العدالة الانتقالية

العدالة الانتقالية

تمر الدول بمراحل مختلفة في نشأتها فقد تكون في بداية نشأتها تقوم على الدكتاتورية والاستبداد وتنتقل عبر الأزمان وترتقي حتى تصل إلى أعلى درجات تحقيق العدالة وتداول السلطة حتى الوصول للنظم الحديثة.

 ولكن هذه المراحل تخلف آثارا من انتهاكات حقوق الإنسان وارتكاب مظالم وتهميش لفئات معينة، ولكي تتم معالجة هذه المخلفات والمظالم، فكان البحث حثيثا لوجود مخرج فكان ذلك فيما يسمى بمبدأ تحقيق العدالة الانتقالية، فما هي العدالة الانتقالية وما هي آليات تحقيقها والأهداف التي تسعى إليها، هذا ما سنبينه في هذا المقال.

أولا: مفهوم العدالة الانتقالية:

ثانيا: عوامل ومرتكزات القيام بالعدالة الانتقالية:

ثالثا: أهداف العدالة الانتقالية:

رابعا: معوقات العدالة الانتقالية:

خامسا: تطبيقات عملية لتحقيق العدالة الانتقالية “مصر وليبيا نموذج”:

أولا: مفهوم العدالة الانتقالية:

ونعني بمفهوم العدالة الانتقالية تعريفها، وتاريخ نشأة هذا المصطلح.

1- تعريف العدالة الانتقالية:

تباينت الآراء حول تعريف العدالة الانتقالية، ولكن يمكن تعريفها بأنها: “مجموعة من الآليات المستخدمة لتحقيق الإنصاف فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان”.

هذه الآليات مهمة جدا من أجل الوصول إلى تحقيق العدالة المنشودة في المجتمعات التي فقدتها وخاصة بالنسبة للفئات الضعيفة[1]  والمهمشة نتيجة البطش والانتهاكات الموجودة من قبل الحكومات المتغطرسة والدكتاتورية.

2- تاريخ مصطلح العدالة الانتقالية:

لقد مر مصطلح العدالة الانتقالية بمراحل ثلاث وهي :

أ- المرحلة الأولى:

كانت هذه المرحلة بعد الحرب العالمية الثانية وكانت أهم مرتكزات تلك المرحلة الاهتمام بالمحاكمات العادلة لمنتهكي حقوق الإنسان فيا يتعلق بشأن الإبادة الجماعية.

ب- المرحلة الثانية:

تعتبر بداية هذه المرحلة فترة الحرب الباردة ومرحلة سقوط الاتحاد السوفيتي، تم تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، ولكن تقدم مفهومها من مجرد معاقبة منتهكي هذه الحقوق إلى مرحلة إيجاد حوار وطني وتشكيل لجان تقصي الحقائق.

ج- المرحلة الثالثة:

تُعتبر هذه المرحلة الثالثة لتطور هذا المصطلح مع بداية استقرار الأنظمة الديمقراطية وترسيخ مفهوم حقوق الإنسان.

حيث بدأت في تلك الآونة الاهتمام بحقوق الإنسان ومحاكمة كل من ينتهك تلك الحقوق، كما حدث في محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في القرن الماضي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، ثم دخول اتفاقية روما حيز التنفيذ عام 2004 عن محاكمات لما يحدث من انتهاك لحقوق الإنسان

ثانيا: عوامل ومرتكزات القيام بالعدالة الانتقالية:

تتعدد العوامل والمرتكزات التي تقوم عليها العدالة الانتقالية وفيما يلي بيان هذه العوامل والمرتكزات:

1- تعديل الدستور بما يتوافق مع تحقيق العدالة:

من مرتكزات تحقيق العدالة تعديل الدستور الذي تقوم عليه البلاد بما يتوافق مع تحقيق مفهوم العدالة وإعطاء حق الفئات المهمشة وإعلاء شأن العدالة الاجتماعية وعم التمييز بين فئات المجتمع وإزالة كل مظاهر الاستبداد والنص على آليات انتقال السلطة والتعدد السياسي وإعلاء قدر الحريات بما لا يتعارض مع قيم وأسس المجتمعات، لذلك في كثير من ثورات الربيع العربي كان من أهم ما اتفق عليه تعديل أو تغيير الدستور بما يتناسب مع الحالة الجديدة للربيع العربي.

2- الملاحقة القضائية والمحاكمات:

إذا أريد للعدالة الانتقالية أن تؤتي ثمارها لابد من محاكمة كل رموز الفساد ومن قام بالاعتداء على حقوق الإنسان، لأن المظلوم لا يشعر بالعدل طالما يرى من ظلمه يعيش حرا طليقا دون حساب وعقاب، فما بالكم إن كان الظلم والاعتداء يقع على جيل كامل أو على فئات كثيرة ردحاَ من الزمان.

3- التعويض وجبر الضرر لكل من أضير من جراء هذه الجرائم والانتهاكات:

تسعى هذه الآلية لتعويض ما أصاب الفئات الضعيفة والمهمشة من جراء مخالفات لحقوق الإنسان، وتتعد أنواع التعويضات وجبر الضرر سواء تم ذلك في صورة مادية بحتة أو في صورة منح تعليمية أو منح وظائف لمن حرم منها أو توزيع أراضي، فهذا النوع متعدد في مناحيه المختلفة.

 وإذا تمت هذه الآلية بصورة سريعة وفعالة فهي من أقوى الآليات لتحقيق العدالة الانتقالية وتقبل الأنظمة الجديدة، واستعادة الثقة في الدولة مرة أخرى والتجاوب معها، بل وغض الطرف عن بعض التقصير في بعض الآليات الأخرى.

4- إصلاح المؤسسات الرسمية:

يُعتبر من أهم آليات تحقيق العدالة الانتقالية النظر في المؤسسات الرسمية ووضع آلية لإصلاح ما بها من خلل إداري وخلل مادي، والنظر في المعايير الدولية المعتبرة في قياس أداء وتقدم هذه المؤسسات الرسمية، ووضع قواعد العمل داخلها تكون وضاحة ومحددة، وإعادة النظر في قوانينها وقواعد التعامل فيها، وبناء الاستقلالية وضمان المسألة القانونية.

5- إنشاء لجان التحقيق:

لابد من أجل تحقيق العدالة الانتقالية من إنشاء لجان تقصي الحقائق للنظر في المخالفات والانتهاكات التي نالت من حقوق الإنسان في كل مناحيه المختلفة، وتشكيل هذه اللجان من رجال لا خلاف عليهم ويكونوا محل ثقة من الجميع، مع الوضع في الاعتبار وضع مدة محددة لهذه اللجان والكشف عما وصلت إليه وإظهار ذلك بحسب المصلحة، لأن التأخير في عملها وتمطيط وقتها يعني عدم الثقة في عملها والنيل من تحقيق العدالة وعدم الثقة في الدولة، فالبطء في تحقيق العدل ظلم بين.

6- تعزيز المصالحة والمسامحة على جميع المستويات:

العمل على القيام بتعزيز وترسيخ ونشر قيمة المسامحة والمصالحة على المستوى الفردي والمستولى المجتمعي، وعمل البرامج الإعلامية لوضع آليات المصالحة والمسامحة، واستيعاب الأفراد والفئات الضعيفة وسماعها والنظر في أقوالها وإيجاد آليات لتحقيق المصالحة الممكنة، والاستفادة من الشخصيات الوطنية التي تحظى بالقبول لتبنى هذه الآلية والقيام بها، ووضع قوانين العفو والمسامحة والمصالحة التي تحقق المصلحة الوطنية وترسيخ العدالة المرضية.

7- فحص السوابق المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالموظفين وإبعادهم عن مناصبهم:

حيث يجب أن يتم فحص وضع الموظفين والنظر في انتهاكاتهم السابقة والتحقيق فيها، وعزل من ثبت منهم الوقوع في هذه الانتهاكات أو إبعادهم عن المناصب القيادية المهمة، وتقديم من يستحق منهم للمحاكمة، وهذا يُعد من أهم آليات تحقيق العدالة الانتقالية.

مع ضرورة وضع معايير جديدة لاختيار الموظفين وترقيتهم بما يظهر الاهتمام بجانب عدم التعدي على حقوق الإنسان، وإفراد ندوات ومؤتمرات وإرشادات وتعليمات وآليات لمواجهة أي تعدي من موظف وكيفية مواجهته، ووضع مبدأ عدم التمييز بين الموظفين، ووضع شروط عامة موضوعية للتعيين والترقي دون شروط تجعل السلطة التنفيذية متحكمة في الاختيار، بل يكون ذلك وفقا لآلية معروفة ومحددة.

ثالثا: أهداف العدالة الانتقالية:

تسعى العدالة الانتقالية لتحقيق أهداف محددة وواضحة من هذه الأهداف:

1-عودة الاعتبار لكرامة الإنسان وتأكيد المواطنة والحفاظ عليها من الانتهاكات والتعدي:

فتسعى العدالة الانتقالية لإعلاء شأن الإنسان والحفاظ على كرامته التي أهينت عبر الأنظمة المستبدة الظالمة، والمحافظة على قيمة المواطن ضد أي تعدي أو انتهاك لحقه أو النيل من شأنه[2].

2- احترام سيادة القانون:

تسعى العدالة الانتقالية إلى إعلاء شأن احترام القانون والالتزام به من قبل الجميع وعدم التفرقة بين فئات المجتمع وأن الكل سواء أمام تلك القوانين حتى تتحقق العدالة المرجوة المطلوبة.

3- الاهتمام بقضية التصالح:

من أجل تحقيق أهداف العدالة الانتقالية يتعين أن يتم الانتقال بالمجتمع من مرحلة الشقاق والسعي إلى الانتقام إلى تغليب المصالحة والمسامحة وإعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

4- وجود مؤسسات قابلة للمحاسبة والمسألة:

تسعى العدالة الانتقالية أيضا إلى بناء مؤسسات تكون قابلة للمحاسبة والمسائلة حتى يتسنى بناء الثقة في هذه المؤسسات وضمان عدم الإفلات من العقاب، واستدراك ما تم من المراحل التي حدث فيها انتهاكات لحقوق الإنسان.

5- إشراك الفئات المهمشة في عملية العدالة الانتقالية:

لطالما تم منع وتهميش الفئات الضعيفة من المشاركة في الوظائف وبناء الدولة ووضع السياسيات والمشاركة السياسية والاجتماعية وفقا للأنظمة المستبدة والظالمة، فيكون من أهم الأهداف التي تسعى إليها العدالة الانتقالية مشاركة هذه الفئات التي استمر عليها الظلم ردحا من الزمان في البناء والتغيير والمساهمة.

رابعا: معوقات العدالة الانتقالية:

تواجه العدالة الانتقالية عدة معوقات تحول دون تحقيقها إلى النتائج المطلوبة أو تأخير هذه النتائج منها:

1- ضعف الإرادة السياسية:

لكي تحقق العدالة الاجتماعية أهدافها لابد من إرادة سياسية جادة وعازمة على تحقيق هذه العدالة وإلا سيحدث قتل لهذه العدالة بالتباطؤ ووضع العراقيل والمعوقات.

2- عدم وجود قوة داعمة لتحقيق العدالة الانتقالية:

لابد من وجود قوة مدنية وشعبية تسعى وتقف بكل ما تملك لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية، وحماية هذه العدالة من أي معترض ومن أي ساعي لعرقلتها، مع وقوف الجهات السيادية الداعمة لهذه العدالة الانتقالية.

3- عدم وجود نظام قضائي نزيه:

لكي يتم محاكمة رموز الفساد لابد من وجود نظام قضائي جاد ونزيه في محاكمة الفاسدين والطغاة، وعدم غض الطرف عن جرائمهم، ومحاباة هؤلاء في محاكمات هزلية بطيئة حتى ييأس المواطن من تحقيق العدالة الانتقالية.

فعدم وجود قضاء نزيه يتولى محاكمة رموز الفساد واقتلاعهم يؤدي إلى وأد العدالة الانتقالية ومنعها من تحقيق أهدافها المنشودة.

4- محاباة المجتمع الدولي لدولة الفساد والظلم:

من أهم المعوقات أمام العدالة الانتقالية وقوف المجتمع الدولي مع رموز الفساد والظلم نظرا لتحقيق مصالح معينة وأهداف وأعراض محددة، فلا يقوم المجتمع الدولي والقوة الدولية بدورها من الوقوف ضد اتهامات حقوق الإنسان.

خامسا: تطبيقات عملية لتحقيق العدالة الانتقالية “مصر وليبيا نموذج”:

1- ما حدث في مصر عقب ثورة 25 يناير:

بعد قيام ثورة 25 يناير علت الأصوات المطالبة بمحاسبة رموز النظام السابق، وتطهير هذه المؤسسات من رجال هذا النظام وتحقيق العدالة الانتقالية.

والمناداة بتعويض الثوار، ومحاكمة من قام بقتلهم، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطهيرها، وإصلاح الأجهزة الأمنية والسيادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وفعلا حدث تقديم رموز النظام القديم للمحاكمة وكان على رأسهم رئيس الدولة الأسبق “محمد حسني مبارك”، وبعض رموز النظام من وزراء وغيرهم.

وتم السعي لإصلاح بعض الأجهزة وتغيير مسمياتها، وعمل معاش للثوار وتعيين بعض أقاربهم، وتغيير لغة الإعلام، والسعي في عمل لجان المصالحة المجتمعية، وتشكيل لجان تقصي الحقائق، والمطالبة بالإصلاح القضائي والإعلامي، ومشاركة الفئات المهمشة من الفلاحين والعمال.

وقد عقد مؤتمر عام 2012 لتحقيق العدالة الانتقالية في القاهرة بوجود دول عربية، والاتفاق على آليات العدالة الانتقالية وكيفية تحقيقها في هذه البلدان، والاهتمام بملف التعويض والمصالحة والمحاسبة.

ولكن رغم كل ما حدث فكانت هناك معوقات تقف أمام العدالة الانتقالية متمثلة في بطْئ الإجراءات القضائية، وضياع كثير من أدلة التحقيقات التي تثبت الإدانة لبعض الرموز، وغياب بعض الحقائق واندثارها، وتعارض المصالح، فضلاً عن اختلاف وتباين أصحاب الحق في التغيير والإصلاح.

2-ما حدث في دولة ليبيا:

مرت بدولة ليبيا ثورة على نظام “القذافي” ، ثم تبع ذلك مقتل “القذافي”، وعلت الأصوات التي تطالب بحاكمة وعزل كل رموز القذافي وتطبيق العدالة الانتقالية وإعادة توزيع الثروات وتوزيع المناصب القيادية والمشاركة في الحكم وتغيير النظام وتشكيل الحكومة وبناء برلمان يعبر عن الثورة.

ولكن هناك مشاكل واجهت هذا الانتقال من تشعب رموز النظام مع وجود قبائل مؤيدة له مما يؤدي للاقتتال الداخلي، وكذلك عدم التوافق الوطني والصراع الداخلي.

وأخيرا لا يخفى مدى أهمية العدالة الانتقالية في تحقيق الاستقرار في البلاد ودعم الثقة في الحكومات الجديدة، وإعلاء شأن حقوق الإنسان وتصحيح الأوضاع وجعلها في مسارها الصحيح، وهذه العدالة تركز على معايير متنوعة أساسها إعلاء شأن حقوق الإنسان وكرامته.

إعداد/ الباحث رشاد حمدي.

[1] – أستريد جاما، وكرستين بيل جامعة إدنبره، العدالة الانتقالية ومفاوضات السلام من منظور النوع الاجتماعي، هيئة الأمم المتحدة ، عام 2018، ص 1.

[2] – هند مالك، العدالة الانتقالية دراسة في المفهوم والآليات، مجلة العلوم السياسية، 2020م، العدد 59، ص 123.

Scroll to Top