الإثبات ببصمة الأذن

الإثبات ببصمة الأذن

لقد مرت وسائل الإثبات على مر العصور بمراحل عديدة تطورت خلالها وخاصة في نطاق القضايا الجنائية، حيث تطورت من الاعتماد على الوسائل البدائية والارتكاز على الاعتراف وشهادة الشهود برؤية عينية إلى استخدام أدق الوسائل المتطورة للكشف عن هوية المجرمين، فلم يعد لوسائل الإثبات حصر، وكذلك تطور النظام القضائي في وجود وسائل علمية جديدة للكشف عن مرتكبي تلك الجرائم.

ونرى الآن واقعًا قائماً بالفعل بشأن استخدام الوسائل الحديثة في الإثبات، وذلك عن طريق بصمة الأصابع والعين والصوت، بل والمخ أيضاً، وكان لظهور تلك الوسائل الجديدة أثراً عظيماً على أنظمة التقاضي المختلفة من حيث تقييد القاضي الجزائي، ومن خلال هذا المقال سنناقش إحدى تلك الوسائل المستحدثة في نظام الإثبات وهي بصمة الأذن.

أولاً: ماهية الإثبات

ثانياً: تصنيف بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات

ثالثاً: تاريخ بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات

رابعًا: مميزات بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات

خامسًا: عيوب بصمة الأذن كوسيلة للإثبات

سادسًا: مثال عملي لاستخدام بصمة الأذن

سابعًا: عموميات حول بصمة الأذن

ثامناً: الخاتمة

أولاً: ماهية الإثبات

قبل الحديث عن البصمة كأحد وسائل الإثبات لابد أولاً أن نعرف ماهية الإثبات، وذلك باعتباره الأصل الذي تنبثق منه جميع الأفرع، ويمكننا أن نعرف الإثبات بأنه تدقيق الأدلة بواسطة السلطة المختصة لتنسب بهذا التدقيق واقعة لمرتكبها، وذلك عن طريق وسائل مشروعة معتبرة من قبل الشارع، والمشروعية هنا هي ضمانة لحرية الأفراد فلا يمكن التحصيل على الأدلة لإثبات ارتكاب فعل معين باستخدام طرق غير مشروعة، تلك الضمانة مقابلة لحرية القاضي في تكوين عقيدته.

 ويلاحظ من خلال التعريف السابق أن الإثبات ينصب على ثبوت وقائع الجريمة بركنيها المادي والمعنوي، وليس على تطبيق القانون على هذه الجريمة، وتحديد ماهية العقوبة التي توقع على الفاعل فقط، وأيضاً يتمحور الإثبات حول تحديد هوية الجاني وصحة إسناد الجريمة إليه[1].

وقد تباينت الدول في أنظمة الإثبات، فهناك دول تأخذ بالنظام الحر في الإثبات والذي يقوم على إطلاق العنان للأخذ بالأدلة دون تقيد بأدلة محددة، حيث نجد أن القاضي في هذا النظام لا توجد لديه أنماط ثابتة يمكنه من خلالها مطابقة الواقعة الجنائية على الأدلة الواجب توافرها لثبوت الفعل، بل أن القاضي في هذا النظام يكون له مطلق الحرية في طرح ما لا يقتنع به والتمسك بما يرسخ عقيدته، وذلك دون التعدي على الثوابت المستقرة من ضرورة التقيد بالأدلة اليقينية المطروحة أمامه، وهناك النظام المقيد الذي يستلزم أدلة معينة بذاتها لإثبات قيام الجريمة، فالقاضي في هذا النظام يطابق أدلة ووقائع الجريمة على متطلبات الإثبات لها، وكذلك هناك النظام المختلط الذي يأخذ بكلا من النظامين السابقين معاً.

ولقد أخذ المشرع الأردني بالنظام الحر في الإثبات، ويؤيد ذلك ما جاء بـ (المادة 147/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية (تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية)، ومن خلال النص نرى أن المشرع الأردني أطلق للقاضي العنان في تكوين عقيدته، ومن الممكن أن تكون تلك الوسيلة هي موضوع مقالنا هذا وهي بصمة الأذن، وهذا يعني أنه لا يوجد بالتشريع الأردني ما يمنع من الالتجاء لبصمة الأذن كوسيلة للإثبات، ومع ذلك فالقاضي ضمانة لإرساء العدل لابد أن يتقيد بمشروعية الدليل، وهذا يبين لنا أهمية الأدلة العلمية الحديثة في النظام الجنائي طالما توافرت صفة المشروعية في تلك الأدلة.

إن القاضي الجزائي وإن كان حراً في تكوين قناعته الشخصية واقتناعه الوجداني استناداً إلى أي دليل إثبات في الدعوى يرتاح ويطمئن إلى دلالته، خاصة في الدول التي تعتنق مبدأ الإثبات الحر أو المختلط، فهذا لا يعني ألا نقيده بمشروعية الدليل العلمي، هذا المبدأ والذي أصبح يمثل اليوم أحد أهم الركائز الأساسية في النظام الإجرائي العادل، فتقيد الحكم بأدلة مشروعة إنما يهدف إلى تحقيق العدل والعدالة، وكذا يهدف إلى خلق الثقة فيما يصدره القضاء من أحكام، والحفاظ على أمن واستقرار المجتمع ككل، ومعاملة المتهم بصورة إنسانية تتفق مع كرامته وحريته ودميته[2].

ثانياً: تصنيف بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات

نظرًا لتعدد الجرائم من قتل وسرقة وإرهاب واغتصاب وغيرها، والتي يصعب في الكثير منها الوصول إلى مرتكبها، فقد أدى ذلك إلى حتمية تطور وسائل الكشف عن الجرائم وإثباتها للوصول إلى المجرم الحقيقي، وتقع الآثار البيولوجية على رأس الأدلة الجنائية في مجال الإثبات الجنائي، ويقصد بالأدلة المادية والبيولوجية أو الحيوية هي تلك الأدلة التي يكون مصدرها الأنسجة الحية للإنسان، وهي بدورها تشمل تلك الأدلة التي يتم ضبطها في مسرح الجريمة ومن بين هذه الأدلة نجد البصمات[3].

وتصنف بصمة الأذن ضمن الآثار البيولوجية والتي هي من أهم الأدلة العلمية المعتمد عليها في مجال الإثبات الجنائي، وذلك يرجع إلى أهميتها وارتباطها بشخصيات الواقعة الإجرامية سواء كانوا مجرمين أو مجني عليهم، ويمكننا القول إن تلك الآثار البيولوجية قد أتسع نطاقها في المجال الجنائي لتشمل العديد من الآثار، فلم تعد تقتصر على البصمات الملموسة فقط، بل أضحت كذلك تشمل تأثير الجسم في المحيط الجوي، تلك الأدلة العلمية التي تكون محل اعتبار في المحاكمات الجنائية.

وهذا ما اخذ به المشرع الأردني حيث نصت (المادة 160/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه (لإثبات هوية المتهم أو الظنيين أو المشتكي عليها وهوية من له علاقة بالجرم، تقبل في معرض البينة البصمات أو أي وسيلة علمية معتمدة أخرى أثناء المحاكمات أو إجراءات التحقيق إذا قدمت بواسطة الشاهد أو الشهود وكانت مؤيدة بالبينة الفنية كما يجوز قبول الصور الشمسية في معرض البينة للتعرف على صاحبها)، وهذا يؤكد على ما قررناه سلفاً من أن المشرع الأردني يأخذ بجميع الوسائل العلمية في سبيل الوصول للحقيقة، وبصمة الأذن من ضمن هذه الوسائل العلمية.

وقد بادرت دولة الأردن بهدف تطوير سبل الأخذ بتلك الأدلة العملية إلى إبرام الاتفاقات الدولية ومنها اتفاقية التعاون في مكافحة الجريمة والمخدرات غير المشروعة بين الأردن وإسرائيل والمبرمة في 30/11/1995، حيث نصت (المادة 3) منها على أنه (سيتعاون الطرفان في مواضيع تحقيق الشخصية والمختبر الجنائي وسيتبادلان الخبرات العملية وبرامج التدريب وسيشمل هذا التعاون أشياء من بينها:

1- استعمال حقائب الفحص الأولية الميدانية.

2- تحليل العقاقير المحظورة.

3- تحليل السموم والمواد السامة.

4- التحاليل البيولوجية وفحص الحامض الأميني الـ (DNA).

5- فحص المواد والمعدات.

6- فحص الوثائق المشكوك بها.

7- تحليل الأصوات.

8- فحص الأسلحة النارية.

9- فحص البصمات.

10- تحليل آثار الانفجارات.

11- فحص آثار الحرائق المعتمدة في المختبرات.

12- كشف هوية الضحايا في الكوارث الجسيمة.

13- البحث والتطوير في مجال المختبر الجنائي.)

وكما سبق أن أوضحنا فالدليل العلمي المشروع المطروح في الميدان الجزائي من أجل تبرئة المتهم أو إدانته إنما يسعى لخدمة الفرد والمجتمع في آن واحد، وما تقييد سلطة القاضي الجزائي بالدليل العلمي المشروع إلا دليلًا على أن القانون فوق الجميع، ويهدف بالدرجة الأولى إلى إحقاق الحق وتحقيق العدل والعدالة[4].

ثالثاً: تاريخ بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات

على الرغم من أن بصمة الأذن ليست رائجة على المستوى العملي كدليل علمي ووسيلة من وسائل الإثبات، إلا أنها لا تعد من الوسائل حديثة النشأة، فالمحاولات قد بدأت بالملاحظة والتجارب العملية منذ زمن بعيد إلى أن وصلت تلك الجهود إلى وضع بعض العلماء أنماط للقياس الدقيق لبصمة الأذن ليتشكل علم جديد في عالم الإثبات.

تم استخدام بصمة الأذن بعد أن أثبتت التجارب العلمية فعاليتها في التحقيق الجنائي، وكانت تلك التجارب قد أجريت على يد العالم الفونس برتيلون في غضون عام 1879، والتي أثبت خلالها اختلاف بصمات الأذن من شخص لآخر، بل وفي ذات الشخص تختلف ما بين الأذن اليمنى والأذن اليسرى، وقد صرح هو ذاته بصعوبة إيجاد مثل هذا النوع من البصمات لعدم ملامسة الأذن لأماكن الجريمة، وقال أن تلك البصمات غالبًا ما تكون في الأماكن التي قد يسعى الجاني لاستراق السمع والتأكد من عدم وجود أشخاص في مسرح الجريمة، أو قد تكون في الأماكن الضيقة[5].

في عام 1949 قام العالم ألفريد فكتور بوضع نظام لتصنيف الأذن بنظام يشبه نظام بصمات الأصابع، فقام باستخدام وسائل تصوير مبتكرة وتكوين كامل للأذن على الورق، وابتكر وسائل لتساعده في عملية التصوير تلك، وقام بحفظ تلك الصور مرتبة في سجلات خاصة، وأصدر مؤلف لتحقيق شخصية الإنسان عن طريق الأذن[6].

هذا ونرى أن استخدام بصمة الأذن غير ملحوظ في العالم العربي في المجال الجنائي، فقط قد يستخدم في المستشفيات للتعرف على الأطفال ونسبهم إلى أمهاتهم في حالة حدوث خلط بين الأطفال، وهذا يعد تضيقًا مجحفًا لمجال بصمة الأذن.

رابعًا: مميزات بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات

قلنا إن بصمة الأذن تعد إحدى وسائل الإثبات المندرجة ضمن أنواع البصمات، وأن أهم ما يميز أي نوع من أنواع البصمات هو انفراد الأشخاص بها فلا تكون مكررة، وهذا كما أوضحنا سلفاً ينطبق على بصمة الأذن أيضاً.

كما يتقدم علم الأدلة الجنائية في مجال الكشف عن الجريمة فهناك على النقيض من يحرصوا على طمس تلك الأدلة (المجرمين)، فهم يتعمدوا إخفاء الأدلة لكيلا يتم تعقبهم، أدى ذلك إلى التمسك بكل ما هو جديد للوصول إلى مرتكبي تلك الجرائم، فأصبحت بصمات الأصابع دليلًا يعتمد عليه في التعرف على شخصية المجرمين، لكن الأبحاث لم تتوقف عند هذا الحد وإنما عملت على التوصل إلى المزيد من التقنيات التي تكشف عن شخصية المجرم، فأصبحت مصالح الأدلة الجنائية تعتمد عليها، وحظت بالأهمية التي كانت من قبل لبصمات الأصابع وهي بصمات الشفاه والأذن والعرق والصوت وغيرها[7].

 وتعد بصمة الأذن من تلك الوسائل التي أضيفت إلى قائمة الأدلة التي يأخذ بها عند الحاجة، وتعد بصمة الأذن مميزة من الناحية العملية فهي لا تتشابه بين الأفراد، حتى أن الأذن اليمنى لا تشبه الأذن اليسرى، وتؤخذ بصمة الأذن من موضع تلامس أذن المتهم مع الأجسام كما في حالة استراق السمع من على الأبواب أو النوافذ أو في حالة ملامسة أذن المتهم لأحد الأمتعة أو بأحد الأماكن الضيقة.

خامسًا: عيوب بصمة الأذن كوسيلة للإثبات

بصمة الأذن تعد دليل قوي على ارتكاب الجريمة لما أردفنا سلفاً، ولكن على الصعيد العملي لم تنل بصمة الأذن ذلك الاهتمام الذي حظيت به باقي الأدلة الأخرى مثل بصمة الأصابع، والعلة في ذلك ترجع لعدة أسباب، منها ما يرجع لصعوبة رفع البصمات الخاصة بها لصعوبة التكهن بأماكنها، أو عدم وضوحها، ويمكن بيان عيوب بصمة الأذن في النقاط الآتية.

1- صعوبة التكهن بأماكن بصمة الأذن

يعتبر من الأمور الصعبة أن يعثر الخبير الفني على أماكن تواجد هذه البصمات في مكان الجريمة، حيث غالبًا ما تكون تلك البصمات غير ظاهرة ولا يعثر عليها إلا عن طريق تعاون فريق الخبراء الفنيين ورجال الشرطة العلمية، عموماً كل ذلك ساعد المحققين على اكتشافها في بعض الأماكن والتي كان أهمها أماكن الاستكشاف مثلًا، فمن بعض المجرمين وخاصة في جرائم السرقة من يقومون بنوع من الاستكشاف قبل القيام بجريمتهم للتأكد من وجود أصحاب المنزل الذين يسعون لسرقته من عدمه، وكذلك للتصنت على الأبواب الخارجية أو النوافذ ذات السطح اللامع أو الأملس[8].

2- صعوبات في رفع بصمة الأذن كاملة

قد ترجع الصعوبة في الالتجاء إلى استخدام بصمة الأذن إلى أنها قد لا تكون واضحة على الأسطح لعدة أسباب، منها حجب الأذن كما في الأيام الباردة عن طريق الملابس، وكذلك إذا كان شعر الجاني طويل فيحجب إيقاع بصمة الأذن على الأسطح، مما قد يجعل رفع البصمات بشكل صحيح شبه مستحيل في حالة وجود العوائق.

سادسًا: مثال عملي لاستخدام بصمة الأذن

حيث حدثت جريمة قتل في مدينة اوساكا باليابان عام 1985، كان المتهم أحد أفراد عصابة معروفة بالياكوزا، وكان له شريكة في إدارة ملهى ليلي، حدث بينهما خلاف قام على أثره بقتلها خنقًا وهي نائمة، وأثناء محاولته للسيطرة عليها وهي تقاوم قامت القتيلة بترك عدة بصمات لأذنها على نوع من الورق اللامع، وعندما واجهة السلطات المتهم بالتهمة أنكر، إلا أنه وبتفتيش غرفته تم العثور على بصمات أذن القتيلة وتمت مطابقتها، وأكد هذا الدليل شهادة العامل الذي قام بتركيب الورق اللامع في ذات اليوم الذي قتلت فيه القتيلة[9].

سابعًا: عموميات حول بصمة الأذن

1- نظرة جديدة لبصمة الأذن

رأينا عند الحديث عن بصمة الأذن كوسيلة من وسائل الإثبات في النطاق الجنائي أنه قد تم تناولها عن طريق الاعتماد على الآثار البيولوجية التي تتركها الأذن في مسرح الجريمة، ورأينا أيضا الصعوبة العملية في الاعتماد على بصمة الأذن كدليل إثبات يعتمد عليه بشكل أساسي سواء من حيث صعوبة التكهن بأماكن تواجد تلك البصمات، أو صعوبة وجودها من الأساس.

ومن هذا المنطلق يمكننا القول أن هناك نظرة أخرى للاستفادة من بصمة الأذن ليس عن طريق ما تتركه من آثار في مسرح الجريمة، وإنما عن طريق استخلاص تلك البصمات وقياساتها بالطرق التكنولوجية الحديثة للاستفادة منها، حيث أن مجال تطبيق بصمات الأذن الآن يمكن استغلاله الاستغلال الأمثل عن طريق الصور الملتقطة للمجرم في مسرح الجريمة، فنحن نجد أنه في كثير من الأحيان يكون المجرم على علم بوجود كاميرات بمسرح الجريمة، فيتعمد إخفاء وجهه لكي لا تلتقطه أجهزة المراقبة، فنجد أنفسنا أمام مجرم مجهول الهوية، والسؤال هنا طالما أنه يوجد طبقا للتطور التكنولوجي أجهزة مراقبة عالية الدقة وبرامج معالجة للصور، فلما لا تستخدم تلك الوسائل لالتقاط صوراً لكل أجزاء جسم المجرم والتي منها الأذن، والاستفادة منها كدليل إثبات؟ حيث يمكن باستخدام الوسائل الحديثة استخلاص مقاسات الأذن من الصور الملتقطة بواسطة كاميرات المراقبة، وذلك لتكون دليلا يمكن الاتكاء عليه في إثبات الجريمة.

ومن خلال هذه النظرة الجديدة لبصمة الأذن يمكن القول وبدون مبالغة أن بصمة الأذن إذا تم استغلاها الاستغلال الأمثل ستتفوق بلا شك على غيرها من الوسائل ومنها بصمة الأصابع، حيث إن سهولة التقاط بصمة الأذن من خلال أي كاميرا للمراقبة دون عناء مثل الذي يتم في أخذ بصمة الأصابع، خاصة وأن رفع بصمة الأذن قد لا يحتاج استيقاف المجرم، وهو ما سنحاول إيصال فكرته عن طريق التصور التالي.

2- تصور للاستفادة من بصمة الأذن

لبيان ما يمكن أن تقدم لنا بصمة الأذن في المجال الجنائي سنعرض لهذا التصور لتقريب الفكرة، فلو أن الدولة عمدت لأخذ بصمة الأذن من خلال التصوير عالي الدقة لمواطنيها أثناء استخراج بطاقة الهوية، حينها ستتكون لدينا قاعدة بيانات لتلك البصمات، فإذا ما قام أحد المجرمين بارتكاب جريمة وتعمد إخفاء آثاره من مسرح الجريمة، فسيتم تتبع كاميرات المراقبة المحيطة لمسرح الجريمة والتعرف على المشتبه بهم من خلال مطابقة بصمات أذانهم بقاعدة البيانات والتوصل إلى الجاني، وبذلك فهي تتفوق على بصمة الأصابع في عدم الاحتياج لرفع بصمات أصابع المشتبه بهم.

ولن تقتصر الاستفادة من بصمة الأذن على التوصل إلى المجرم فقط، بل قد تساعد في القبض عليه، حيث إنه ومن خلال تطبيق إلكتروني يتم تصميمه يجب على كل من يضع كاميرات للمراقبة في أماكن عامة أن ينصب هذا البرنامج، هذا التطبيق يكون متصل بأجهزة الأمن بالدولة يكون هدفه ملاحقة المجرمين من خلال بصمة الأذن، فإذا ما وجد تتطابق لمشتبه فيه أو متهم أو مجرم مطلوب يقوم على الفور بإرسال بيانات موقع المطلوب للأجهزة المختصة ليتم القبض عليه.

وتعد بصمة الأذن هي الحل الأمثل في هذا الاستخدام، حيث إنها أدق من أنظمة التعرف على الوجه، وكذلك تتفوق على الأنظمة الأخرى التي تستلزم أن يكون المشتبه فيه تحت يد العدالة.

ثامناً: الخاتمة

في الأسطر السابقة تعرفنا على بصمة الأذن كأحد الأدلة البيولوجية في المجال الجنائي، وتعرفنا على أهميتها في مجال كشف الجريمة، ورغم قدم اكتشاف تلك الوسيلة وفاعليتها في التعرف على المجرمين المطلوبين، إلا أنها لم تلق رواج في الساحة الجنائية كغيرها من الأدلة نظراً لما بينا من أسباب.

وحسناً فعل المشرع الأردني إذ أعطى للقاضي الجنائي حرية الأخذ بالأدلة العلمية ما دامت تصب في مصلحة المحاكمة، فلم يغلق الباب أمام المستحدثات من الأدلة والتي من ضمنها بصمة الأذن كأحد أدلة الإثبات المعتبرة، حيث تأتي أهمية بصمة الأذن في المجال الجنائي من أنها ذات مقاسات تشريحية تختلف من أذن لأخرى، وكذلك أنها من الأجزاء غير المغطاة من جسم الإنسان مما يرفع من احتمال ظهورها في مسرح الجريمة.

 وأوضحنا بعد ذلك كيف أن بصمة الأذن لم ينظر إليها إلا بالطريقة التقليدية المشابه رغم أنه يمكن الاستفادة منها عمليا بطريقة قد تفوق الطرق المستخدمة حاليا، لذا فلابد أن توضع بصمة الأذن موضع اعتبار للاستفادة منها في المجال الجنائي.

إعداد: محمد السعيد عبد المولى

[1]- آمال عبد الرحمن يوسف – الأدلة العلمية الحديثة ودورها في الإثبات الجنائي – رسالة ماجستير غير منشورة – كلية الحقوق – جامعة الشرق الأوسط – 2011/ 2012 – ص١٣

 [2]- وفاء عمران – تعامل القاضي الجزائي مع الدليل العلمي – رسالة دكتوراة غير منشورة – كلية الحقوق – جامعة قسنطينة – 2018/2019 – ص142.

[3]- فاطمة الزهراء قنونة – الوسائل العلمية في الإثبات الجنائي – مذكرة ماستر – كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم – 2019/ 2020 – ص 8.

[4]وفاء عمران – المرجع السابق – ص153.

[5]- عمر منصور المعايطة وآخرين – الأدلة الجنائية – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2007 – ص 101 وما بعدها.

[6]- محمود محمد محمود – الأسس العلمية والتطبيقية للبصمات – أكاديمية الشرطة – مصر – 1991 – ص355.

[7]- فاطمة الزهراء قنونة – المرجع السابق- ص 9.

[8]- المرجع السابق نفسه – ص 16.

[9]-عمر منصور المعايطة – المرجع السابق – ص77

Scroll to Top