تنازع الاختصاص وتعيين المرجع القضائي
تكون الحاجة إلى تعيين المرجع القضائي في تلك الحالات التي يحدث بشأنها تنازع في الاختصاص أو الولاية بين المحاكم المختلفة، سواء أكان هذا التنازع في صورته السلبية بحيث ترفض المحاكم نظر الدعوى مدعية عدم اختصاصها، أو في صورته الإيجابية عندما تتمسك أكثر من محكمة باختصاصها بنظر النزاع المطروح، ففي هذه الحالة يتعين تحديد المرجع القضائي المختص. وفيما يتعلق بإجراءات تعيين المرجع القضائي فقد تم تخصيص مقال مستقل بها.
أولاً: تنازع الاختصاص الولائي:
ثانياً: تنازع الاختصاص القضائي:
ثالثا: تعيين المرجع القضائي في تنازع الاختصاص في الدعاوى الجزائية:
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن تعيين المرجع القضائي:
أولاً: تنازع الاختصاص الولائي:
1- معنى الاختصاص الولائي:
وفقاً لما ورد بموجب (المادة 99) من الدستور الأردني فإن النظام القانوني الأردني يحتوي على ثلاث أنواع للمحاكم وهي المحاكم النظامية والمحاكم الدينية والمحاكم الخاصة، بحيث يكون لك من هذه الجهات اختصاصها المنوط بها بموجب القانون، ولا يجوز لجهة أن تتعدى على اختصاص جهة أخرى وإلا وصم عملها بالبطلان.
فيتضح إذن أن الاختصاص الولائي يشير إلى القواعد التي تحدد الاختصاص الذي يقرره المشرع لكل جهة قضائية تتولى الفصل في خصومة معينة يحددها لها القانون، بحيث تختص وحدها بنظرها دون غيرها عن الجهات الأخرى[1].
ويتولى المشرع بموجب أحكام القانون تحديد ما هي الدعاوى التي تختص بها كل جهة قضائية، ويكون ذلك إما في صورة تحديد سلبي أي ببيان بعض الأمور التي لا تدخل في اختصاص أي من الجهات القضائية، وذلك مثل أعمال السيادة والحصانة القضائية، حيث يخرجان عن الرقابة القضائية بصورة مطلقة.
أو أن يتم تحديد اختصاص بعض الجهات القضائية وتكون المسائل الغير داخلة في هذا التحديد من نصيب الجهة الأخرى، وهذا ما حدث عندما تم تحديد اختصاص المحاكم النظامية بالمسائل التي لا تدخل ضمن اختصاص المحاكم الدينية أو الخاصة، وهو ما قررته (المادة 27/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية وتعديلاته والتي نصت على أن: (تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق القضاء على جميع الأشخاص في المواد المدنية ، باستثناء المواد التي قد يفوض فيها حق القضاء إلى محاكم دينية أو محاكم خاصة بموجب أحكام أي قانون آخر).
2- تعلق قواعد الاختصاص الولائي بالنظام العام:
تجدر الإشارة إلى أن قواعد الاختصاص الولائي هي من القواعد التي تتعلق بالنظام العام ومن ثم لا يكون لإرادة أطراف النزاع دور في إسناد الدعوى القضائية إلى جهة أخرى غير التي ذكرها المشرع، باستثناء الحالة التي ترفع فيها الدعوى على أجنبي حين يقبل اختصاص المحاكم الأردنية على الرغم من انتفاء اختصاصها بنظر تلك المسألة.
ولا يكون لمحكمة أن تعتدي على الاختصاص الولائي لمحكمة أخرى وإلا كان عملها واقعاً تحت مغبة البطلان.
وتأسيساً على ذلك يجوز التمسك بانتفاء الاختصاص الولائي للمحكمة المعروض عليها النزاع في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز، بل ويكون للمحكمة أن تثير هذا الدفع من تلقاء نفسها حال ما تبين لها أن النزاع يخرج عن الاختصاص الولائي الخاص بها.
3- فض تنازع الاختصاص الولائي:
أ- فض التنازع بين جهة القضاء النظامي وجهة القضاء الديني:
ورد حكم فض هذا التنازع بموجب (المادة 34) من قانون أصول المحاكمات المدنية وتعديلاته والتي نصت على أن: (إذا نشأت مسالة تتعلق بقضية فيما إذا كانت قضية أحوال شخصية داخلة في الصلاحية المطلقة المخولة لمحكمة دينية أم لا فعلى الفرقاء ذوي الشأن أو على المحكمة التي نشأت أمامها هذه المسالة أن يحيلوها إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة 11 من قانون تشكيل المحاكم النظامية بمذكرة تقدم إلى رئيس كتبة محكمة التمييز).
وبالاطلاع على أحكام (المادة 11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية يتبين لنا أن المشرع الأردني أسند فض التنازع الحاصل بين جهة قضاء نظامي وجهة قضاء ديني إلى محكمة خاصة تشكل من قبل رئيس محكمة التمييز، حيث نصت المادة المذكورة على أن: (إذا حدث خلاف في الصلاحية بين المحاكم المذكورة في البنود التالية يحق لأي من الفرقاء أن يطلب إلى رئيس محكمة التمييز أن يعين محكمة خاصة للنظر في تعيين المرجع لرؤية الدعوى تؤلف من ثلاثة قضاة يكون اثنان منهم من قضاة محكمة التمييز يعينهما رئيسها وقاض ثالث من قضاة المحاكم الاتي بيانها …).
ب- فض التنازع بين جهة القضاء النظامي وجهة القضاء الإداري:
وردت أحكام فض هذا التنازع بموجب (المادة 35) من قانون القضاء الإداري رقم 27 لسنة 2014، والتي نصت على أن: (إذا وقع خلاف على الاختصاص في أي دعوى بين المحكمة الإدارية ومحكمة أخرى فيتم تعيين المرجع للنظر في تلك الدعوى من هيئة قضائية مؤلفة من رئيس محكمة التمييز رئيساً وعضوية رئيس المحكمة الإدارية العليا وقاضيين من محكمة التمييز يسميهما المجلس وقاض من المحكمة الإدارية العليا يسميه رئيسها).
ج- فض التنازع بين جهة القضاء النظامي وجهة القضاء الخاص:
لا يوجد في نصوص القانون الأردني ما يشير إلى كيفية تعيين المرجع القضائي حال إثارة تنازع في الاختصاص بين جهة القضاء النظامي وجهة القضاء الخاص، وهذا ما دفع محكمة التمييز إلى تطبيق ما ورد (بالمادة 35) من قانون أصول المحاكمات المدنية على مثل هذا التنازع، مما يعني أن محكمة التمييز جعلت من نفسها صاحبة الاختصاص بفض هذا التنازع وتعيين المرجع القضائي في تلك الحالة.
والواقع أن هذا الموقف منتقد، ذلك أن محكمة التمييز تنتمي إلى جهة القضاء النظامي، ولما كان التنازع قائم بين جهة قضائية نظامية وجهة القضاء الإداري فإن محكمة التمييز في هذا الصدد قد جعلت من نفسها خصماً وحكماً في ذات الوقت[2].
ولكن لم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث إن المطالع لأحكام محكمة التمييز يجدها مترددة في تحديد الجهة صاحب الاختصاص بتعيين المرجع القضائي في تلك الحالة، فتارة تسنده لنفسها وتارة أخرى تسنده إلى محكمة الاستئناف، والواقع أن هذا التخبط ما هو إلا نتيجة حتمية لوجود فراغ تشريعي حول مسألة تعيين المرجع القضائي في تلك الحالة.
د- تحديد الحكم الواجب تنفيذه حال صدور حكمين قضائيين متناقضين من جهتين قضائيتين مختلفتين:
في حال صدور حكمين متناقضين من جهتين قضائيتين مختلفين فإن محكمة التمييز هي التي تتولى تحديد أي من الحكمين هو الواجب نفاذه شريطة ألا يكون قد تم تنفيذ أحدهما، وذلك ما تقرر بموجب (المادة 11/ج) والتي نصت على أن: (عند صدور حكمين قطعيين متناقضين من محكمتين مختلفتين تختص محكمة التمييز بتقرير أي الحكمين واجب التنفيذ ما لم يكن أحد الحكمين قد تم تنفيذه).
ويجب أن نشير في هذا المقام إلى أن اختصاص محكمة التمييز – هنا – يقتصر على مجرد تحديد أي من الحكمين هو الواجب تنفيذه دون أن تتعرض لمدى صحة أو خطأ أي منهما سواء من الناحية الموضوعية أو الشكلية.
هـ : المحكمة صاحبة الصلاحية لحسم التنازع الاختصاص الولائي
محكمة التمييز هي صاحبة الصلاحية لحسم النزاع على الصلاحية الولائية بين المحاكم النظامية من جهة والمحاكم الدينية أو الشرعية من جهة أخرى بغض النظر عن درجات هذه المحاكم، فتقرر الجهة المختصة بالنظر في النزاع بناءً على طلب تعين المرجع المختص المقدم إليها ، ويكون قرارها ملزم وغير قابل للطعن فيه .
نص المادة ( 34) من قانون أصول المحاكمات المدنية جاء فيها ما يلي ” إذا نشأت مسألة تتعلق بقضية أحوال شخصية داخلة في الصلاحية المطلقة المخولة لمحكمة دينية أم لا فعلى الفرقاء ذوي الشأن أو على المحكمة التي نشأت أمامها هذه المسألة أن يحيلوها إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة (11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية بمذكرة تقدم إلى رئيس كتبة محكمة التمييز .
وبالاستناد إلى النص القانوني السابق أن طلب تعيين المرجع يقدم إلى محكمة التمييز وليس لرئيس محكمة التمييز وإلا كان مستوجب الرد شكلاً، تنظر المحكمة في طلب تعين المرجع تدقيقاً دون الحاجة لدعوة الخصوم ، وهذا الطلب غير مقيد بمواعيد التمييز .
ثانياً: تنازع الاختصاص القضائي:
1- مفهوم الاختصاص القضائي:
لا يثور تنازع الاختصاص إلا بين محكمتين تابعتين لذات الجهة القضائية، ومن ثم يتضح أن هناك اختلاف جوهري بين تنازع الولاية وتنازع الاختصاص، فالأولى لا تكون إلا بين جهتين قضائيتين مختلفتين، في حين أن تنازع الاختصاص يحدث داخل محاكم ذات الجهة القضائية.
حيث إن المشرع حدد قواعد إسناد الاختصاص إلى جهة النظامي سواء أكانت قائمة على قواعد الاختصاص النوعي، أو المكاني، أو القيمي، أو الدولي.
2- مدى تعلق قواعد الاختصاص القضائي الناظمة لولاية جهة القضاء النظامي بالنظام العام:
على عكس قواعد الاختصاص الولائي المتعلقة جميعها بالنظام العام، فإن قواعد الاختصاص القضائي الناظمة لولاية جهة القضاء النظامي لا تتعلق جميعها بالنظام العام، فهناك بعض القواعد التي تتعلق بالنظام العام وهناك قواعد أخرى تخرج عن الارتباط بالنظام العام:
أ- القواعد المتعلقة بالنظام العام:
تتعلق قواعد الاختصاص النوعي والقيمي بالنظام العام، حيث لا يجوز الخروج على تلك القواعد سواء باتفاق الطرفين أو بخطأ المحكمة، أما عن قواعد الاختصاص الدولي فعلى الرغم من عدم نص المشرع على مدى تعلقها بالنظام العام إلا أنه يستشف مما ورد (بالمادة 29) من قانون أصول المحاكمات المدنية على تعلقها بالنظام العام، حيث جاء في تلك المادة أن: (اذا لم يحضر المدعى عليه وكانت المحاكم الأردنية غير مختصة بنظر الدعوى طبقا للمواد السابقة تحكم المحكمة بعدم اختصاصها من تلقاء نفسها)، مما يتضح معه أن عدم قبول المدعي عليه المثول أمام القضاء الأردني يجعله غير مختص بنظر الدعوى، ولقد أتيح لمحكمة التمييز الأردنية أن تبدي رأيها في تلك المسألة حيث قررت أن “الدفع بعدم الاختصاص الدولي للمحاكم الأردنية هو استثناء من الولاية العامة للمحاكم الأردنية وبالتالي فإن هذه القاعدة تعتبر من النظام العام[3]“.
ب- القواعد الغير متعلقة بالنظام العام:
تنحصر القواعد الغير متعلقة بالنظام العام في قواعد الاختصاص المكاني دون غيرها، ومن ثم يكون للأطراف الاتفاق على ما يخالفها.
مع ضرورة الإشارة إلى أن هناك بعض من قواعد الاختصاص المكاني تعلق بالنظام العام وذلك مثل اختصاص المحكمة التي يقع في دائرتها العقار بالدعاوى العينية العقارية المتعلقة بهذا العقار وكذلك بدعاوى الحيازة التي تتعلق به، فضلاً عن اختصاص محكمة البداية بدعاوى إفلاس المؤسسة التجارية التي تقع في دائرتها، وكذلك اختصاص محكمة الاستئناف بالطعون الخاصة بقرارات محاكم أول درجة الواقعة في دائرتها.
3- فض تنازع الاختصاص القضائي:
أ- الجهة المختصة بفض التنازع بين محكمتين تتبعان محكمة استئناف واحدة:
– تنازع محكمتي صلح تتبعان محكمة استئناف واحدة:
فمثلاً إذا حدث تنازع بين محكمة صلح حقوق الرمثا ومحكمة صلح حقوق المفرق فإن محكمة استئناف أربد هي التي تكون مختصة بتعيين المرجع القضائي في هذه الحالة، فالقاعدة المتبعة في هذا الشأن هي اختصاص محكمة الاستئناف التي حدث التنازع بين المحاكم التابعة لها بتعيين المرجع القضائي لفض هذا التنازع.
– تنازع محكمة صلح مع محكمة بداية تتبعان محكمة استئناف واحدة:
فمثلا حال حدوث تنازع بين محكمة صلح حقوق الزرقاء ومحكمة بداية حقوق شرق عمان، فإن محكمة استئناف عمان تكون هي صاحبة الاختصاص في تعيين المرجع القضائي المختص بنظر الدعوى محل النزاع.
– تنازع محكتي بداية تتبعان محكمة استئناف واحدة:
فإذا حدث تنازع بين محكمة بداية حقوق العقبة ومحكمة بداية حقوق معان، فإن محكمة استئناف حقوق معان تكون هي صاحبة الاختصاص في تعيين المرجع القضائي المختص بنظر الدعوى محل النزاع.
ب- الجهة المختصة بفض التنازع بين محكمتين لا تتبعان محكمة استئناف واحدة:
تختص محكمة التمييز بتعيين المرجع القضائي في تلك الحالة، وذلك ما تقرر بموجب (المادة 35/1/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على أن: (إذا كان التنازع بين محكمتين لا تتبعان محكمة استئناف واحدة أو بين محكمتي استئناف، فتعين محكمة التمييز المحكمة المختصة بنظر الدعوى).
والتنازع في هذه الحالة لا يخرج عن أحد الفرضيات التالية:
– تنازع محكمتي صلح لا تتبعان محكمة استئناف واحدة:
كما لو حدث التنازع بين محكمة صلح أربد ومحكمة صلح حقوق عمان، فلما كانت كل محكمة تتبع محكمة استئناف مختلفة عن الأخرى فإن تعيين المرجع القضائي في تلك الحالة يكون من اختصاص محكمة التمييز.
– تنازع محكمة صلح مع محكمة بداية لا تتبعان محكمة استئناف واحدة:
ومثال على ذلك التنازع أن يكون هناك تنازع في الاختصاص بين محكمة صلح حقوق عجلون ومحكمة بداية حقوق مادبا، ولما كانت محكمة صلح حقوق عجلون تتبع محكمة استئناف أربد، في حين أن محكمة بداية حقوق مادبا تتبع محكمة استئناف عمان، فإن محكمة التمييز هي التي تتولى تعيين المرجع القضائي في تلك الحالة.
– تنازع محكمتي بداية لا يتبعان محكمة استئناف واحدة:
فإذا حدث تنازع – مثلاً – بين محكمة بداية حقوق جرش، ومحكمة بداية حقوق الطفيلة، فإن محكمة التمييز هي التي تتولى تعيين المرجع القضائي في هذا التنازع.
ولكن يثور التساؤل الآن عن كيفية حل التنازع الذي قد يثار بين محكمة بداية ومحكمة استئناف؟
بداية نشير إلى أن مثل هذا التنازع يتصور حدوثه في تلك الحالة التي تحكم فيها محكمة البداية بعدم اختصاصها وتغفل إحالة الدعوى مما يؤدي إلى جعل قرارها قطعياً لعدم الطعن عليه بالاستئناف، ثم تنظر محكمة الاستئناف الدعوى قاضية بعدم اختصاصها مما يقيم حالة تنازع سلبي بين المحكمتين.
والواقع أن المشرع الأردني لم يقم حلاً لفض هذا التنازع في قانون أصول المحاكمات المدنية الحالي، على الرغم من وجود حل لهذا التنازع في قانون أصول المحاكمات الحقوقية لسنة 1952 وقانون أصول المحاكمات المدنية السابق، حيث كان يُعقد الاختصاص لمحكمة التمييز لفض هذا التنازع.
وإزاء هذا الفراغ التشريعي تدخلت محكمة التمييز واجتهدت في بعض قراراتها وأسندت لنفسها الاختصاص بتعيين المرجع القضائي في الحالة التي يحصل فيها التنازع بين محكمة بداية ومحكمة استئناف.
ج- الجهة المختصة بفض التنازع بين محاكم الاستئناف:
تقرر (المادة 35/1/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية الاختصاص بتعيين المرجع القضائي لمحكمة التمييز حال نشأ التنازع بين محكمتي استئناف، والتنازع في تلك الحالة لا يخرج عن أحد الفرضيات التالية:
- تنازع محكمتي بداية بصفتيهما الاستئنافية:
- تنازع محكمة بداية بصفتها الاستئنافية مع محكمة استئناف:
- تنازع محكمتي استئناف:
ففي الحالات الثلاث السابقة يكون الاختصاص بتعيين المرجع القضائي منعقداً لمحكمة التمييز وفقاً لما تقرر بموجب (المادة 35/1/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
د- الجهة المختصة بتحديد الحكم الواجب تنفيذه في حال صدور حكمين قضائيين متناقضين من محكمتين نظاميتين:
على الرغم من عدم إدراج حلاً لتلك المشكلة إلا أنه يمكن تداركها بالطعن على تلك الأحكام المتعارضة بالتمييز، أو الطعن عليها بإعادة المحاكمة عملاً بالمادتين (198/3)، (213/8) من قانون أصول المحاكمات المدنية:
حيث تنص (المادة 198/3) على أن: (لا يقبل الطعن في الأحكام بالتمييز إلا في الأحوال التالية: إذا صدر الحكم نهائيا خلافا لحكم آخر سبق أن صدر بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلا وسببا وحاز قوة القضية المقضية سواء ادفع بهذا أم لم يدفع)، في حين تنص (المادة 213/8) على أن: (يجوز للخصوم أن يطلبوا إعادة المحاكمة في الأحكام التي حازت قوة القضية المقضية بإحدى الحالات الآتية: إذا صدر بين الخصوم أنفسهم وبذات الصفة والموضوع حكمان متناقضان).
ولكن يجب أن يُلاحظ أن الطعن سواء كان بالتمييز أو بإعادة المحاكمة يجب أن يكون مراعياً للمواعيد المقررة بمقتضى القانون، وذلك على عكس الحالة المنصوص عليها في (المادة 11/ج) والتي سبق وبيناها والتي لم يشترط فيها التقيد بمدة معينة.
ثالثا: تعيين المرجع القضائي في تنازع الاختصاص في الدعاوى الجزائية:
يقوم القضاء الجنائي الأردني على عدة قواعد تكفل توزيع الاختصاصات بين المحاكم الجنائية المختلفة، والتي قد تتمثل في قواعد الاختصاص النوعي أو الموضوعي، وقواعد الاختصاص المكاني وقواعد الاختصاص الشخصي.
ونظراً لتعدد القواعد المانحة للاختصاص فليس غريباً أن يحدث تنازع في الاختصاص بين المحاكم المختلفة، سواء أكان التنازع في صورته الإيجابية بأن تحكم محكمتين مختلفتين باختصاصهما بنظر ذات الموضوع، أو تنازع سلبي بأن تحكم المحاكم التي عُرضت عليها النزاع بعدم اختصاصها، وغني عن البيان أن مثل هذا التنازع – في صورتيه – من شأنه أن يعيق حسم الدعاوى الجزائية في الوقت المناسب.
ودرءً لذلك فعادة ما تسند التشريعات الاختصاص بفض هذا التنازع إلى جهة قضائية عليا تعمل على تعيين المرجع القضائي المختص بنظر النزاع مما يؤدي إلى تحقيق مبدأ حسن وسير العدالة والحول دون مخالفة قواعد الاختصاص التي تتعلق – عادة – بالنظام العام.
وتعيين المرجع القضائي في مثل هذه الحالات يجد سنده فيما ورد (بالمادة 322) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (يحل الخلاف على الاختصاص بطريق تعيين المرجع اذا وقعت جريمة وشرعت في رؤيتها محكمتان أو باشر تحقيقها مدعيان عامان باعتبار أن الجريمة عائدة لكل منهما أو اذا قرر كل من المدعي العام أو المحكمتين عدم اختصاصه لتحقيقها أو رؤيتها أو قررت محكمة عدم اختصاصها لرؤية دعوى أحالها عليها المدعي العام أو النيابة العامة ونشا عما ذكر خلاف على الاختصاص أوقف سير العدالة من جراء انبرام القرارين المتناقضين في القضية نفسها).
والحالات التي يمكن أن يحدث فيها تنازع في الاختصاص في المواد الجزائية تتمثل فيما يلي:
1- التنازع بين جهات التحقيق وجهات الحكم:
وذلك عندما يثور تنازع في الاختصاص بين النيابة العامة وأحد المحاكم الجزائية، فيكون تعيين المرجع القضائي من اختصاص محكمة الاستئناف التي يتبعانها وذلك في حال تبعيتهما لذات محكمة الاستئناف والذي يكون قرارها نهائي غير قابل للطعن عليه، وذلك وفقا لما قررته محكمة التمييز في أحكامها[4].
وأيضاً فإن اختصاص محكمة الاستئناف بتعيين المرجع القضائي في تلك الحالة يجد سنده في حكم (المادة 323/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (أما إذا كان الطلب يتعلق بخلاف على الاختصاص بين محكمتين أو مدعين عامين أو محكمة ومدع عام تابعين لمحكمة استئنافية واحدة فيقدم الطلب إلى هذه المحكمة).
2- التنازع بين القضاء العادي والقضاء الاستثنائي:
وذلك كأن يحدث تنازع بين القضاء النظامي والقضاء العسكري – مثلاً – فيكون تعيين المرجع القضائي في هذه الحالة من اختصاص محكمة التمييز والتي تصدر قراراً نهائي بتعيين المرجع القضائي المختص عملاً بالمادتين (322،323) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.[5].
3- التنازع السلبي التصوري:
يتحقق هذا النوع من التنازع في الحالة التي تقضي فيها أحد الجهات المختصة بعدم اختصاصها شريطة أن تكون هي الوحيدة صاحبة الاختصاص بنظر الأمر الذي عُرض عليها وأن يكون الأمر الذي أصدرته غير قابل للإلغاء بأي طريق من الطرق، وهذا ما يؤدي إلى حتمية وجود تنازع سلبي، لأن كافة الجهات الأخرى ستصدر أمراً بعدم اختصاصها إذا ما عرض عليها هذا الأمر لأنه من اختصاص الجهة التي قضت بعدم اختصاصها في بادئ الأمر.
وذلك كأن تقضي محكمة الجنح بعدم اختصاصها لأن المتهم لم يجاوز الثمانية عشر من عمره في حين أنه قد تجاوز هذا السن، وبالتالي فإن عرض الأمر على قاضي الأحداث سيؤدي إلى إصدار الأخير أمراً بعدم اختصاصه مما يقيم تنازع سلبي في الاختصاص.
وفي هذه الحالة ينعقد الاختصاص بتعيين المرجع القضائي إلى محكمة التمييز حيث تتولى بنفسها تعيين الجهة المختص بنظر ذلك النزاع، وذلك عملاً بحكم (المادة 323) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على أن: (يجوز للنيابة العامة والمدعي الشخصي والمشتكى عليه أن يطلبوا تعين المرجع باستدعاء يقدمونه إلى محكمة التمييز).
4- التنازع بين المحاكم العادية ومحاكم أمن الدولة:
لما كانت محكمة أمن الدولة محكمة خاصة فإنه يترتب على ذلك حال قيام تنازع بينها وبين محكمة نظامية فيكون فض هذا التنازع من خلال تعيين مرجع قضائي تختص بتحديده محكمة التمييز وذلك عملاً بحكمي المادتين (322،323) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
5- التنازع بين محكمتين تابعتين لمحكمة واحدة:
يُعد هذا النوع من التنازع هو الأكثر انتشاراً في المملكة الأردنية الهاشمية، ويكون فض هذا التنازع موكول إلى محكمة الاستئناف التي تتبعها المحكمتين الواقع بينهما التنازع عملاً بحكم (المادة 323/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ويكون قرار محكمة الاستئناف في هذه الحالة قراراً قطعياً وفقاً لما ورد (بالمادة 327/2) من ذات القانون والتي نصت على أن: (وتنظر محكمة الاستئناف تدقيقاً في الطلب المرفوع إليها وفق الأصول المذكورة ويكون قرارها قطعياً).
6- التنازع بين جهات التحقيق:
حتى يحدث تنازع بين جهات التحقيق فلابد من توافر الشروط التالية:
- صدور أمر من كل جهة يتعارض مع الأمر الصادر من الجهة الأخرى، سواء قضت كل منهما باختصاصها أو بعدم اختصاصها.
- أن يكون الأمر الصادر من تلك الجهات – أي جهات التحقيق – نهائياً، حيث لا يقوم التنازع طالما أن هناك قرار مازال جائزاً إلغائه بالطرق القانونية.
- أن تكون أحد تلك الجهات مختصة بالأمر المعروض عليها، أما إذا كان هناك مدعي عام أخر مختص بذلك الموضوع فلا نكون بصدد تنازع في الاختصاص إذا ما أمرت كل من الجهتين التي عرض عليها الأمر بعدم اختصاصها.
فإذا كانت جهات التحقيق تتبع ذات محكمة الاستئناف فتكون الأخيرة هي صاحبة الاختصاص بتعيين المرجع القضائي، أما إذا كانا يتبعان محاكم استئناف مختلفة فينعقد تحديد المرجع القضائي إلى محكمة التمييز وذلك عملاً بالمادتين (322،323) من قانون أصول المحاكمات الجزائية السابق الإشارة لهما.
7- التنازع بين جهات الحكم:
يحدث مثل هذا التنازع عندما تقضي محكمتين باختصاصها أو عدم اختصاصها بالنزاع المعروض على أي من هما، شريطة أن يكون كل من الحكمين نهائي غير قابل للطعن عليه، وفي هذه الحالة إذا كانت المحكمتين تتبعان محكمة استئناف واحدة فيكون للأخيرة الاختصاص بتعيين المرجع القضائي، أما إذا كانا يتبعان محكمتين استئنافيتين مختلفتين فينعقد الاختصاص بتعين المرجع القضائي لمحكمة التمييز.
ولكن ما الحكم حال إثارة تنازع اختصاص بين محكمتين استئنافيتين؟
الواقع أن هذه المشكلة لا تختلف عن مثيلتها التي يحدث فيها تنازع اختصاص بين محكمتين تابعتين لمحكمتين استئنافيتين مختلفتين، حيث إنه إذا ثار تنازع في الاختصاص بين محكمتين استئنافيتين فإن الاختصاص بتعيين المرجع القضائي يكون من اختصاص محكمة التمييز تصدر فيه قرارها مكتسباً الصفة النهائية.
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن تعيين المرجع القضائي:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3506 لسنة 2021 ما يلي:
أن النزاع بين محكمة صلح غرب عمان ومحكمة بداية عمان وأنهما لا تتبعان لمحكمة استئناف واحدة فإن محكمة التمييز هي المختصة بتعيين المرجع.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1549 لسنة 2021ما يلي:
إن الاختصاص في القضايا الجزائية هو من النظام العام، وإن المحكمة هي صاحبة الحق في الفصل به، وحيث إن محكمة التمييز كانت قد قررت بأن أفعال المشتكى عليه المُتمثلة بإعطائه الدواء للمشتكى عليها بقصد إجهاضها نتيجة حملها غير الشرعي منه وتناولها لهذا الدواء وإجهاضها وولادة طفل حي وتركه في العراء دون تقديم الرعاية الطبية ووفاته نتيجة لذلك تُشكل جناية التسبب بوفاة وليد اتقاءً للعار خلافاً لأحكام المادة (332) من قانون العقوبات ولا تُشكل جناية القتل القصد خلافاً لأحكام المادة (326) من قانون العقوبات وحيث إن هذا التكييف القانوني وحسبما جاء بقرار محكمة التمييز الذي هو مُلزم للكافة فإن الجرم يخرج عن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى ويدخل ضمن اختصاص محكمة جنايات الزرقاء.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 922 لسنة 2021 ما يلي:
ولحصول تنازع سلبي على الاختصاص ما بين مدعي عام الجمارك وقاضي صلح جزاء العقبة طلب النائب العام الجمركي من محكمة التمييز تعيين المرجع المختص بنظر هذه الدعوى، لذلك وعملاً بأحكام المادة (327/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية نقرر تعيين محكمة صلح جزاء العقبة مرجعاً مختصاً للتحقيق في هذه القضية واعتبار الإجراءات التي قام بها مدعي عام الجمارك غير المختص صحيحة وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.
مبدأ قانوني 1 على تنازع الاختصاص بين محكمتي استئناف
وحيث إن الخلاف بين محكمة استئناف ومحكمة بداية بصفتها الاستئنافية, وحيث أن دعوى المطالبة بمنع المعارضة بمنفعة عقار تقدر بقدر منفعة العقار السنوية وأجر المثل عن المدة المطالب بها وإن الخبرة التي أجرتها محكمة الدرجة الأولى على العقار قدرت أجر المثل السنوي بمبلغ (720) ديناراً وأجر المثل عن المدة المطالب عنها بمبلغ (554) ديناراً فعليه تكون قيمة الدعوى مجموع هاتين القيمتين وهو مبلغ (1274) ديناراً أي تزيد على ألف دينار ويدخل ضمن اختصاص محكمة استئناف إربد نظر الطعن الاستئنافي وليس محكمة بداية إربد بصفتها الاستئنافية
وعلى ذلك تكون محكمة استئناف إربد هي المختصة برؤية الطعن الاستئنافي الماثل
راجع بذلك قرار محكمة التمييز الصادر عن الهيئة العادية رقم(1092/2015فصل30/6/2015) .
مبدأ قانوني 2 رقم(2225/2010فصل26/7/2010)
وحيث أن المادة 5 من قانون التنفيذ نصت على اختصاص رئيس التنفيذ للنظر في جميع المنازعات التنفيذية وان الطعن بهذا القرار يكون أمام محكمة الاستئناف حسب نص المادة 20 من ذات القانون
وعلى ذلك فإن الاختصاص يعود لرئيس التنفيذ دون أن يكون لمحكمة البداية أمر النظر في مثل هذا الأمر لعدم الاختصاص النوعي وهو ما توصلت إليه المحكمة في قرارها المطعون فيه
راجع بذلك قرار محكمة التمييز الصادر عن الهيئة العادية رقم(2225/2010فصل26/7/2010)
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أمجد قاسم كريم الزعبي، أحكام فض التنازع في الاختصاص القضائي في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، 2016، ص10.
[2] أنظر في ذلك أحكام فض التنازع في الاختصاص القضائي في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، المرجع السابق، ص 102.
[3] أنظر أحكام فض التنازع في الاختصاص القضائي في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، المرجع السابق، ص 36.
[4] أنظر في ذلك أسعد محمد أحمد الغرايبة، تنازع الاختصاص في المسائل الجزائية “دراسة مقارنة”، 2012، ص254.
[5] راجع في ذلك حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1675 لسنة 2009، الصادر بتاريخ 2009-12-22.

