردنية الأصلية تثبت للصغير، إلا أن ذلك الثبوت لا يعد ثبوتاً دائما ونهائياً بل هو ثبوت مؤقت، بمعنى أن بقاء الجنسية أو زوالها عن الصغير يكون رهناً ببقاء نسبه من أبيه على حالته أي غير ثابت، فإذا ما ثبت نسبه لأبيه بعد ميلاده واكتسابه لجنسية الأم، فإن الأثر المترتب على ذلك يختلف باختلاف جنسية الأب وذلك وفقاً لما يلي:

– إذا كان الأب يتمتع بالجنسية الأردنية فإن الحال لا يتغير، بل يظل الصغير متمتعاً بالجنسية الأردنية التي ثبتت له، إلا أن أساس تمتعه بها يصبح مستنداً إلى حق الدم من الأب.

– إذا كان الأب يحمل جنسية أجنبية وثبت نسب الصغير إليه فإن الحال يختلف، حيث تزول الجنسية الأردنية التي اكتسبها الصغير من الأم، وينسحب ذلك الزوال بأثر رجعي لتزول تلك الجنسية عن الصغير منذ ميلاده، ولا ينال ذلك من صحة أي تعامل قام به الغير مع الابن باعتباره يحمل الجنسية الأردنية.

– أما إذا كان الأب الذي ثبت نسب الصغير إليه مجهول أو عديم الجنسية، فيظل الصغير محتفظاً بالجنسية الأردنية التي ثبتت له، ولكن أساس تمتعه بتلك الجنسية يصبح مستنداً إلى أحكام الصغير الذي يولد لأم أردنية وأب مجهول أو عديم الجنسية، والذي تنظمه المادة (3/4) من قانون الجنسية الأردنية.

رابعاً: بعض أحكام القضاء الأردني في مسائل الجنسية

1- حكم محكمة العدل العليا في شأن ثبوت الجنسية بحق الدم للأم في حالة ثبوت جنسية للأب

الحكم رقم 41 لسنة 1983 محكمة العدل العليا والصادر بجلسة 20/6/1983والمتضمن لما يلي:

(إن كون أم المستدعي تحمل الجنسية الأردنية لا يكسبه هذه الجنسية ما دام أن جنسية والده هي الجنسية الفلسطينية ولا يغير الاحتلال الغاشم من جنسيته كما لا يعتبر الأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له وإنما هو معلوم الجنسية).

2- حكم المحكمة الإدارية في شأن ثبوت الجنسية الأصلية بحق الدم للأب

الحكم رقم 334 لسنة 2017 قضاء إداري والصادر بجلسة 23/1/2018 والمتضمن لما يلي: (وعليه وحيث أن المستدعي أردني الجنسية حيث اكتسب جنسيته بناء على تبعيته لوالده الذي اكتسب الجنسية الأردنية بمقتضى أحكام المادة الثالثة من قانون الجنسية وحصل على جواز سفر دائم عام 1969، وبالتالي فإن المستدعي باعتباره ابنه يكون أردنيًا بحكم تبعيته لأبيه، ويعتبر أردنياً كونه ولد لأب يتمتع بالجنسية الأردنية، ولأن اكتساب الجنسية يكون بحكم القانون دون الحاجة إلى القيام بأي إجراء عملًا بالمادة 3/3 من قانون الجنسية الأردنية).

لكل أردني ثابت الجنسية حق في الحصول على جواز سفر

1- لكل أردني ثابت الجنسية حق في الحصول على جواز سفر ساري المفعول عملا بأحكام المادة الثالثة من قانون جوازات السفر رقم 2 لسنة 1969 ولا يحرم الأردني من هذا الحق الا إذا تخلى عن جنسيته وفقا لأحكام المواد (15 – 17) من قانون الجنسية الأردنية رقم 6 لسنة 1954 أو فقدها أحد الأسباب المنصوص عليها في المواد (18) وما بعدها من القانون المذكور .
2- لا يؤثر سلوك الأردني في الخارج على حقه في الحصول على جواز سفر حتى ولو تطاول هذا السلوك إلى مرتبة الأعمال التي تعتبر خطرة على أمن الدولة وسلامتها والتي تجيز لمجلس الوزراء بموافقة الملك إعلان فقدان الجنسية أو إلغاء شهادة التجنس وفقا لأحكام المادتين (18/أ/ب ، 16/1) من قانون الجنسية إذ يتوجب في هذه الحالة إسقاط الجنسية عن المستدعي أولا ثم يصار إلى حجز جواز سفره وإلغائه .
3- ان التسول وان كان يشكل جريمة من نوع الجنحة وفقا لأحكام المادة (389) عقوبات مما تختص الجهات القضائية بملاحقته ، الا انه لا يرقى إلى عداد الأفعال التي تعتبر خطرا على أمن الدولة وسلامتها بالمعنى المقصود في قانون الجنسية .
4- لا تطبق أحكام المادة (10/أ) من قانون جوازات السفر حسبما عدلت في القانون رقم 4 لسنة 1985 على الطلبات المقدمة لمديرية الجوازات في عمان . بل يقتصر تطبيقها على حالة واحدة وهي عندما تكون السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية هي الجهة المكلفة بإصدار جواز السفر أو تجديده .

خامسًا: الخاتمة والخلاصة

أن المشرع الأردني على الرغم من أنه اهتم بتنظيم موضوع الجنسية، إلا أنه ترك بعض الأمور معلقة دون وضع ضوابط تنظمها مما جعلها بمثابة أوجه قصور يستلزم الأمر معالجتها، ومن تلك الأمور على سبيل المثال وليس الحصر أن قانون الجنسية الأردنية على الرغم من تنظيمه لجنسية الابن لأم أردنية إلا أنه قد اشترط لذلك حدوث الولادة على الإقليم الأردني، فما هو الحال إذا كانت الأم الأردنية قد أنجبت هذا الطفل لأب مجهول أو عديم الجنسية أثناء وجودها خارج الإقليم الأردني؟ والإجابة على ذلك هي أن القانون قد أغفل تنظيم تلك المسألة وتركها دون حل، وهو ما يجعل قانون الجنسية الأردني جديراً بإعادة النظر فيه بشأن ما خلا القانون من تنظيمه من مشكلات قد تعرض للكثير من الأردنيين على صعيد الواقع العملي.

إعداد : أحمد عبد السلام

[1] – جابر الراوي – شرح أحكام قانون الجنسية – دار وائل – الأردن – 2000 – ص13.

[2] – قصي العيون – شرح أحكام الجنسية بالإضافة إلى أحكام محكمة العدل العليا في مسائل الجنسية – الطبعة العاشرة – دار الثقافة – الأردن – 2009 – ص 23.

[3] – جابر الراوي – المردع السابق – ص18.

[4] – حفيظة حداد – الموجز في القانون الدولي الخاص – دار الفكر الجامعي – مصر – بدون عام نشر – ص 133.

Scroll to Top