الدعوى المباشرة
تعد دعوى الدائن المباشرة بمثابة نظام قانوني قائم بذاته، ولا يفترض قيامه، ولكنه يتحقق استناداً لنص خاص يتضمنه القانون وينص عليه، ويتجسد هذا النص فيما يمنحه هذا النظام القانوني للدائن من أحقية في أن يستوفي حقه الثابت في ذمة مدينه باقتضائه من مدين مدينه، وذلك بإقامة الدعوى بصورة مباشرة على هذا الأخير، ولا يكون ذلك باسم مدينه، ولكن باسمه الشخصي ولحساب نفسه، وهو ما يميز هذا الدائن عن غيره من الدائنين الآخرين لذات المدين، وينأى به عن أي مزاحمة له من قبلهم في استيفاء دينه.
أولاً: ما هو المقصود بالدعوى المباشرة؟
خامساً: نماذج لأحكام قضائية صادرة في شأن الدعوى المباشرة
أولاً: ما هو المقصود بالدعوى المباشرة؟
1- مضمون الدعوى المباشرة وتعريفها
الدعوى المباشرة كما عرفها شراح القانون هي الدعوى التي تمثل وسيلة وأداة قررها المشرع في نص قانوني مستقل وخاص بها، وجعلها في يد الدائن ليتمكن من استخدامها ليطالب بحق مدينه الثابت في ذمة مدين هذا المدين، ويختصم فيها مدين مدينه بشكل مباشر وباسمه ولحسابه الشخصي[1].
وهذه الدعوى كما لاحظنا في تعريفها لا يتم تقريرها وثبوت الأحقية فيها إلا إذا جاء نصاً قانونياً صريحاً يقررها للدائن، ويرجع ذلك إلى أن الدعوى المباشرة تعتبر استثناء على الأصل العام الذي تقرره قاعدة (الأثر النسبي للعقد)، حيث تقرر تلك القاعدة أنه متى أبرم العقد صحيحاً منتجاً لآثاره القانونية، فإن آثاره تلك تنحصر في طرفي العقد أو من يمثلهما قانوناً، فلا تمتد تلك الآثار إلى أياً من الغير الذين يعدون بمثابة الأجنبي الذي لم يكن طرف في هذا العقد، ولكن في حالة أن يكون أحد المتعاقدين مديناً للغير الأجنبي عن العقد، وتتوافر في حقه حالة من الحالات المحددة التي ورد بها نص في القانون، فعندئذ نجد أن المشرع قد خرج عن هذه القاعدة وأجاز لهذا الدائن أن يلجأ إلى الدعوى المباشرة، ويقوم بمطالبة مدين مدينه – الطرف الآخر في العقد – بالدين الثابت في حقه للمدين الأصلي، ونظراً لكونها حالة استثنائية لا يجوز أن يتم التوسع فيها، فقد تم تحديد الحالات التي يتم اللجوء إليها فيها على سبيل الحصر.
2- خصائص الدعوى المباشرة
كما سبق أن أوضحنا فإن الدعوى المباشرة لا يمكن اللجوء إليها إلا في الحالات التي يقرها فيها القانون بنص صريح، ونظراً لاختلاف تلك الحالات باختلاف النص القانوني الذي يقرها وينظم أحكامها، فإن ذلك الاختلاف ينعكس على شروط كل حالة، بحيث تكون شروط كل حالة مختلفة عن نظيرتها في الحالات الأخرى، إلا أن ذلك الاختلاف لا يمنع من حقيقة أن هناك خصائص تشترك فيها جميع حالات الدعوى المباشرة، ويمكننا أن نجمل هذه الخصائص المشتركة في النقاط التالية:
– بداية فإنه يلزم أن يكون هناك نص صريح في القانون يبيح للدائن استخدام الدعوى المباشرة، وذلك حتى تعد الدعوى المباشرة دعوى قانونية لها أساس قانوني تستند إليه.
– لا يعتبر شرط إهمال المدين الأصلي أو تقصيره في مطالبة مدينه بحقه شرطاً معتبراً في كافة حالات الدعوى المباشرة، حيث يكتفى لثبوت الحق في الدعوى المباشرة أن يكون المدين الأصلي قد تخلف أو امتنع عن أن يفي بالتزامه للدائن، وذلك لأنه لو قم بتنفيذ التزامه تجاه دائنه لن يكون هناك أي سبب لوجود الدعوى المباشرة.
– يتم إقامة الدعوى المباشرة باسم ولحساب الدائن، وليس باسم مدينه أو لحسابه، حيث يعد الدائن أصيلاً في الدعوى المباشرة وليس نائباً أو ممثلاً لمدينه.
– وجود ارتباط أياً كان نوعه – مادي أو قانوني – بين التزام المدين تجاه الدائن، والتزام مدين المدين تجاه دائنه (المدين الأصلي) ، ويتحقق هذا الارتباط في حالة أن يكون مصدر الدينين واحد، كما هو الحال في الدعوى المباشرة في مجال التأمين من المسؤولية، حيث يكون الفعل الضار المتحقق والمؤمن منه هو سبب نشوء العلاقة بين المؤمن والمؤمن له ومحدث الضرر.
– الدعوى المباشرة بوجه عام تقيد المدين وتمنعه من التصرف في حقوقه لدى مدينه، كما أنها بعد إقامتها من قبل الدائن تغل يد مدين المدين عن الوفاء بالتزامه تجاه دائنه (المدين الأصلي) ، وفي الواقع فإن غل يد مدين المدين لا يبدأ من تاريخ رفع الدعوى، بل في حقيقته يبدأ عند توجيه إنذار له من قبل الدائن، ينبه عليه فيه بعدم الوفاء للمدين الأصلي، ويرجع ذلك إلى أن تلك الدعوى مقررة لحماية حقوق الدائن.
– كافة الضمانات الخاصة التي تقررت للمدين في مواجهة مدينه تنتقل بموجب الدعوى المباشرة إلى الدائن الأصلي، ويستطيع أن يتمسك بها الدائن في كمواجهة مدين مدينه.
3- الدعوى المباشرة والدعوى غير المباشرة
تعرف الدعوى غير المباشرة بأنها وسيلة وقائية تستهدف المحافظة على الضمان العام للدائنين وحمايته، وهي دعوى يقيمها الدائن نيابة عن مدينه وباسم هذا المدين، ويختصم فيها مدين مدينه، ويحق للدائن إقامة تلك الدعوى في الحالة التي يهمل فيها المدين أو يتقاعس عن مطالبة مدينه بحقوقه.
وعلى الرغم من أن الدعوى المباشرة والدعوى غير المباشرة يتم إقامتهما من قبل الدائن على مدين مدينه، إلا أن هناك العديد من الاختلافات التي يمكن من خلالها التفرقة بينهما، ويمكننا أن نحصر تلك الاختلافات فيما يلي:
– إن الدعوى المباشرة يجب أن ينص عليها نص قانوني خاص باعتبارها استثناء على الأصل، في حين أن الدعوى غير المباشرة تحكمها نظرية عامة.
– في الدعوى المباشرة يقوم الدائن بإقامة الدعوى باسمه ولحسابه الشخصي، في حين أن الدائن متى أقام الدعوى غير المباشرة فهو يقيمها باس ولحساب مدينه باعتباره نائب عنه، وذلك طبقاً لنص (المادة 367) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (يعتبر الدائن نائبا عن مدينه في استعمال حقوقه وكل نفع يعود من استعمال هذه الحقوق يدخل في أموال المدين ويكون ضمانا لجميع دائنيه)، وهو أيضاً ما أيدته محكمة التمييز الأردنية في حكمها الصادر برقم 60 لسنة 1982 حقوق[2].
– لا يشترط في اللجوء إلى الدعوى المباشرة أن يكون المدين قد أهمل أو قصر أو تقاعس في مطالبة مدينه بحقه، بينما لا يحق للدائن إقامة الدعوى غير المباشرة إلا إذا كان مدينه متقاعساً أو مهملاً في مطالبته بحقه لدى مدينه، وذلك طبقاً لـ (المادة 366/2) من القانون المدني الأردني، والتي نصت على أن: (لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء ان يباشر باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين الا ما كان منها متصلا بشخصه خاصة أو غير قابل للحجز).
– في الدعوى المباشرة يكون هدف الدائن الاستئثار بالحق الذي يطالب به مدين مدينه، بينما في الدعوى المباشرة لا يستأثر الدائن رافع الدعوى بالحق ولكنه يرد إلى الضمان العام للدائنين جميعاً.
– في الدعوى المباشرة يلزم أن يكون دين الدائن حال الأداء وليس مؤجل أو موقوف، في حين أن الدعوى غير المباشرة لا يشترط فيها ذلك، حيث يمكن للدائن الذي يكون دينه غير مستحق الأداء أن يلجأ إليها، وذلك طبقاً لنص (المادة 366/1) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أنه: (لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء ان يباشر باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين الا ما كان منها متصلا بشخصه خاصة أو غير قابل للحجز).
ثانياً: شروط الدعوى المباشرة
الدعوى المباشرة مثلها في ذلك مثل سائر الدعاوى الأخرى يوجد لها مجموعة من الشروط يجب أن يتم استيفائها وتحقيقها حتى يتاح للدائن إقامتها، وتتمثل هذه الشروط في:
1- الشرط المتعلق بحق الدائن
بداية وحتى يستطيع الدائن أن يقيم الدعوى المباشرة يجب أن يكون حقه ثابتاً سواء قبل المدين أو قبل مدين المدين، وأن يكون حالاً ومستحق الأداء، فإذا كان دين الدائن لم يحل أجله بعد أو كان مؤجلاً أو معلق على شرط واقف، فلا يجوز للدائن عندئذ أن يقيم دعواه المباشرة ضد مدين مدينه.
ويجب أيضاً أن يكون دين الدائن هو دين غير متنازع عليه، وهو ما يستوجب في الدين أن يكون وجوده محقق ومقداره معين ومحدد حتى يكون خالياً من ثمة نزاع، وعندئذ يمكن للدائن اقتضائه بالدعوى المباشرة على مدين مدينه.
ويرجع ذلك إلى أن الدعوى المباشرة ليست دعوى وقائية أو احتياطية، بل هي دعوى تمهد للتنفيذ، وهي تبيح لدائن أن يقتضي حقه بصورة مباشرة من مدين مدينه، دون أي مشاركة أو مزاحمة يمكن أن يتعرض لها من باقي دائني مدينه[3].
2- الشرط المتعلق بالدعوى المباشرة
يجب أن يكون هناك أساس قانوني للدعوى المباشرة لكي يتمكن الدائن من إقامتها، ويقصد بذلك أن يكون هناك نص صريح في القانون يبيح للدائن أن يلجأ إلى الدعوى المباشرة لاقتضاء دينه من مدين مدينه، وفي حالة غيال هذا النص لا يجوز للدائن أن يلجأ إلى ذلك السبيل لاستيفاء حقه.
لذلك فإن المشرع الأردني عندما نص على حالات لجوء الدائن للدعوى المباشرة نص عليها في نصوص خاصة يقر كل نص منها بحالة من تلك الحالات، وإن اختلفت القوانين التي تضم كل حالة من تلك الحالات كما سنرى عند التعرض لحالات الدعوى المباشرة.
3- شروط متنوعة
هناك بعض الشروط الأخرى بجانب الشرطين السابقين، منها ما هو موضوعي ومنها ما هو شكلي، وسوف نوجز تلك الشروط في الآتي.
أ- الشروط الشكلية
تنصب الشروط الشكلية التي يجب أن تتحقق في الدعوى المباشرة على مجال الاختصاص المنعقد للمحكمة التي تنظر هذه الدعوى، حيث يجب أن تقام أمام المحكمة المختصة بنظرها، سواء من حيث الاختصاص النوعي، أو الاختصاص القيمي، أو الاختصاص المكاني[4].
ب- الشروط الموضوعية
– تتعدد الشروط الموضوعية الخاصة بالدعوى المباشرة، حيث يستلزم أن تتوافر فيها الشروط الخاصة بكافة الدعاوى بوجه عام، كما هو الحال في شرط الصفة والتي يجب أن تقوم في حق الدائن ويقرها له نص قانوني خاص باعتبارها الصفة التي تتيح له إقامة الدعوى المباشرة.
– وهناك أيضاً شرط المصلحة التي يلزم أن تكون ذات طبيعة قائمة وحالة لدى الدائن عند إقامته للدعوى المباشرة، فلا يجوز لها أن يقيمها متى كانت مصلحته في إقامتها تتسم بالطابع الاحتمالي أو كانت مستحيلة.
– وشرط أهلية التقاضي من الشروط الهامة التي يجب أن تتحقق لدى الدائن طبقاً لما ينص عليه القانون في هذا الشأن، فإن لم تتوافر لديه تلك الأهلية فيتم إقامة الدعوى المباشرة من قبل من ينوب عنه قانوناً كالقيم أو الوصي.
وتنطبق كافة الشروط الموضوعية على الدائن وأيضاً على مدين المدين، ويرجع ذلك إلى أن الأخير سيكون خصماً للدائن في الدعوى المباشرة، وبالتالي يلزم توافر تلك الشروط فيه.
– وهناك أيضاً شرط الإعذار، حيث ينبغي على الدائن قبل اللجوء إلى الدعوى المباشرة أن يعذر كلاً من مدينه ومدين مدينه بلزوم اللجوء إلى التنفيذ[5].
ثالثاً: حالات الدعوى المباشرة
أشرنا سلفاً إلى أن المشرع الأردني لم يضع نصاً قانونياً عاماً ينص فيه على الدعوى المباشرة وحق الدائن في اللجوء إليها، وهو ذاته المسلك الذي سلكه الغالبية العظمى من مشرعي الدول العربية الأخرى عدا المشرع اللبناني، ولكنه قرر أكثر من حالة بنص صريح يكون فيها للدائن سلوك طريق الدعوى المباشرة، ولم يقتصر في ذكرها على قانون واحد، بل جاءت متفرقة بحيث كانت إحداها واردة في قانون العمل، والأخرى في قانون التجارة، مع وجود بعض الحالات التي وإن كانت لم يتم النص فيها بشكل صريح على جواز اللجوء للدعوى المباشرة، إلا أنها أثارت جدلاً وانقساماً كبيراً بين فقهاء القانون في شأن دلالتها على اللجوء للدعوى المباشرة.
1- الحالات الواردة بنص صريح في القانون الأردني
أ- الحالة الواردة في قانون التجارة الأردني
تتمثل هذه الحالة فيما نصت عليه (المادة 73) من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 من أن (للمرسل إليه حق في إقامة الدعوى مباشرة على الناقل من أجل العقد الذي عقده الناقل مع المرسل، وبهذه الدعوى يتسنى له أن يطالبه بالتسليم أو بأداء بدل التعويض عند الاقتضاء لعدم إتمام العمل كله أو بعضه).
وبوضع وصف بسيط لهذه الحالة نجد أنها الحالة التي منح المشرع فيها – بنص صريح – المرسل إليه في عقود النقل أن يقيم دعوى مباشرة يختصم فيها الناقل لينفذ ما جاء بعقد النقل المبرم بين الناقل والمرسل، وفي حالة عدم إتمام الناقل للعقد أو تنفيذ جزء منه دون باقيه، فيكون للمرسل إليه أيضاً أن يرجع على الناقل بدعوى مباشرة يطالبه فيها بالتعويض عن ذلك، مع ملاحظة أنه لا توجد علاقة مباشرة بين المرسل إليه والناقل، حيث أن عقد المقل يكون مبرماً بين المرسل والناقل، فيكون الدائن هنا المرسل إليه، والمدين هو المرسل، ومدين المدين هو الناقل.
ويمكن أن يعزى نص المشرع على الدعوى المباشرة في هذه الحالة إلى مناسبتها وتوافقها مع طبيعة القانون التجاري، وما تتسم به إجراءاته من سرعة وسلاسة تتناسب مع طبيعة المعاملات التجارية، ويؤيدنا في ذلك مدة التقادم التي حددها المشرع للدعوى المباشرة التي يقيمها المرسل إليه على الناقل، حيث قرر مدة قصيرة تتناسب مع سرعة المعاملات والحفاظ على استقرارها سريعاً، حيث حددها بمدة سنة يسقط بمرورها حق المرسل إليه في إقامتها على الناقل، وذلك وفقاً لما جاء (بالمادة 76) من قانون التجارة والتي نصت على أنه (أن الحق في إقامة الدعوى على الناقل يسقط بالتقادم بعد سنة تبتدئ من يوم التسليم في حالة وجود العيب، ومن اليوم الذي كان يجب فيه التسليم في حالة هلاك الشيء أو التأخر عن تسليمه)، ولم تقتصر هذه المادة على إيراد مدة التقادم للدعوى المباشرة على الناقل فقط، ولكنها أوضحت كيف يتم احتساب تلك المدة، حيث تحتسب ابتداء من اليوم الذي تم فيه تسليم البضائع محل النقل من الناقل للمرسل إليه في حالات تعيب البضائع محل النقل، أو من التاريخ المحدد للتسليم متى هلكت البضائع محل النقل أو تأخر الناقل في تسليمها للمرسل إليه.
وهناك حالة قد تكون عملية النقل فيها قد تمت من قبل أكثر من ناقل، وفي تلك الحالة يكون الناقل الذي يتحمل المسؤولية قبل المرسل إليه هو الناقل الذي تسلم البضائع بداية من المرسل، أي أن الناقل المسؤول عن تعريض المرسل إليه هو الناقل الذي أبرم عقد النقل مع المرسل، سواء قام بتسليمها لناقلين آخرين، أو قام بعملية النقل بنفسه[6].
ب- الحالة الواردة في قانون العمل الأردني المعدل
في حقيقة الأمر فإن قانون العمل الأردني قد تضمن حالتين من حالات إقامة الدعوى المباشرة، وهاتين الحالتين قررهما نص (المادة 15/ هـ) الذي نظم حقوق العمال لدى المقاول والعمال لدى المقاول من الباطن، والذي تضمن أن (هـ – 1- لعمال المقاول الذين يشتغلون في تنفيذ مقاولة رفع دعوى مباشرة على صاحب المشروع للمطالبة بما يستحق لهم قبل المقاول وذلك في حدود ما يستحق للمقاول على صاحب المشروع وقت رفع الدعوى. 2- ولعمال المقاول الفرعي رفع دعوى مباشرة على كل من المقاول الأصلي وصاحب المشروع في حدود المستحق على صاحب المشروع للمقاول الأصلي والمستحق على المقاول الأصلي للمقاول الفرعي وقت رفع الدعوى. 3- للعمال المذكورين في الفقرتين السابقتين أن يستوفوا حقوقهم بالامتياز على المبالغ المستحقة للمقاول الأصلي أو المقاول الفرعي ويستوفون حقوقهم عند تزاحمهم بنسبة حق كل منهم).
ومن نص المادة المبينة أعلاه يتضح أن هناك نوعين من الدعوى المباشرة التي قررتها للعاملين، سواء للعاملين التابعين للمقاول الأصلي أو العاملين لدى المقاول من الباطن.
الحالة الخاصة بعمال المقاول الأصلي:
منح المشرع في (المادة 15/هـ/1) من قانون العمل الأردني المعدل حق إقامة الدعوى المباشرة للعمال التابعين للمقاول الأصلي، وذلك بإقامتها بشكل مباشر على صاحب العمل للمطالبة بمستحقاتهم لدى المقاول الأصلي، حيث إن الوضع الطبيعي هو أن يرجع العمال على المقاول الأصلي باعتباره هو المتعاقد معهم، وأنه لا يوجد علاقة مباشرة بينهم وبين صاحب العمل، إلا أن المشرع حفاظاً على حقوق هؤلاء العمال أجاز لهم وبنص صريح الرجوع بتلك الحقوق والمستحقات على صاحب العمل بشكل مباشر.
الحالة الخاصة بعمال المقاول الفرعي (المقاول من الباطن):
كما منح المشرع أيضاً في (المادة 15/هـ/29) من قانون العمل الأردني المعدل الحق في اختصام المقاول الأصلي وصاحب المشروع معاً بدعوى مباشرة للمطالبة بأجورهم، ويعتبر ذلك شكل من أشكال التضامن الذي قرره قانون العمل بين المقاول الأصلي وصاحب العمل للحفاظ على أجور العمال لدى المقاول من الباطن، وكفالة وضمان الحماية لتلك الأجور والمستحقات باعتبارها مورد الرزق الأساسي لهؤلاء العمال.
إلا أن المشرع قد قيد مطالبة العمال لدى المقاول من الباطن بأجورهم من صاحب العمل والمقاول الأصلي عن طريق الدعوى المباشرة بقيدين هامين، وهذين القيدين ينصبان على حدود المطالبة بالأجور التي تضمها وتضمنها الدعوى المباشرة، حيث أن القيد الأول يتمثل في أن تكون تلك الأجور التي يتم المطالبة بها في حدود ما هو مستحق للمقاول الأصلي في ذمة صاحب العمل وذلك بالنسبة للمطالبة الخاصة بصاحب العمل، والقيد الثاني يتمثل في أن تكون تلك الأجور التي يتم المطالبة بها في حدود ما هو مستحق للمقاول من الباطن في ذمة المقاول الأصلي وذلك بالنسبة للمطالبة الخاصة بالمقاول الأصلي، وحتى يتبين المقصود من ذلك فلنشاهد المثال التالي.
إذا افترضنا أن الأجور المستحقة للعمال لدى المقاول من الباطن هي 50000 دينار، بينما يستحق للمقاول من الباطن 20000 دينار في ذمة المقاول الأصلي، والمستحق للمقاول الأصلي في ذمة صاحب العمل 20000 دينار، فإن الدعوى المباشرة التي تقام من العمال لدى المقاول من الباطن على صاحب العمل والمقاول الأصلي يجب ألا تتعدى مبلغ 40000 دينار، وذلك لأنه لا يجوز أن تتم مطالبة صاحب العمل بما يجاوز ما هو ثابت في ذمته للمقاول الأصلي، وأيضاً لا يجوز أن تتم مطالبة المقاول الأصلي بما يجاوز ما هو ثابت في ذمته للمقاول من الباطن، ويعتبر كلاً من صاحب العمل والمقاول الأصلي في مقام مدين المدين الذي هو في الأصل المقاول من الباطن.
ج- الحالة الواردة في نظام التأمين الإلزامي للمركبات
بمطالعة نظام التأمين الإجباري الأردني للمركبات رقم 12 لسنة 2010 وتحديداً نص (المادة 13/ب) منه، سنجد أن القانون قد أباح حالة من حالات المطالبة المباشرة بين المتضرر وشركة التأمين، حيث نصت هذه المادة على أن (ب- مع مراعاة أحكام المادة (10) من هذا النظام، يحق للمتضرر مطالبة شركة التأمين مباشرة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به وفقا للتعليمات الصادرة بموجب أحكام هذا النظام ولا تسري بحقه الدفوع التي يجوز لشركة التأمين التمسك بها تجاه المؤمن له).
فهنا قرر القانون للمضرور من الحادث الذي تسببت فيه مركبة تخضع لنظام التأمين الإلزامي للمركبات الحق في الرجوع المباشر على شركة التأمين ليطالبها بالتعويض عما أصابه من ضرر، وذلك على الرغم من كونه ليس طرف في عقد التأمين ولا تربطه علاقة مباشرة بشركة التأمين، ويرجع تقرير هذه الحالة إلى كونها تتماشى مع طبيعة نظام التأمين والغرض من إيجاده وهو تغطية المسؤولية المدنية التي تنشأ للمؤمن له عند وقوع أي حادث، وأيضاً إسباغ الحماية للمضرور وضمان استيفائه للتعويض المقرر له، وهو ما لن يتحقق للمضرور في حالة الدعوى غير المباشرة لما يتعرض له من تزاحم مع غيره من الدائنين، بل وإنه وإمعاناً من القانون في حماية المضرور فقد حرره من أي دفع كان يمكن لشركة التأمين أن تتمسك به تجاه المؤمن، وجعلته في حل من تلك الدفوع.
وقد أرست محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية ذلك المبدأ فيما قررته بحكمها الصادر في التمييز رقم 1578 لسنة 1998 تمييز حقوق وذلك بجلسة 20/2/1999[7]، وهو ما يؤكد أن ما ورد بهذا النظام من أحقية المضرور في مطالبة شركة التأمين مباشرة هو تقرير لدعوى مباشرة.
2- الحالات التي لم ترد بنص صريح في القانون الأردني
هذه الحالات أثارت جدلاً بين الفقه القانوني، حيث إنها وعلى الرغم عدم ورود نص صريح وخاص بها في القانون، إلا أن توصيفها وتكييفها لا يمكن أن يكون سوى دعوى مباشرة، ونظراً لعدم وجود نص خاص بها ذهب جانب من الفقه إلى أنها لا تمثل دعوى مباشرة، ولكن لكون مضمونها وطبيعتها هي أقرب لتكون دعوى مباشرة فقد اعتد الجانب الآخر من الفقه بتوصيفها على أنها دعوى مباشرة.
وهذه الحالات متعددة إلا أننا انتقينا حالتين منها على سبيل المثال وليس الحصر باعتبارهما أبرز تلك الحالات، وهما حالتين يضمهما القانون المدني الأردني، حيث ينظمهما دون نص صريح بشأنهما يقرر الدعوى المباشرة.
أ- الحالة الخاصة بالإيجار من الباطن
قبل توضيح هذه الحالة يجب علينا بداية التعرض إلى الأساس القانوني لها في القانون المدني، فبمراجعة نص (المادة 705) و(المادة 706) من القانون المدني نجد أنهما قد نصا بالترتيب على الآتي (إذا أجر المستأجر المأجور بإذن المؤجر فإن المستأجر الجديد يحل محل المستأجر الأول في جميع الحقوق والالتزامات المترتبة بمقتضى العقد الأول)، و(إذا فسخ عقد الإيجار المبرم مع المستأجر الأول كان لمؤجره حق نقض العقد المبرم مع المستأجر الثاني واسترداد المأجور).
وشرحاً لمضمون هاتين المادتين يتبين لنا أنه في حالة تحقق قبول المؤجر وموافقته على التأجير من الباطن، فإن ذلك ينتج عنه أن المستأجر من الباطن يحل محل المستأجر الأصلي، خاصة وأن الإيجار من الباطن لا يعد قانونياً إلا بعد حصول موافقة من المؤجر عليه سواء في شكل إذن يسبق التأجير أو إجازة تلحقه[8]، وتبعاً لما قررته هاتين المادتين فقد اتجه جانب من فقهاء وشراح القانون إلى أن ما تضمنته المادتين يؤكد قيام حالة من حالات الدعوى المباشرة، والتي يلجأ إليها المؤجر في مواجهة المستأجر من الباطن باعتباره قد حل محل المستأجر الأصلي في الحقوق والالتزامات الثابتة له في مواجهة المؤجر، كما يمكن أن يلجأ إليها أيضاً المستأجر من الباطن مختصماً المؤجر للمطالبة بأي حقوق أو التزامات تثبت للمستأجر الأصلي في مواجهة المؤجر.
في حين خالف جانب آخر من الفقه هذا الاتجاه، حيث ارتأى هذا الجانب أن الدعوى المباشرة بداية يجب أن يكون هناك نصاً قانونياً بشأنها وهو ما لا يتوافر في تلك الحالة، ويكون تكييف علاقة المؤجر بالمستأجر من الباطن وقدرته على استرداد المأجور من يده لا يعد دعوى مباشرة، بل يعتبر إنفاذاً لمضمون (المادة 228) من القانون المدني التي نصت على أن (التابع تابع ولا يفرد بالحكم)، وأيضاً نص (المادة 229) من ذات القانون والتي تنص على أن (إذا سقط الأصل سقط الفرع)، وبالتالي تكون مخاصمة المؤجر للمستأجر من الباطن لا بدعوى مباشرة ولكن استناداً إلى أن المؤجر أصبح له حق الحلول محل المستأجر الأصلي في مطالبة المستأجر من الباطن بالتسليم للشيء المأجور.
ب- الحالة الخاصة بالغراس والمنشآت
هذه الحالة نصت عليها (المادة 1143) من القانون المدني الأردني فيما جاء بها من أنه (إذا أحدث شخص غراساً أو منشآت أخرى بمواد مملوكة لغيره على أرض أحد، فليس لمالك المواد أن يطلب استردادها وإنما له أن يرجع بالتعويض على المحدث، كما أن له أن يرجع على صاحب الأرض بما لا يزيد عما هو باق في ذمته للمحدث من قيمة تلك المحدثات).
ووفقاً لنص المادة المذكورة فإنه في حالة قيام شخص – وهو المحدث – بوضع غراس أو إقامة منشآت في أرض شخص آخر غيره – وهو مالك الأرض – مستخدماً في ذلك مواد مملوكة لشخص ثالث – وهو مالك المواد – فقد جعل القانون من حق مالك المواد أن يرجع على المحدث الذي قام باستخدام المواد في البناء، وأيضاً جعل له الحق في الرجوع على صاحب الأرض المقام فيها الغراس أو البناء لاقتضاء قيمة تلك المواد، إلا أن مطالبته لصاحب لا يجوز أن تتعدى قيمة ما هو متبقي في ذمته للشخص الذي أقام تلك المستحدثات.
وقد ذهب جانب من الفقه إلى أن ما قرره القانون في تلك المادة للمحدث ضد صاحب الأرض لا يعتبر بمثابة الدعوى المباشرة، بل هو في حقيقته رجوع على صاحب الأرض تأسيساً على نظرية الفعل النافع أو الإثراء بلا سبب، وذلك استناداً إلى أن صاحب الأرض قد استفاد من المواد المملوكة له دون وجه حق أو سبب قانوني[9].
بينما ذهب جانب آخر إلى اعتبار أن الأساس الذي يستند إليه مالك المواد في الرجوع على صاحب الأرض هو الدعوى المباشرة، حيث إنه لا توجد علاقة مباشرة بين مالك المواد وصاحب الأرض، وأن منحه الرجوع عليه مباشرة دون علاقة بينهما يعد نصاً قانونياً يبيح له الدعوى المباشرة.
رابعاً: آثار الدعوى المباشرة
متى أقيمت الدعوى المباشرة من الدائن ضد مدين مدينه، فإن هناك آثار تترتب على إقامتها في حق كل من الدائن والمدين الأصلي ومدين المدين.
1- الآثار الخاصة بالدائن
– يستأثر الدائن بالحق الذي يقيم عنه الدعوى المباشرة ضد مدين مدينه، فلا يرد إلى الضمان العام كما هو في الدعوى غير المباشرة، بل يكون الحكم في هذه الدعوى صادراً لمصلحة الدائن الخالصة التي لا ينازعه أو يزاحم فيها أحد.
– حظر القانون على مدين المدين التمسك في مواجهة الدائن بالدفوع التي كان له الحق في التمسك بها قبل دائنه (المدين).
– يكون للدائن الحق في اختيار الرجوع على المدين أو مدين المدين أو عليهما معاً ليتحصل على مستحقاته، وإذا كان الرجوع على أحدهما غير كافياً لحصول الدائن على حقه كاملاً، فله الحق أن يستكمل حقه بالرجوع على الآخر لاستكمال الجزء الباقي من حقه.
2- الآثار الخاصة بالمدين
تتمثل الآثار الخاصة بالمدين في أثر هام وجوهري وهو أن المدين يتم غل يده عن اقتضاء حقوقه لدى مدينه والتي يطالب الدائن بها مدين المدين بموجب الدعوى المباشرة، فلا يحق له المطالبة به أو حتى مجرد المطالبة بالمقاصة القانونية أو التصالح عليه، وذلك حماية لحق الدائن في المطالبة عن طريق الدعوى المباشرة.
3- الآثار الخاصة بمدين المدين
– يترتب على لجوء الدائن للدعوى المباشرة أن مدين المدين يمنع من التمسك في مواجهته بأي دفوع كان يمكنه التمسك بها في مواجهة دائنه (المدين الأصلي) ، فالدعوى المباشرة تحرر الدائن من أي دفوع يمكن لمدين مدينه أن يتمسك بها.
– تنحصر المطالبة التي يلتزم بها مدين المدين في مواجهة الدائن الأصلي بموجب الدعوى المباشرة في حدود القدر الذي يدين به مدين المدين لدائنه (المدين الأصلي) ، فإن كانت مستحقات الدائن تجاوز ما هو مستحق للمدين في ذمة مدينه، يكون للدائن الحق في مطالبة مدين المدين فقط بجزء من الدين يعادل ما هو ثابت في حقه للمدين، ثم يمكن للدائن بعد ذلك الرجوع على المدين الأصلي بباقي الدين.
خامساً: نماذج لأحكام قضائية صادرة في شأن الدعوى المباشرة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 60 لسنة 1982 حقوق بجلسة 27/3/1982، والذي جاء في مضمونه (ما ورد في المادة 367 من القانون المدني ما هو إلا إنابة قانونية ممنوحه للدائن في أن يستعمل حقوق مدينه في إثبات دينه وكل نفع يعود من استعمال هذه الحقوق يكون ضمانا لجميع الدائنين، أي أن الدين يبقى للمدين لأن الدائن وهو يقوم بتنفيذ هذه النيابة لا ينفذ على أموال مدينه لصالحه الشخصي وإنما أعطاه القانون هذه الرخصة لتبقى أموال المدين ضماناً للدائنين جميعا وليس للمدعي وحده).
2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 1578 لسنة 1998 حقوق بجلسة 20/2/1999، والذي جاء في مضمونه (كمبدأ قانوني فإن للمتضرر من جراء استعمال المركبات المؤمنة دعوى مباشرة تجاه شركة التأمين وله الحق في ضمان أضراره الثابتة بحدود سقف التأمين وذلك على أساس أنه ليس ملزما بما يتفق عليه أطراف عقد التأمين بهذا الشأن والذي يقتصر عليهم فقط وذلك باستثناء تحديد السقف الأعلى لقيمة التأمين).
سادساً: الخاتمة
تعد الدعوى المباشرة من أهم أدوات ووسائل اقتضاء الدائن لحقه، لكونها تجعله يستأثر بما ينتج عنها من حقوق، وتضمن له حقوقه متى امتنع المدين عن أدائها، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن تنظيمها في القانون يحتاج إلى بعض من إعادة الترتيب، وذلك من خلال وضع نص قانوني يتضمن بشكل صريح أحقية الدائن في الدعوى المباشرة في الحالات التي اختلف حولها الفقه القانوني، وذلك منعاً لتضارب الأحكام، وتوحيد الأسس القانونية التي تيسر عمل القاضي متى تعرض لإحدى هذه الحالات المختلف عليها، وتحديد ما إذا كانت حالات تصلح فيها الدعوى المباشرة أم لا.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – ياسين الجبوري – الدعوى المباشرة في القانون المدني الأردني – مجلة الشريعة والقانون – س (26) – ع (52) – جامعة الإمارات – 2012 – ص274.
[2] – يراجع القسم خامساً من هذا المقال – البند رقم (1).
[3] – مصطفى العوجي – القانون المدني: الموجبات المنية – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2006 – ص221.
[4] – محمود الكيلاني – شرح أصول المحاكمات المدنية – الطبعة الأولى – دار وائل – الأردن – 2002 – ص 117.
[5] – عوض الزعبي – أصول المحاكمات المدنية: التقاضي والأحكام وطرق الطعن – الطبعة الأولى – دار وائل – الأردن – 2003 – ص436.
[6] – محمد حسين إسماعيل – القانون التجاري الأردني – دار عمار – الأردن – 1985 – ص 310.
[7] – يراجع القسم خامساً من هذا المقال – البند رقم (2).
[8] – علي العبيدي – العقود المسماة: البيع والإيجار – الطبعة الرابعة – دار الثقافة – الأردن – 2010 – ص346.
[9] – عبد الرحمن الحلالشة – الوجيز في شرح القانون المدني الأردني: آثار الحق الشخصي – الطبعة الأولى – دار وائل – الأردن – 2006 – ص 156.

