حصانة أعضاء مجلس الأمة
الحصانة البرلمانية هي إحدى الأمور التي لا غنى عنها للقيام بالعمل النيابي على الوجه الأمثل، ذلك أن أعضاء المجالس النيابة عادة ما يكونوا في تصارع واحتكاك دائم مع أعضاء السلطة التنفيذية الأمر الذي قد يعود عليهم بالسلب لخشية تعنت السلطة التنفيذية ضدهم.
لذلك تحرص الدساتير على إحاطة أعضاء السلطة التشريعية بضمانات فعلية وفعالة تقيهم تعنت السلطة التنفيذية ضدهم، وتكفل لهم التعبير بحرية عن آرائهم وانتقاداتهم دون الخشية من إمكانية ملاحقتهم قضائياً بصورة كيدية.
أولاً: إقرار الدستور الأردني الحصانة النيابية:
ثانياً: مدلول وسريان الحصانة الموضوعية:
ثالثاً: أحكام الحصانة الموضوعية:
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن حصانة أعضاء مجلس الأمة:
أولاً: إقرار الدستور الأردني الحصانة النيابية:
انطلاقاً من حرص المشرع الدستوري الأردني على كفالة حرية آراء أعضاء مجلس الأمة والتي تكون بمثابة تعبير عن آراء الشعب الأردني صاحب السيادة ومانح الشرعية، فلقد قرر المشرع الدستوري منح أعضاء مجلس الأمة حصانة تكفل لهم ضمانة التعبير عن آرائهم أو الحرية في إلقاء خطاباتهم أو ما يجرونه من تصويتات داخل المجلس أو ما يوجهونه من استجوابات أو أسئلة لأعضاء السلطة التنفيذية دون خشية من إمكانية ملاحقتهم بعد ذلك بصورة كيدية.
ومجلس الأمة الأردني ينقسم إلى مجلس النواب ومجلس الأعيان، ولذلك يثار التساؤل حول مدى منح المشرع تلك الحصانة لكل من أعضاء المجلسين؟
الواقع أن الإجابة على هذا التساؤل تبدوا واضحة جلية من مطالعة المادتين (86،87) من الدستور الأردني:
حيث نصت (المادة 86) من الدستور الأردني على أن: (لا يوقف أحد أعضاء مجلسي الأعيان والنواب ولا يحاكم خلال مدة اجتماع المجلس ما لم يصدر من المجلس الذي هو منتسب إليه قرار بالأكثرية المطلقة بوجود سبب كاف لتوقيفه أو لمحاكمته أو ما لم يقبض عليه في حالة التلبس بجريمة جنائية وفي حالة القبض عليه بهذه الصورة يجب إعلام المجلس بذلك فوراً، فإذا أوقف عضو لسبب ما خلال المدة التي لا يكون مجلس الأمة مجتمعاً فيها فعلى رئيس الوزراء أن يبلغ المجلس المنتسب إليه ذلك العضو عند اجتماعه الإجراءات المتخذة مشفوعة بالإيضاح اللازم).
في حين نصت (المادة 87) من الدستور الأردني على أن: (لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب ملء الحرية في التكلم وإبداء الراي في حدود النظام الداخلي للمجلس الذي هو منتسب إليه ولا يجوز مؤاخذة العضو بسبب أي تصويت أو راي يبديه أو خطاب يلقيه في أثناء جلسات المجلس).
ومن ثم يتضح أن المشرع الدستور قد منح أعضاء مجلس الأمة نوعين من الحصانة، إحداهما حصانة موضوعية، والأخرى حصانة إجرائية.
ثانياً: مدلول وسريان الحصانة الموضوعية:
1- مدلول الحصانة الموضوعية:
الحصانة الموضوعية تعني أن يتم إعفاء عضو مجلس الأمة من المسائلة القانونية بشقيها المدنية والجزائية عن كافة الأقوال أو الآراء التي يدلي بها داخل مجلس الأمة في جلساته أو لجانه، وذلك بغية الكشف عن الأخطاء التي قد ترتكبها الحكومة دون أن ينتاب العضو المقدم على كشف الغطاء عن أخطاء الحكومة خشية رد فعل الأخيرة ضده.
لذلك كانت تلك الحصانة بمثابة سياج عتي يعمل على الحفاظ على كيان التمثيل النيابي ويقيه من أي اعتداء يؤثر على عمله ويحيد به عن الطريق الذي يتعين أن يظل سائراً عليه والمتمثل في التعبير عن إرادة الشعب ووضع حد لتجاوزات السلطة التنفيذية وتقويم أفعالها.
2- سريان الحصانة الموضوعية:
يبدأ سريان الحصانة الموضوعية منذ اللحظة التي يُعلن فيها فوز المرشح في الانتخابات البرلمانية، وذلك وفقاً لما نصت عليه (المادة 171) من النظام الداخلي لمجس النواب بقولها: (يعتبر المنتخب نائباً وله حقوق النيابة منذ إعلان نتيجة الانتخاب)، أما عن أعضاء مجلس الأعيان فتبدأ حصانتهم من تاريخ تعيينهم بموجب قرار صادر عن الملك وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 40) من الدستور.
وهذا يدفعنا إلى القول بأن مجرد الترشح لعضوية مجلس النواب لا يمنح العضو المرشح حصانة برلمانية، ذلك أن الترشيح لا يعني حتمية الفوز بالانتخابات، ومن ثم فإن الخطابات التي تصدر عن أي مرشح لا تحاط بضمانات أو حصانات، ومن ثم يمكن ملاحقتهم عما يرد في تلك الخطابات ويكون مخالفاً للقانون.
وتجدر الإشارة إلى أن “الطعن في صحة عضوية أحد أعضاء مجلس النواب أمام محاكم الاستئناف وفقاً لأحكام (المادة 70) من الدستور لا يؤثر ولا ينتقص من التمتع بمزايا الحصانة البرلمانية بشقيها الموضوعي والإجرائي[1]“
ويثور التساؤل عن مدى شمول الحصانة البرلمانية الأفعال التي ارتكبها العضو قبل إعلان فوزه بالانتخابات أو صدور قرار تعيينه؟
الواقع أن الفقه تردد في الإجابة على هذا التساؤل، فمنهم من ذهب إلى أن الحصانة تشمل تلك الأفعال ومنهم من رأى عدم شمولية الحصانة لتلك الأفعال لانتفاء الحكمة التي قررت من أجلها الحصانة.
ولكن المحكمة الدستورية وضعت حداً لهذا التردد بموجب قرارها التفسيري رقم (7) لسنة 2013 للفقرة الأولى من المادة (86) من الدستور، حيث قررت أن: (هذه الحماية أو الحصانة التي منحها المشرع الدستوري للعين أو النائب قد جاءت مطلقة من حيث زمان وقوع الفعل المرتكب؛ إذ لم يميز المشرع الدستوري بين جرم ارتكبه العين أو النائب قبل اكتسابه صفة عضوية أحد المجلسين أو بعد اكتسابه هذه الصفة. ولم يستثن المشرع الدستوري من هذه القاعدة إلا حالة القبض على أحد أعضاء المجلسين متلبساً بجريمة جنائية حيث يجب إعلام المجلس بذلك فوراً، أو حالة توقيف العضو خلال المدة التي لا يكون مجلس الأمة مجتمعاً فيها حيث يجب على رئيس الوزراء أن يبلغ المجلس المنتسب إليه ذلك العضو عند اجتماعه الإجراءات المتخذة مشفوعة بالإيضاح اللازم.
وبناء على ما تقدم، وجواباً على السؤال الموجه من مجلس الوزراء بهذا الخصوص؛ ترى المحكمة أنه باستثناء الحالتين المشار إليهما أعلاه؛ لا يجوز توقيف أو محاكمة أحد أعضاء مجلسي الأعيان والنواب خلال مدة اجتماع المجلس سواء عن أفعال جرمية ارتكبها قبل اكتسابه هذه الصفة أو بعد اكتسابه إياها إلا بعد رفع الحصانة عنه بقرار بالأكثرية المطلقة من المجلس الذي ينتسب إليه العضو المطلوب توقيفه أو محاكمته).
ثالثاً: أحكام الحصانة الموضوعية:
1- اقتصار الحصانة الموضوعية على الآراء والأقوال داخل قبة البرلمان:
الحصانة البرلمانية الممنوحة لأعضاء مجلس الأمة تُعد حصانة محدودة مقيدة بغرض معين يتمثل في منح العين – أو النائب – حرية في التعبير عن رأيه دون خشية التنكيل به من قبل السلطة التنفيذية.
ومن ثم تقتصر تلك الحصانة على التصرفات التي يجريها داخل القبة البرلمانية سواء تمثلت في خطابات، أو كتابات، أو توجيه أسئلة ،أو عقد استجوابات ،أو رفع تقارير ،أو مناقشات، أو تصويتات على أمور متعلق بالعمل البرلماني.
أما ما يتم خارج القبة البرلمانية فلا يكون مشمولاً بحصانة وعلى وجه الخصوص إذا كان منبت الصلة عن العمل البرلماني، وذلك كالأعمال الحياتية الخاصة بعضو مجلس الأمة.
ولكن يثار تساؤل على قدر من الأهمية حول مدى تمتع النائب بحصانة عن تصرفاته التي تتعلق بعمله البرلماني، ولكنها تتخذ خارج القبة البرلمانية؟
فمن الممكن أن يدلي النائب برأيه على صفحته الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي أو يدلي برأيه في موضوع معين في لقاء صحفي، فهل تكون تصرفاته مشموله بحصانه في هذه الحالات؟
الواقع أن الفقه الدستوري لم يتفق على الإجابة على هذا التساؤل، ولكن بالرجوع إلى طبيعة الحصانة واعتبارها استثناء من الأصل العام الأمر الذي يوجب تفسيرها تفسيراً ديقاً يدفعنا إلى القول بانحسار الحصانة البرلمانية عن أعمال عضو البرلمان التي تتم خارج القبة البرلمانية حتى ولو تعلقت بعمله البرلماني وذلك استناداً لقول المشرع الدستوري ” في أثناء جلسات المجلس”، وهذا وفقاً للرأي الراجح لدى الفقه الدستوري المصري.
ولكن يجب أن نشير إلى أن جلسات المجلس لا تقتصر على الجلسات التي تُعقد داخل القبة البرلمانية، حيث إنه لو تقرر انعقاد تلك الجلسات في مكان آخر لأدى ذلك إلى مصاحبة الحصانة لأفعال وأقوال النواب في تلك الجلسات.
2- استثناء على الحصانة الموضوعية:
يستثنى من الأفعال المشمولة بالحصانة في شقها الموضوعي تلك الأفعال التي ترتكب داخل المجلس وتشكل جرائم كالضرب، أو الجرح، أو التزوير، أو التعدي على أحد الأعضاء وذلك لأنها منبتة الصلة عن العمل النيابي.
ولكن الواقع العملي يكشف لنا أن تلك الأفعال المتمثلة في التعدي من الأعضاء على بعضهم سواء بالضرب أو السب والقذف عادة ما تنتهي بالصلح.
وهناك من الفقه من يرى أنه يلحق بتلك الأفعال التي لا تشملها الحصانة التحريض على الثورة أو التمرد أو العصيان.
3- خصائص الحصانة الموضوعية:
تتسم الحصانة الموضوعية بعدد من السمات والتي تتمثل فيما يلي:
أ- أنها دائمة، حيث لا يسأل العضو عن الأفعال التي ارتكبها وكانت مشمولة بالحصانة حتى ولو بعد انتهاء عضويته سواء بالفصل أو بانتهاء الفصل التشريعي.
ب- تتعلق الحصانة الموضوعية بالنظام العام، ومن ثم لا يجوز التنازل عنها سواء من العضو أو من المجلس ذاته، وهذا ما أوردته (المادة 146) من النظام الداخلي لمجلس النواب بنصها على أن: (ليس من حق النائب أن يتنازل عن حصانته دون موافقة المجلس).
ج- امتداد الحصانة لتحول دون إمكانية مسائلة النائب تأديبياً عن أفعاله داخل المجلس وهذا ما قررته (المادة 139) من النظام الداخلي لمجلس النواب بنصها على أن: (لا يجوز خلال دورة انعقاد المجلس ملاحقة العضو جزائياً أو اتخاذ إجراءات جزائية أو إدارية بحقه).
رابعاً: الحصانة الإجرائية:
1- فلسفة الحصانة الإجرائية:
تم تقرير الحصانة الإجرائية بموجب (المادة 86) من الدستور الأردني والتي تتعلق بحظر إيقاف العين أو محاكمته إلا بعد الحصول على إذن بذلك من المجلس المنسب إليه، أما في حالة غيبة المجلس أو عدم انعقاده فيمكن اتخاذ تلك الإجراءات في مواجهة العين على أن يلتزم رئيس الوزراء بإبلاغ المجلس المنتسب إليه العضو فور انعقاده بكافة الإجراءات التي اتخذت ضده.
ومن ثم يتضح أن الحصانة الإجرائية تكون غير مفعلة في حالة غيبة مجلس الأمة وهذا يدل على أن الغرض منها هو حماية العضو أثناء جلسات المجلس، أما حين يغيب الأخير فلا يكون للحصانة فائدة مما أدى إلى إيقاف تفعيلها تلك الفترة.
ولكن يلاحظ أنه حتى في ظل غياب المجلس فإن للحصانة الإجرائية بعض الآثار التي تلزم السلطة التنفيذية بعدم مخالفة القانون ضد العضو أو التعسف في مواجهته، ذلك أن السلطة التنفيذية تكون ملزمة بإبلاغ المجلس فور انعقاده بكافة الإجراءات التي اتخذت ضد العضو، فإذا انطوت تلك الإجراءات على مخالفة للقانون أو تعسف ضد العين فإن ذلك من شأنه أن يعرض السلطة التنفيذية للمسائل السياسية.
ووفقاً لما ورد (بالمادة 86) من الدستور الأردني فإنه لا يجوز توقيف العضو حال ارتكابه أي جريمة – ما لم يكن في حالة تلبس أو جرم مشهود – أياً كان نوعها سواء أكانت جناية، أم جنحة، أم مخالفة، وسواء كانت متعلقة بالعمل النيابي أم منبتة الصلة عنه، ولكن نشير إلى أن بعض الفقه يرى أن الحصانة لا يسري إعمالها حال ارتكاب العضو مخالفة لأن هذا النوع من الجرائم لا يتطلب حضور أمام القضاء ولا يكون من شأنه الإضرار بالعضو حيث غالباً ما تكون عقوبته غرامة مالية.
أما في حالات التلبس بالجريمة – أو الجرم المشهود – فلا يكون للحصانة ثمة أثر وذلك لانتفاء الكيدية في هذه الحالة، مما يجيز للسلطة التنفيذية توقيف العين واستجوابه ومحاكمته دون الحصول على إذن من المجلس ، ولكن يتعين على السلطة التنفيذية أن تحيط المجلس علماً بما تم اتخاذه من إجراءات ضد العين[2].
2- النطاق الزمني للحصانة الإجرائية:
تُعد الحصانة الإجرائية أوسع نطاق من الحصانة الموضوعية ذلك أنها غير مرتبطة بفترة معينة، ولكنها ترتبط بأدوار انعقاد المجلس سواء أكان عضو البرلمان في المجلس أم خارجه، وذلك على عكس الحصانة الموضوعية التي يقتصر إعمالها على ما يبدر من العضو داخل القبة البرلمانية.
إلا أن تلك الحصانة لا تظل مصاحبة للعضو طوال فترة عضويته، ذلك أنه يقف إعمال آثارها في حالة غيبة المجلس وعدم انعقاده.
أ- الحصانة أثناء انعقاد المجلس:
يتمتع عضو البرلمان بالحصانة ببدء أدوار انعقاد المجلس منذ لحظة الإعلان عن الإرادة الملكية بدعوة المجلس للانعقاد وتظل ممتدة حتى صدور قرار من الملك بفض دور انعقاد المجلس أو إذا تم تأجيل جلساته أو تم حله.
ويُعد المجلس منعقداً – وبالتالي يتمتع أعضائه بالحصانة الإجرائية – سواء أكان الانعقاد في صورته العادية أم الاستثنائية.
ب- مستلزمات الحصانة الإجرائية:
يترتب على تمتع العضو بحصانة إجرائية آثار غاية في الأهمية تتمثل في عدم جواز إيقافه حال اتهامه بارتكاب جرم جنائي إلا بعد الحصول على إذن من المجلس يصدر بموجب قرار صادر عن الأغلبية المطلقة وذلك وفقاً لما قررته (المادة 86) من الدستور الأردني.
وإعمالاً للنص الدستور فقد قررت (المادة 139) من النظام الداخلي لمجلس النواب أن: (لا يجوز خلال دورة انعقاد المجلس ملاحقة العضو جزائياً، أو اتخاذ إجراءات جزائية ،أو إدارية بحقه ،أو إلقاء القبض عليه أو توقيفه إلا بإذن المجلس، باستثناء حالة الجرم الجنائي المشهود، وفي حالة القبض عليه بهذه الصورة يجب إعلام المجلس بذلك فوراً).
فالحصانة الإجرائية إذن هي بمثابة قيد إجرائي يقيد السلطة العامة في تحريك الدعوى الجزائية ضد العضو مرتكب الجريمة، حيث لا يكون للسلطة العامة تحريك الدعوى الجنائية ضد العضو مالم تحصل على إذن من المجلس الخاص وإلا عدت الدعوى الجزائية غير مقبولة.
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الحصانة الإجرائية ذات طبيعة شخصية، حيث لا يستفيد منها سوى العضو مرتكب الجريمة ولا يمتد نطاق الاستفادة منها إلى شركائه في الجريمة، فضلاً عن أنها تقتصر على حماية العضو من تحريك الدعوى الجزائية ضده دون أن يمتد نطاقها إلى الحيلولة دون رفع الدعوى المدنية على العضو لمطالبته بالتعويض.
ج- دور مجلس الأمة في طلب رفع الحصانة:
تبدأ إجراءات رفع الحصانة عن العين بطلب الإذن برفع الحصانة يقدمه رئيس الوزراء إلى رئيس المجلس وذلك وفقاً لما بينته (المادة 140) من النظام الداخلي لمجس النواب بنصها على أن: (يقدم رئيس الوزراء طلب الإذن باتخاذ الإجراءات الجزائية إلى رئيس المجلس، مشفوعاً بمذكرة تشتمل على نوع الجرم ومكانه وزمانه والأدلة التي تستلزم اتخاذ إجراءات عاجلة).
بعد ذلك يتم إحالة هذا الطلب إلى اللجنة القانونية بالمجلس والتي تلتزم بتقديم تقريرها في مدة أقصاها خمسة عشر يوماً، فإذا ما صدر التقرير من اللجنة فإنه يُحال على المجلس للنظر فيه وإصدار قرار من المجلس بالأغلبية المطلقة.
وجديراً بالذكر أن دور المجلس يقتصر على تقدير أهمية الادعاءات دون أن يتعدى ذلك إلى التحقق من ثبوت التهمة أو تقدير مدى كفاية الأدلة أو غير ذلك من الإجراءات التي تُعد من صميم عمل سلطات التحقيق، حيث يمكن القول أن المجلس عليه أن يتحقق من عدم وجود شبهة كيدية اتهام فذلك هو الضمانة الحقيقة لعضو المجلس، أما تقدير الأدلة ومدى كفايتها فهو من أعمال سلطة التحقيق، ولقد تقرر ذلك بموجب (المادة 143) من النظام الداخلي لمجس النواب بنصها على أن: (ليس للمجلس أن يفصل في موضوع التهمة وإنما يقتصر دوره على الإذن باتخاذ الإجراءات القانونية أو الاستمرار فيها متى تبين له أن الغرض منها ليس التأثير على النائب لتعطيل عمله النيابي)، وهو ذات ما قررته (المادة 117) من النظام الداخلي لمجلس الأعيان.
3- الاستثناءات المقررة على الحصانة الإجرائية:
يرد على الحصانة الإجرائية عدة استثناءات تتمثل فيما يلي:
أ- حالة عدم انعقاد المجلس:
في فترة عدم انعقاد المجلس والتي قدرها المشرع الدستوري بستة أشهر فإن الحصانة الإجرائية يتوقف إعمال آثارها ومن ثم يكون للسلطة العامة أت تحرك الدعوى الجزائية ضد العضو دون حاجة إلى الحصول على إذن من أي جهة، على أن يتعين على السلطة التنفيذية أن تحيط المجلس علماً بكافة الإجراءات التي تم اتخاذها ضد العضو والأسباب التي دعت اتخاذ تلك الإجراءات، ويكون للمجلس أن يقرر الاستمرار في تلك الإجراءات أو يقرر إيقافها وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 144) من النظام الداخلي لمجلس النواب والتي نصت على أن: (اذا أوقف عضو لسبب ما خلال المدة التي لا يكون فيها المجلس منعقداً ، فعلى رئيس الوزراء أن يبلغ المجلس عند اجتماعه الإجراءات المتخذة مشفوعة بالإيضاح اللازم ، وللمجلس أن يقرر استمرار تلك الإجراءات أو إيقافها فوراً).
ب- التلبس بجريمة:
يُعد هذا الاستثناء من الاستثناءات التي أوردتها كافة الدساتير في مختلف النظم القانونية، إذ لا حصانة مع التلبس بالجريمة، فطالما شوهد العين وهو يرتكب جريمة فيجوز القبض عليه فوراً دون حاجة لأخذ إذن من مجلس الأمة، ذلك أن التلبس بالجريمة ينتفي معه الكيدية التي يخشى على العضو منها.
ومن ثم إذا توافر في حق العين أي حالة من حالات الجرم المشهود المنصوص عليها في (المادة 28) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فإن ذلك من شأنه أن يرفع القيد الإجرائي عن السلطة العامة والتي يكون لها القبض على العين في الحال.
خامساً: حالات انتهاء الحصانة:
الحصانة في حد ذاتها لا تُعد بمثابة امتياز للعضو، بل هي آداه تمكنه من مباشرة عمله النيابي على الوجه الأمثل دون خشية أو تردد، ومن ثم فإنها تدور وجوداً وعدماً مع الصفية النيابية، فضلاً عن أنها تزول – بشقيها الموضوعي والإجرائي – في حالات عدم انعقاد المجلس لانتفاء الحاجة إليها.
وكذلك تزول الحصانة عن العضو إذا ما استقال من العمل النيابي على أن استقالة العضو لا تنفذ ولا تزول عنه الحصانة إلا من اللحظة التي يصدر فيها المجلس قرار بقبلها إذا كان العضو من مجلس النواب، أو قرار بقبول الاستقالة من الملك إذا كان العضو من مجلس الأعيان، وذلك وفقاً لما قررته (المادة 72) من الدستور الأردني والتي نصت على أن: (يجوز لأي عضو من أعضاء مجلس النواب أن يستقيل بكتاب يقدمه إلى رئيس المجلس وعلى الرئيس أن يعرض الاستقالة على المجلس ليقرر قبولها أو رفضها)، وكذلك (المادة 36) من الدستور بقولها: (الملك يعين أعضاء مجلس الأعيان ويعين من بينهم رئيس مجلس الأعيان ويقبل استقالتهم).
ولقد بينت (المادة 95) من الدستور الأردني أحد حالات انتهاء الحصانة والتي تتمثل في فصل العضو وذلك بنصها على أن: (لا يجوز فصل أحد من عضوية أي من مجلسي الأعيان والنواب إلا بقرار صادر من المجلس الذي هو منتسب إليه، ويشترط في غير حالتي عدم الجمع والسقوط المبينتين في هذا الدستور وبقانون الانتخاب أن يصدر قرار الفصل بأكثرية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس وإذا كان الفصل يتعلق بعضو من مجلس الأعيان فيرفع قرار المجلس إلى الملك لإقراره).
فإذا تم فصل العضو فإن ذلك من شأنه أن يرفع عنه الحصانة البرلمانية بشقيها، مما يبيح اتخاذ الإجراءات القانونية ضده دون حاجة للحصول على إذن مسبق.
وكذلك تزول الحصانة البرلمانية عن العضو بإسقاط عضويته وذلك إذا ما تخلف عنه أحد الشروط الواردة في (المادة 75) من الدستور الأردني، أو إذا صدر حكم قضائي نهائي ضده بعقوبة تزيد على سنة في غير الجرائم السياسية.
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن حصانة أعضاء مجلس الأمة:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 218 لسنة 1989 ما يلي:
إن الحصانة البرلمانية المقررة في المادة (86) من الدستور هي حصانة من إجراءات التوقيف والمحاكمة التي تقيد النائب أو العين في حرية الكلام أو إبداء الراي. وعليه فليس في إجراء محاكمة العين بجنحة إصدار شيك بدون رصيد خلافا لأحكام المادة (421) من قانون العقوبات والحكم بإدانته وحبسه لمدة سنة مع الغرامة والزامه بدفع قيمة الشيك للمدعي بالحق الشخصي أي خرق للحصانة بالمعنى المقصود بالمادة (86) من الدستور ما دام أن جلسات المحاكمة الصلحية قد تمت في الفترة التي لم يكن فيها مجلس الأمة في حالة الانعقاد وأن محكمة الصلح قد توقفت عن محاكمته خلال الدورة العادية لمجلس الأمة ولم تستأنفها إلا بعد فضها أما الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف خلال الدورة الاستثنائية للمجلس فقد صدر تدقيقا دون حضور المشتكى عليه كما أنه تم بناء على استئناف المشتكى عليه خلال الدورة أي إجراء من إجراءات التوقيف أو المحاكمة التي من شانها أن تقيد المشتكى عليه في حرية الكلام وإبداء الرأي في المجلس وفقا لشروط المادة (87) من الدستور.
وورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 152 لسنة 1989 ما يلي:
إذا كان المشتكى عليه متمتعا بالحصانة البرلمانية بتاريخ تقديم الشكوى وقيدها في قلم المحكمة وخلال الجلسة الأولى إلى أن فقد عضويته في مجلس الأعيان وزالت عنه الحصانة ، فتكون إجراءات المحاكمة التي تمت خلال فترة الحصانة مع الحكم الصادر في هذه القضية غيابا مشوب بمخالفة الدستور لان الحكم الغيابي المذكور بني على الإجراءات التي تمت في فترة الحصانة وان صدر بعد زوالها .
أما إجراءات المحاكمة الصلحية الثانية بعد الفسخ هي إجراءات صحيحة لا تشوبها عوائق الحصانة لأنها جرت بعد فقد المشتكى عليه عضويته في مجلس الأعيان وذلك لان الفسخ الاستئنافي إلغاء للحكم الصلحي المخالف للقانون مع إجراءات المحاكمة الصلحية الأولى ويكون الاحتجاج بالحصانة قد استنفذ أغراضه بهذا الفسخ.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] عوض رجب خشمان، حدود الحصانة النيابية المقررة لأعضاء مجلس الأمة الأردني في التشريعات الأردنية، 2021، الجامعة الأردني عمادة البحث العلمي، ص161.
[2] أنظر على محمد الشحي، حدود المسئولية الجزائية والتأديبية لعضو المجلس النيابي في التشريع الأردني والإماراتي “دراسة مقارنة”، 2016، الجامعة الأردنية عمادة البحث العلمي، ص 1321.

