ضمانات استقلال وحماية القضاء الأردني
لأول وهلة يمكن أن يظن القارئ أن الموضوع إنما يخص القاضي باعتباره ممثل القضاء، ويتناول ضمانات استقلاله وحمايته لكونه كذلك، ولعل الأمر أوسع من ذلك كثيراً، فمهوم استقلال القضاء أوسع من حصره في استقلال القاضي، لاريب إن كان حصره في استقلال السلطة القضائية تضييقا لسعته كذلك.
فاستقلال القضاء يتبلور في وجهين اثنين، أما الوجه الأول فيتمثل في استقلال السلطة القضائية وهو الاستقلال المؤسسي، ويتمثل الأخير في حماية القاضي بشخصه باعتباره ممثل هذه السلطة والشاهد على استقلالها.
ثانيًا: ضمانات استقلال السلطة القضائية
أولًا: مقدمة
نفضل – على خلاف الكثير من الفقه – أن نتناول موضوع استقلال القضاء بهذا التقسيم السالف أي في ضوء بيان ضمانات استقلال السلطة القضائية وحماية القاضي، لا استقلال القاضي؛ ذلك لأنه من البديهي أنه طالما كانت السلطة مستقلة وهي البناء الكبير فإن استقلال القاضي وهو اللبنة في هذا البناء أمر حتمي.
ومن ثم فإن ضمانات استقلال السلطة القضائية لا تضمن لها امتيازاً عن السلطتين الأخريين بقدر ما هو حق ثابت لها بموجب مبدأ الفصل بين السلطات، وأن ضمانات حماية القاضي لا ترتب له وضعاً مقدساً عن المساءلة أو منزهاً عن المراقبة بقدر ما توفر له استقلالية من الضغوط التي قد يتعرض لها وهو بصدد أداء وظيفته.
ولا يسع إنسان أن يجادل في أن حقوق الإنسان وحرياته أمور لا يمكن الحديث عنها ما لم تستقل السلطة القضائية وتكون قادرة على حماية القاضي، فلا وجود لحق بغير وجود قاضٍ قادر لا يحيطه إكراه ولا توقعه حيلة أو مكيدة. وما على الحرية أن تخشى – كما يرى الكساندر هاملتون – أي أمر يتعلق بالنظام القضائي بمفرده، لكن عليها ان تخشى كل امر إذا ما اتحد القضاء مع أي من السلطتين الأخريين[1]، وهو أمر ليس بالمحال، إذا ما تابعنا تردي الأوضاع الحقوقية في العالم.
والحقيقة أن ضمانات استقلال القضاء إنما تحمل باطناً ضمانات استقلال السلطتين الأخريين، التشريعية والتنفيذية بعدم تغول أي منهما، وأن ضمانات حماية القاضي تحمل بطياتها كذلك ضمانات حماية المتقاضين.
وعليه فإننا سنعالج هذا الموضوع من زاويتين، نقدم في الأول ونبين فيه ضمانات استقلال السلطة القضائية، ومن ثم نسوق الضمانات التي أكد عليها المشرع الأردني في سبيل حماية القاضي.
ثانيًا: ضمانات استقلال السلطة القضائية
الحقيقة انه لا يمكن أن نحمّل القضاة مسئولية إنصاف الفئات المهمَشة والمظلومة، ومواجهة السلطات السياسية، من دون بذل الجهد القانوني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية في حال تعرّضهم لضغوط أو تعريضهم لسوء من جرَاء هذه المواجهة، والأهم من مجرد بذل الجهد، محاصرة الضغوط والتدخّلات التي تمارس على القضاء، وتعزيز ضمانات حماية القضاة واستقلال القضاء، ولو من خلال الرأي العام.
وحسناً فعل المشرع إذ نص في المادة الثالثة من قانون الاستقلال القضائي لسنة 2014 على أن القضاء مستقل والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، يحظر على أي ترخيص أو سلطة المساس باستقلال القضاء والتدخل في شؤونه.
إن ضمانات حماية القاضي تكون مكفولة بقدر استقلال السلطة القضائية الذي تؤمنه الدولة بدورها وينص عليه الدستور والقوانين، والواجب على كافة المؤسسات الحكومية والغير حكومية مراعاته واحترامه.[2]
ومن ثم، فإن ضمانات حماية القاضي ومن قبل استقلال السلطة القضائية هي ما يتحقق معها عدم خضوع القضاء في تنظيمه لأي سلطان عدا سلطان الحق والقانون، وهذا أمر لا يكون بإلغاء علاقة السلطة القضائية بغيرها كالسلطة التنفيذية والتشريعية، وإنما بعدم خضوعها لأي منهما.
فتكون ضمانات حماية القاضي إذاً هي ما تحرره من أية تأثيرات مهما كان مصدرها سوى الحق والقانون.[3]
ويتبلور استقلال السلطة القضائية في محاور ثلاثة، وهي الاستقلال الإداري، والاستقلال المالي، واستقلالية اتخاذ القرارات، ولا يمكن الحديث عن استقلال كامل بغير الاستقلال في الإدارة وفي سلطة اتخاذ القرارات.
المحور الأول: الاستقلال الإداري
والاستقلال الإداري هو أن تكون للسلطة القضائية ممثلة في الهيئة المستقلة الصلاحية الكاملة في إدارة المؤسسة من غير قيد أو شرط، ومن غير أية تدخلات من السلطتين الأخريين، وأي انتقاص من هذه الحرية المطلقة في الإدارة للهيئة المستقلة الممثلة للسلطة القضائية هو انتقاص واضح من الاستقلال أو بالأحرى الاستقلال الكامل.
ليست وحدها السلطة القضائية التي يجب أن تتمتع بهذا الاستقلال في الإدارة، وإنما يجب أن تقوم السلطتين التنفيذية والتشريعية بتنظيم أمورها الإدارية باستقلالية كذلك، لأن منازعة سلطة لأخرى في التنظيم الإداري لمؤسساتها، هو انتقاص حقيقي من استقلالها وإهدار لمبدأ الفصل بين السلطات.
وهذه المهمة – أي الاستقلال الإداري – أوكلت للمجلس القضائي الذي أصبح منوطاً بتحقيق الاستقلال الإداري من خلال منحه اختصاصات تنظيم وإدارة المرفق القضائي، والعمل على تطويره من خلال إدارة نابعة من قلب المرفق.
فيتولى المجلس جميع الشؤون المتعلقة بالقضاة النظاميين بما في ذلك النظر في شؤون القضاة وتعيينهم وترفيعهم وترقيتهم وتأديبهم ونقلهم وانتدابهم وإعارتهم وإنهاء خدمتهم وفق أحكام هذا القانون.
ومنح المجلس كذلك صلاحية إبداء الرأي في التشريعات التي تتعلق بالقضاء وتقديم الاقتراحات بشأنها.
وبحسب المادة السادسة من قانون استقلال القضاء الأردني لسنة 2014فله في سبيل الاضطلاع بمهامه أيضاً إقرار التقرير السنوي حول أوضاع المحاكم وسير العمل فيها.
وبحث استقلال السلطة القضائية في أمورها الإدارية يكون بتأكيد استقلالها في تنظيم شئون أعمال القضاة الأساسية، وهي من ضمانات حماية القاضي كذلك، وتتمثل في الإشراف على أعمال القضاة، ترقيتهم، نقلهم وندبهم، وأخيراً المسائلة التأديبية لهم.
1_ الإشراف على أعمال القضاة
الإشراف على أعمال القضاة يكون إشرافاَ قضائياً من خلال المجلس القضائي كأهم ضمانات استقلال السلطة القضائية وحماية القضاة من عسف السلطتين الأخريين التشريعية والتنفيذية.
والإشراف القضائي يكون بمراقبة أعمال القضاة وسلوكياتهم بحسب ما نصت عليه المادة الثامنة من قانون استقلال القضاء” يعد الرئيس في مطلع كل سنة تقريراً سنوياُ عن أوضاع المحاكم وسير الأعمال فيها خلال السنة السابقة ويعرضه على المجلس لإقراره ويرفع الرئيس هذا التقرير إلى الملك ويرسل نسخة منه إلى وزير العدل”.
وما نص عليه قانون استقلال القضاء الأردني رقم 29 لسنة 2014 في مادته السادسة في فقرتها الثانية من أن للمجلس القضائي إبداء الرأي في التشريعات التي تتعلق بالقضاء وتقديم الاقتراحات بشأنها.
كما ويقع على عاتق المجلس القضائي كأحد أهم مهامه الإدارية رفع مستوى القضاة الثقافي والمهني والعمل على ذلك بشتى الطرق، والارتقاء بالجهاز القضائي كاملاً، ورفع مستوى العملية القضائية بالكلية وبكل تفاصيلها.
2_ ترقية القضاة
وترقية القاضي مكافأة نهوضه بأعباء وظيفته على الوجه الأفضل، وليس هناك من لا يكون الترقي أُولى اهتماماته وأَوْلى طموحاته، وجعل منح الترقية من وظيفة سلطة غير القضائية لهو انتقاص من الاستقلال الممنوح للسلطة القضائية في محور الإدارة.
وبحسب المادة السادسة فقرة أ من قانون استقلال القضاء الأردني لسنة 2014 فقد جاء قانون الاستقلال القضائي يمنح المجلس القضائي وحده النظر في شؤون القضاة، وتعيينهم، وترفيعهم، وترقيتهم.
إن مجرد العبث في هذا الأمر بمنحه لسلطة غير القضائية كالتنفيذية مثلاً؛ سيجعل من الترقية مكافأة التبعية، واستجابة الإملاءات، أو حتى استباق القضاة بانتهاج الأحكام التي تقربهم من السلطة زلفى.
وعليه تكون إحدى الوسائل الضامنة لاستقلالية القضاء، وأيضاَ حماية القضاة هي إنشاء نظام واضح لترقية القضاة مبني على عوامل موضوعية؛ لأنه وكما أسلفنا أن منح سلطة ترقية القضاة لسلطة غير القضائية كالتنفيذية قد يشكّل تركيز القاضي جهوده في سبيل ترقيته واسترضاء الهيئات المسئولة عن ترقيته تهديداً لاستقلاليته.
هذا الهاجس الأخير حدا ببعض التشريعات ألا تأخذ بنظام ترقية القضاة مطلقاً، فالقاضي يعين على درجة واحدة لا يتخطاها وإن أفنى عمره في القضاء؛ درأً لما قد يحصل من بذله أحكامه مخالفاً بها الحق طالباً بها رضاء السلطة والترقية[4].
الأمر الذي يؤيده كثير من الفقهاء، باعتبار أن ترقية القضاة فكرة تتعارض مع مبدأ استقلاله، لأن اعتماد الصلاحية في الترقية ينطوي على انتقاص من شأن القاضي بإخضاعه للتقييم؛ لأنه إما أن يكون القاضي صالحاً لشغل وضيفته، وإما ألا يكون فيتنحى.[5]
غير أن الأنظمة المبنية على أساس الكفاءة أو الأقدمية تُعدَ مقبولة، ما دامت الترقية على أساس معايير موضوعية تضمن تحققها هيئة مستقلة، كالمجلس القضائي، وقد جاء نص المادة الثامنة عشر من قانون الاستقلال سالف الذكر على أن يجري ترفيع القضاة من درجة إلى درجة أعلى على أساس من الجدارة والكفاءة المستمدتين من تقدير المجلس وتقارير المفتشين الواردة عنهم ومن واقع أعمالهم ، مع مراعاة العقوبات التأديبية المفروضة عليهم وعند التساوي في الدرجة يرجح القاضي الأقدم على أن يقترن الترفيع للدرجة العليا بإرادة ملكية سامية.
3_ نقل القضاة وندبهم
بما أن نقل القضاة وندبهم موكول بنص القانون إلى المجلس القضائي فإن الأمر تنتفي معه شبهة كون النقل أو الندب عقوبة في باطنه.
ولعل أهم ما يضمن ألا يكون النقل عقوبة مبطنة هو شرط موافقة القاضي، بمعنى أن يكون هناك رغبة واضحة من قبل القاضي في النقل الذي قد يكون نوعياً أو مكانياً.[6]
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الأمر يبقى غامضاً إلى حدٍ كبير، ولا نكون صادقين إذا ما قلنا إن الضمانات التي جاء بها قانون الاستقلال القضائي كافية في هذا الصدد.
فالمادة الثانية والعشرون من هذا القانون نصت على صلاحية أن ينتدب الرئيس في – حالة الضرورة – أي قاض من غير أعضاء المجلس لأي محكمة نظامية أو خاصة أو لتولي إحدى وظائف النيابة العامة أو للقيام بمهام التفتيش لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر في السنة الواحدة، هذه المدة على الرغم من كونها عادلة جدا، إلا أن عدد المرات التي يمكن أن ينتهي بها الندب غير محدد، وإن كنا نقر – ومن باب الإنصاف – أن نادراً ما يمكن أن يندب القاضي نفسه مرتين على الأكثر، ولكن الأمر يلزمه بحسب ما نرى تحديداً أكثر.
هذا وتجدر الإشارة إلى تفرد الفقرة الثالثة من نفس المادة والتي جاءت تشترط أن يراعى في الانتداب ألا تكون الوظيفة أو العمل الذي انتدب إليه القاضي أدنى درجة من درجته أو العمل المنوط به.
4_ مساءلة القضاة تأديبياً
قلنا ان محاسبة القاضي أمر لصيق باستقلالية القضاء، وكما يجب ألاَ تتم المحاسبة على نحو يهدد استقلالية القضاة، لا يمكن أن يتبدل مبدأ استقلالية القضاء إلى حصن يؤسس فيه القضاء لاستبداده؛ ذلك أن دعم استقلال القضاء من باب ترسيخ مقومات الحق، وأما تنزيه القضاء عن المساءلة فهو الطغيان.
وبحسب المادة السابعة والعشرون فإن للرئيس من تلقاء نفسه أو بناء على تنسيب المفتش الأول أو رئيس المحكمة المسؤول حق تنبيه القاضي خطياً إلى كل ما يقع منه مخالفاً لواجبات أو مقتضيات وظيفته وذلك بعد استجوابه خطياً ويحفظ هذا التنبيه في ملف القاضي السري على أن تراعى كافة ضمانات الدفاع.
وأما المسائلة الجزائية فالأصل فيها لا يجوز ملاحقة القاضي أو القبض عليه أو توقيفه إلا بعد الحصول على إذن من المجلس ما لم تكن من حالات التلبس بجريمة جنائية، لأنه وبحسب المعايير الدولية، يجب أن يرتبط المسار التأديبي للقضاة وأي قرار بعزل أو إيقاف أحدهم عن ممارسة مهنته بمعايير محدَدة وإجراءات عادلة أمام هيئة مستقلة منعاً لتحوَل المحاسبة إلى أداة لترهيب القاضي أو الضغط عليه أو الانتقام منه.
وفي حالات تلبس القاضي بجريمة جنائية على النائب العام عند القبض عليه أو توقيفه أن يرفع الأمر إلى المجلس في مدة الأربع والعشرين ساعة التالية كضمانة عاجلة لكرامة القاضي، وللمجلس الخيار من بعد، فله أن يقرر بعد سماع أقوال القاضي إما الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة وإما الاستمرار في توقيفه للمدة التي يقررها وله تمديد هذه المدة.
وبحسب المادة الثامنة والعشرون من قانون الاستقلال القضائي فما دام القاضي في الخدمة فللمجلس أن يأذن بملاحقة القاضي إذا تأكد من جدية الشكوى، أما إذا قرر حفظ الشكوى فلا يجوز ملاحقة القاضي عن تلك الشكوى بعد انتهاء خدمته.
ويجوز للمجلس أن يقرر كف يد القاضي عن مباشرة أعمال الوظيفة أثناء إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن جريمة أسندت إليه وذلك اما من تلقاء نفسه أو بناء على طلب النائب العام وللمجلس أن يعيد النظر في أي وقت بقرار كف اليد.
وأخيراً، فإن حماية القاضي لا تجوز ظلم المتقاضين، والمحاسبة ضمانة ألا تتحول الاستقلالية لاستبداد وتغول سلطوي.
وتبقى مسؤولية القضاة في الدرجة الأولى تأديبية، فعلى القضاة أن يكونوا مستقلين ومحايدين وعليهم التصرَف بطريقة تتفق والقواعد الأخلاقية المهنية المحدَدة.
ولا شك أن المساءلة الجزائية للقضاة – وإن كانوا بشراً غير معصومين – تبقى نقطة سوداء في كتاب من الصفحات الناصعة.
المحور الثاني: الاستقلال المالي
جدلاُ كبيراً أثير حول هذا المحور، كل تناوله بمنظوره الخاص، ولعل أهم ما جاء في هذا الخلاف وجهتان من وجهات النظر التي تؤيد لاستقلال القضاء المالي سنعرض لهما.
الوجهة الأولى تنطلق من مبدأ الاستقلال الكامل التام؛ بحيث يكون للسلطة القضائية مخصصاتها المالية بميزانية مستقلة ضمن الميزانية العامة للدولة، بحيث لا يمكن أن تستغل هذه الميزانية كورقة ضاغطة ومؤثرة على استقلال عمل القضاة أو نزاهة أحكامهم.[7]
أما الوجهة الثانية فتنطلق من نفس المبدأ غير أنها تؤمن بوجوب أن تخضع هذه الميزانية للمراقبة، والمراقبة التي يقصدها أصحاب هذه الوجهة هي مراقبة السلطة التشريعية، مع وجوب التأكيد بالابتعاد بالسلطة القضائية تماماً عن السلطة التنفيذية، إذ هي برأيهم صاحبة جل الخروقات التي تمس مبدأ الاستقلال.[8]
وبرأينا أن الوجهة الثانية هي الأولى بالتأييد والدعم، ولا يمكن أبداً أن نؤيد المعارضين بحجة أن تناول البرلمان لهذه الميزانية سيؤدي إلى هدر مبدأ الاستقلال، لأنه حق دستوري ثابت له باعتباره ممثل الرقابة على مشاريع القوانين التي تقدمها السلطة التنفيذية، ولا يلزم لتحقيق الاستقلال المالي سوى ان ينفرد لمجلس القضائي بوضع الميزانية من غير إملاءات السلطة التنفيذية، ومن ثم ترفع للوزير لاتخاذ ما يلزم ومن بعد تدخل في الميزانية العامة للدولة كما أقرها المجلس.
لكن لماذا يتحتم أن يكون للسلطة القضائية ميزانيتها المخصصة الكافية؟
لأمرين اثنين، أولهما أن اضطلاع السلطة القضائية بمهامها على النحو الفاعل لا يمكن إلا بموارد كافية وجاهزة للصرف الفوري، فليس هناك ما هو هم من تحقيق العدالة الناجزة في دولة الحق والحريات.
وأما الأمر الثاني فهو أن الموارد الكافية تقطع على الفساد طريقه في التسلل للمرفق القضائي، وتضمن للقضاة مركزاً سامياً يقي من تطلعهم إلى الوظائف الأخرى مما يجعل الدولة تخسر كوادرها المهمة ولا ريب.
المحور الثالث: الاستقلال في اتخاذ القرارات
الاستقلال في اتخاذ القرارات، المحور الذي هو ضمانة العدالة أكثر من كونه ضمانة الاستقلالية، فليس أولى من أن يترجم استقلال القاضي في استقلاله في إصدار القرارات وتسطير الأحكام من غير توقيفها على إملاءات مسبقة أو تعليقها على اشتراطات لاحقة.
فالقاضي أسير ضميره أولاً وقبل كل شيء، فإذا ما استقر في قرارة نفسه أن حكماً هو أجدر بملابسات وقائع القضية التي ينظرها، فلا سبيل لكائن من كان أن يتدخل ليغير هذا القرار بالترغيب وعرض المكافآت والهبات أو بالترهيب والتهديد والضغط.
ويذهب بعض الفقه إلى أن هذه الضمانة كغيره مشوب كذلك بما يناقضه من حالات العفو والصفح، ويرى أنصار هذا المذهب أن هذا من شأنه أن يقوض سيادة القانون ويحط من سمو الحكم القضائي.
ثالثًا: ضمانات حماية القاضي
ضمن القانون حماية القاضي بذاته كعضو السلطة القضائية، بعد أن أمن له استقلالية السلطة التي ينتسب إليها، ويمكن ان نبين هذه الحماية في محورين اثنين، نبين في الأول الحماية التي ضمنها القانون للقاضي من السلطة التنفيذية، وفي الأخير الحماية التي ضمنها للقانون للقاضي من الأفراد.
المحور الأول: ضمانات حماية القاضي من السلطة التنفيذية
كثيرة هي أوجه ضمانات حماية القاضي بشخصه من السلطة، فعدم قابلية القاضي للعزل، وعدم جواز المساس بأوضاعه المالية، وإحكام أوضاع ترفيعه، وإطلاق حريته في إصدار أحكامه أهم هذه الضمانات، ونبينها تباعاً.
1_ عدم قابلية القاضي للعزل
مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل، انتهى إلى الطريق الذي لم يبدأ به، فمن يصدق أن المبدأ الأهم على الإطلاق في ضمانات حماية القاضي واستقلال مرفق القضاء بكامله كان من مبدأً لتقرير الاستبداد والطغيان!
المبدأ ساد في فرنسا في الحقبة التي كان فيها شراء وظائف القضاء، وكان من حق المشتري إذاَ ألا يحرم من ملكه أبدا، ذلك فضلاً عن حق ورثة المالك في ملك مورثهم، ومن هنا تقرر المبدأ عدم تعريض القضاة للعزل.[9]
ليصبح المبدأ الآن أحد أهم ضمانات حماية القاضي من السلطة بعدم قابليته للعزل، وحسنا فعل المشرع عندما نص في المادة الخامسة والعشرين من قانون الاستقلال لسنة 2014 على أنه لا يجوز عزل القاضي أو الاستغناء عن خدمته إلا تأديبياً وبقرار من المجلس بإرادة ملكية سامية، بل وذهب في الفقرة الثانية من نفس المادة لما هو أبعد فنص على أنه لا يجوز تنزيل درجة القاضي إلا بقرار من المجلس.
ولعل عدم قابلية القاضي للعزل هي ضمانة بمثابة حجر الزاوية في نظام حماية القاضي وفي إرساء دعائم استقلال القضاء بكامله، فلا سبيل للحديث عن هذه الحماية للقاضي ولا هذا الاستقلال للقضاء والقاضي وهو جوهر العملية وذروة سنامها غير آمن على منصبه ورسالته كذلك غير آمنة.[10]
وعدم قابلية القاضي للعزل ليست ضمانة مطلقة، وإنما ضمانة محصنة بحصن القانون وشرطه، فيبقى القاضي آمناً من العزل ما لم يرد موجبات من مخالفة القانون، وتبقى ضمانة أكيدة في حماية القاضي ضد السلطة التنفيذية.
2_ عدم جواز المساس بأوضاعه المالية
ذكرنا آنفا أنه يتحتم أن يكون للسلطة القضائية ميزانيتها المخصصة الكافية؛ وأرجعنا ذلك لأمرين اثنين، أولهما أن اضطلاع السلطة القضائية بمهامها على النحو الفاعل لا يمكن إلا بموارد كافية وجاهزة للصرف الفوري، وأخيرهما هو أن الموارد الكافية تقطع على الفساد طريقه في التسلل للمرفق القضائي، وتضمن للقضاة مركزاً سامياً يقي من تطلعهم إلى الوظائف الأخرى مما يجعل الدولة تخسر كوادرها المهمة.
والقانون وعى ذلك جيداً، ففضلاُ على عدم جواز المساس بأوضاع القضاة المالية ذهب في الفقرة الثانية من المادة الخامسة والعشرين إلى أنه لا يجوز تنزيل درجة القاضي إلا بقرار من المجلس، وجاء في قانون الاستقلال القضائي في المادة العشرين ما يؤكد حق القضاة في زيادة سنوية تكون بقرار من المجلس، لا يجوز حجبها إلا لمدة تزيد عن السنة في حال ارتكاب القاضي العقوبات المنصوص عليها.
فقد جاء في المادة سالفة الذكر نصًا ما يلي :
المادة 20 ” أ. تمنح الزيادة السنوية بقرار من المجلس.
ب. يجوز للمجلس حجب الزيادة السنوية لمدة لا تزيد على سنة إذا فرضت على القاضي إحدى العقوبتين المنصوص عليهما في الفقرتين (أ) و(ب) من المادة (37) من هذا القانون وتحجب إذا فرضت على القاضي العقوبة المنصوص عليها في الفقرة (ب) من تلك المادة أكثر من مرة خلال ثلاث سنوات أو اقترنت بعقوبة أخرى”
وعدم جواز المساس بأوضاع القاضي المالية حماية أكيدة لدخل القاضي الوحيد من جور السلطة أو تعديها أو انحرافها وتعسفها.
3_ إحكام أوضاع ترفيع القضاة
قانا أن إحدى أهم الوسائل الضامنة لاستقلالية القضاء، وأيضاَ حماية القضاة هي إنشاء نظام واضح لترفيع القضاة مبني على عوامل موضوعية؛ وأن منح سلطة ترفيع القضاة لسلطة غير القضائية كالتنفيذية قد يشكّل تهديداً لاستقلاليته.
وعليه فإن معايير الكفاءة والأقدمية تُعد من المعايير المقبولة في هذا الصدد، ما دام الترفيع مبني على أسس موضوعية وتحققها هيئة مستقلة، كالمجلس القضائي، وقد جاء في الفقرة الثانية من المادة الخامسة والعشرين إلى أنه لا يجوز تنزيل درجة القاضي إلا بقرار من المجلس، وجاء نص المادة الثامنة عشر من قانون الاستقلال على أن يجري ترفيع القضاة من درجة إلى درجة أعلى على أساس من الجدارة والكفاءة المستمدتين من تقدير المجلس وتقارير المفتشين الواردة عنهم ومن واقع أعمالهم، مع مراعاة العقوبات التأديبية المفروضة عليهم وعند التساوي في الدرجة يرجح القاضي الأقدم على أن يقترن الترفيع للدرجة العليا بإرادة ملكية سامية.
وعند التساوي في هذا المعيار وهو معيار الكفاءة، الذي يمكن تحديده بالرجوع إلى الدرجة الممنوحة للقاضي في تقاريره، نصت نفس الفقرة على ترجيح القاضي الأقدم.
والمادة التاسعة عشر نصت على معيار الكفاءة أيضاً عند التساوي في الدرجة فذهبت إلى أنه لا يجوز ترفيع القاضي إلى درجة أعلى من درجته مباشرة قبل انقضاء ثلاث سنوات على حلوله في تلك الدرجة إلا إذا عين في أعلى مربوط لها فيجوز ترفيعه بعد انقضاء سنة واحدة على تعيينه وتعطى الألوية في الترفيع عند التساوي في الكفاءة لمن اجتاز دورات المعهد التي يحددها المجلس.
4_ إطلاق حريته في إصدار أحكامه
إطلاق حرية القاضي في إصدار أحكامه، يعني كما أسلفنا أن يترجم استقلال القاضي في حريته وإطلاق يديه في إصدار القرارات وتسطير الأحكام من غير توقيفها على إملاءات مسبقة أو تعليقها على اشتراطات لاحقة، فإذا ما استقر في قرارة نفسه أن حكماً يلازم وقائع القضية التي ينظرها، فلا سبيل لأية جهة ان تتدخل في هذا القرار حتى وإن كان المجلس القضائي نفسه.
المحور الثاني: ضمانات حماية القاضي من الأفراد
من أهم الضمانات التي يمكن ان يقررها القانون في ضوء حماية القاضي هي حماية القاضي من الأفراد؛ الأمر لا علاقة له بالحماية من التعدي بالضرب أو السب، وإنما حماية القاضي من مظالم الأفراد وهو الموكول له إنصافهم، ربما يكون الأمر أكثر عدلاً لو توفرت حماية القاضي من ظلم نفسه بإقحامها في الجور والمحاباة متعللاً بقيد الوظيفة.
فقد جاء في قانون الاستقلال القضائي في مادته الثامنة والثلاثين ألا يجوز أن يجتمع في هيئة واحدة في أي محكمة قاضيان بينهما قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة، كما لا يجوز أن يكون ممثل النيابة أو ممثل أحد الخصوم أو الخبراء ممن تربطهم الصلة ذاتها بأحد القضاة الذين ينظرون الدعوى، وذلك منعاً أن تؤثر القرابة في حيادية أحكام الهيئة.
وحسناً فعل المشرع لأن حبل القرابة ممدود ودائرة المعارف واسعة، وقد ينزل القاضي عن رأيه وإن كان صواباً لنزول زميله مجاملة أو تقليدا.
وجاء في المادة السادسة عشر من وجوب مراعاة القاضي ألا يقوم بأي عمل أو تصرف يحقق منفعة له أو لأقاربه.
كما ولا يجوز للقاضي أن ينظر في أي نزاع له مصلحة فيه أو لأي من أقاربه حتى الدرجة الرابعة أو أصهاره، وإمعاناً في محاصرة هذا الأمر فلا يجوز للقاضي أن ينظر في أي نزاع إذا سبق له النظر فيه أو أبدى الرأي أو الترافع أو الوكالة عن أي طرف.
ونوجز هذا الفصل في بندين، في الأول نبين ضمانة حماية القاضي من الخصوم، ونبين في الثاني ضمانات حماية القاضي من نفسه.
1_ ضمانة حماية القاضي من الخصوم
توجهت جل التشريعات المعاصرة في تنظيمها العمل القضائي على منع القاضي من نظر الدعوى التي بين يديه إذا ما توافرت دواعي شبهة التحيز وعدم الحياد.
وهذه الضمانة التي نبينها هنا هي ضمانة حماية القاضي من الخصوم بإعطاء الخصوم الحق في رده متى توافرت دواعيه؛ رغبة من المشرع في الحفاظ على القاضي من الزج به في كراهية مع أحد خصومه بمسوغ قد لا يلتفت له هو، أو قد لا يراه ضاغطاً عليه لظلم الخصم الآخر.
وأما أسباب الرد التي يجوز رد القاضي بها، فحددها القانون على سبيل الحصر وهي:
- إذا كان له أو لزوجه دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها، أو إذا وجدت لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم أو مع زوجه بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه.
وهذا من باب درأ المفسدة التي قد تقع بأن يحاول القاضي ان يلتمس في قضية ينظرها حكماً يؤسس عليه حقاً في دعوى مماثلة له أو لزوجه، وما قد يغور في صدره بالدعوى التي تكون بينه أو زوجته مع أحد الخصوم أو زوجته فيحيد عن الحق بأن يسطر لنفسه أو لزوجته حكماً يقيد به لهما، شريطة ان تكون هذه الدعوى التي طرأت بعد نظر القاضي الخصومة الأصيلة ليست مفتعلة لرد القاضي عن نظر الخصومة التي بين يديه.
- إذا كان لمطلقته التي له منها ولد أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي بقصد رده.
وهنا أيضاَ يبرز تحرص المشرع من أن ينساق القاضي مأسوراً بعاطفته التي تربطه بمطلقته أم ولده والتي لها خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجه، وهنا يبدو ان مجرد وجود مطلقة القاضي بين أطراف الخصومة ليس مبرراً لرده، وإنما لابد أن يكون لها منه ولد، ويجب كذلك أن تكون هذه الدعوى التي طرأت بعد نظر القاضي الخصومة الأصيلة ليست مفتعلة لرد القاضي عن نظر الخصومة التي بين يديه.
- إذا كان أحد الخصوم يعمل عنده.
وعقد العمل، وإن كان لا يرقى أن ينهض مثلا لأن يكون في نفس الحالتين السابقتين، ولكنه يبقى داعياَ للميل والركون.
- إذا كان قد اعتاد مساكنة أحد الخصوم أو كان قد تلقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعدها.
وهذه أيضا ضمانة مهمة لحماية القاضي من كراهية المتقاضين، لأن الجيرة من دواعي المؤازرة الشديدة، وقد تكون الهدية التي أرسلها أحد الخصمين للقاضي قبل رفع الدعوى أو بعدها يقصد بها شراء وده أو التأثير عليه مجاملة.
- إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل.
وهذه النقطة تفتح من تفاصيل رد القاضي أبواباً كثيرة، فالعداوة والمودة أمران وحسان داخليان، لا يفطن لهما إلا من كان له سابق موقف، ومن ثم كان هذا البند من أسباب الرد التي تكون مبررة جداً؛ لأن العداوة التي تكون بين أحد أطراف الخصومة وبين القاضي فهي من دواعي عدم اطمئنانه للحكم الصادر في الخصومة، وعلى النقيض فالمودة التي له عند القاضي من دواعي عدم اطمئنان الخصم الآخر، والأصل في التداعي لقضاء مستقل الاطمئنان الأولي لحيادتيه ونزاهته.
كل هذه الأمور مما يخص رد القضاة، ويكون طلب رد القاضي باستدعاء يقدم الى رئيس محكمة البداية إذا كان المطلوب رده قاضي صلح أو أحد قضاة المحكمة البدائية. ويقدم الطلب إلى رئيس محكمة الاستئناف إذا كان المطلوب رده قاضي استئناف أو رئيس محكمة بداية.
فاذا كان المطلوب رده قاضيا في محكمة التمييز أو رئيسا لمحكمة استئناف يقدم الطلب لرئيس محكمة التمييز، ولا يقبل طلب الرد إذا لم يقدم قبل الدخول في الدعوى ان كان المتقدم به المدعي وقبل الدخول في المحاكمة ان كان المتقدم به المدعى عليه، ما لم يكن سبب الرد متولدا عن حادث طرأ بعد الدخول في الدعوى أو المحاكمة، فيشترط عندئذ لقبول طلب الرد أن يقدم في أول جلسة تلي هذا الحادث[11].
وطبيعي جداً، ضرورة أن يشتمل استدعاء طلب الرد على أسبابه ووسائل إثباته وأن يرفق به وسائل الإثبات من أوراق مؤيدة له ووصل يثبت ان طالبه أودع المحكمة خمسين دينارا.
بعد ذلك، يبلغ الرئيس القاضي المطلوب رده صورة مصدقة عن استدعاء طلب الرد وبعد ورود الجواب منه تقرر المحكمة بدون حضور الفرقاء والقاضي المطلوب رده ما تراه بشأن هذا الجواب.
فاذا ظهر للمحكمة المرفوع اليها طلب الرد ان الأسباب التي بينها طالبه تصلح قانونا للرد أو لم يجب عنها القاضي المطلوب رده في الميعاد الذي عينته له تعين يوما للنظر في الطلب المذكور بحضور الطرفين دون اشتراك القاضي المطلوب رده وتفصل فيه وفق الأصول فاذا ثبت للمحكمة وجود سبب من أسباب الرد تقرر تنحية القاضي عن النظر في الدعوى والا فتقرر رد الطلب ومصادرة مبلغ التأمين واشتراك القاضي الذي طلب رده في المحاكمة والحكم.
وكضمانة لاحقة مهمة، فإنه إذا قررت المحكمة رفض طلب الرد، يجوز لطالبه أن يستأنف هذا القرار ويميزه مع الحكم الذي يصدر في نهاية الدعوى.
2_ ضمانة حماية القاضي من نفسه
وأهم الضمانات أن يقرر القانون للقاضي حماية من نفسه، وحماية الإنسان من نفسه تكون بالحيلولة بينه وبين هواه، فقد قال الله مخاطباً داوود عليه السلام “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحساب”[12]
وقد جاء في الحديث عن وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِرَأْيِهِ وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ» صدقوا جميعاً وصل اللهم على نبينا محمد وسلم.
ومن ثم فإن منحة القانون للإنسان أن يراجع نفسه وأن يعزل نفسه مؤقتاً عن نظر دعوى يتأكد فيها عنده أنه لن يعدل.
وتختلف هذه المنحة بحسب ما إذا كان القاضي مفروض عليه أن ينسحب عن نظر الدعوى فنكون بصدد عدم صلاحية القاضي بنص القانون، أو أن له متسع من الخيار فنكون بصدد جواز تنحيه.
بالنسبة لعدم الصلاحية فبحسب المادة مئة وثلاثون واثنين فإن القاضي يكون غير صالح لنظر الدعوى ممنوعا من سماعها ولو لم يرده أحد من الخصوم في الأحوال الآتية:
- إذا كان زوجا لأحد الخصوم أو كان قريبا أو صهرا له الى الدرجة الرابعة.
- إذا كان له أو لزوجه خصومة قائمة مع أحد الخصوم أو مع زوجه.
- إذا كان وكيلا لأحد الخصوم في أعماله الخاصة أو وصيا عليه أو قيما أو مظنونة وراثته له أو كان زوجا لوصي أحد الخصوم أو القيم عليه أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة بهذا الوصي أو القيم أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصمة أو أحد مديريها وكان لهذا العضو أو المدير مصلحة شخصية في الدعوى.
- إذا كان له أو لزوجه أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلا عنه أو وصيا أو قيما عليه مصلحة في الدعوى القائمة.
- إذا كان بينه وبين أحد قضاة الهيئة صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة أو كان بينه وبين المدافع عن أحد الخصوم صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الثانية.
- إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم في الدعوى، ولو كان ذلك قبل اشتغاله في القضاء، أو كان قد سبق له نظرها قاضيا أو خبيرا أو محكما أو كان قد أدى شهادة فيها.
- إذا رفع دعوى تعويض على طلب الرد أو قدم ضده بلاغا لجهة الاختصاص.
وقد نصت المادة اللاحقة على ضمانات مهمة بشأن مدى إمكانية أن ينظر القاضي الدعوى التي جاء ممنوعاً من نظرها، فنصت على أنه يقع باطلاً عمل القاضي أو قضاؤه في الأحوال المشار اليها في المادة السابقة ولو تم باتفاق الخصوم وإذا وقع هذا البطلان في حكم صدر من احدى هيئات التمييز جاز للخصم أن يطلب منها الغاء الحكم وإعادة نظر الطعن أمام هيئة تمييز لا يكون فيها القاضي المتسبب في البطلان.
وبالنسبة لتنحي القاضي فقد نصت المادة مئة وثلاثون وخمسة على انه إذا كان القاضي غير صالح لنظر الدعوى أو قام به سبب للرد فعليه أن يخبر رئيس المحكمة للأذن له في التنحي ويثبت هذا في محضر خاص يحفظ في المحكمة.
ويجوز للقاضي (حتى لو كان صالحا لنظر الدعوى ولم يقم به سبب للرد) إذا استشعر الحرج من نظر الدعوى لأي سبب أن يعرض أمر تنحيه على رئيس المحكمة للنظر في إقراره على التنحي.
رابعًا: الخاتمة
إن الاجتهاد في تأسيس لبنات العدالة، فإنما هو الجود بما يستطاع؛ فما لا يدرك كله لا يترك كله، وأن كل ما تقدم إنما هو سعي حثيث من القانون على التأكيد على وجوب استقلال القضاء، وضمان حماية القضاة، ولكن ربما لا يكلل هذا السعي، أو ربما يحدث.
على أية حال ليس هناك صواب مطلق أو خطأ مطلق، والمشرع يرى ما يمكن أن يراه في سبيل أن يرسخ لمنظومة العدالة، فيؤكد ضمانات الاستقلال والحماية بهدف إحكام الاستقلال والحماية، فإنه إن أصاب فله أجر، وإن أخطأ فله أجران.
وتبقى المهمة الأساسية مناطة بالمؤسسات القضائية وبالقضاة أنفسهم.
وفي هذا الإطار، يقتضي بداية تعزيز ثقافة الخير للقاضي من خلال ترسيخ الأخلاقيات والرقابة القضائية، سواء في فترة تدرّجه في معهد الدروس القضائية أو لاحقاً.
وقد يكون أهم العوامل المساعدة على ذلك هو إيجاد مساحة داخل المحاكم يتطوَر فيها التضامن المهني بين القضاة في اتجاه تطوير قيمهم المهنية المشتركة لتعزيز الشفافية.
لا شيء سوى ثقافة الخير، وما يجب أن ينهض به المجتمع برمته نحو العدالة والحق وأن يجاهد في تحقيقهما وأن ينتزع مفاتيحهما ولو كانت بين شبق الأفاعي، لأنه ومهما كانت الصلاحيات المعطاة للسلطة والضوابط المتاحة لها، فلا شيء يضمن صلاحها أو بالأحرى بقائها صالحة، بل وهذا المجلس القضائي نفسه فانه يتعيَن إيجاد ضوابط تحول دون هيمنته على القضاة صوناً للاستقلالية الداخلية.
إعداد: عمر سعد حسيني
[1] نقله د حمزة النسور عن ساندرا داي اوكونور في كتابها أهمية استقلال النظام القضائي.
[2] يراجع في ذلك مبادئ استقلال السلطة القضائي، ميلانو ديسمبر 1985م.
[3] غسان مدحت الخيري: الرقابة القضائية على القوانين، الطبعة الأولى، دار الراية للنشر والتوزيع، الأردن، 2012، ص 112.
[4] فاروق الكيلاني: استقلال القضاء، المركز العربي للمطبوعات، بيروت، ط2 عام 1999، ص 330.
محمد نور شحاتة: استقلال القضاء من وجهة النظر الدولية والعربية والإسلامية، دار النهضة العربية، ص 132 وما بعدها.
[5] د. محمد عصفور: استقلال السلطة القضائية، ط1، أطلس، القاهرة، ص 165 وما بعدها.
[6] نصت المادة 12 من نظام القضاء اللبناني على سبل المثال على انه لا يجوز نقل القضاة حتى بموافقتهم المكتوبة إلا بموافقة مجلس القضاء الأعلى بعد أن يستمع للقاضي المراد نقله.
[7] وسيم حسام الدين الأحمد: استقلال القضاء، الطبعة الأولى، منشورات الحلبية الحقوقية، لبنان، 2012، ص21 وما بعدها.
[8] عبد الرحمن سليمان زيباري: السلطة القضائية في النظام الفيدرالي، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، منشورات زين الحقوقية، لبنان، 2013، ص 160 وما بعدها.
[9] الطيب الفصايلي: التنظيم القضائي في المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط3، سنة 2002، ص68.
[10] محمد عصفور: مرجع سابق ص 370 وما بعدها.
[11] مادة 136 من قانون المحاكمات المدنية.
[12] سورة ص الآية 26

