الاستنساخ البشري بين الشرع والقانون

الاستنساخ البشري بين الشرع والقانون

بلا أدنى شك نحن نحيا الآن في ذروة التقدم والتطور العلمي على كافة المستويات، حيث أن العلوم الحديثة قد أصبح لها بصمة واضحة على مختلف مجالات الحياة الإنسانية، فبات من العسير أن نجد مجالاً من مجالات الحياة لم تمتد له يد العلم بالتطوير والتغيير، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور الجدل واحتدامه بين الآراء المختلفة حول بعض تلك التطورات والتغييرات، وتحديداً هي التطورات التي تصطدم سواء بمعتقدات البشر أو قناعاتهم أو قيمهم أو حتى أفكارهم، فمن لا يستطيع تقبل تطور ما فإنه وبشكل تلقائي يضع نفسه في جانب المعارضة لذلك التطور.

ولعل من أهم التطورات التي ثار حولها جدلاً هائلاً هو تطور علمي في المجال الطبي يعرف بعملية الاستنساخ البشري، والتي قد يكون قد سمع بها البعض بشكل عابر دون أن يتبين معناها، كما قد يكون هناك الكثير ممن لم يستمع إلى هذا المصطلح نهائياً من قبل، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن الاستنساخ البشري يعتبر أكثر التغيرات والتطورات العلمية التي ثار حولها جدلاً شمل جميع المختصين سواء في الشريعة أو القانون أو الطب.

أولاً: ما المقصود بالاستنساخ البشري

ثانياً: فوائد وأضرار الاستنساخ البشري

ثالثاً: أنواع الاستنساخ البشري

رابعاً: موقف الشرع والقانون من الاستنساخ البشري

خامساً: الخاتمة

أولاً: ما المقصود بالاستنساخ البشري

1- تعريف الاستنساخ بوجه عام

يعتبر الاستنساخ بوجه عام عملية يتم فيها التكاثر بشكل لا جنسي، وذلك لإنتاج نسخ متماثلة ومتطابقة من الناحية الوراثية لأحد الكائنات الحية، بحيث تنحصر هذه العملية في زيادة عدد الشيء الموجود بالفعل.

ويتم استخدام لفظ (الاستنساخ) في أكثر من سياق، إلا أن المعنى الدارج والمبسط له يتمثل في كونه عملية ينتج عنها نسخة وراثية مماثلة بشكل كامل لجزئية، أو لخلية، أو لحيوان، أو لنبات أو حتى لإنسان[1].

2- تعريف الاستنساخ البشري

الاستنساخ البشري لا يختلف عن الاستنساخ بوجه عام إلا في كونه يتم على الإنسان، ويتم اللجوء إليه غالباً في حالات التناسل والتكاثر اللاجنسي.

وتتمثل آلية عملية الاستنساخ البشري في الحصول على بويضة من الأنثى يتم سحب نواتها منها، ويتم الحصول من الذكر على نواة يتم سحبها من الخلية، ويتم زرع تلك النواة الذكرية في بويضة الأنثى مسحوبة النواة، ويتم تحفيز تلك الخلية لتقوم بالانقسام ثم يتم زرعها في الرحم، فينتج عن ذلك جنيناً يماثل الذكر المأخوذ منه نواة الخلية بشكل كامل كما لو أنه صورة طبق الأصل منه.

وقد عرفته الاتفاقية العربية لمنع ومكافحة الاستنساخ البشري في (المادة 1) منها على أنه (توليد كائن بشري حي أو أكثر، كل منها نسخة إرثيه من الآخر بغير لقاء بين حيوان منوي ذكري وبويضة أنثوية وذلك باستخدام أسلوب النقل النووي أو التشطير الجيني أو أي أسلوب آخر يؤدي إلى ذلك).

وبالتالي فإن الاستنساخ البشري هو بديل للزواج والتلقيح، حيث يتم الحصول على خلية جسدية من الشخص بغض النظر عن مكان أخذ تلك الخلية، ويتم زرعها داخل بويضة منزوعة النواة في رحم أنثى، فتحدث عملية التكاثر والانقسام إلى أن يتشكل مخلوقاً بشرياً مماثلاً ومطابقاً لصاحب الخلية الأصلي.

وعلى الرغم من أن المعلن على النطاق العالمي أنه لا توجد أي محاولات ناجحة حتى الآن لاستنساخ البشر، إلا أنه ومنذ بدايات القرن الحالي تنتشر شائعات لم يتم تأكيدها بعد عن وجود مشروعات تستهدف استنساخ البشر[2].

ثانياً: فوائد وأضرار الاستنساخ البشري

1- فوائد الاستنساخ البشري

كما سبق وأن أشرنا في مقدمة المقال أن هناك جانب من العلماء في المجالات المختلفة يؤيدون إدراء عمليات الاستنساخ البشري، ويستندون في اتجاههم هذا إلى أن الاستنساخ البشري سيكون له عظيم الفائدة متى تم في سياقه وموضعه واتجاهه السليم، واتخذوا مثالاً على ذلك الحالات التي يلزم للشخص استبدال عضو من أعضاء جسده ليتمكن من الحياة، كعمليات زراعة الكبد والقلب وغيرها، والتي قد تصبح شديدة الصعوبة في حالة أن يرفض جسد المريض قبول العضو المتبرع له به، أو في حالة عدم وجود متبرع من حيث الأصل، أو في حالة فصيلة الدم النادرة لدى المريض، ففي تلك الحالات وغيرها من الحالات المماثلة يكون الاستنساخ هو الحل الأوحد.

بجانب أنه – ووفقاً لأنصار هذا الاتجاه – يمكن القيام بعمليات الاستنساخ البشري، ولكن وفقاً لشروط وقيود وضوابط محددة، وذلك في الحالات التي تتم بين زوجين متى كان الحمل الطبيعي بينهما متعذراً، وباءت محاولات التلقيح الصناعي بالفشل ولم يعد منها أي أمل، واعتبر أنصار ومؤيدي الاستنساخ البشري تلك الفوائد مبررات لإجراء هذا الاستنساخ.

2- مضار الاستنساخ البشري

وعلى جانب آخر نجد حشد كبير من علماء الدين والطب والقانون الذين رفضوا وبشدة وصلت إلى محاربة صريحة وشرسة لفكرة الاستنساخ البشري، واستند أنصار هذا الرفض إلى أن الاستنساخ البشري يحقق مضاراً تفوق ما يحققه من فائدة بشكل بالغ وخطير، حيث تتمثل أهم مضار الاستنساخ البشري في نظرهم فيما يلي:

– تمثل عملية الاستنساخ البشري في مضمونها الحقيقي انتهاكاً واضحاً ومخالفة صريحة لما تمليه علينا الشرائع والكتب السماوية كافة من أن الخلق هو أمر مقصور على الخالق عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى هو من بيده أن يخلق الإنسان أو يميته.

– الاستنساخ البشري عملية تمس بشكل كبير بكرامة الإنسان، وتمتهن آدميته وإنسانيته التي فضله بها ربه على سائر مخلوقاته الأخرى.

– تنتج عمليات الاستنساخ البشري مشكلات فسيولوجية متعددة وخطيرة، ومن أهم تلك المشكلات هو الشيخوخة المبكرة والتي تصيب الشخص المستنسخ وتجعله يدخل في سن الكهولة في فترات متقدمة من عمره، وذلك متى كانت الخلية التي تم الاعتماد عليها لإجراء عملية الاستنساخ تعود لشخص كبير في السن، خاصة وأن جوهر الاستنساخ هو إيجاد نسخة تتطابق وتتماثل بشكل كامل مع صاحب الخلية.

– تعد عملية الاستنساخ مخالفة لقانون الطبيعة، هذا القانون الذي جعل آلية الإنجاب هي الآلية التي تم تحديدها للتناسل والتكاثر، كما جعل الإنجاب مرهوناً بالزواج والمعاشرة الزوجية الصحيحة، إلا أن عملية الاستنساخ البشري تجتث هذه الطبيعة وقانونها من جذورهما.

– يحقق الاستنساخ البشري مكنة تحديد نوع المولود وجنسه سواء كان ذكراً أو أنثى، وهو ما سيترتب عليه خلل واضطراب في النسبة بين الذكور والإناث في المجتمع، خاصة في المجتمعات التي تفضل وتميز الذكور على الإناث كما هو الحال في بعض المجتمعات العربية.

– يحول الاستنساخ البشري دون تعدد البشر واختلافهم في كافة صفاتهم، حيث سيكون النتاج الجديد للبشرية هو نسخ طبق الأصل دون تغيير أو اختلاف أو تباين، وهو ما يخالف الطبيعة الاجتماعية للبشر من اختلاف يدفع للتطور.

– يترتب على الاستنساخ البشري ضياع الأنساب واختلاطها بصورة لا تختلف عن الصورة الناتجة عن الزنا الذي حرمته الشرائع السماوية.

– لا يوجد أي ضمانات أو تأكيدات لنجاح عمليات الاستنساخ البشري حال حدوثها، وهذا ما يهدد وبنسبة كبيرة النسخ المستنسخة لتأتي في صورة بها تشوهات تختلف في حجمها من نسخة إلى أخرى.

ثالثاً: أنواع الاستنساخ البشري

يتم الاستنساخ البشري في أكثر من صورة، وتحديداً يوجد ثلاث أنواع رئيسية للاستنساخ البشري الذي يعتمد على خلايا مأخوذة من البشر، النوع الأول هو الاستنساخ الجسدي، والنوع الثاني هو الاستنساخ الجيني، والنوع الثالث هو الاستنساخ العلاجي.

1- الاستنساخ الجسدي

يعرف هذا النوع من الاستنساخ أيضاً بمسمى الاستنساخ اللاجنسي أو الاستنساخ التكاثري، وتتم عملية الاستنساخ الجسدي عن طريق الحصول على نواة أي خلية من خلايا جسد الإنسان (سواء كان ذكراً أو أنثى) كما لو كانت خلية من الجلد مثلاً، وزرع تلك النواة داخل بويضة امرأة منزوعة النواة، وهذه النواة تبدأ في عملية انقسام داخل البويضة ليتكون جنيناً كاملاً داخل البويضة[3].

فالاستنساخ الجسدي لا يستند في قيامه على الخلايا الجنسية كما هو الحال في التلقيح الجنسي أو الاصطناعي الذي يعتمد على حيوان منوي من الرجل وبويضة من المرأة، ولكنه يعتمد على نواة أي خلية من الجسد، وسواء كان هذا الجسد جسد ذكر أو أنثى، ويتم زرع تلك النواة في بويضة متحصل عليها من أنثى وتم نزع نواتها سلفاً، وهو ما يقودنا إلى أن طرفي تلك العملية – صاحب نواة الخلية وصاحبة البويضة – قد يكون كلاهما من الإناث.

2- الاستنساخ الجيني

أ- تعريفه

يتم إجراء عمليات الاستنساخ الجيني بهدف التحصيل على نسخة من الجينات التي تتواجد في المادة الوراثية، وكل جين من تلك الجينات يحمله صبغ من الصبغيات، ويختص كل من تلك الجينات بمهمة معينة وموقع محدد، وبالتالي يتم الاستنساخ الجيني إما للحصول على نسخة محددة من جين معين، أو على نسخة كاملة من كامل جينات وصبغيات المادة الوراثية.

وتتم عملية الاستنساخ الجنيني بآلية قوامها استحضار حيوان منوي يحتوي على (23) كروموسوم، ويستخدم في تلقيح بويضة تحتوي هي الأخرى على (23) كروموسوم، فتصبح لدينا بويضة ملقحة وكاملة تحتوي على (46) كروموسوم، وبعد ذلك تنقسم إلى خليتين كل منهما تنقسم إلى خليتين وهكذا، وتظل عملية الانقسام ممكنة طالما كانت الظروف المناسبة لذلك قائمة[4].

ب- التمييز بينه وبين الاستنساخ الجسدي

يمكننا أن نفرق بين الاستنساخ الجيني والاستنساخ الجسدي من عدة نواحي نجمل أبرزها في النقاط الآتي بيانها.

a- من حيث صفات النسخة المستنسخة

يختلف كل نوع من نوعي الاستنساخ الجيني والجسدي من حيث النتاج النهائي لكل منهما، فالناتج عن الاستنساخ الجيني يكون حاملاً لصفات كلاً من الأب والأم، كما يخضع للطفرات الجينية من الأجداد والجدات، بينما يكون الناتج عن الاستنساخ الجسدي نسخة كاملة التطابق مع الشخص الذي تم استنساخه منه، وذلك في كافة الصفات والسمات التي يتسم بها الأصل فتكون متوافرة في النسخة المستنسخة بشكل طبق الأصل، كالوزن والطول ولون العينين والشعر وغيرها من الصفات والسمات الشخصية الأخرى حتى بصمات الأصابع.

b- من حيث الشكل الخارجي للنسخة المستنسخة

يختلف أيضاً الاستنساخ الجيني عن الاستنساخ الجسدي في أن الأول لا يمكن فيه التنبؤ بالشكل الخارجي للنسخة المستنسخة، فلا يمكن أن يكون هناك معرفة مسبقة للون عينيه، أو جلده، أو شعره، أو طوله، أو غيرها من الصفات الشخصية الأخرى، بل حتى أنه لا يمكن الوقوف على جنس الجنين، في حين أن النسخة المستنسخة في الاستنساخ الجسدي يكون هناك علم مسبق بكافة ما يتعلق بها بشكل مسبق، سواء من حيث جنس الجنين أو صفاته أو حتى الأمراض الوراثية التي سيكون مصاباً بها.

3- الاستنساخ العلاجي

أ- ماهيته

يختلف الاستنساخ العلاجي عن الاستنساخ الجسدي والجيني في أن الأخيرين يستهدفان إنتاج إنسان كامل، سواء كان ذلك بغرض التكاثر أو القيام بالدراسات والأبحاث، في حين أن الاستنساخ العلاجي يتم بغية الحصول على عضو من أعضاء جسم الإنسان، وذلك لتوجيهها إلى الأغراض العلاجية لبعض المرضى ممن هم في احتياج لتلك الأعضاء لاستمرار حياتهم.

ومن أهم الأثلة على حالات الاستنساخ العلاجي

ب- أنواعه

تتم عملية الاستنساخ العلاجي بأحد طريقين، الأول هو استنساخ جزئي يشمل العضو الذي يرغب القائم على عملية الاستنساخ في الحصول عليه، والثاني هو استنساخ كلي لجنين كامل يتم إعدامه واجتزاء العضو المراد منه.

a- الاستنساخ الجزئي أو المباشر

يتمثل هذا الاستنساخ العلاجي في الحصول بشكل مباشر على العضو أو الجزء المراد استنساخه من جسم الإنسان، حيث يتم الحصول على خلية واحدة ذات وظيفة وتركيب محددين، ويتم استنساخها بحيث يكون نتيجة الاستنساخ هو خلايا من نفس نوع الخلايا الأصلية، وبذلك يمكن استنساخ الخلايا الخاصة بالعضو المراد استنساخه، والذي قد يحتاجه صاحب الخلية الأصلية لزراعته في جسده[5].

مما يمكننا معه القول إن هذا النوع من الاستنساخ العلاجي يتم بهدف الحصول على خلية من الخلايا الجسدية، والتي تعالج بشكل يساعدها على أن تنمو مكونة العضو المستهدف استنساخه، ليتم زرعه بشكل مباشر في جسد المريض صاحب الخلية الأصلية.

b- الاستنساخ الكلي أو الغير مباشر

أما الاستنساخ العلاجي في ثاني صوره فقد يتم عن طريق استنساخ كامل وكلي لجنين باستخدام خلية من الشخص المريض، وذلك بهدف الحصول على خلاياه الجذعية التي تساعد في إنتاج الأعضاء الجسدية المطلوب الحصول عليها للمريض، فيكون الحصول على العضو بشكل غير مباشر.

رابعاً: موقف الشرع والقانون من الاستنساخ البشري

كما سبق وأن أوضحنا فإن هناك أكثر من صورة يمكن أن تتم عليها عملية الاستنساخ البشري، كما أن هناك أكثر من هدف يمكن أيضاً أن يدفع إلى اللجوء لهذه العملية، فما هو موقف علماء الشريعة الإسلامية وفقهاء القانون من هذه الصور؟

1- موقف الشريعة والقانون من الاستنساخ الجسدي

هناك اتفاق كامل بين أهل العلم وفقهاء الشريعة الإسلامية على تحريم قاطع وعدم مشروعية لعمليات الاستنساخ الجسدي للبشر[6]، وكانت تلك النتيجة هي النتيجة التي سادت كافة المؤتمرات التي تخص الفقه الشرعي أو العلوم الطبية التي عقدت في الدول العربية والإسلامية، حيث انتهت قراراتها إلى تحريم صريح لعمليات الاستنساخ الجسدي بشتى أنواعه ووسائله.

وعلى الصعيد العالمي فقد أكدت الاتفاقيات والإعلانات الدولية على رفضها للاستنساخ البشري بشكل كامل، وهو ما أكدته الأمم المتحدة في إعلانها الخاص بموضوع الاستنساخ البشري والمعنون بـ (الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان)، والصادر منها في الحادي عشر من شهر نوفمبر عام 1997، والذي نص في (المادة 11) منه على أن (لا يجوز السماح بممارسات تتنافى مع كرامة الإنسان مثل الاستنساخ لأغراض إنتاج نسخ بشرية، ويتعين على الدول والمنظمات الدولية المختصة أن تتعاون للكشف عن مثل تلك الممارسات واتخاذ التدابير اللازمة بشأنها على المستوى الوطني والدولي وفقاً للمبادئ المنصوص عليها في هذا الإعلان).

وعلى الصعيد العربي فقد تم إبرام الاتفاقية العربية لمنع ومكافحة الاستنساخ البشري وتوقيعها في الرابع من شهر مارس عام 2019 بمدينة تونس، وكانت دولة الأردن من الدول التي صادقت على هذه الاتفاقية، وأصدر المشرع الأردني بشأن ذلك القانون رقم 12 لسنة 2020 بشأن التصديق على تلك الاتفاقية، وإنفاذها داخل حدود الدولة فيما تضمنته من غايات.

وتعد عملية الاستنساخ الجسدي (التناسلي) محظورة في جميع القوانين والتشريعات سواء العربية منها أو الأجنبية، وقد حرمتها (المادة 5/1 و2) من الاتفاقية العربية المذكورة سلفاً.

2- موقف الشريعة والقانون من الاستنساخ الجيني

تضاربت الآراء الفقهية الخاصة بفقهاء الشريعة الإسلامية بشأن هذا النوع من الاستنساخ، حيث رأى الجمهور أن عملية الاستنساخ الجيني تدخل في دائرة التحريم وعدم المشروعية[7]، وكان رأيهم هذا مبنياً على مجموعة من الاعتراضات أبرزها أن ذلك النوع من الاستنساخ يعطي فائض من الأجنة الناتجة عن عملية الاستنساخ، والتي يتم التخلص منها إما بإعدامها أو زراعتها برحم من تعاني من مشكلات في الحمل الطبيعي أو التلقيح الصناعي، وهو ما يعد بوجهيه جريمة أخلاقية يحرمها الشرع.

بينما ذهب جانب من الفقه إلى أن الاستنساخ الجيني مباح ومشروع متى تم في ظل ضوابط وشروط مثلها مثل الضوابط والشروط التي قررها الشرع لعمليات التلقيح الصناعي الخارجي (خارج الرحم).

أما على الصعيد القانوني فقد كان موقف التشريعات والقوانين المختلفة هو ذاته الموقف الذي اتخذته من الاستنساخ الجسدي، والمتمثل في تحريم هذا النوع من الاستنساخ أيضاً ووضعه في إطار التجريم وعدم المشروعية، وقد حرمت الاتفاقية العربية لمنع ومكافحة الاستنساخ في (المادة 5/3) منها الاستنساخ متى تم لأغراض التناسل أو أي أغراض بحثية أو تجريبية.

3- موقف الشريعة والقانون من الاستنساخ العلاجي

على الرغم من وجود خلاف بين فقهاء الشريعة الإسلامية حول الاستنساخ العلاجي، فإن الموقف العام هو إجازة وإباحة الاستنساخ العلاجي الجزئي الذي يتم على استنساخ مباشر للعضو المراد إنتاجه من جسم الإنسان، ويرجع لك إلى أنه وإن كان الأصل في الشريعة الإسلامية هو تحريم أي مساس بجسد الإنسان أو الاعتداء عليه أو على أي جزء منه، إلا أن هذا الأصل يستثنى منه الحالات التي يكون الهدف منها علاج مريض أو إنقاذ حياة إنسان، وهو ما يندرج تحت طائفة المباح في شأن التدخلات العلاجية.

وقد سايرت القوانين والتشريعات المختلفة ذلك بأن أباحت استنساخ العضو المراد زراعته في جسد المريض، شريطة أن يتم ذلك بشكل مباشر يتمثل فيس استنساخ العضو فقط كالكلى والكبد وغيرها من أجزاء الجسم التي يمكن استنساخها، وذلك دون أن يرتبط ذلك باستنساخ لكامل الجسد البشري أو لأعضاء منه لا جدوى من استنساخها في تلك الحالة، وألا يكون الاستنساخ قد تم بهدف إجراء التجارب والأبحاث فقط.

وقد أباحت الاتفاقية العربية لمنع ومكافحة الاستنساخ البشري في (المادة 5/4) منها عمليات استنساخ الأعضاء والأنسجة أو أجزائهما، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب، ففي تلك الحالة يكون الاستنساخ العلاجي محرماً.

خامساً: الخاتمة

على الرغم مما أوردناه بصلب هذا المقال من خلاف قائم ومستمر حتى الآن على قانونية، بل وشرعية الاستنساخ البشري بأوجهه المختلفة، وعلى الرغم أيضاً من عدم وجود أي إعلان رسمي عن إتمام أي عملية استنساخ بشرية ناجحة، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بعدم وجود محاولات تتم بغية تحقيق هذا الهدف، بل وقد تكون هناك عمليات قد تمت بالفعل ولا يدري عنها أحد، خاصة وأن هناك اتجاهاً جديداً بدأ يظهر في بعض التشريعات الغربية والأوروبية التي أباحت عمليات الاستنساخ البشري بوجه عام.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – مارتاسي نسبوم وآخر – استنساخ البشر: الحقائق والأوهام – ترجمة: مصطفى إبراهيم – مكتبة الأسرة – مصر – 2003 – ص 30.

[2] – منذر البرزنجي وشاكر العادلي – عمليات أطفال الأنابيب والاستنساخ البشري من منظور الشريعة الإسلامية – مؤسسة الرسالة – لبنان – 2001 – ص 92.

[3] – شعبان الكومي – أحكام الاستنساخ في الفقه الإسلامي – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2006 – ص 67.

[4] – أسماء سعيدان – عملية الاستنساخ البشري في ضوء الفقه والقانون – مجلة حوليات جامعة الجزائر: مجلة علمية محكمة دولياً – ع (25) – ج 2 – جويلية 2014 – ص24 وما بعدها.

[5] – شعبان الكومي – المرجع السابق – ص55.

[6] – المرجع السابق ذاته – ص 67.

[7] – كمال محمد السعيد – الضوابط القانونية للاستنساخ: دراسة مقارنة – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2013 – ص 285.

Scroll to Top