المصلحة في عقد التأمين

المصلحة في عقد التأمين

يعد عقد التأمين من أهم العقود في عصرنا الحالي، وجاءت أهميته هذه لتدفع المشرع إلى تقنينه بشكلٍ دقيق، وإن أهم ما يميز هذا العقد عن غيره من الأنظمة غير المشروعة كالرهان والمقامرة هي ضرورة وجود مصلحة تدفعنا إلى القول بتميزه، لذا فإن محور حديثنا في هذا المقال هو المصلحة في عقد التأمين، فمن خلاله سوف نستوضح بعضاً من النقاط الهامة فيما يخص هذا الموضوع، وإلينا نص المقال.

أولاً: تعريف المصلحة التأمينية:

ثانياً: أصحاب المصلحة في التأمين:

ثالثاً: أهمية المصلحة في عقد التأمين:

رابعاً: التكييف القانوني للمصلحة في عقد التأمين:

خامساً: شروط المصلحة في عقد التأمين:

سادساً: نطاق المصلحة التأمينية في القانون الأردني:

أولاً: تعريف المصلحة التأمينية:

تعددت التعريفات الفقهية للمصلحة التأمينية، نذكر منها ما ذكره جانب من الفقه بأنها: “المنفعة المادية أو المعنوية التي تعود على المؤمن له أو المستفيد من التأمين من عدم تحقق الخطر المؤمن منه وأن تكون هذه المصلحة جدية وغير مخالفة للنظام العام”[1].

وقد جاءت نصوص القانون المدني الأردني خالية من أي تعريف لعنصر المصلحة ودون أن تشترط توافر ذلك العنصر لإبرام عقد التأمين باستثناء بعض النصوص التي حملت إشارات على وجود ذلك العنصر، والتي ثار حولها خلاف ما إذا كان المقصود من تلك الإشارات هو اشتراط عنصر المصلحة التأمينية أم لا، فبالرجوع إلى النصوص الخاصة بتنظيم عقد التأمين في القانون المدني الأردني نجد أنها لم تأت على ذكر عنصر المصلحة التأمينية كشرط في عقد التأمين سواءً في النصوص القانونية المتعلقة بالتأمين عامة أو المتعلقة بالتأمين على الأشخاص[2].

حيث جاءت (المادة 920) من القانون المدني الأردني بالنص على أن: “التأمين عقد يلتزم به المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك مقابل مبلغ محدد أو أقساط دورية يؤديها المؤمن له للمؤمن”. الأمر الذي نستشف منه عدم وجود أي دلالات لاشتراط عنصر المصلحة في عقد التأمين.

إلا أن هناك رأي آخر يذهب إلى القول بأن المشرع الأردني قد أشار إلى عنصر المصلحة التأمينية وضرورة توافرها عند إبرام عقد التأمين من خلال الرجوع إلى القواعد العامة في القانون المدني وتحديداً إلى النظرية العامة في العقد وقد استند في ذلك[3] إلى ما تقضي به (المادة 166) من القانون المدني الأردني، والتي نصت على أنه: “لا يصح العقد إذا لم تكن فيه منفعة مشروعة لعاقديه ويفترض في العقود وجود هذه المنفعة المشروعة ما لم يقم دليل على غير ذلك”.

ثانياً: أصحاب المصلحة في التأمين:

1_ أصحاب المصلحة التأمينية في التأمين على الأشخاص:

لابد أن تكون هناك علاقة قوية بين كل من المؤمن له والمؤمن على حياته، بحيث تكون هناك مصلحة قوية في الحفاظ على حياة المؤمن على حياته، مثل علاقة الأبناء بالآباء، وعلاقة الأزواج، أي أن تكون هناك روابط عائلية قوية، أو علاقة عمل، أو تأمين الدائن على حياة مدينه، أو أن يؤمن الشخص على حياته، وقد نصت (المادة 941) من القانون المدني الأردني على أنه “يلتزم المؤمن في التأمين على الحياة بأن يدفع إلى المؤمن له أو إلى المستفيد المبالغ المتفق عليها عند وقوع الحادث المؤمن منه أو حلول الأجل المنصوص عليه في العقد دون حاجة لإثبات ما لحق المؤمن له أو المستفيد من ضرر”.

2_ أصحاب المصلحة التأمينية في التأمين من الأضرار:

لبيان ذلك سوف نتحدث عن أصحاب الحقوق العينية الأصلية، وأصحاب الحقوق الشخصية، ثم التأمين لحساب الغير، وذلك على النحو التالي:

أـ أصحاب الحقوق العينية الأصلية:

لصاحب أي حق من الحقوق العينية سواءً الأصلية أو التبعية، الحفاظ على ذلك الشيء ضد الأخطار، وسنبين من خلال الأسطر التالية من هم أصحاب الحقوق العينية الأصلية وحقهم في التأمين عليها، وذلك على النحو التالي:

  المالك:

يجوز لمالك الشيء التأمين على ما يملكه بشرط ألا يجاوز مبلغ التأمين قيمة الشيء المملوك، كما يجوز له أن يؤمن عليه لدى أكثر من جهة تأمين؛ ولكن دون مجاوزة لقيمة الشيء المؤمن عليه، وبعد أن يقوم بإخبار باقي المؤمنين.

حق الانتفاع:

ينتفع الشخص بالشيء الذي لا يملكه، ولكن انتفاعه بذلك الشيء يجعل له مصلحة في بقائه دون ضرر، مما يعطي له الحق في التأمين عليه من الأضرار، وقد نصت (المادة1215) من القانون المدني الأردني على أنه “ينقضي حق الانتفاع بانقضاء الأجل المحدد له بهلاك العين المنتفع بها، لذا فإن من مصلحته التأمين عليه، حتى يكون مبلغ التأمين جابراً للضرر الذي لحق الشيء المنتفع به”.

مالك الرقبة:

هناك مصلحة لمالك الرقبة في الحفاظ على ما يملكه، وبالتبعية له حق التأمين عليه من الأضرار، فإذا هلك الشيء بفعل المنتفع فإنه يتحمل رد قيمته إلى مالك الرقبة، إلا أن مالك الرقبة قد لا يستطيع الحصول على تلك القيمة إذا لم يكن المنتفع مؤمناً على ذلك الشيء؛ لذا فمن الأحوط أن يقوم بالتأمين على ملكه بنفسه.

ومن الجدير بالذكر أن هلاك الشيء إذا لم يكن راجعاً إلى المنتفع، فإن مالك الرقبة وحده هو الذي يتحمل تبعة هلاك الشيء، إذا لم يكن مؤمناً عليه، وإذا قام كليهما بالتأمين فإن مبلغ التأمين يُقسم بينهما كلٌ بحسب مصلحته.

صاحب حق التصرف:

وفق ما ورد بالقانون المدني الأردني بمادتيه (1201) و (1202) فقد نصت الأولى على أنه “يرد على حق التصرف من القيود القانونية والاتفاقية ما يرد على حق الملكية “، والتي يتضح لنا من خلالها أن صاحب التصرف يتمتع بما يتمتع به المالك، ونصت الثانية على أنه “يسري على الشيوع في حق التصرف ما يسري على الشيوع في حق الملكية من الأحكام إلا ما تعارض منها مع نص خاص أو مع طبيعة حق التصرف”، الأمر الذي يبين لنا مدى المصلحة التي تعود على صاحب الحق في التصرف، والتي تخول له حق التأمين على الشيء محل التصرف.

ب ـ أصحاب الحقوق الشخصية (الدائنون):

في هذا الصدد سنفرق بين كلاً من الدائن العادي، والدائن صاحب الحق العيني التبعي، وما إذا كان لهم الحق في التأمين أم لا.

الدائن صاحب الحق العيني التبعي:

توجد مصلحة قصوى للدائن صاحب الحق العيني التبعي في الحفاظ على الشيء محل الرهن، وذلك لأن هذا الشيء هو الذي سيقوم باستيفاء حقه من قيمته، الأمر الذي يجعل من حقه التأمين على هذا الشيء ضد الأخطار، وقد نصت (المادة 940) من القانون المدني الأردني على أنه “إذا كان الشيء المؤمن عليه مثقل برهن أو تأمين أو غير ذلك من التوثيقات العينية انتقلت هذه الحقوق إلى الضمان المستحق للمؤمن له بمقتضى عقد التامين”، فهو بذلك يؤمن لاستيفاء حقه، في حالة ما إذا لم يقم مالك الشيء بالتأمين على هذا الشيء، ولكن إذا قام المالك بالتأمين فلا داعي لقيام صاحب الحق العيني التبعي بالتأمين هو الآخر، فقد نصت (المادة 1339) من القانون سالف الذكر على أنه: “ينتقل الرهن عند هلاك العقار المرهون رهناً تأمينياً أو تعيبه إلى المال الذي يحل محله وللمرتهن أن يستوفي حقه منه وفقاً لمرتبته”.

ولكن نود الإشارة إلى أنه قد تكون هناك مصلحة لصاحب الحق العيني التبعي في التأمين، حتى وإن قام المالك بالتأمين، فقد يكون تأمينه باطلاً، أو لا يستحق مبلغ التأمين لقيامه بتعمد إحداث الضرر بالشيء المؤمن عليه.

الدائن العادي:

يختلف الدائن العادي عن الدائن صاحب الحق العيني التبعي، ذلك أن الدائن العادي يستطيع أن يستوفي حقه من أي مال من أموال المدين وليس شيئاً معيناً بالذات، على عكس ما هو دارج عند صاحب الحق العيني التبعي، وبالتبعية فإنه لا يحق له التأمين على أموال مدينه، وذلك لما للمدين الحق في التصرف في أمواله، فأمواله متغيرة.

إلا أنه يجوز له في حالة قيام الدائن بالحجز على مال معين من أموال مدينه أن يفعل كل ما من شأنه أن يحافظ على حقه، ومنه التأمين عليه.

ويوجد نوع أخر من أنواع التأمين وهو التأمين ضد الإعسار، يجعل من حق الدائن التأمين للحصول على حقه وقت حلول الأجل، فيقوم بالتأمين على يسار المدين، فإذا ما أصبح المدين معسراً وقت حلول أجل السداد، فيستحق الدائن هنا مبلغ التأمين وحده دون باقي الدائنين، ويجوز له أن يرجع على باقي أموال المدين أولاً، قبل أن يرجع على المؤمن.

ج ـ التأمين لحساب الغير:

نتحدث هنا عن التأمين لمصلحة شخص معين، والتأمين لمصلحة شخص غير معين، وذلك على النحو التالي:

التأمين لمصلحة شخص معين:

ورد ذكر هذا النوع من التأمين بالقانون المدني الأردني (بمادته 920) والتي جاء فيها: “التأمين عقد يلتزم به المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك مقابل مبلغ محدد أو أقساط دورية يؤديها المؤمن له للمؤمن”، أي أنه من الممكن أن يتم التأمين من قِبل الوكيل أو الفضولي.

التأمين لمصلحة شخص غير معين:

وهو أن يقوم شخص بالتأمين لصالح من تثبت له المصلحة وقت وقوع الضرر، كأن يقوم صاحب مخزن بالتأمين على البضاعة التي تنتقل من مالك لآخر، فلا يتم تحديد المالك لها إلا عند وقوع الضرر واستحقاق مبلغ التأمين، وقد نصت على ذلك (المادة 312) من قانون التجارة البحري الأردني على أنه: “يجوز عقد التأمين لمصلحة شخص غير معين ويكون هذا البند بمثابة عقد تأمين في مصلحة الشخص الذي يوقع الوثيقة وبمثابة تعاقد للغير في مصلحة المنتفع معلوماً كان أم مستقبلاً”.

ولكن لابد أن يذكر في عقد التأمين، أن التأمين لصالح من يثبت له الحق وقت استحقاق مبلغ التأمين.

ثالثاً: أهمية المصلحة في عقد التأمين:

من خلال ما سبق من تعريف المصلحة التأمينية، يتضح لنا أن المؤمن عليه لا يلجأ إلى التأمين إلا ليحقق مصلحته، والتي هي تأمين نفسه من الأخطار التي قد تلحقه، مقابل دفع قسط شهري.

وتتحقق تلك المصلحة في التأمين بالمحافظة على الشيء المؤمن عليه، وعدم إحداث الضرر المتعمد به، وكذا فيما يخص التأمين على الأشخاص تتحقق المصلحة فيما يعود على المؤمن له من منفعة إذا بقي المؤمن عليه على قيد الحياة، فعدم توافر تلك المصلحة يؤدي إلى اختلاق أخطار لقبض مبلغ التأمين.

لذا فإن أهمية توافر عنصر المصلحة في عقد التأمين، تتمثل في الآتي:

1_ تمنع المؤمن له من تعمد إلحاق الضرر بالمؤمن عليه:

وذلك بأن تكون هناك مصلحة تعود على المؤمن له من عدم إلحاق ضرر بالشيء المؤمن عليه، فوجود المصلحة في عدم تحقق الضرر، تدفع المؤمن له إلى محاولة تفادي أي ضرر يحدث للشيء أو الشخص المؤمن عليه من شأنه أن يقف أمام تلك المصلحة.

وهناك جانب من الفقه يرى أن المبدأ التعويضي الذي يتم الأخذ به في النظام التأميني، يعد كافياً لتجنب إحداث الضرر من قِبل المؤمن له، إلا أنه يمكن الرد على هذا القول بأن هذا المبدأ لا يتم العمل به إلا بعد أن يتحقق الضرر، مما يستدعي ضرورة وجود مصلحة من وقت التفكير في إحداث الضرر.

2_ تقوم المصلحة بتمييز التأمين عن المقامرة والرهان:

 وفقاً للقانون الأردني فإنه يتم تعريف الرهان (بالمادة 909) بأنه: “عقد يلتزم فيه امرؤ بأن يبذل مبلغاً من النقود أو شيئاً آخر جعلا يتفق عليه لمن يفوز بتحقيق الهدف المعين في العقد”.

أما فيما يخص المقامرة فإن القانون الأردني قد أغفل تعريفها، إلا أنه يتم تعريفه بأنه: “عقد يتعهد بموجبه كل مقامر أن يدفع، إذا خسر المقامرة، للمقامر الذي كسبها مبلغاً من النقود، أو أي شيء آخر يتفق عليه”[4].

الأمر الذي دعي بعض الفقهاء إلى القول باتحاد طبيعة كلاً من عقد المقامرة والرهان وعقد التأمين، حيث إن كل هذه العقود تندرج جميعها وفق القانون المدني الأردني تحت بند عقود الغرر، والتي هي عقود احتمالية حيث إن المتعاقدين لا يستطيعوا بموجبه تحديد وقت تمام العقد والالتزامات الملقاة على عاتق كل منهم إلا في المستقبل تبعاً لحدوث أمر غير محقق[5].

إلا أن هناك رأي آخر، يذهب إلى القول بوجود اختلاف بين عقود التأمين وكلاً من عقدي الرهان والمقامرة، حيث أن عقد المقامرة يقوم على اللعب والحظ على عكس ما يعتمد عليه عقد التأمين والذي يقوم على أساس الجد، كما أن في المقامرة والرهان يكون الكسب من وراءه مالاً حراماً بخلاف التأمين الذي يقوم على التعاون بين جميع المعرضين للمخاطر، حتى يتم تعويض كل منهم عن الخطر الذي يتعرض له أي منهم، هذا بالإضافة إلى أن عقد التأمين يهدف إلى البعد عن المخاطر، وتحقيق الأمان في المستقبل على عكس القمار الذي يختلق المخاطر ويهدد أمان الشخص[6].

 فالمصلحة تدفع المؤمن له إلى المحافظة على الشيء المؤمن عليه حتى يحصل على مبلغ التأمين أي أن مصلحته تكون في عدم تعمده إلحاق الضرر بالمؤمن عليه، وذلك على خلاف المقامرة التي يكون فيها الشخص قاصداً الإضرار بالطرف الآخر حتى يحقق الربح لنفسه.

لذا فإن المصلحة هي عنصر هام في عقد التأمين حتى يمكن التفرقة بينه وبين عقود الغرر الأخرى.

رابعاً: التكييف القانوني للمصلحة في عقد التأمين:

تباينت الآراء فيما يخص التكييف القانوني للمصلحة التأمينية، فمنهم من يعتبرها محلاً لعقد التأمين، وهناك من يرى أنها تشكل السبب لنشوء عقد التأمين، ولبيان ذلك إلينا التفصيل التالي:

1_ المصلحة تشكل ركن المحل في عقد التأمين:

 يرى هذا الرأي أن المصلحة تعد عنصراً من عناصر المحل إلى جانب مبلغ التأمين والخطر والقسط، فإذا دققنا النظر نجد أن محل التأمين لا يمثل الشيء المؤمن عليه أو قيمته، وإنما المصلحة المحققة من الحفاظ على ذلك الشيء.

وذلك بأن يكون هناك ارتباط وثيق بين المؤمن وبين الشيء المؤمن عليه، كأن يؤمن الشخص على منزله، فمصلحته ألا يحدث ضرراً للمنزل لأنه تربطه به علاقة وطيدة، فمصلحته تتحقق في بقاء هذا البيت دون أن يمسه ضرر.

وقد استند هؤلاء إلى أن قسط التأمين يلتزم المؤمن له بدفعه، ومبلغ التأمين يلتزم به المؤمن وقت وقوع الضرر المؤمن ضده، يأخذنا إلى القول بأن المصلحة هي الدافع وراء عدم حدوث الخطر، إلى جانب قولهم إن لكل صاحب مصلحة في الشيء المؤمن عليه أن يؤمن عليه، كمالك العقار، ومستأجره، والدائن المرتهن، لهم جميعاً أن يؤمنوا على العقار كلٌ بحسب مصلحته، فمالك العقار مصلحته في الحفاظ على قيمة هذا العقار، والمستأجر يؤمن عن مسئوليته عن الحريق، والدائن المرتهن يؤمن على حق الرهن له عليه[7].

2_ المصلحة سبباً لنشوء عقد التأمين:

وفق ما ذهب إليه البعض، فإن المصلحة تعد الدافع وراء قيام عقد التأمين، فبالرجوع إلى النظرية العامة للعقد نجد أنه يوجد ثلاثة أركان للعقد، هم الرضا والمحل والسبب، فيمكن اعتبار المصلحة هي الركن الثالث من أركان العقد وهو السبب، حيث إن سبب نشوء ذاك العقد هو تحقيق مصلحة وهي التأمين ضد الأخطار التي قد تحدث للشيء أو الشخص المؤمن عليه.

فالمصلحة التأمينية هي المنفعة العائدة على المؤمن له من عدم وقوع الضرر المؤمن ضده، ويعتبرها هذا الرأي هي السبب الذي يقود المتعاقدين إلى أبرام هذا العقد.

 خامساً: شروط المصلحة في عقد التأمين:

  توجد عدة شروط يجب توافرها في المصلحة في عقد التأمين، وتتمثل تلك الشروط في الآتي:

1_ جدية المصلحة:

كما سبق وأن أشرنا فإن تحقق المصلحة يأتي من حصول المؤمن له على فائدة من عدم وقوع الضرر المؤمن ضده، ولكن حتى تكتمل شروط المصلحة فلابد وأن تكون جدية، بمعنى أن تكون المصلحة حقيقية، فلا يكفي توقع حدوثها، ولا يمكن أن يقوم شخص بالتأمين على حياته لمصلحة شخص لا تربطه به أي صلة، فمن المنطقي أن يؤمن على نفسه لصالح زوجته وأولاده ومن له مصلحة في بقائه حياً.

وللمؤمن في حال رأى أن المصلحة غير جدية، أن يطلب إبطال عقد التأمين، إذا لم يستطع المؤمن له أن يثبت عكس ذلك، وللقاضي سلطة تقديرية في إثبات ذلك.

2_ أن تكون المصلحة مشروعة:

يجب أن تكون المصلحة مشروعة، أي ليست مخالفة للنظام العام والآداب، وقد جاء النص على ذلك في القانون المدني الأردني (بمادته 921) حيث جاء بها: ” لا يجوز أن يكون محلاً للتأمين كل ما يتعارض مع دين الدولة الرسمي أو النظام العام”، وهو ما يفهم منه وجوب أن تكون المصلحة مشروعة.

سادساً: نطاق المصلحة التأمينية في القانون الأردني:

سبق وأن أشرنا إلى أن المشرع الأردني لم يتطرق بشكل صريح إلى المصلحة في عقد التأمين، وهو ما أثار خلافاً بين الفقهاء فيما يتعلق باشتراط المصلحة التأمينية في كافة أنواع التأمين، أم قصرها على التأمين من الأضرار دون الأشخاص، فقد ذهب البعض إلى القول بأن اشتراط وجود المصلحة يقتصر على التأمين من الأضرار، دونما الأشخاص، وقد بنوا رأيهم على الآتي:

  1. عدم النص على اشتراط المصلحة في التأمين في القانون الأردني، الأمر الذي يبين منه عدم اشتراط المصلحة في التأمين بأنواعه.
  2. ما جاء (بالمادة 937) من القانون المدني الأردني الخاصة بالتأمين ضد الحرائق والتي هي من قبيل التأمين ضد الأضرار والتي نصت على أنه “يجب على من يؤمن على شيء أو مصلحة لدى أكثر من مؤمن أن يخطر كلًا منهم بالتأمينات الأخرى وقيمة كل منها وأسماء غيره من المؤمنين”، فقد أشارت كلمة مصلحة في هذا النص إلى اشتراط المصلحة في التأمين من الأضرار دون الأشخاص.
  3. ما ورد ذكره (بالمادة 313) من قانون التجارة البحري، والذي جاء به “كل شخص صاحب علاقة يمكنه أن يعقد تأميناً للسفينة ولواحقها والسفينة التي تكون قيد الإنشاء والقطع المعدة لهذه السفينة والموجودة في المصنع ونفقات التجهيز والأغذية وأجور البحارة وأجرة السفينة والمبالغ المعقود عليها قرض بحري والبضائع والنقود والسندات المالية الموسوقة في السفينة والربح المأمول وبالإجمال كل الأشياء القابلة لثمن مالي والمعرضة لأخطار الملاحة”، تدل على اشتراط المصلحة في التأمين من الأضرار.

إلا أن هناك رأي آخر يرى أن المصلحة مُتَطلَبة في كلا التأمينين الأشخاص والأموال، واستدلوا بالآتي:

  1. استندوا إلى (المادة 166) من القانون المدني، والتي نصت على أنه ” لا يصح العقد إذا لم تكن فيه منفعة مشروعة لعاقديه .2. ويفترض في العقود وجود هذه المنفعة المشروعة ما لم يقم الدليل على غير ذلك”، وتندرج المصلحة تحت لفظ المنفعة التي يتم اشتراطها في صحة العقود، وبما أن التأمين يعد عقداً من تلك العقود، فلابد فيه من وجود المصلحة، سواء في التأمين على الأشخاص أو في التأمين من الأضرار.
  2. واستدلوا أيضاً بما جاء (بالمادة 922) والتي نصت على أنه “مع مراعاة أحكام المادة السابقة يجوز أن يتم التأمين ضد الأخطار الناجمة عن الحوادث الشخصية وطوارئ العمل والسرقة وخيانة الأمانة وضمان السيارات والمسؤولية المدنية وكل الحوادث التي جرى العرف والقوانين الخاصة على التأمين ضدها”، نجد أنها أشارت إلى الحوادث الشخصية التي هي من قبيل التأمين على الأشخاص.
  3. وأيضاً ما جاء (بالمادة 915) من أنه “كل اتفاق على مقامرة أو رهان محظور يكون باطلًا”، وهو ما يستدل منه أن عقد التأمين دون وجود مصلحة يصبح كالمقامرة على حياة الإنسان وهو أمر محظور، لذا فالمصلحة تعد شرطاً في التأمين على الأشخاص والتأمين من الأضرار وفقًا لما ذهب إليه هذا الرأي.

إعداد/ نسمه مجدي.

[1] عبد الرحمن، فايز أحمد (2006) ، المصلحة في التأمين دراسة في نطاق التأمين البري الخاص، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ص7.

[2] محاسنة، نسرين، حطاب، رشا محمد (2011) ، المصلحة في عقد التأمين على الحياة، مجلة الشريعة والقانون، العدد 49، ص2.

[3] المصاروة، هيثم حامد (2010) ، المنتقى في شرح عقد التأمين، ط1، الثراء للنشر والتوزيع، عمان، ص214.

[4] الطعاني، خالد أحمد عداد، المصلحة في عقد التأمين وفقاً للقانون الأردني، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، كلية القانون الأردن، 2012، ص13.

[5] الطعاني، خالد أحمد عداد، المصلحة في عقد التأمين وفقاً للقانون الأردني، مرجع سابق، ص14.

[6] الطعاني، خالد أحمد عداد، المصلحة في عقد التأمين وفقاً للقانون الأردني، المرجع السابق، ص 15. ومقال مشنور على موقع حماة الحق ، محامي تأمين ،

[7] بني خالد، محمد أحمد خضر، عنصر المصلحة في عقد التأمين، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، كلية القانون بالأردن، عام 2018، ص42.

Scroll to Top