حالات منع الشهادة والامتناع عنها
منع المشرع الأردني فئة من الأشخاص من أداء الشهادة، وذلك لغايات منها المحافظة على الروابط الاجتماعية وعدم زعزعة الثقة في المعاملات التي تطلبها بعض مهن والوظائف، وقد أورد مجموعة من الأحكام في قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته، منع فيها بعض الأشخاص وبالرغم من تمتعهم بالأهلية الكاملة من أداء الشهادة، وفي هذا المقال سنتحدث عن هؤلاء الأشخاص والذين منعوا بحكم القانون من أداء الشهادة وكالآتي:
جدول المحتويات
من يجوز لهم الامتناع عن الشهادة
تعريف الشهادة
يمكن تعريف الشهادة بأنها إخبار شخص أمام القضاء بواقعة حدثت من غيره ويترتب عيها حق لغيره، كما عرفها بعض الفقهاء بأنها الإدلاء بمعلومات في مجلس القضاء حول وقائع متنازع عليها بين أطراف الدعوى، ويأتي ذلك بإخبار الشاهد القاضي أثناء رؤية النزاع بين طرفين بما رآه أو سمعه من وقائع إذا ثبتت يترتب عليها حق لأحد الخصوم على غيره. [1]
أنواع الشهادة
الشهادة المباشرة
وتسمى أيضا بالشهادة الأصلية وهي الأصل، لأن الأصل في الشهادة أن تكون مباشرة، وهي الشهادة التي تكون بناءا على معاينة مباشرة وشهادة متيقنة أو سماع مباشر إذا كان مما يرى أو يسمع، فيكون بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره.
وقد عرف الفقه القانوني هذا النوع من الشهادة بأنها قيام الشاهد بالإدلاء أمام مجلس القضاء بما وقع تحت سمعه وبصره مباشرة دون أن يعتمد في نقل هذه الوقائع على آخرين، ومثال ذلك وقوع حادثة معينة أمام الشخص، فيشهد بما رآه وسمعه، ويعد هذا النوع من الشهادة أقوى أنواع الشهادات ما لم يثبت تزويرها.[2]
الشهادة غير المباشرة
ويعبر عنها أيضا بالشهادة الثانوية، وتقوم هذه الشهادة على أن يشهد الشاهد بما سمع وليس بما أدرك مباشرة، فالشهادة غير المباشرة هي شهادة سماعية، فالشاهد يشهد أنه سمع الواقعة التي يرويها له شاهد يكون هو الذي رآها أو سمعها بإذنه، وعليه فهي شهادة منقولة تعتمد على السمع
والمشرع الأردني منع قبول هذا النوع من الشهادة، إلا في حالات استثنائية وردت على سبيل الحصر في متن المادة 39 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته، وهذه الحالات هي:
الوفاة، والنسب، والوقف الصحيح الموقوف لجهة خيرية منذ مدة طويلة.
شروط الشهادة
يتوجب أن تتوافر عدة شروط في الشاهد الذي يدلي بشهادته أمام القضاء، وهي على النحو التالي
الأهلية
أن يتمتع الشاهد بالأهلية :بينت المادة 32 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته، أن المحكمة تسمع شهادة أي شخص ما لم يكن مجنونا أو صبيا لا يفهم ولا يدرك معنى اليمين، وأجاز لها المشرع في ذات المادة أن تسمع لأقوال الصبي الذي لا يفهم معنى اليمين مقيدا لها بأن تكون على سبيل الاستدلال فقط.
وباستقراء نص المادة المشار اليها أعلاه أن المشرع لم يشترط بلوغ الشاهد سنا معينا حتى يتمكن من الإدلاء بشهادته، إنما اكتفى بأن يكون صبيا يفهم ويدرك معنى اليمين، أما إذا كان الصبي لا يفهم اليمين، فلا تسمع شهادته إلا على سبيل الاستدلال والاستئناس ودون أن يحلف اليمين.
ألا يكون الشاهد ممنوعا من أداء الشهادة
المشرع الأردني وفي قانون البينات، منع أشخاص معينين من الشهادة، ومن أبرز الأمثلة على هؤلاء الأشخاص الموظفون العامون والمكلفون بخدمة عامة، والمحامون والأطباء وغيرهم ممن تم النص عليهم في طيات المواد من 35-38 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته بالتفصيل.
وعليه وحتى تقبل شهادة الشاهد، لابد أن يكون من غير هؤلاء الأشخاص، حتى تكون شهادته صحيحة ومقبولة أمام القضاء.
أن يكون موضوع الشهادة واقعة قانونية متنازع عليها
أي أن تكون هذه الواقعة متعلقة بالدعوى التي تم الإدلاء بالشهادة فيها، فضلا عن كون هذه الواقعة منتجة في الدعوى، وجائز الإثبات فيها بالشهادة قانونا.
عدم وجود مصلحة للشاهد بالشهادة
فالقاعدة القانونية تنص على أنه كل شهادة تتضمن جر مغنم للشاهد أو دفع مغرم عنه ترد، وعليه فإن للمحكمة السلطة التقديرية فيما إذا كانت هذه الشهادة فيها منفعة للشاهد (جر مغنم) أو تدفع عنه مغرما.
الممنوعين من أداء الشهادة
الصبي غير القادر على التمييز والمجنون
أورد المشرع في المادة 32 من قانون البينات الأردني بأن للمحكمة أن تستمع لشهادة كل إنسان ما لم يكن مجنونا أو صبيا لا يفهم معنى اليمين، كما أجاز لها أن تسمع أقوال الصبي الذي لا يفهم معنى اليمين على سبيل الاستدلال فقط.
من له مصلحة من الشهادة
من له مصلحة في الدعوى تحقق له مغنما أو تدفع عنه مغرما، ويسري هذا الحكم على الشخص الذي ينتظر نتيجة الدعوى ليكون مستفيدا من كسب الدعوى أو متضررا من خسارتها، باعتباره قد لا يكون صادقا في شهادته.
الموظفون الذين لديهم معلومات تتعلق بشؤون الدولة
ورد في متن المادة 35 من قانون البينات الأردني بأنه لا يجوز أن يشهد أحد عن معلومات أو مضمون أوراق تتعلق بشؤون الدولة إلا إذا كانت قد نشرت بالطرق القانونية، أو أذنت السلطة العامة لمن لديه هذه المعلومات بإذاعتها.
ولا يشترط في المعلومات التي لدى الموظفين أن تكون سرية، بل يكفي فيها أن تكون معلومات أو محتويات أوراق تتعلق بشؤون الدولة.
الموظفون والمستخدمون والمكلفون بخدمة عامة
منع المشرع الأردني هؤلاء الأشخاص من أداء الشهادة عما وصل الى علمهم أثناء قيامهم بعملهم من معلومات، ولم يحدد المشرع هذه المعلومات هل هي سرية أم لا، غير أنه أجاز للمحكمة أن تقرر للشاهد أداء الشهادة بمعنى أنها وهي تعطي للشاهد رخصة أداء الشهادة تمنع عنه أية ملاحقة لمخالفته المنع من أداء الشهادة.
والمشرع قصد بهذا النص أن المعلومات التي يكون الموظف حصل عليها أثناء وظيفته تتعلق بأسرار الدولة وعليه كتمانها حتى بعد تركه للعمل، والدليل على ذلك أن نص المادة 35 من قانون البينات أشار الى منع كل شخص من أداء الشهادة، وجاء المنع مطلقا ليشمل الموظفين وغير الموظفين.
من يجوز لهم الامتناع عن الشهادة
المحامون والوكلاء والأطباء
منع المشرع هذه الطائفة من الممتهنين من إفشاء الوقائع والمعلومات التي وصلت إليهم عن طريق عملائهم ما لم يأذن لهم هؤلاء العملاء بذلك، وقد جاء المنع حتى بعد ترك هؤلاء المهنة، أو المهمة، أو زوال الصفة ،أو انتهاء الخدمة المكلف بالقيام بها.
وبالمقابل أجاز المشرع لمن يصل الى علمه من المذكورين معلومات يقصد بذكرها ارتكاب جريمة جنائية أو جنحة أن يفشي ذلك دون مسؤولية، كما أجاز لهؤلاء الأشخاص أن يدلوا بالمعلومات المتوفرة لديهم بالشهادة في المحكمة إذا كانت القوانين الخاصة ترخص لهم بذلك.
ومن الأمثلة على أن بعض القوانين أجازت لمن علم عن طريق مهنته وبمناسبتها بمعلومات أن يشهد عنها في المحكمة أو يبلغ عنها قوانين وزارة الصحة فيما يتعلق بالأوبئة والقوانين الجزائية فيما يتعلق بالجرائم المنوي ارتكابها.
الزوج بغير رضاء زوجه
منع المشرع من خلال ما نص عليه في المادة 38 من قانون البينات الزوجين من أن يفشي أحدهما ما كان أبلغه إياه الآخر ولو بعد انفصالهما إلا برضاء الآخر.
ويتعلق هذا النص بحالتين هما:
الحالة الأولى: وهي امتناع أحد الزوجين من أن يفشي بغير رضا الآخر ما كان قد أبلغه أثناء قيام الزوجية وهذا المنع مؤبد حتى بعد الطلاق أو الانفصال.
الحالة الثانية: الاستثناء الوارد على الحالة الأولى بأن يرفع أحدهما دعوى حقوقية ضد الآخر، وأن يتهم أحد الزوجين بارتكاب جناية أو جنحة وقعت منه على الآخر وبذلك يمكن لمن وقع عليه فعل الاعتداء أن يشهد على الجاني ويفشي ما كان قد أبلغه اياه.
اجتهادات المحاكم الأردنية بشأن الممنوعين من أداء الشهادة
الحكم الصادر عن محكمة بداية حقوق السلط بصفتها الاستئنافية رقم 360/2012 تاريخ 8/4/2012:
“…….أما عن الثالث من أسباب الاستئناف ومفاده بخطأ محكمة الدرجة الأولى بعدم إجابة طلب وكيل الجهة المستأنفة لسماع شهادة وكيل الجهة المستأنف ضده بمعرفة الظروف المحيطة بتنظيم السند تجد المحكمة بأن وكيل المستأنف وبعد إنكاره بتوقيع موكله على الشيك موضوع الدعوى احتفظ لنفسه سماع شهادة وكيل الجهة المدعية وحيث أن أحكام المادة 37 من قانون البينات قد منعت المحامين أو الوكلاء الذين قد علموا بواقعة أو بمعلومات إفشائها ولو بعد انتهاء صفتهم ما لم يكن ذكرها له مقصودا به ارتكاب جناية أو جنحة وحيث أن شهادة وكيل الجهة المستأنفة بمواجهة موكله ممنوعة بنص القانون الأمر الذي يبنى عليه بعدم جواز سماعها وأن سبب الاستئناف لا يرد على القرار المستأنف ومستوجبا للرد .
وتأسيسا على ما تقدم تقرر المحكمة رد الاستئناف موضوعا وتضمين المستأنف الرسوم والمصاريف وإعادة الأوراق لمصدرها “
إعداد المحامية : ثمار إبراهيم
الموقع الإلكتروني حماة الحق للمحاماة
[1] -د. مفلح القضاة، البينات في المواد المدنية والتجارية، ص 119.
[2] – آدام وهيب النجداوي، دور الحاكم المدني في الإثبات، دراسة مقارنة، ط 1، ص 316.

