الخصومة القضائية

الخصومة القضائية

من أهم ما قررته مختلف الدساتير من حقوق لأفراد مجتمعاتها دونما استثناء هو حق كل منهم في اللجوء إلى القضاء لممارسة إجراءات التقاضي المشروعة التي قررها لهم الدستور والقانون، ومباشرة دعواه أمام القضاء ليفصل فيها بحكم فاصل وناجز.

وتعتبر الخصومة القضائية بمثابة المنتج الذي ينتج عن الدعوى القضائية، فلا تقوم الخصومة القضائية إلا استناداً إلى إقامة دعوى قضائية، ويكون ذلك رهناً بأن تكون الدعوى القضائية قد استوفت كافة شرائطها القانونية التي تجعلها صحيحة منتجة لكافة آثارها القانونية، والتي من أهمها الخصومة القضائية.

أولاً: نظرة عامة على الخصومة القضائية

ثانياً: من هم أطراف الخصومة القضائية؟

ثالثاً: شروط الخصومة القضائية

رابعاً: ماهية وقف الخصومة القضائية وحالاته

خامساً: سقوط الخصومة القضائية

سادساً: نماذج لأحكام قضائية معنية بالخصومة القضائية

سابعاً: الخاتمة

أولاً: نظرة عامة على الخصومة القضائية

1- تعريفها

على الرغم من اتفاق الفقه القانوني على مضمون الخصومة القضائية وجوهرها إلا أنهم اختلفوا في تعريفها، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى الاختلاف في وجهة النظر التي تأثر بها كل جانب منهم عند وضعه للتعريف الخاص به، فهناك من كان متأثراً بمعنى الخصومة في أصول اللغة والتي يقصد بها النزاع، وعرفها بأنها الخطوات والإجراءات التي يتم من خلالها طرح النزاع وعرضه على المحكمة المختصة بنظره ونتيجته التي تحدد مركز قانوني معين لكل من طرفي النزاع.

بينما تأثر جانب آخر بوجهة نظر أخرى فحواها أن الخصومة القضائية هي نتاج إقامة الدعوى القضائية، وبناء على وجهة النظر تلك قام هذا الجانب بتعريفها على أنها وضع قانوني ينتج عن البدء في إجراءات إقامة الدعوى القضائية وما يترتب عليها من علاقات قانونية تنشأ بين الخصوم.

وعرفت أيضاً من قبل جانب ثالث من الفقه بأنها مركز قانوني يتسم بطبيعة إجرائية، ويتحقق بين أطراف الدعوى منذ وصول التكليف بالحضور للخصم (المدعى عليه)، ويظل قائماً إلى أن يصدر في الدعوى حكماً فاصلاً فيها، ويترتب على ذلك المركز القانوني حقوق والتزامات تثقل كاهل أطراف النزاع والقاضي المعروض عليه النزاع[1].

واتجه البعض إلى وصفها بأنها إجراء مركب يبدأ بسلوك المدعي طريق المطالبة بحقه قضائياً، ويستمر هذا الإجراء طوال فترة تداول المحكمة لتلك المطالبة، وينتهي نهاية طبيعية بإصدار المحكمة لحكمها الذي تنهي به هذه المطالبة، ويخضع هذا الإجراء لنظام محدد قرره المشرع في القانون، بحيث لا تترك الخصومة لأهواء الخصوم ولا لتقدير المحكمة.

وفي واقع الأمر فإننا نرى أن الخصومة القضائية على الرغم من اختلاف الفقه القانوني حول تعريفها، إلا أنها لا تخرج عن كونها وسيلة يتم من خلالها تنفيذ القانون عن طريق القضاء، وتعتبر بمثابة جملة من الإجراءات التي تتم وتتخذ منذ اللحظة التي أقيمت فيها الدعوى، مروراً بتداولها أمام المحكمة المختصة، وتنتهي بصدور الحكم الفاصل في الدعوى، كما أنها قد تمتد بعد صدور الحكم في الحالة التي يقوم فيها أحد الخصوم بالطعن على هذا الحكم.

2- هل الخصومة القضائية هي نفسها الدعوى القضائية؟

يخلط الكثير منا بين مصطلحي (الخصومة القضائية) و(الدعوى القضائية)، حيث يظن البعض أن كلاهما يعبران عن نفس الأمر، إلا أن ذلك هو أمر غير صحيح، فشتان الفارق بين المضمون والمعنى الحقيقي لكل مصطلح منهما.

فالدعوى القضائية تعتبر الوسيلة أو الأداة التي قررها المشرع لصاحب الحق المعتدى عليه، وذلك لإسباغ الحماية القضائية على هذا الحق الذي تدور حوله المنازعة محل الدعوى، في حين نجد أن مفهوم الخصومة القضائية ينصب على ما يتم اتخاذه من إجراءات في سبيل إقامة الدعوى القضائية، وما يتم اتخاذه من إجراءات ودفاع ودفوع يتم إثارتها أمام المحكمة خلال تداول الدعوى أمام المحكمة، وتنتهي بصدور حكم فاصل في الدعوى ومنهي لموضوعها.

وبالتالي يتبين لنا أن الدعوى القضائية هي لب الخصومة القضائية، فالخصومة القضائية تمثل الإناء الذي يضم بين جنباته الدعوى القضائية، ويعبر بها مرحلة التداول أمام القضاء وصولاً بها إلى نقطة صدور الحكم فيها، وهو ما يقطع باختلاف مفهوم الخصومة القضائية بشكل كلي عن مفهوم الدعوى القضائية، ولكل منهما ضوابطه وشروطه التي تنظمه، وخصائصه التي تميزه.

ثانياً: من هم أطراف الخصومة القضائية؟

1- الأطراف في الخصومة القضائية

أطراف أي خصومة قضائية يطلق عليهم الخصوم، والخصوم هم الأطراف المتنازعين حول الحق موضوع الدعوى القضائية، والذين يقومون بمباشرة الإجراءات القانونية المختلفة فيها أمام المحكمة، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر تقديم الطلبات وأوجه الدفاع والمرافعات الشفوية والمكتوبة، وغيرها من الإجراءات الأخرى التي يتم اتخاذها أثناء تداول الدعوى القضائية أمام المحكمة.

وقد عرف الفقه القانوني الخصم بأنه الطرف الذي يتقدم باسمه إلى القضاء بطلب، كما أنه وصف يصدق أيضاً على الطرف الذي يتم تقديم هذا الطلب ضده أو في مواجهته[2]، وأيضاً على من يكون طرفاً أصلياً في الخصومة (المدعي والمدعى عليه)، أو من يكون طرفاً متدخلاً سواء كان تدخله هجومي أو انضمامي، أو من يتم إدخاله في الخصومة سواء لإلزامه بشيء أو لمجرد أن يصدر الحكم في مواجهته.

وهو ما نستوضح منه أنه متى لم يكن للخصم طلب شخصي في الخصومة، ولم يكن هناك طلباً موجهاً إليه لإلزامه به، ولم يكن هناك ما يطلب الحكم به في مواجهته، فإنه لا يصدق عليه وصف الخصم في الخصومة القضائية، حتى وإن كان ممثلاً في تلك الخصومة، فالعبرة في ثبوت وصف الخصم على أي شخص في خصومة قضائية هو أن يكون هناك طلباً موجهاً منه أو إليه، أو أن يكون مطلوباً أن يصدر حكم ما في مواجهته ليكون حجة عليه.

2- الأهمية المترتبة على تحديد المركز القانوني للخصوم

تكمن أهمية تحديد الخصوم في الخصومة القضائية وبيان المركز القانوني لكل خصم منها في تحديد النتائج القانونية التي تترتب على هذا المركز، ومن أهم أوجه ذلك ما يلي:

– يتم تحديد التزامات وحقوق كل خصم استناداً إلى مركزه القانوني في الخصومة، والتي منها على سبيل المثال ترتيب الحق في الدفاع والرد، خاصة في ظل المبدأ القانوني المستقر والذي قرره قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني في (المادة 76/1) من أن (………. ويكون المدعى عليه آخر من يتكلم إلا إذا أمرت المحكمة بخلاف ذلك).

– وفقاً لتحديد المراكز القانونية يمكن الوقوف على الخصم الذي يجب عليه تسيير الدعوى والمضي في إجراءاتها، ومن يقع عليه عبء الإثبات ومن يتحمل عبء النفي.

– يتم الوقوف على الخصم الذي يتحمل بالرسوم والمصاريف القضائية.

– تحدد صفة الخصم في الدعوى نطاق الخاضعين لمبدأ حجية الأمر المقضي، حيث أن الحكم الصادر في موضوع الخصومة يلزم أطرافها بهذا الحكم وما له من حجية، ويمنعهم من اللجوء إلى ذات الخصومة مرة أخرى[3].

– يجب أن تنعقد الخصومة بين خصمين أو أكثر، فإذا ما تحددت الخصومة بأنها لا تضم سوى خصم وحيد نكون أمام عمل ولائي وليس خصومة قضائية.

3- ماهية التوكيل بالخصومة القضائية

نصت (المادة 65) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أن (التوكيل بالخصومة يخول الوكيل سلطة القيام بالأعمال والإجراءات اللازمة لرفع الدعوى ومتابعتها أو الدفاع فيها، واتخاذ الإجراءات التحفظية إلى أن يصدر الحكم في موضوعها في درجة التقاضي التي وكل فيها وتبلغ هذا الحكم).

ومن خلال نص المادة المذكورة يتبين لنا أن التوكيل بالخصومة ما هو إلا قيام خصم من الخصوم بتفويض غيره ليباشر الخصومة القضائية نيابة عنه، سواء كان هذا الخصم مدعياً أو مدعى عليه أو أياً ممن يمكن أن يكون طرفاً من أطراف الخصومة القضائية.

ويشترط لصحة هذا التوكيل بالخصومة بعض الشروط والتي تتمثل في:

– أن تكون صادرة ممن يملك الصفة في إصدارها، وذلك بأن يكون من أصدرها طرفاً في الخصومة القضائية التي ينصب عليها التوكيل.

– أن تكون الوكالة بالخصومة صادر في أمر معلوم يقبل أن تتم فيه النيابة والتفويض.

وتتجلى أبلغ صور التوكيل بالخصومة في توكيل الخصم لمحام، حيث يتصرف المحام في الخصومة باعتباره وكيلاً عن الخصم الذي يمثله، وتنصرف آثار الخصومة للخصم مباشرة وليس للوكيل (المحام)، وتلزم تلك الوكالة الوكيل بأن يبذل قصارى جهده في تحقيق مصلحة موكله في تلك الخصومة.

ثالثاً: شروط الخصومة القضائية

1- المصلحة في الخصومة

نص قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني المعدل في (المادة 3/1) منه على أنه (لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون).

ومصلحة الخصم يقصد بها ما يعود عليه من نفع وفائدة كنتيجة لانعقاد الخصومة القضائية والحكم الصادر فيها، سواء كان الحكم الفاصل في الخصومة قد قضى له بجميع ما طلبه أو بعضاً منه، والحكمة من تقرير ذلك الشرط هو تجنيب جهات التقاضي ما يمكن أن تواجهه من تكدس للخصومات التي لا طائل من ورائها خاصة الكيدية منها، بخلاف أن المحاكم ليست ذات وظيفة استشارية بحيث يتم اللجوء لها ممن ليس لهم مصلحة في الخصومة للحصول على استشارة ما، حيث أن اللجوء إليها مرهون باقترانه بمصلحة يحققها لهذا الخصم، مما تعد معه المصلحة هي المناط في الدلالة على جدية الخصومة، والضمان لعدم انحرافها عن الهدف الذي حدده القانون لها.

وحتى يمكننا القول بوجود مصلحة تبرر لجوء الخصم للقضاء لعقد الخصومة، فإن هناك بعض الشروط التي يجب أن تتوافر في تلك المصلحة، وتتمثل أهم هذه الشروط في:

– أن ترتكن تلك المصلحة إلى حق أو مركز قانوني معين، أو تستهدف إسباغ الحماية عليه، والأمر سيان سواء كانت تلك المصلحة القانونية هي مصلحة مادية أو أدبية.

– أن تكون تلك المصلحة قائمة عند اللجوء إلى القضاء لعقد الخصومة القضائية، وأن تظل مستمرة خلال مباشرة الخصوم لها أمام المحكمة وحتى صدور حكم فاصل فيها، ولا ينال ذلك من اعتبار المصلحة المحتملة هي مصلحة يمكن عقد لواء الخصومة استناداً إليها، إلا أنه ولكي يمكن اعتبار المصلحة المحتملة مبرراً لعقد الخصومة أن تكون متمثلة في دفع خطر محدق، أو لتوثيق دليل ما يمكن أن يزول مستقبلاً، وذلك طبقاً لما قررته (المادة 3/ب) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني من أنه (تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه)، وهو أيضاً ما أيدته محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في حكمها رقم 2915 لسنة 2005حقوق والصادر بجلسة 25/1/2006[4].

2- الصفة في الخصومة

يشترط في الخصومة القضائية بجانب شرط المصلحة شرط آخر وهو شرط الصفة، حيث يلزم أن تقام الخصومة وتباشر من قبل من يتمتع بالصفة في إقامتها، أي أن يكون من يقيمها ويباشرها هو صاحب الحق أو المركز القانوني الذي تعقد بشأنه الخصومة، بغض النظر عن كونه شخصاً من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية، بحيث لا تقبل الخصومة متى عقدها وباشرها من ليس له صفة فيها.

فالصفة هي الأحقية التي تثبت لدى الشخص في أن يطالب بحق أو مركز قانوني ما أمام القضاء، وتقوم الصفة على توافر المصلحة المباشرة والشخصية لدى عاقد الخصومة في عقدها، فلا يشترط أن يكون الخصم قد انضم للخصومة منذ بدايتها، حيث يمكن إدخاله فيها واختصامه خلال مرحلة تداول الخصومة وسيرها أمام المحكمة أو أن يتدخل فيها هذا الخصم بإرادته الشخصية، ويصح ذلك طالما له مصلحة مباشرة وشخصية في موضوع تلك الخصومة.

رابعاً: ماهية وقف الخصومة القضائية وحالاته

1- ماهية وقف الخصومة القضائية

أثناء سير الخصومة قد يحدث وأن يتم وقف السير فيها لفترة محددة لتعاود الاستمرار بعد انتهائها، وبعد اتخاذ بعض الإجراءات القانونية التي نص عليها المشرع، وهذه الحالة تسمى بوقف الخصومة.

فوقف الخصومة القضائية هو التعليق المؤقت لإجراءات الخصومة وتعطيل السير فيها أمام القضاء، وذلك في حال ظهور أي سبب من الأسباب التي تبرر هذا الوقف، ويزول هذا الوقف بزوال سببه ويتم الاستمرار في سير الخصومة من النقطة التي توقفت عندها.

وجدير بالذكر أن الأسباب التي تقررت كأسباب يتم وقف الخصومة القضائية حال تحققها هي أسباب لا تمس المراكز الشخصية الخاصة بالخصوم أو من يمثلونهم أمام القضاء[5].

2- حالات وقف الخصومة القضائية

تتنوع الحالات التي يتم وقف السير في الخصومة القضائية ابتناء عليها تبعاً لمصدر هذا السبب، فقد يكون مصدر الوقف هو الاتفاق على ذلك بين الخصوم، أو يكون مصدره قراراً يصدره القاضي المعروض عليه الخصومة، أو أن يستمد الوقف مصدره من القانون.

أ- الوقف الاتفاقي

قرر المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 24 لسنة 1988 المعدل وتحديداً في (المادة 123/1) منه حالة من حالات وقف الخصومة، حيث نصت تلك المادة على أنه (يجوز وقف الدعوى بناء على اتفاق الخصوم على عدم السير فيها مدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ إقرار المحكمة لاتفاقهم، ولا يجوز لأي من الخصوم أن يطلب خلال تلك المدة إعادة قيد الدعوى إلا بموافقة خصمه).

ومن مجمل نص هذه المادة يمكننا أن نتبين ماهية حالة الوقف الاتفاقي، حيث تتجسد تلك الحالة في ظهور سبب من الأسباب أو ظرف من الظروف التي قد تجعل من استمرار أحد الخصوم أو جميعهم في مواصلة الخصومة أمراً عسيراً، وهو ما قد يحدو بالخصوم إلى الاتفاق على وقف الخصومة في الوقت الحالي، وذلك لحين زوال تلك الأسباب أو الظروف المانعة من مواصلة السير في الخصومة، بحيث يمكنهم عندئذ مباشرة الخصومة مرة أخرى وإنهاء حالة الوقف المتفق عليها.

وقد قرر القانون تلك الحالة وأجاز الاتفاق بين الخصوم على وقف السير في الخصومة لتحقيق غاية هامة، وتتمثل تلك الغاية في منع قيام الخصومة واستمرار تأجيلها بشكل متكرر من الخصوم، والذي قد يقابل من المحكمة بالرفض في بعض الأحيان، مما جعل المشرع يقرر للخصوم في مثل تلك الخصومة الحق في الاتفاق على وقفها، شريطة تحقق بعض الشروط التي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

– أن يكون الاتفاق على وقف الخصومة صادراً من كافة الأطراف في الخصومة، فلا يكون هناك وقفاً اتفاقياً متى عارضه أحد الخصوم.

– أن يتم إقرار هذا الاتفاق على وقف الخصومة من قبل المحكمة المعروض عليها الخصومة.

– ألا تكون مدة الوقف المتفق عليها بين الخصوم هي مدة تتجاوز الحد الأقصى المقبول والذي قرره القانون وهو مدة ستة أشهر، وهذه المدة يتم احتسابها من تاريخ إقرار المحكمة لاتفاق الخصوم على وقف الخصومة.

ب- الوقف القضائي

نصت (المادة 122) من قانون المحاكمات المدنية الأردني على أنه (تامر المحكمة بوقف الدعوى إذا رأت تعليق الحكم في موضوعها على الفصل في مسالة أخرى يتوقف عليها الحكم، وبمجرد زوال سبب الوقف يكون لأي من الخصوم طلب السير في الدعوى).

ومفاد تلك الحالة من حالات وقف الخصومة أن المحكمة التي تنظر الخصومة يحق لها أن تصدر أمرها بوقف الخصومة القضائية وتعليق السير فيها، أي أن الوقف هنا يترتب كأثر مباشر على القرار التي تصدره المحكمة بالوقف، وهو ما جعله يسمى استناداً لمصدره بالوقف القضائي، وقد تناولت محكمة التمييز الأردنية بهيئتها الحقوقية تعريف الوقف القضائي في حكمها رقم 1717 لسنة 2000 تمييز حقوق والصادر بجلسة 10/7/2000[6].

وكأثر على ذلك فإن ما يرتبه الوقف من تبعات وآثار لا تبدأ من لحظة تحقق سبب قيامها، ولكنها تتحقق من التاريخ الذي أصدرت فيه المحكمة قرارها بوقف الخصومة، ويعتبر صدور قرار الوقف بمثابة نقطة الانطلاق لتلك الآثار.

وقد قرر المشرع للمحكمة الحق في أن تأمر بوقف الخصومة، ولكنه قيد هذا الحق بشرط أساسي وهو أن تكون المحكمة قد تبينت أن الحكم في الخصومة المعروضة عليه يتطلب أن يسبقه الفصل في مسألة ما، فيكون للمحكمة وقف الخصومة المعروضة عليها لحين صدور حكماً فاصلاً في تلك المسألة، كما هو الحال في وقف الخصومة المعروضة على المحكمة والخاصة بصحة ونفاذ عقد ما بين خصمين، وذلك لحين الفصل في خصومة أخرى تتعلق بتزوير توقيع أحد هؤلاء الخصوم على ذات العقد.

وعلى خلاف الوقف الاتفاقي فلم ينص القانون على مدة محددة للوقف القضائي، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى أن وقف الدعوى يكون بهدف انتظار الفصل في المسألة التي يقتضيها الحكم في الخصومة الموقوفة، وهو ما لا يمكن التنبؤ به مسبقاً ليكون للوقف مدة محددة، فالخصومة تظل موقوفة لحين زوال سبب هذا الوقف، والمتمثل في صدور الحكم في تلك المسألة.

ج- الوقف القانوني

يقصد به ما يقع من وقف للخصومة بقوة القانون متى تحققت أسبابه ومبرراته التي يقررها القانون[7]، حيث إن هناك حالات يحددها القانون على سبيل الحصر ويعتبرها من الأسباب التي يترتب على تحققها وقف السير في الخصومة، وهذا الوقف لا يتوقف على صدور قراراً به من المحكمة التي تنظر الخصومة، ولكنه يقع بحكم وقوة القانون عند تحقق حالته، ويكون الحكم الذي تصدره المحكمة بوقف السير في الخصومة ما هو إلا حكم كاشف عن حالة الوقف وليس مقرراً لها.

ومن أهم الحالات التي نص عليه المشرع في القانون الأردني في شأن الوقف القانوني للخصومة ما نصت عليه (المادة 35/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية بشأن تنازع الاختصاص بين محكمتين نظاميتين، حيث اعتبرت أنه (إذا أبرز أي من الفرقاء إشعاراً يتضمن أنه قدم طلباً لتعيين المرجح يوقف السير في الدعوى).

خامساً: سقوط الخصومة القضائية

جاء في نص (المادة 123/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني أنه (2- إذا لم يتقدم أحد الخصوم بطلب السير في الدعوى في مدة الأيام الثمانية التالية لنهاية الأجل – مهما كانت مدة الوقت – تسقط الدعوى).

ويعتبر سقوط الخصومة القضائية التي نصت عليه المادة المبينة سلفاً بمثابة جزاء قرره المشرع على الخصم (المدعي) الذي يهمل متابعة الخصومة التي عقدها، كما أنه إجراء يقلل من تراكم الخصومات غير المجدية أمام المحكمة، والتي يهمل أطرافها متابعة إجراءات السير فيها، وذلك وفقاً لما قرته محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في حكمها رقم 1907 لسنة 2015 حقوق والصادر بجلسة 12/7/2016[8].

وقد عرف الفقه القانوني سقوط الخصومة بأنه زوال الخصومة بقوة القانون وإلغاء كافة ما تم فيها من إجراءات، والذي يترتب على إهمال الخصم الملتزم باستكمال السير في إجراءاتها عن تقديم طلب السير فيها خلال الثمانية أيام التالية لتاريخ انتهاء مدة الوقف.

وتتفق جميع التشريعات العربية على هذا الجزاء – السقوط – كجزاء للخصم المهمل، ولكنها اختلفت حول المدة التي تسقط بمرورها الخصومة القضائية.

سادساً: نماذج لأحكام قضائية معنية بالخصومة القضائية

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 2915 لسنة 2005 تمييز حقوق بجلسة 25/1/2006، والذي جاء في مضمونه: (المشرع أجاز قبول الطلب ولو كانت المصلحة محتملة في حالتين الأولى إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق والثانية إذا كان الغرض من الطلب الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه، وحيث أنّ مطالبة المدعي الواردة بلائحة دعواه لا تدخل ضمن أيَّ من هاتين الحالتين، فيكون استناده للمصلحة المحتملة غير وارد).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 1717 لسنة 2000 تمييز حقوق بجلسة 10/7/2000، والذي جاء في مضمونه :(توقف الخصومة بأمر من القاضي إذا رأى أن هناك مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم في الدعوى).

3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية والصادر في التمييز رقم 1907 لسنة 2015 تمييز حقوق بجلسة 12/7/2016، والذي جاء في مضمونه أنه: (مع ملاحظة أن عدم ممارسة نشاط في الخصومة هو وضع استثنائي – شاذ – يؤدي إلى تراكم الدعاوى أمام المحاكم ولذلك نجد المشرع يتدخل ليفرض مواعيد خاصة يجب استئناف سير الخصومة خلالها وتجاوز هذه المواعيد يؤدي إلى سقوط الخصومة).

سابعاً: الخاتمة

تناول المشرع الأردني الخصومة القضائية في قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 24 لسنة 1988 بصورة متميزة، إلا أن لنا مأخذاً عليه فيما قرره بشأن حالة الوقف القضائي، حيث نرى أنه وإن كان من الصعب تحديد مدة الوقف في حالة الوقف القضائي، إلا أن ذلك لا يحول دون أن يحدد القانون حد أقصى للمدة التي يجب على الخصوم خلالها طلب السير في الخصومة بعد زوال سبب الوقف، بحيث يتم احتساب تلك المدة بدءاً من تاريخ زوال سبب الوقف، وذلك هدياً بما تم النص عليه في شأن تقديم طلب السير في الدعوى في مدة أقصاها ثمانية أيام من نهاية الأجل المحدد لوقف الخصومة، حيث أن ذلك سيكون من الأفضل لتحقيق العدالة الناجزة، وعدم ترك الخصومة عرضة للتأخير المتعمد من قبل الخصوم فيها.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – عزمي عبد الفتاح – نحو نظرية عامة لفكرة الدعوى أمام القضاء المدني – ط1 – مطبعة ذات السلاسل – الكويت – 1987 – ص 142.

[2] – وجدي راغب – مبادئ الخصومة المدنية: دراسة تأصيلية لقواعد الخصومة في قانون المرافعات – ط1- دار الفكر العربي – مصر – 1978 – ص 226.

[3] – محمود الكيلاني – شرح قانون أصول المحاكمات المدنية – ط2 – بدون دار نشر – الأردن – 2006 – ص 175.

[4] – يراجع القسم (سادساً) من هذا المقال – البند رقم (1).

[5] – عيد القصاص – الوسيط في المرافعات المدنية والتجارية – ط1 – دار النهضة العربية – مصر – 2005 – ص 823.

[6] – يراجع القسم (سادساً) من هذا المقال – البند رقم (2).

[7] – سيف رمزي – الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية – ط8 – دار النهضة العربية – مصر – بدون عام نشر – ص 583.

[8] – يراجع القسم (سادساً) من هذا المقال – البند رقم (3).

Scroll to Top