رد القاضي
تعد الحيادية هي الدعامة الأساسية لأي نظام قضائي، فهي من الضمانات التي تطمئن المتقاضين وتعطيهم الثقة في نظامهم القضائي، لذا فقد حرصت التشريعات المختلفة على المحافظة على تلك الحيادية بسن نصوص قانونية تؤمن تلك الضمانة للمتقاضين، ونعزي تلك الحماية إلى أن القاضي في نهاية الأمر مجرد إنسان قد يتأثر بعوامل مختلفة قد تجعله يحيد عن الحق ولو بغير قصد، ولعل أهم تلك الضمانات التي قررها القانون هي الحق في رد القاضي، حيث أن رد القاضي يعد أحد الضمانات التي تؤمن للمتقاضين الحق في استبعاد قاض أو أكثر في حال ثبت في حقه أحد الأسباب التي تؤثر على حياده.
أولاً: التعريف بالحق في رد القاضي
ثانياً: أسباب رد القاضي في القانون الأردني
ثالثاً: إجراءات رد القاضي في القانون الأردني
رابعاً: الفصل في طلب رد القاضي في القانون الأردني
خامساً: أحكام لمحكمة التمييز في شأن رد القاضي
أولاً: التعريف بالحق في رد القاضي
لقد قرر عدد من فقهاء القانون في شأن تحديد مفهوم رد القاضي، أنه عبارة عن طلب مسبب بأحد الأسباب المنصوص عليها حصرا في القانون، يطلب من خلاله أحد الخصوم رد قاضي أو أكثر، ليتنحى عن نظر مرفوعة منه أو عليه[1].
وبالتالي يمكننا تعريف الحق في رد القاضي بأنه الضمانة التي كفلها القانون لأحد المتقاضين في رد قاضيه للشك في حياده، ويكون الرد لأحد الأسباب التي حددها القانون حصراً من خلال النصوص التشريعية، وهذه الأسباب وجدها المشرع هي الأقوى من حيث التأثير على حيادية القاضي، ومن خلال هذا التعريف يمكن الوقوف على بعض النقاط التي يجب ملاحظتها وهي:
1. رد القاضي هو حق للمتقاضين
لما كانت التشريعات المختلفة قد عنيت بإرساء قضاء عادل لا يميز بين المتقاضين، فلقد شرعت في سبيل ذلك القوانين التي ترسخ هذا الحق، ومغزى أن رد القاضي هو حق للمتقاضي أنه لا يجوز أن يسلب إياه طالما استوفى شروطه وفقاً لنصوص القانون التي تنظمه.
2. أسباب الرد وردت في القانون على سبيل الحصر
لما كانت التشريعات المختلفة قد رسخت الحق في رد القاضي كأحد الضمانات التي تضمن حيادية القاضي، فإنها لم تترك هذا الحق دون قيود، وغاية تلك القيود ألا يترك هذا الحق ليعبث من خلاله العابثون باستقرار عملية التقاضي، لذا فقد وضعت التشريعات المتباينة أسباب حصرية لرد القاضي سدا لتلك الذريعة.
ثانياً: أسباب رد القاضي في القانون الأردني
المشرع الأردني شأنه في ذلك شأن أغلب المشرعين قد رسخ ضمانة الحق في رد القاضي لضمان حيادية القاضي، وفي سبيل ذلك فلقد سن المواد القانونية التي تنظم هذا الحق موضحاً الأسباب التي يجوز معها رد القاضي، وقبل تفنيد تلك الأسباب بعناصر منفصلة فلابد أولاً من ذكر السند القانوني لهذا الحق في التشريع الأردني.
نصت (المادة 134) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على أنه (يحق للمدعي أو المدعي عليه طلب رد القاضي، حيث يتم رد القاضي لأحد الأسباب التالية: 1- إذا كان له أو لزوجه دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها، أو إذا جدّت لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم أو مع زوجه بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه. 2- إذا كان لمطلقته التي له منها ولد أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي بقصد رده. 3- إذا كان أحد الخصوم يعمل عنده. 4- إذا كان قد اعتاد مساكنة أحد الخصوم، أو كان قد تلقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده. 5- إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل).
1- تكوين الرأي المسبق
ورد في نص (المادة 134/1) سالفة الذكر أنه يجوز رد القاضي في حال إذا كان له أو لزوجه دعوى مماثلة تشبه المنظورة أمامه، والهدف من ذلك أن القاضي كون له أو لزوجه قضية مماثله مثل التي ينظرها فإنه سيكون لديه رأي مسبق في القضية، ومثل هذا الرأي المسبق سيؤثر بالتبعية على حياده، وعلى ما يفنده الخصوم أمامه من دفوع ودفاع، ذلك لأنه سيكون منحازًا لما قد سبق وأن كونه من عقيدة في قضيته الخاصة.
ويجوز الرد سواء كانت هذه الدعوى المماثلة سابقة أو لاحقة للدعوى المطلوب رد القاضي فيها، والحكمة في ذلك أن الدعوى المماثلة وإن كانت تالية للدعوى المنظورة فإنها تؤثر على حياد القاضي، طالما أن الدعوى المطلوب رد القاضي فيها ما زالت منظورة ولم يصدر فيها حكم.
2- القرابة
أوردت (المادة 134/1 و2) سالفة الذكر أن من أسباب رد القاضي وجود خصومة بين أحد الخصوم وبين أقارب القاضي الذين فندتهم الفقرتين، ويرجع في تحديد درجة القرابة إلى القانون المدني الاردني.
وقد نصت (المادة 35) من القانون المدني الأردني رقم (43) لعام 1976 على أن (1- القرابة المباشرة هي الصلة ما بين الأصول والفروع. 2- والقرابة غير المباشرة هي الرابطة ما بين أشخاص يجمعهم أصل مشترك دون ان يكون أحدهم أصلا أو فرعا للأخر سواء كانوا من المحارم أو من غير المحارم).
كما نصت (المادة 36) من ذات القانون على أنه (يراعى في حساب درجة القرابة المباشرة اعتبار كل فرع درجة عند الصعود للأصل بخروج هذا الأصل، وعند حساب درجة القرابة غير المباشرة تعد الدرجات صعودا من الفرع للأصل المشترك ثم نزولا منه الى الفرع الآخر وكل فرع فيما عدا الأصل المشترك يعتبر درجة).
وأيضاً (المادة 37) منه قد نصت على أن (يعتبر أقارب أحد الزوجين في نفس القرابة والدرجة بالنسبة الى الزوج الآخر).
وترجع الحكمة من جواز رد القاضي لوجود خصومة بين أقاربه وبين أحد الخصوم لأن القاضي حينها قد تأخذه الحمية لأهله، فيؤدي ذلك إلى أنه لا يرى الحقيقة كاملة، وبالتالي قد يتأثر بعداوة أحد الخصوم لأحد من أهله.
وللقضاء شأن عظيم مثله مثل الشهادة، فكما أن القاضي لا يستطيع أن يشهد لنفسه فهو كذلك لا يجوز أن يحكم لنفسه، ويأخذ نفس الحكم أنه يمتنع عليه الحكم لوالده أو ولده، وذلك لضمان نزاهته وعدم حياده عن الحق.[2]
ونقف عند ما أوردته المادة في شأن مطلقة القاضي التي له منها ولد، وغاية إدخال المطلقة التي للقاضي منها ولد هو أن ذلك الابن هو رابط بينهما قد يتسبب في أن يحيد القاضي عن الحق محاباة له.
وقد أوردت (المادة 134/1 و2) شرطًا لكي تكون الخصومة سببًا لرد القاضي، هذا الشرط مفاده أن تكون الخصومة سابقة على الدعوى الحالية، أو أنها تليها لكن دون أن تكون مفتعله الغرض منها فقط رد القاضي.
فكما أن المشرع الأردني قد كفل حق الخصوم في رد القاضي إذا ما توافرت أسبابه، فكذلك كان حريصا كل الحرص على عدم استغلال هذا الحق لإعاقة عملية التقاضي والإضرار بباقي أطراف الخصومة، وهو ما أيدته محكمة التمييز الأردنية فيما تواترت عليه أحكامها[3].
3- العلاقة بأحد الخصوم
(المادة 134/3 و4 و5) سالفة البيان قد بينت وجود بعض العلاقات التي إذا توافر إحداها يكون هناك داع لرد القاضي.
أ-عمل أحد الخصوم عند القاضي
إن عمل أحد الخصوم عند القاضي يعد مدعاة لاستشعار الشك في حياد هذا القاضي، ذلك أنه وبحكم ذلك العمل تكون لدى القاضي عقيدية مكونة عن شخصية ذلك الخصم تلك العقيدة، قد تؤثر بالسلب على سير عملية التقاضي.
والفترة الزمنية لعمل أحد الخصوم عند القاضي قد تطول أو تقصر، لكن هذا ليس محل اعتبار في اعتبار هذا العمل سبب لرد القاضي، فقد تكون المدة الزمنية قصيرة ومع ذلك تعد سبب لرد القاضي[4].
ب- المساكنة وقبول الهدية
قد يعتاد القاضي أن يساكن أحد الخصوم كأن يشتركا في مصيف، أو يجمعهما مكان بصفة دورية، وقد يكون بينه وبين أحد الخصوم صلة تجعله يقبل هدية قبل الدعوى أو بعدها، فإن تلك المساكنة وقبول الهدية يعدا من أسباب رد القاضي، ذلك أن المساكنة وتبادل الهدايا تخلق روابط حميمية بين الأفراد، تلك الروابط قد تؤثر على حياد القاضي.
كما قد يشارك القاضي في سكنة مجموعة من الجيران كأن يسكن بوحدة سكنية بعمارة، وبحكم تلك الجيرة قد تجمعهم مجالس، ولا تعد هذه المجالسة سبب لرد القاضي[5].
ج- المودة والعداوة
قد تكون هناك بين القاضي وأحد الخصوم عداوة أو مودة تسبقان رفع الدعوى، ففي تلك الحالة أعطى المشرع الحق للخصم رد القاضي لوجود عداوة معه، وللخصوم أيضا رد القاضي إذا ما وجد أنه يحمل حبًا لأحد الأطراف، وغاية فرض هذا السبب أن مشاعر الحب والبغض قد تؤثر على حياد القاضي.
ويعد هذا السبب من أسباب رد القاضي فضفاضاً بعض الشيء، حيث إنه جاء عام دون تحديد شكل العداوة أو المحبة لتكون تقديرية لقاضي الموضوع الذي سينظر طلب الرد، ذلك أن تأثر البشر ليس واحد وبذلك يكون المشرع الأردني قد فتح الباب لمراقبة المتقاضي لنزاهة قاضيه، فإذا ما رأى أن تلك النزاهة قد تأثرت بسبب بغض القاضي له أو محبته لخصمه فإنه أعطى له الحق في رد هذا القاضي.
ثالثاً: إجراءات رد القاضي في القانون الأردني
نظم المشرع الأردني طريقة رد القاضي بإجراءات محدده وهي:
١- تقديم طلب الرد
يحدد الاختصاص لنظر طلب رد القاضي تبعا لدرجة القاضي المطلوب رده، والتي من خلالها يتم تحديد المحكمة المنوطة بنظر الطلب وذلك على النحو الآتي:
– إذا كان القاضي المطلوب رده قاضي صلح أو قاضي محكمة بداية يقدم الطلب إلى رئيس محكمة البداية.
ب- إذا كان رئيس محكمة بداية أو قاضي استئناف يقدم الطلب لرئيس محكمة الاستئناف.
ج- إذا كان رئيس محكمة استئناف أو قاضي بمحكمة التمييز يقدم الطلب لرئيس محكمة التمييز.
ومن خلال هذا التقسيم السابق نجد أن التشريع الأردني قد حدد حصرا المنوط بهم نظر طلب رد القضاة، وهم رئيس محكمة البداية ورئيس محكمة الاستئناف ورئيس محكمة التمييز، ويحدد اختصاص كلا منهم بنظر طلب الرد بحسب درجة القاضي المطلوب رده.
٢- شروط قبول طلب الرد
حق الرد مثل باقي الحقوق يلزم للمطالبة بها أن يكون هناك للطالب صفة ومصلحة، والصفة في طلب الرد أن يكون طالب الرد طرف في الخصومة، فلا يجوز للغير من غير أطراف الخصومة أن يقدم طلب رد القاضي، والمصلحة أن يكون الطلب قائم على أسباب سائغة تؤكد أن هناك كسب سيفوت أو ضرر سيلحق بطالب الرد، بناء على هذا يتقدم بهذا الطلب.
ولقد وضع المشرع الأردني شروطًا لقبول طلب الرد، يمكن تقسيم تلك الشروط لشروط شكلية وشروط موضوعية.
أ- الشروط الشكلية
– متى كان طلب الرد مفدماً من المدعي، فقد ألزمه المشرع أن يكون هذا الرد قبل الدخول في الدعوى، وعلة ذلك رغبة المشرع في عدم استغلال المدعي لهذا الحق بعد قطع شوطًا من إجراءات التقاضي، يبغي بهذا الاستغلال الأضرار بالمدعي عليه.
– أما إذا كان طلب الرد مقدماً من المدعى عليه، فقد ألزم المشرع المدعي عليه حال رغبته في رد القاضي أن يكون هذا الرد قبل الدخول في المحاكمة، ويعني الدخول في المحاكمة أن يمثل المدعي عليه ويناقش موضوع الدعوى، وعلة ذلك أيضا هي عدم استغلال المدعي عليه لهذا السبب، واعتبار تفويته لذلك تنازلًا ضمنيًا عن حقه في رد القاضي.
– وقد يحدث أن يقع أثناء نظر الدعوى أمراً يحقق سبباً من أسباب رد القاضي، كنشوء خصومة بين القاضي وأحد الخصوم، في هذه الحالة فإن موعد تقديم طلب الرد يكون في أول جلسة بعد حدوث هذا الحادث.
ولعل العلة من تحديد موعد محدد لإبداء الرغبة في رد القاضي كما أوضحنا في النقاط السابقة هو استقرار عملية التقاضي، مع المحافظة في نفس الوقت على الحق في رد القاضي للخصوم.
– كما أوجب المشرع الأردني أن يقوم طالب الرد بسداد خمسين دينار في خزينة المحكمة ليتم قبول طلبه، ويعد هذا المبلغ بمثابة مبلغ تأمين لضمان جدية الطلب، وذلك لكي لا يستغل أحد أطراف الخصومة هذا الحق لمجرد تعطيل سير الدعوى بأسباب غير جدية، ففي حالة رفض طلب الرد تصادر تلك الأمانة، وهو ما سنفنده في عنصر مستقل خاص بالفصل في طلب الرد.
ب- الشروط الموضوعية لقبول الرد:
يشترط لقبول طلب الرد أن يكون قائمًا على أسباب قوية لها ما يؤيدها، فلا يكفي مجرد الادعاء بوجود سبب يبيح الرد دون وجود ما يثبت ذلك، فقد اشترط المشرع الأردني إرفاق ما يثبت جدية الرد بطلب الرد.
ونجد أن موازنة تلك الأسباب مسألة تقديرية للمحكمة المنظور أمامها طلب الرد فهي وكما أنها مقيده بحالات الرد الواردة بالقانون، فإنها لها تقدير ما يطرحه الخصوم من أسباب للرد.
٣- التبليغ
يتم إبلاغ القاضي بصورة مصدقة من استدعاء طلب الرد ليتمكن من الرد عليه، ويكون الرد خلال الفترة التي تحددها المحكمة المنظور أمامها طلب الرد، وهذا الرد غير إلزامي على القاضي المطلوب رده، وفي حالة عدم الرد تستكمل الإجراءات بالشكل الذي سنوضحه فيما يلي:
– (المادة 136) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني ذهبت إلى أن: (يطلب رد القاضي باستدعاء يقدم إلى رئيس محكمة البداية إذا كان المطلوب رده قاضي صلح أو أحد قضاة المحكمة البدائية أو إلى رئيس محكمة الاستئناف إذا كان قاضي استئناف أو رئيس محكمة بداية أو إلى رئيس محكمة التمييز إذا كان قاضياً فيها أو رئيساً لمحكمة استئناف، ولا يقبل طلب الرد إذا لم يقدم قبل الدخول في الدعوى إن كان المتقدم به المدعي وقبل الدخول في المحاكمة إن كان المتقدم به المدعى عليه، ما لم يكن سبب الرد متولداً عن حادث طرأ بعد الدخول في الدعوى أو المحاكمة، فيشترط عندئذٍ لقبول طلب الرد أن يقدم في أول جلسة تلي هذا الحادث).
– (المادة 137) من ذات القانون نصت على أنه: (يجب أن يشتمل استدعاء طلب الرد على أسبابه ووسائل إثباته وأن يرفق به وسائل الإثبات من أوراق مؤيدة له ووصل يثبت أن طالبه أودع المحكمة خمسين ديناراً).
– (المادة 138) أيضاً نصت على أنه: (يبلغ الرئيس المطلوب رده صورة مصدقة عن استدعاء طلب الرد وبعد ورود الجواب منه تقرر المحكمة بدون حضور الفرقاء والقاضي المطلوب رده ما تراه بشأن هذا الجواب).
رابعاً: الفصل في طلب رد القاضي في القانون الأردني
يفصل في الطلب من قبل المحكمة المختصة بدون حضور القاضي المطلوب رده ذلك إذا قام بالرد على استدعاء طلب الرد المبلغ له، أما إذا لم يرد القاضي بعد تبليغه في الموعد الذي حددته المحكمة المنظور أمامها الطلب حددت جلسة لحضور الأطراف دون حضور القاضي.
وفي كلتا الحالتين إذا وجدت المحكمة المنظور أمامها الرد سببًا لرده تقرر تنحيته عن نظر النزاع، أما إذا وجدت أن الطلب غير جدي رفضت الطلب ويتم مصادرة مبلغ التأمين، وهو ما قررته (المادة 139) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني والتي ذهبت إلى أنه (إذا ظهر للمحكمة المرفوع إليها طلب الرد أن الأسباب التي بينها طالبه تصلح قانوناً للرد أو لم يجب عنها القاضي المطلوب رده في الميعاد الذي عينته له تعين يوماً للنظر في الطلب المذكور بحضور الطرفين دون اشتراك القاضي المطلوب رده وتفصل فيه وفق الأصول فإذا ثبت للمحكمة وجود سبب من أسباب الرد تقرر تنحية القاضي عن النظر في الدعوى وإلا فتقرر رد الطلب ومصادرة مبلغ التأمين واشتراك القاضي الذي طلب رده في المحاكمة والحكم).
وقرار طلب الرد له طرق الطعن فيه، حيث يجوز لطالب الرد أن يستأنف القرار بالرفض، ويكون هذا الاستئناف مع الاستئناف الذي يصدر في الدعوى، وذلك طبقاً لنص (المادة 138) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني التي ذهبت إلى أن (إذا قررت المحكمة رفض طلب الرد، يجوز لطالبه أن يستأنف هذا القرار ويميزه مع الحكم الذي يصدر في نهاية الدعوى).
ويلاحظ أن المشرع الأردني قد جعل استئناف قرار رفض طلب الرد مرتبطاً بصدور حكم في الدعوى، أي أن المتظلم من قرار الرفض عليه أن ينتظر حتى انتهاء الدعوى أمام محكمة أول درجة ليتثنى له أن يستأنف رفض القرار مع استئناف الحكم الابتدائي.
خامساً: أحكام لمحكمة التمييز في شأن رد القاضي
1- الحكم رقم 930 لسنة 1988 تمييز حقوق (هيئة خماسية) والصادر بجلسة 15/4/1989 (يشترط لتنحي القاضي أو رده عن رؤية الدعوى المقامة ضد التفليسة أن يشكل الاستيفاء منفعة مالية للقاضي في الدعوى المنظورة أو بسببها، وعليه فإذا كانت الدعوى المنظورة قد أقيمت قبل إشهار الإفلاس فإن استيفاء الأجر بفرض وقوعه لا ينهض سبباً لتنحي القاضي عن رؤية الدعوى).
2- الحكم رقم 2036 لسنة 2019 تمييز حقوق والصادر بجلسة 19/5/2019 (وإذا كان القضاء العادي يوفر الحماية القانونية للمختصمين أمام القضاء في درجات متعددة من التقاضي وبأقل التكاليف فإنه يوفر للمختصمين الطمأنينة سواءً فيما يتعلق بقرار الحكم أو بالطمأنينة للقاضي حيث كفل القانون للمختصمين طلب رد القضاة وكفل لهم حق الطعن في قرارات المحاكم أمام محكمة أعلى وصولاً إلى أعلى محكمة في الأردن).
سادساً: خاتمة
يعد الحق في رد القاضي أحد الضمانات الجوهرية التي عنيت بها التشريعات المختلفة، ذلك لأن هذا الحق يتمحور حول ضمان حيادية القاضي وعدم تأثره بالروابط الأسرية والاجتماعية.
الحق في الرد حق شخصي لصيق بصاحبه، وهو ليس من النظام العام حيث إنه لأي من الخصوم الذي توافر له الحق في طلب الرد ألا يشرع في إجراءات الرد وبذلك فهو يتنازل عن هذا الحق ضمنيا، ولا يجوز إثارته مرة أخرى بعد فوات المواعيد كما بينا في الأسطر السابقة.
ولقد رسخ هذا الحق أيضا المشرع الأردني وحسن أن فعل ذلك، ضمانة لحيادية القاضي ونزاهته وعدم ميله لأحد الأطراف، ونرى أنه قد أعطى هذا الحق للمتقاضين دون مبالغة فيه حينما جعل هذا الحق مقيد بمواعيد وضوابط معينة، بحيث لا تتأثر العدالة بتعسف أحد الأطراف في استخدام هذا الحق.
ونجد أن سمات الحق في الرد المتمثلة في أنه حق للمتقاضي ولأسباب على سبيل الحصر قد توافرت في التشريع الأردني، حيث أعطى المشرع هذا الحق في الرد لمن يتوفر له مبرراته يستفيد منه إذا رغب خلال المواعيد القانونية المحددة، والسمة الثانية أن المشرع الأردني قد حدد الحالات التي يجوز فيها رد القاضي على سبيل الحصر لا يجوز الاجتهاد فيها.
ويؤخذ على المشرع الأردني أنه ربط استئناف رفض طلب الرد باستئناف الدعوى الأصلية، ذلك أن هذا الربط ممن الممكن أن يكبد صاحب المصلحة في الرد خسارة إذا ما كان طلبه في الرد في محله وصدر الحكم بعدم حياديه، كذلك فإن هذا الربط قد يؤدي الى تعطيل عملية التقاضي، ويتحقق ذلك عند قبول استئناف رفض الطلب من قبل محكمة الاستئناف المنظور أمامها الحكم.
إعداد: محمد السعيد عبد المولى
[1] – فتحي والي – قانون القضاء المدني – دار النهضة العربية – القاهرة – بدون عام نشر – ص352.
[2] – محمود هاشم – النظام القضائي الإسلامي – دار النهضة العربية – القاهرة – 1994 – ص218.
[3] – يراجع القسم خامساً من هذا المقال – البند رقم (1).
– [4] صلاح الدين الناهي – مبادئ التنظيم القضائي والتقاضي والمرافعات – بدون دار نشر – الأردن – 1996 – ص82.
[5]– علي عوض حسن – رد ومخاصمة أعضاء الهيئات القضائية – دار افكر العربي – لبنان – 1998 – ص114.

