إجراءات تعيين المرجع القضائي
تعيين المرجع القضائي هو إجراء يتم اللجوء إليه حال حدوث تنازع في الاختصاص بين الجهات القضائية المختلفة لتعيين الجهة المختصة بنظر النزاع الذي ثار بشأنه تنازع في الاختصاص، ولقد رسم المشرع الأردني الأحكام الجرائية التي ينبغي اتباعها للحصول على قرار بتعيين المرجع القضائي، وهذا ما سنبينه في مقالنا الحالي، بالإضافة إلى بيان الأثار المترتبة على إصدار قرار بتعيين المرجع القضائية:
أولاً: الإجراءات الشكلية لتعيين المرجع القضائي:
ثانياً: الإجراءات الموضوعية لتعيين المرجع القضائي:
ثالثاً: الآثار المترتبة على تقديم طلب تعيين المرجع:
رابعاً: الآثار المترتبة على الفصل في طلب تعيين المرجع القضائي:
خامساً: إجراءات تعيين المرجع في الدعاوى الجزائية:
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الأحكام الإجرائية لتعيين المرجع القضائي:
قبل الشروع في قراءة هذا المقال فقد تم توضيح مفهوم التنازع الاختصاص الولائي ومفهوم التنازع الاختصاص القضائي وكذلك كيفية تعيين المرجع القضائي في تنازع الاختصاص في الدعاوى الجزائية، في مقال منفصل يرجى الاطلاع عليه ، وبعدها متابعة قراءة هذا المقال المخصص للإجراءات فقط .
أولاً: الإجراءات الشكلية لتعيين المرجع القضائي:
تعيين المرجع القضائي لا يكون إلا بطلب يُقدم إلى الجهة المختصة للنظر فيه وإصدار القرار في هذا الشأن:
1- طلب تعيين المرجع القضائي:
يمكن الاستدلال على ضرورة تقديم طلب بتعيين المرجع القضائي مما ورد (بالمادة 11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية حيث استخدم المشرع مصطلح ” أن يُطلب “، وأيضاً استخدام مصطلح الطلب في (المادة 35) من قانون أصول المحاكمات المدنية حيث استخدم المشرع عبارة ” أن يُقدم طلباً”.
وعلى الرغم من أن المشرع استخدم مصطلح ” مذكرة ” في (المادة 34/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية إلا أن ذلك لا يُعد سوى تنوع للمصطلحات والتي لا تقدح في ضرورة البدء بتقديم طلب تعيين مرجع قضائي حتى يتم التوصل إلى القرار الحاسم والذي يحدد المرجع القضائي المختص بالنزاع الذي ثار بشأنه تنازع في الاختصاص سواء أكان تنازعاً سلبياً أم إيجابياً.
ولكن ما هو التكييف القانوني لطلب تعيين المرجع القضائي؟
ذهب البعض إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى دعوى قضائية يتم رفعها من أجل تعيين المرجع القضائي المختص بنظر النزاع، ومن ثم فإن لائحة طلب تعيين المرجع تُمثل في حقيقتها لائحة دعوى قضائية.
بالإضافة إلى ذلك أن طلب تعيين المرجع القضائي لا يُدخل في زُمرة الطلبات العارضة، ولكنه طلب له خصوصيته واستقلاليته، فغني عن البيان أن الطلبات العارضة تُقدم إلى ذات المحكمة المعروض أمامها النزاع، أما الطلبات العارضة فتقدم إلى محكمة أخرى تختلف باختلاف نوع التنازع القائم.
فضلاً عن أنه بمطالعة (المادة 115) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي تبين الأحكام القانونية المتعلقة بتقديم الطلبات العارضة نجد أنها قصرت تقديم الطلب العارض على المدعي فقط، في حين أن طلب تعيين المرجع القضائي يستطيع تقديمه كل من المدعي أو المدعى عليه، أي يكون لأي طرف في الدعوى التقدم بطلب تعيين مرجع قضائي.
ولكن يُلاحظ أن محكمة التمييز قد ذهبت إلى خلاف ذلك حين اشترطت أن يكون تقديم طلب تعيين المرجع القضائي بموجب استدعاء وليس بموجب لائحة دعوى معللة موقفها بأن المشرع في (المادة 11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية استخدم عبارة تقديم الطلب إلى “رئيس محكمة التمييز” وليس عبارة ” إلى محكمة التمييز”، مما يعني أن الطلب يُقدم في صورة استدعاء ولا يُشترط تقديمه في صورة لائحة دعوى.
ولقد قررت محكمة استئناف عمان أن طلب تعيين المرجع يكون مقبول حال تقديمه في صورة لائحة استئناف دون اشتراط تقديم طلب مستقل بتعيين مرجع قضائي، وهذا ما يتضح من مطالعة قرارها رقم 1383 لسنة 2007 والتي قضت فيه بأن: (وحيث أن لائحة الاستئناف واللائحة الجوابية تتضمنان المطالبة بحسم التنازع الحاصل حول اختصاص المحكمين وحيث أن لائحة استئناف المستأنف تتضمن مطالبته باعتبار محكمة الصلح هي المختصة بينما اللائحة الجوابية المقدمة من المستأنف عليهما تتضمن اعتبار محكمة البداية هي المختصة للنظر بالدعوى وحيث أن محكمتنا هي المختصة لتحديد المحكمة المختصة بنظر الدعوى وفق ما تفتضيه المادة 35/ا من قانون أصول المحاكمات المدنية ودون حاجة للبت في باقي أسباب الاستئناف نقرر فسخ القرار المستأنف واعتبار محكمة صلح حقوق عمان هي المختصة للنظر بالدعوى وإعادة الأوراق للسير وفق ما جاء بقرارنا هذا).
2- شروط قبول طلب تعيين المرجع القضائي:
حتى يتم قبول طلب تعيين المرجع القضائي يجب أن يتم استيفاء الشروط التي قررها المشرع الأردني والتي تتمثل فيما يلي:
أ- الجهة المخولة بتقديم الطلب:
من مطالعة المادتين (35) من قانون أصول المحاكمات المدنية، و (11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية يتجلى لنا أنه يحق لأي من الفرقاء في الدعوى التقدم بطلب تعيين مرجع قضائي، مع ملاحظة أن يتعين فيمن يتقدم بطلب تعيين مرجع قضائي أن يتوافر في شأنه شرطي المصلحة والصفة وإلا غدا طلبه غير مقبول، وتطبيقاً لذلك رفضت محكمة التمييز طلب تعيين المرجع المُقدم من رئيس قلم استئناف محكمة السلطة لافتقاره حق تقديم مثل هذا الطلب[1].
بل أن محكمة التمييز ترفض طلبات تعيين المرجع القضائي التي تُقدم من رؤساء المحاكم معللة بذلك أن القانون قد قصر أمر تقديم الطلب على الفرقاء دون غيرهم، مما يعدو تقديم الطلب من غير هؤلاء غير مقبول لتقديمه من غير ذي صفة[2].
ومن ثم – وبناءً على ما تقدم – فلقد وجه الفقه سهام نقده إلى صياغة (المادة 34) من قانون أصول المحاكمات المدنية حيث إنها من ظاهر صياغتها تخول للمحكمة حق تقديم طلب تعيين المرجع وذلك بقولها: (فعلى الفرقاء ذوي الشأن أو على المحكمة التي نشأت أمامها هذه المسالة أن يحيلوها إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة 11 من قانون تشكيل المحاكم النظامية بمذكرة تقدم إلى رئيس كتبة محكمة التمييز)، وهذا الأمر اتضح عدم جوازه.
ب- الجهة التي يُقدم إليها طلب تعيين المرجع:
تختلف الجهة التي يُقدم إليها الطلب باختلاف نوع التنازع القائم، فإن كان التنازع متعلق بالولاية بين جهة قضاء نظامي وجهة قضاء ديني فإن طلب تعيين المرجع في هذه الحالة يتعين تقديمه إلى رئيس محكمة التمييز، وذلك استناداً إلى (المادة 34/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على أن: (إذا نشأت مسالة تتعلق بقضية فيما اذا كانت قضية أحوال شخصية داخلة في الصلاحية المطلقة المخولة لمحكمة دينية أم لا فعلى الفرقاء ذوي الشأن أو على المحكمة التي نشأت أمامها هذه المسالة أن يحيلوها إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة 11 من قانون تشكيل المحاكم النظامية بمذكرة تقدم إلى رئيس كتبة محكمة التمييز)، وكذلك (المادة 11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية والتي نصت على أن: (إذا حدث خلاف في الصلاحية بين المحاكم المذكورة في البنود التالية يحق لأي من الفرقاء أن يطلب إلى رئيس محكمة التمييز أن يعين محكمة خاصة للنظر في تعيين المرجع …..).
ج- توكيل محام لتقديم الطلب:
– إذا كان الطلب متعلق بتنازع بين جهة قضاء نظامي وجهة قضاء ديني:
لن يُقبل طلب تعيين المرجع ما لم يقم ذوي الشأن بتوكيل محام ليتولى تقديم الطلب نيابة عنه، ولكن يُلاحظ أن ذلك الأمر يشترط في حالة قيام تنازع بين جهة قضاء نظامي وجهة قضاء ديني حيث إن هذا الطلب يُنظر في مرافعة ولذلك فلابد من حضور محام وكيل عن مقدم الطلب.
وهذا ما يستفاد من مطالعة (المادة 34/2) والتي نصت على أن: (يتبع أمام المحكمة المشار إليها في الفقرة السابقة الإجراءات المتبعة أمام محكمة البداية المنصوص عليها في هذا القانون وذلك بالقدر الذي تتطلبه الضرورة)، بالإضافة إلى ما ورد (بالمادة 63/1) من ذات القانون والتي نصت على أن: (مع مراعاة ما ورد في قانون نقابة المحامين وقانون محاكم الصلح لا يجوز للمتداعين ( من غير المحامين ) أن يحضروا أمام المحاكم لنظر الدعوى إلا بواسطة محامين يمثلونهم بمقتضى سند توكيل).
– إذا كان الطب متعلق بحالة تنازع بين محاكم جهة القضاء النظامي:
أما إذا كان الطلب متعلق بتنازع بين محكمتين ينتميان إلى جهة القضاء النظامي فإنه لا يشترط لتقديمه أن يكون بواسطة محام وكيل عن مقدم الطلب حيث يمكن للأخير تقديمه بنفسه، ذلك أن مثل هذا الطلب يُنظر تدقيقاً ولذلك لا يشترط لتقديمه حضور محام.
ولكن يُلاحظ أنه وإن كان لا يشترط حضور محام لتقديم هذا الطلب إلا أنه يجب أن يكون موقعاً من محام أستاذ، وذلك استناداً إلى ما ورد (بالمادة 18/2 المعدلة للمادة 41) من قانون نقابة المحامين النظاميين المعدل والتي نصت على أن: (لا يجوز تحت طائلة البطلان التقدم بأي دعاوى أمام محاكم التمييز والعدل العليا والاستئناف ومحكمتي استئناف ضريبة الدخل والجمارك ومحاكم البداية بأنواعها إلا إذا كانت موقعة من احد المحامين الأساتذة بموجب وكالة منظمة حسب الأصول ويستثنى من ذلك النيابة العامة والنيابة العامة الإدارية والمحامي العام المدني ومساعدوه).
د- دفع الرسوم القضائية:
تأخذ الأردن – كمعظم دول العالم – بمبدأ مجانية القضاء، إلا أن تلك المجانية تُعد مجانية نسبية بمعنى أن المدعي أو مقدم الطلب يتعين عليه أن يدفع الرسوم القضائية الخاصة بالطلب الذي يقوم بتقديمه وذلك وفقاً لجدول رسوم المحاكم.
ثانياً: الإجراءات الموضوعية لتعيين المرجع القضائي:
بعد انتهاء المحكمة المختصة من نظر طلب تعيين المرجع وقبول الطلب شكلاً فإنها تبدأ بالنظر في الطلب أولاً ثم الفصل في موضوعه ثانياً:
1- نظر طلب تعيين المرجع القضائي:
لم يقم المشرع بوضع أحكام خاصة بنظر طلب تعيين المرجع القضائي، لذلك فإن تلك الطلبات تنظر وفقاً للقواعد المعتادة لنظر الدعاوى العادية، حيث يتم تبليغ الفرقاء بميعاد الجلسة المحددة لنظر الطلب ويسري على هذا الميعاد قواعد الحضور والغياب، ويتعين أن يكون المثول أمام المحكمة بواسطة محامين الفرقاء لأن طلب تعيين المرجع ينظر مرافعة أمام المحكمة.
ولكن يلاحظ في هذا الشأن أن القاعدة السابقة لا تسري على حالة الطلب المقدم بتعيين المرجع في حالة تنازع الاختصاص بين جهة قضاء نظامي وجهة قضاء ديني، ذلك أن هذا الطلب يُنظر تدقيقاً وليس مرافعة.
2- الفصل في طلب تعيين المرجع القضائي:
بعدما تفرغ المحكمة المختصة من النظر في طلب تعيين المرجع فإنها تقوم بالفصل في موضوعه وذلك بتعيين المرجع القضائي المختص بنظر النزاع الذي ثار بشأنه تنازع في الاختصاص.
وأهم ما يجب الإشارة إليه في هذا المقام أن المحكمة المختصة – سواء أكانت محكمة التمييز أم محكمة استئناف – لا يجوز لها – مطلقاً – أن تتعرض لموضوع النزاع وإنما يقتصر دورها على تحديد جهة القضاء المختص وفقاً للقواعد التي رسمها المشرع في هذا الصدد، فلا يجوز للمحكمة المختصة بنظر الطلب أن تقارن بين المحكمتين المتنازعتين على أساس صحة الإجراءات المتبعة أمام أي منهما أو على أي أساس أخر يتعلق بموضوع النزاع، فلا يجوز للمحكمة المختصة أن تتطرق لموضوع النزاع لأي سبباً كان.
ثالثاً: الآثار المترتبة على تقديم طلب تعيين المرجع:
لما كان تقديم طلب تعيين المرجع يُعد بمثابة دعوى قضائية، فإن رفع تلك الدعوى يترتب عليه العديد من الآثار القانونية، ولكن لما كان طلب تعيين المرجع له خصوصيته فهذا يدفعنا إلى تساؤل حول “مدى سريان الآثار القانونية المتعلقة برفع الدعوى في حالة تقديم طلب تعيين المرجع القضائي”؟
1- قطع مدة التقادم:
بادئ ذي بدء نشير إلى أن تقديم طلب تعيين المرجع يختلف عن الطعن على الأحكام، ذلك أن تقديم طلب تعيين المرجع لا يتقيد بميعاد معين وذلك وفقاً لما قرره المشرع بموجب (المادة 35/4) والتي نصت على أن: (تقديم طلب تعيين المرجع غير مقيد بمواعيد الاستئناف والتمييز).
ولما كان طلب تعيين مرجع قضائي لا يخضع لمدة قانونية خاصة تحول دون تقديمه فإن ذلك يعني أن تقديم مثل هذا الطلب لا يترتب عليه قطع مدة تقادم الدعوى.
2- قيام حالة النزاع بين الخصوم:
الواقع أن التنازع في حقيقته قائم بين الخصوم منذ بداية رفع الدعوى التي ثار بشأنها تنازع في الاختصاص، أما تقديم طلب تعيين مرجع قضائي لا يُعد بمثابة خصومة جديدة بين الفرقاء إذا لا شأن لهم بحالة التنازع، لأن التنازع يكون بين المحاكم دون الخصوم.
3- بدء سريان الفائدة القانونية:
وفقاً للقاعدة العامة يبدأ سريان الفوائد القانونية منذ لحظة المطالبة القضائية مالم يقرر المشرع ميعاد آخر لبدء سريان تلك الفوائد، ولكن وعلى الرغم من أن طلب تعيين المرجع يُعد بمثابة دعوى قضائية إلا أن موضوعه ذات خصوصية إذ يتعلق بنزاع في الاختصاص بين المحاكم وليس بين الخصوم مما يعني أن أثر سريان الفوائد القانونية لا يترتب على تقديم طلب تعيين مرجع قضائي.
والواقع أن سريان تلك الفوائد يبدأ منذ رفع الدعوى الأصلية والتي ثار بشأنها تنازع في الاختصاص، ولكن يجدر بنا في هذا المقام أن نطرح التساؤل حول مدى استمرار سريان الفوائد القانونية بعد تقديم طلب تعيين المرجع القضائي، حيث إن تقديم مثل هذا الطلب يؤدي إلى وقف سير الإجراءات القضائية، فهل يلحق بذلك وقف سريان الفوائد القانونية؟
والواقع من الأمر أنه بالرجوع إلى (المادة 167) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي عالجت مسألة الفائدة القانونية نجد أنها لم تقيد سريان الفوائد بإجراء معين مما يدفعنا إلى القول إن تقديم طلب تعيين المرجع القضائي لا يترتب عليه وقف سريان الفوائد القانونية.
4- وجوب النظر في الدعوى:
يتعين على المحكمة المختصة التي قُدم إليها طلب تعيين المرجع القضائي أن تفصل في موضوع هذا الطلب وإلا عُدت مُنكرة للعدالة، ويكون للمحكمة المختصة أن تحكم برفض الطلب شكلاً إذا افتقد إلى أحد شروطه الشكلية دون أن تتمعن في موضوعه، أما إذا كان الطلب مستوفياً لشروطه الشكلية فيتعين على المحكمة المختصة أن تفصل في موضوع الطلب ويكون حكمها متمثلاً في تعيين المرجع القضائي المختص بنظر الدعوى الأصلية التي ثار بشأنها تنازع في الاختصاص سواء أكان هذا التنازع سلبي أم إيجابي.
5- الأثر الموقف للإجراءات القضائية:
ورد النص على هذا الأثر بموجب (المادة 11/ب) والتي نصت على أن: (في الحالات المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة جميعها ، تنعقد المحكمة الخاصة برئاسة قاضي محكمة التمييز الأقدم ويترتب على المحكمة التي اعترض على صلاحيتها أن تؤجل الإجراءات جميعها إلى أن تفصل المحكمة الخاصة في الأمر المعروض عليها).
فضلاً عما ورد (بالمادة 35/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على أن: (إذا أبرز أي من الفرقاء إشعارا يتضمن انه قدم طلبا لتعيين المرجح يوقف السير في الدعوى).
أ- نوع وقف سير الدعوى المترتب على تقديم طلب تعيين المرجع القضائي:
وقف سير إجراءات الدعوى المترتب على تقديم طلب تعيين المرجع القضائي يُعد وقفاً قانونياً وليس اتفاقياً أو قضائياً:
– فهو ليس اتفاقياً لأنه لا يتم بإرادة الخصوم، كما أنه لا ينطبق عليه مدة محددة والتي تنطبق على الوقف الاتفاقي المقدرة بستة أشهر.
– وفي ذات الوقت لا يُعد وقفاً قضائياً إذ أنه يخرج عن ذمره المسائل الأولية ولا تقضي به أياً من المحاكم المتنازعة حال كون التنازع في صورته الإيجابية.
وبعد تحديد نوع هذا الوقف يثور التساؤل حول متي يترتب أثر وقف الدعوى الأصلية، هل بمجرد تقديم الطلب أم منذ لحظة نظره من قبل المحكمة المختصة؟
بالرجوع إلى (المادة 11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية يتجلى لنا أن المشرع لم يحدد الوقت الذي يتم فيه وقف الدعوى، في حين تم تحديد هذا الوقت بموجب (المادة 35/2) من قانون أصول المحاكم المدنية بقول المشرع ” ‘ذا أبرز أي من الفرقاء إشعارا يتضمن انه قدم طلبا لتعيين المرجح يوقف السير في الدعوى”، أي أن الأثر الموقف في هذه الحالة يترتب بمجرد تقديم هذا الطلب.
وإزاء هذا الغموض الذي اعترى تلك المسألة ذهب بعض الفقه إلى أن وقف سير إجراءات الدعوى يبدأ منذ تقديم الطلب في حالات تنازع الاختصاص الواردة في (المادة 35) من قانون أصول المحاكمات المدنية، في حين يترتب الأثر الموقف منذ نظر الطلب في حالات التنازع الواردة (بالمادة 11) من قانون تشكيل المحاكم النظامية.
في حين ارتأى البعض الأخر إلى أن تلك التفرقة لا سند لها في القانون، ويترتب الأثر الموقف للإجراءات منذ لحظة التقدم بطلب تعيين المرجع في كافة أحوال التنازع.
وبالقياس على ما أورده المشرع المصري في هذا الصدد يتبين لنا أن الأثر الموقف للإجراءات يترتب في كافة الأحوال منذ لحظة تقديم طلب تعيين المرجع القضائي.
ب- مدى جواز الطعن على قرار وقف إجراءات الدعوى:
إذا كان وقف الدعوى يتم بقوة القانون نتيجة تقديم طلب تعيين مرجع قضائي، إلا أن المحكمة المختصة يكون لها أن تصدر هي الأخرى قرار بوقف سير إجراءات الدعوى لحين النظر في موضوع الطلب بحيث يكون قرارها في هذا الشأن قراراً كاشفاً عن حالة الوقف وليس منشاءً لها.
وفي هذه الحالة ذهب البعض إلى جواز الطعن على هذا القرار مستندين في ذلك إلى ما ورد (بالمادة 170/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على أن: (لا يجوز الطعن في الأحكام التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها ويستثنى من ذلك القرارات الصادرة في المسائل التالية: 2- وقف الدعوى).
ولكن هذا الرأي يفتقد للمنطقية حيث إن الأثر المترتب على الأخذ بهذا الرأي لا يمكن التسليم به إذ قد يؤدي إلى استمرار إجراءات الدعوى ثم يصدر قرار من المحكمة المختصة بعدم اختصاص المحكمة التي استمرت في إجراءات الدعوى مما يؤدي إلى إضاعة الوقت والجهد، بل وقد يتوصل إلى إصدار حكم هو والعدم سواء.
رابعاً: الآثار المترتبة على الفصل في طلب تعيين المرجع القضائي:
بمجرد صدور حكم من المحكمة المختصة بتعيين المرجع القضائي فإن هذا الحكم يكون مكتسباً لصفة البنات مما يحول دون الطعن عليه أو إعادة رفع الأمر مجدداً، حيث تلتزم المحكمة التي تم تعيينها نظر الدعوى التي ثار بشأنها تنازع في الاختصاص.
والأكثر من ذلك أن المحكمة التي تم تعيينها يتعين عليها نظر الدعوى حتى ولو أخطأت المحكمة المختصة بتعيين المرجع القضائي في تقديرها وأسندت الدعوى إلى جهة قضائية غير مختصة بنظر النزاع.
خامساً: إجراءات تعيين المرجع في الدعاوى الجزائية:
بينت (المادة 323/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه: (يجوز للنيابة العامة والمدعي الشخصي والمشتكى عليه أن يطلبوا تعين المرجع باستدعاء يقدمونه إلى محكمة التمييز).
في حين أن (المادة 324) من ذات القانون نصت على أن: (إذا ورد طلب تعيين المرجع من المدعي الشخصي أو المشتكى عليه يأمر رئيس محكمة التمييز أو الاستئناف بإبلاغ صورته إلى الخصم وبإيداع النيابة العامة لدى كل من المرجعين القضائيين الواقع بينهما الخلاف نسخة عنه لإبداء رايه فيه وإرسال أوراق الدعوى).
وألزمت (المادة 325) المدعي الشخصي أو المشتكي عليه أن يقوم بالرد على جواب طلب تعيين المرجع المبلغ إليه خلال أسبوع على الأكثر من تاريخ التبليغ، ويجب على الجهتين المتنازعتين التوقف عن إصدار الحكم بمجرد الاطلاع على طلب تعيين المرجع إلى حين حل الخلاف بينهم، أما التدابير المؤقتة فيمكن متابعتها بانتظار صدور قرار بتعيين المرجع[3].
وتنظر محكمة التمييز طلب تعيين المرجع تدقيقاً بعد استطلاع رأي رئيس النيابة العامة وتعين في قرارها المرجع القضائي المختص بنظر الدعوى محل النزاع دون أن تتطرق إلى موضوع النزاع، وفي حين عرض الأمر على محكمة الاستئناف فإنها تنظر القرار تدقيقاً هي الأخرى، ويكون القرار الصادر من أيهما – أي محكمة التمييز أو الاستئناف – قطعياً غير قابل للطعين عليه.
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الأحكام الإجرائية لتعيين المرجع القضائي:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 782 لسنة 2004 ما يلي:
وفي حالتنا المعروضة، نجد أن رئيس ديوان محكمة صلح الرصيفة هو الذي رفع موضوع التنازع على الاختصاص إلى رئيس ديوان محكمة التمييز خلافاً لمقتضى نص المادة (35) من قانون أصول المحاكمات المدنية المشار إليها ، والتي منحت الفرقاء أن يتقدموا بطلب لحسم التنازع الحاصل على الاختصاص، وحيث أن الطلب المقدم مقدم من جهة ليس لها صلاحية رفع التنازع الحاصل وفق أحكام القانون، فإن ذلك يقتضي تقديمه من أحد فرقاء الدعوى، لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر رد الطلب شكلاً وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 782 لسنة 2004 ما يلي:
إذا لم تتبع محكمة استئناف الضريبة قرار محكمة التمييز بتعيينها المرجع المختص وقررت عدم اختصاصها للمرة الثانية فإنها تكون قد نصبّت نفسها مرجعاً اعلى من محكمة التمييز بخصوص تعيين المحكمة المختصة برؤية الدعوى وبذلك تكون قد ارتكبت خطأ قانونياً جسيماً موجباً لمسألتها عنه وما كان أنّ تقع به لو كان لديها قليل من التبصر وأمعنت النظر لفهم النص القانوني للمادة 35/ب من الأصول المدنية وميزّت بين قرار محكمة التمييز بتعيين المرجع وقرارها بنقض الحكم الفاصل في موضوع النزاع.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1218 لسنة 2002 ما يلي:
وحيث أن موضوع القضيتين المنظورة أمام المحكمة الشرعية والمحكمة النظامية هو نفس الموضوع محلا وسببا وخصومة فإن المدعى عليهم تقدموا بهذا الطلب للمطالبة بوقف السير في الدعويين لحين البت بالطلب ومن ثم تعين المحكمة المختصة لنظر النزاع . وفي جلسة 9/7/2000 أصدرت هذه المحكمة قرارها بوقف إجراءات الدعويين المدنية والشرعية وتسطير الكتب اللازمة لذلك.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر في ذلك حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2894 لسنة 2011 الصادر بتاريخ 2011-07-18.
[2] أنظر أمجد قاسم كريم الزعبي، أحكام فض التنازع في الاختصاص القضائي في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، 2016، ص 129، 130.
[3] أنظر أسعد محمد أحمد الغرايبة، تنازع الاختصاص في المسائل الجزائية “دراسة مقارنة”، 2012، ص 268.

